رواية ظلال الزيزفون في " هانغتشون" (الفصل الأول)
الفصل الأول
في مدينة "هانغتشو"، حيث تتدلى أغصان الصفصاف فوق البحيرة الغربية كأنها تمشط ذاكرة الماء، وحيث تُبنى الأحلام على سن قلم رصاص في ليالي "الجاوكاو" الطويلة.. هناك، التقت إرادتان كأنما رُسم لهما ذلك في لوحة صينية قديمة. هي، بائعة زهور رقيقة تسعى لكسر قيود الفقر بعقلها، وهو، وريث عرش من حديد يبحث عن روح وسط ركام التوقعات. بينهما مسافة من الطبقية وبرود المشاعر، لكن القدر قرر أن وضعهما في ممر واحد، ليبدأ صراع القلوب الذي لن ينتهي إلا باحتراق الأقنعة.
كانت مدينة "هانغتشو" في ذلك الصباح تغتسل برذاذ مطر ربيعي خفيف، يداعب أوراق أشجار الصفصاف المتدلية فوق البحيرة الغربية. في زقاق "اللينج وود" القديم، كانت مينغ لي تنتهي من تنسيق آخر باقة زهور قبل أن تهرع إلى مدرستها. وضعت زهرة "الجلنار" الحمراء في جيب حقيبتها القماشية الباهتة، تلك الزهرة التي ترمز للصمود وسط الصخور، تماماً كما تشعر هي وسط جدران مدرسة "تشينغ هوا" الثانوية للنخبة.
دخلت "لي" من بوابة المدرسة الحديدية الضخمة. الزي الموحد الواسع يبتلع جسدها النحيل، لكنه لا يستطيع إخفاء تلك النظرة في عينيها؛ نظرة شخص يعرف تماماً أن خطأً واحداً في امتحان "الجاوكاو" القادم قد يعني بقاءها في زقاق الزهور للأبد. كانت تمشي مطرقة الرأس، تعانق مراجع الرياضيات الثقيلة كأنها درع يحميها من نظرات الطلاب المليئة بالاستعلاء.
على الجانب الآخر من الرواق الطويل، المزين بلوحات الخط الصيني العريقة، كان الصمت يسبق وصوله. تشن يو. لم يكن مجرد طالب، بل كان "الأسطورة الباردة" للمدرسة. مشيته الواثقة، شعره المرتب بعناية خلف جبهته العريضة، وعيناه اللتان تشبهان نصل سيفٍ شُحذ للتو. كان "يو" يسير محاطاً بتابعيه، لكنه يبدو وحيداً كقمة جبل مغطاة بالثلوج.
عند تقاطع الممر المؤدي للمختبر الرئيسي، حدث ما لم يكن في الحسبان. تدافع مجموعة من طلاب السنة الأولى بمزاح ثقيل، ليدفع أحدهم "لي" بقوة. توازنها اختل، سقطت الكتب الثقيلة محدثة دويّاً في الممر الهادئ، وتناثرت أوراق مسوداتها التي تحتوي على حلول لمسائل "الأولمبياد الوطني" المعقدة.
انحنت "لي" بلهفة تجمع شتات جهدها. وفي اللحظة التي كانت تمد يدها لورقة طارت بعيداً، استقر حذاء أسود لامع، من أغلى الماركات العالمية، فوق الورقة مباشرة.
تجمدت يد "لي" على بعد سنتيمترات من الحذاء. رفعت رأسها ببطء، لتلتقي عيناها السوداوات الواسعتين بعيني "تشن يو" الرماديتين الباردتين. ساد صمت مطبق في الممر، توقفت الأنفاس، وكأن الزمن قرر أن يحبس أنفاسه معهم.
"تنحَّ جانباً.. من فضلك،" قالتها "لي" بصوت منخفض لكنه ثابت، لم يرتجف رغم هيبة الموقف.
لم يتحرك "يو" إنشاً واحداً. نظر إلى الأسفل، إلى الورقة المجعدة تحت قدمه، وقرأ بعينه الخبيرة معادلة تفاضلية صعبة كانت "لي" قد وصلت لمنتصف حلها. إلتوت زاوية فمه بابتسامة ساخرة، وقال بنبرة رخيمة تحمل صدى الغرور:
"المسألة التي تحاولين حلها.. أنتِ تستخدمين قانون 'نيوتن' للتبريد في سياق خاطئ. لا عجب أن نهايتك كانت التعثر على الأرض."
اشتعلت وجنتا "لي" ليس خجلاً، بل غضباً دفيناً. قامت بوقار يحسدها عليه الملوك، نفضت الغبار عن ركبتيها، ونظرت إليه مباشرة، دون أن تخفض بصرها كما يفعل الآخرون. وقفت أمامه، ورغم قصر قامتها مقارنة بطوله الفارع، بدت هي الأكثر شموخاً.
قالت بهدوء لا يقل عن بروده:
"ربما أخطأت في القانون الفيزيائي يا سيد 'تشن'، فالخطأ هو أولى خطوات التعلم. لكنك أخطأت في قانون الإنسانية.. وهذا خطأ لا تصححه المناهج الدراسية، ولا تمحوه ثروة والدك."
اتسعت عينا "يو" للحظة خاطفة. لم يسبق لأحد، لا طالب ولا معلم، أن واجهه بهذه الصراحة الفجة. شعر بشيء يتحرك في صدره، وخزة غريبة تشبه الكهرباء الساكنة. انحنى ببطء، التقط الورقة المجعدة، ونظر إلى الحبر الذي تلطخ بآثار قدمه، ثم مد يده بها إليها.
لم تأخذها منه باليد، بل قالت وهي تلتف لتغادر:
— "احتفظ بها.. لعلها تذكرك يوماً أن هناك أشياء تحت قدميك لا تملك ثمن كرامتها."
تركت "لي" خلفها ذهولاً عمّ المكان. أما "يو"، فقد ظل واقفاً والورقة بين أصابعه. نظر إلى زهرة "الجلنار" الصغيرة التي سقطت من جيب حقيبتها دون أن تنتبه. التقط الزهرة الحمراء، تأمل بتلاتها القوية، ووضعها في جيب سترته المدرسية بعيداً عن أعين المتطفلين.
في تلك اللحظة، لم يكن "يو" يعلم أن هذه الفتاة الفقيرة قد وضعت للتو أول خدش في جدار غروره العالي، وأن رائحة الجلنار ستلاحقه في أحلامه حتى إشعار آخر.
دخلت "لي" فصلها، وجلست في المقعد الأخير بجانب النافذة. كانت يدها ترتجف قليلاً من أثر الموقف، لكن قلبها كان يرقص بقوة. هي تعلم أنها بدأت حرباً مع "ملك المدرسة"، لكنها تعلم أيضاً أن الزهور التي تنمو في الشقوق هي الأقوى دائماً.
فتحت كتابها، وبدأت تكتب من جديد، لكن هذه المرة لم تكن تكتب معادلات، بل كانت تكتب بداية فصل جديد في حياتها، عنوانه: "أنا لا أنكسر".