الفصل الرابع - ظلال الزيزفون في " هانغتشون"
الفصل الرابع
.........
لم تكن حادثة "زقاق الزهور" لتمر بسلام في مدرسة "تشينغ هوا" التي جدرانها لها آذان وعيون. انتشرت الشائعات كالنار في الهشيم؛ فالسيارة الفارهة التي شوهدت في الحي الفقير لم تكن لغزاً يصعب حله. كانت "لين"، ابنة أحد المساهمين في المدرسة والتي كانت ترى في "تشن يو" ممتلكاً خاصاً لها، تراقب الموقف بعينين يملؤهما الحقد. بالنسبة لها، "لي" ليست مجرد منافسة دراسية، بل هي "عشبة ضارة" نبتت في حديقتها الملكية.
في صباح اليوم التالي، كانت الأجواء في المدرسة ثقيلة. عندما دخلت "لي" الفصل، لاحظت الهمسات والضحكات المكتومة. توجهت إلى مقعدها لتجده مغطىً برسومات ساخرة وكتابات مهينة تتهمها باستغلال عطف "يو" للحصول على ميزات في المنحة الدراسية. لم تنطق بكلمة، بل أخرجت منديلاً وبدأت تمسح الطاولة بهدوء يحسدها عليه الصابرون، لكن قلبها كان يغلي.
أثناء حصة الفيزياء، طلب المعلم من "يو" و"لي" الخروج لعرض تقدمهما في مشروع الأولمبياد. وقف "يو" ببروده المعتاد، لكنه لاحظ شحوب وجه "لي". عندما انتهيا، وفي طريق عودتهما للمقاعد، تعمدت "لين" وضع قدمها لتعثر "لي"، فتطايرت أوراقها مرة أخرى، ولكن هذه المرة سقطت حقيبتها وانفتحت ليظهر منها "مغلف" لم تره "لي" من قبل.
انحنت "لين" بسرعة والتقطت المغلف وصرخت بصوت عالٍ جذب انتباه الجميع:
— "يا إلهي! انظروا.. يبدو أن 'مينغ لي' لا تكتفي ببيع الزهور، بل تبيع إجابات الامتحانات النهائية أيضاً! هل هذا هو سبب تفوقك المفاجئ؟"
ساد صمت مميت. نظر الجميع إلى المغلف الذي كان يحتوي بالفعل على مسودات تشبه أوراق الامتحانات المسربة. شعرت "لي" بالدوار؛ هي تعلم أنها لم تضع هذا الشيء في حقيبتها، لكن الدليل كان بين يدي الجميع. نظرت إلى "يو" تستنجد به بعينيها، لكنها صُدمت حين رأته ينظر إلى المغلف بجمود، ثم أشاح بنظره عنها. كان والده قد حذره بالأمس من "العبث"، والآن يجد نفسه في وسط فضيحة قد تنهي مستقبله الدراسي.
— "أنا لم أفعل هذا.." همست "لي" بصوت مخنوق.
— "المكتب.. فوراً!" صرخ المعلم بغضب.
سحبت "لي" حقيبتها وخرجت تجر أذيال الخيبة. وفي الممر الخالي، لحق بها "يو". أمسك بذراعها بقوة أوجعتها، ودفعها نحو زاوية بعيدة خلف أشجار الزيزفون. كانت عيناه تشتعلان بغضب لم تره من قبل.
— "هل هذا صحيح؟" سألها بصوت منخفض وحاد كالنصل. "هل كنتِ تستخدمينني كغطاء؟ هل كانت دموعكِ في زقاق الزهور مجرد تمثيلية لتأمين حمايتي بينما تسرقين مجهود الآخرين؟"
صفعته "لي" بنظرتها قبل أن تجيبه:
— "ظننتك أذكى من ذلك يا 'تشن يو'. ظننت أنك رأيت من أنا حقاً خلف هذا الزي البائس. إذا كنت تصدق أنني قد أبيع كرامتي مقابل ورقة إجابة، فأنت لا تعرفني أبداً.. بل وأنت لا تستحق حتى أن تعرفني."
تركته واقفه وذهبت لمواجهة مصيرها في مكتب المدير، حيث كانت العقوبة المتوقعة هي الفصل النهائي. جلس "يو" على مقعد حجري، كانت يده ترتجف. نظر إلى الأرض، ليجد "ريشة" قلم "لي" التي سقطت منها. تذكر كلماتها عن "قانون الإنسانية". فجأة، بدأت خيوط اللعبة تتضح في عقله. تذكر نظرات "لين" الشامتة، وتذكر كيف كانت حقيبة "لي" مفتوحة في الصباح.
لم يذهب "يو" إلى الفصل. بل توجه إلى غرفة المراقبة، مستخدماً صلاحيات عائلته للدخول. ظل لساعات يراجع تسجيلات الكاميرات، وعيناه لا ترمشان. وفي زاوية مظلمة من التسجيل، رأى يداً غريبة تدس المغلف في حقيبة "لي" أثناء انشغال الجميع بالطابور الصباحي. كانت يد "لين".
شعر "يو" ببركان من الندم ينفجر داخله. لقد تركها وحيدة في مواجهة الذئاب، بل وكان هو أحد هؤلاء الذئاب بشكه القاتل. ركض نحو مكتب المدير، محطماً كل قوانين الرزانة التي تربى عليها. اقتحم المكتب ليجد "لي" تقف بظهر مفرود أمام قرار فصلها، والدموع قد جفت في عينيها لتترك مكاناً لصلابة صخرية.
— "توقفوا!" صرخ "يو". "القرار باطل.. وهذه هي الحقيقة."
وضع هاتفه الذي سجل عليه مقطع الفيديو أمام المدير. نظرت "لي" إليه بذهول، لكنها لم تبتسم. كان الجرح الذي سببه لها شكه أعمق من أن يداويه فيديو.
بعد خروجهما من المكتب وتبرئة ساحتها، حاولت "لي" المشي بعيداً، لكن "يو" استوقفها عند مخرج المدرسة تحت سماء "هانغتشو" التي بدأت تلبد بالغيوم السوداء.
— "لي.. أنا.."
قاطعته وهي تنظر إلى البعيد:
— "لقد أنقذتني مرتين يا 'تشن يو'. المرة الأولى كانت من الفقر، والمرة الثانية كانت من الظلم. لكنك في المرة الثانية، قتلت شيئاً كان قد بدأ ينمو في قلبي تجاهك. الثقة لا تُمحى وتُكتب مثل معادلاتك يا 'يو'.. الثقة مثل الخزف الصيني، إذا انكسر، تظل الندوب موجودة حتى لو تم إصلاحه."
هطل المطر فجأة بغزارة، ليغسل دموعها التي بدأت تنهمر أخيراً. تركته واقفاً تحت المطر، يحمل ذنب شكه، مدركاً أن الفوز في أولمبياد الرياضيات سيكون أسهل بكثير من استعادة تلك النظرة النقية التي كانت في عيني "مينغ لي".