فصل متاهة المرايا: أثيرالس ( عهد الكريستال المفقود)
متاهة المرايا
.........
وقفت تولين أمام مدخل المتاهة، وهي بناء من زجاج سماوي يعكس ضوء الشموس بحدة تجعل الأبصار تزيغ. كان "كايل" يتبعها بصمت مطبق، عيناه تائهتان، لكن يد تولين القوية كانت تمسك بيده لتطمئنه.
"لا تنظر إلى الانعكاسات يا كايل، انظر إليّ أنا فقط،" قالت تولين وهي تغمز له بمرح لم يفارقها رغم قتامة الموقف. "المرايا هنا كاذبة، تحب أن تجعل الأنف يبدو أكبر مما هو عليه، والقلب أصغر مما خلق!"
بمجرد دخول الحافة الأولى، انفصلت الجدران وتحركت الصخور الزجاجية لتفصل بينها وبين كايل. وجدت تولين نفسها وحيدة في ممر لا ينتهي، جدرانه ليست مجرد زجاج، بل هي ذكريات حية.
رأت في إحدى المرايا طفولتها، ضحكاتها القديمة، ثم رأت صورة والديها اللذين فقدتهما. شعرت بغصة في حلقها، لكنها استغفرت الله بلسانها، ومسحت دمعة كادت تسقط ثم همست لنفسها وقلبها يعتصر من الألم. "الحنين ليس ضعفاً، لكن الوقوف عنده هو الهزيمة"
فجأة، توقفت المرآة التي أمامها عن عكس صورتها الحقيقية. ظهرت فيها نسخة من تولين، لكنها كانت باهتة، عيناها باردتان كالثلج، وابتسامتها ليست مرحة بل هي سخرية مريرة.
قالت النسخة المظلمة بصوت هو صدى لصوت تولين: "إلى متى ستمثلين دور البطلة الضاحكة؟ العالم ينهار، رفيقك فقد صوته، ومعلمك خانك.. ألا تشعرين بالتعب من هذا القناع اللطيف؟ اصرخي، احزني، استسلمي للصمت، فهو أصدق من ضحكاتك الزائفة."
تراجعت تولين خطوة، وشعرت ببرودة تتسلل إلى أطرافها. رمحها "رنين الصدق" بدأ يخبو نوره. كانت هذه هي اللحظة الفاصلة؛ هل مرحها مجرد قشرة خارجية؟
أغمضت تولين عينيها، واستحضرت نغمة من أعماق روحها. لم تكن نغمة هجومية، بل كانت "تسبيحة" هادئة ملأت ممرات المتاهة.
"مرحي ليس قناعاً يا ظلي البائس، بل هو شكر للخالق على نعمة الوجود،" هكذا ردت تولين بعزيمة وهي تفتح عينيها التي استعادتا بريقهما الفضي. "الشجاعة ليست في خلع الابتسامة عند الألم، بل في ارتدائها لتضيء الطريق للآخرين. أنا تولين، ولطفي هو أقوى أسلحتي!"
بضربة واحدة من مقبض رمحها، حطمت المرآة التي تحمل صورتها المظلمة. لم تنكسر المرآة إلى شظايا جارحة، بل تحولت إلى غبار من نور كشف عن ممر سري في قلب المتاهة.
في نهاية الممر، وجدت تولين "كريستالة الصدق"، كانت تلمع بلون الفيروز فوق منصة من الرخام الأبيض. وبجانبها، كان كايل ملقى على الأرض، يحاول استجماع قواه.
اندفعت تولين نحوه، ووضعت الكريستالة فوق صدره. انبعث منها ضوء دافئ مسح الندوب الرمادية، وعاد اللون إلى وجهه. تنفس كايل الصعداء، ونطق أول كلمة له منذ زمن: "تولين.. شكراً لكِ."
"أوه! لقد استعدت صوتك!" صرخت تولين وهي تقفز فرحاً وتصفق بيديها. "لكن لا تشكرني كثيراً، فما زال أمامنا ست كريستالات، ومورغوث لن ينتظرنا حتى ننتهي من الاحتفال!"
بينما كانا يهمان بالخروج، اهتزت المتاهة بعنف. كان "مورغوث" قد شعر بفقدان الكريستالة الأولى. تصدعت الجدران الزجاجية، وبدأت السماء تمطر ناراً سوداء.
أمسكت تولين بـ "الكريستالة" ورفعتها عالياً: " الرحلة أصبحت أكثر إثارة يا كايل، أليس كذلك؟"