رواية لست قلبي - بقلم رباب حسين (الجز ء الثاني الفصل الخامس عشر)
الجز ء الثاني(الفصل الخامس عشر)
.........
لست قلبي... الفصل الخامس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا يكون الصمت حكمة بل سلاحًا يُجرح به القلب دون دماء.
كل نظرة صارت سؤالاً وكل خطوة محسوبة كأن الأرض نفسها تترقب السقوط.
دعاء وجدت نفسها عالقة بين ما تشعر به وما يُفرض عليها، بين قلبٍ يصرخ باسم مالك، وواقعٍ يزداد قسوة كلما حاولت الهروب.
أما مالك فقد أدرك متأخرًا أن الكبرياء حين يتقدم الصفوف يترك الحب وحيدًا في ساحة المعركة.
وفي الظل كان هناك من يبتسم يُغذي النار بصبر، وينتظر اللحظة التي يتحول فيها الشك إلى قرار... والقرار إلى خسارة لا تُغتفر.
بعد تلك المواجهة العلنية، لم تعد المشاعر قادرة على الاختباء خلف المجاملات ولا الغضب يقبل التأجيل.
وفي الخفاء عيون راقبت ما حدث والغضب اشتعل بها بقوة، نظرا إلى بعضهما البعض وكانت بداية نهاية الحكاية.
بعد إعلان إمتلاكه لها غادر المكان، هنا... ولم يعد هناك فرصة للانتظار، قد وضع آخر سهم في قلبها وأصبح ملكًا له دون شروط، لم تعد الذكريات تمنعها، وصمتت الأصوات الشامتة من حولها، تركت كل شيء وراء ظهرها وركضت خلفه، نظر لها يامن وابتسم، كانت صدمته مختلفة عن الأخرين، وأخيرًا تحرك ذلك الخامد من موضعه وأعلن عن حبه أمام الجميع، أما عاصم الذي ارتعش من نظرة الغضب التي ظهرت على وجه حاتم؛ لأول مرة يتوجس من هذه النظرة.
كان يمضي... يأبى أن يلتفت لها وهي تصيح باسمه من خلفه قائلة: يا مالك استنى بقى.
التفت وعينه تطلق شرارة الغضب وقال: عايزة إيه؟!
وقفت فجأة في فزع من صوته وقالت: عايزة أتكلم معاك.
مالك: تتكلمي؟! ليه؟ ما إنتي خلصتي كل الكلام جوا، بترقصي معاه قدامي يا دعاء! اتجننتي؟!
دعاء بخوف: هو اللي فاجئني معرفتش اتصرف.
مالك: متكدبيش، إنتي من ساعة ما جيه حاتم ووقف جنبك وإنتي شغالة ضحك وهزار معاه وقدامي، مفيش احترام ليا نهائي.
دعاء: ما إنت كمان رحت اتكلمت مع سارة، ولا فاكرني مش هعرف.
مالك: أنا غيرك، سارة مش هتيجي تقولي تعالى إتجوزني ولا أنا هوافق غصب عني عشان بابا بيقول كده، أنا أعرف أعلم حدود لأي واحدة تيجي تكلمني، وباين أوي يعني إني عارف أعمل ده بدليل إني مفيش واحدة قدرت تدخل الدايرة اللي إنتي دخلتيها قبلك.
دعاء: طيب فيه حد هيدخل بعدي؟
زفر مالك بضيق وهدأ قليلًا ثم قال: متغيريش الموضوع.
دعاء: لأ... هو ده الموضوع، كانت بتقولك إيه سارة؟
مالك: كانت بتعتذر عن اللي قالتهولك، متقلقيش سارة غير حاتم خالص.
دعاء: متدافعش عنها قدامي طيب.
مالك: وإنتي بتدافعي عن حاتم قدامي ليه؟
دعاء: الاتهامات اللي بتوجهها لحاتم أكبر بكتير من اللي بقوله عن سارة، وبعدين هي بتحبك من زمان وأكيد قالتلي كده عشان عايزة تبعدني عنك.
مالك: إنتي لو بعدتي هيبقى بسببك، بسبب إنك بتقربي من حاتم وإنتي عارفة إني بغير.
دعاء: أسفة، بس بصراحة أنا كنت قاصدة.
نظر لها بغضب وكاد يتحدث فقاطعته برعشة صوتها وقالت: ما أنت مش معبرني يا مالك بقى، ٣ أيام بجري وراك وإنت مش عايز تبص في وشي، النهاردة شفتني ولا كأني موجودة.
مالك: عشان سمعتك بتشكري في حب ليث ليكي وإن محدش هيحبك زيه، حاجة كويسة فعلًا.
شعرت دعاء بالخجل فقالت: إنت سمعتني؟!
مالك: أمممم، المرة ديه إيه بقى؛ فاجئوكي بالكلام برده.
دعاء: لأ... بس بجد ليث عمره ما عمل فيا اللي إنت بتعمله ده، كان بيخاف على زعلي وميقدرش يبعد عني.
مالك: حلو... خليكي على ذكراه بقى.
كاد يذهب ولكن أمسكت ذراعه وجذبته إليها وقالت: خليني أكمل.... حبك إنت مختلف، كل حاجة بتعملها حتى لو بتزعلني بتقبلها منك، حتى وإنت بتزعق ومتعصب دلوقتي مش متضايقة من ده، فرحانة إنك حبتني وحبيتك، فرحانة إني معاك، بس إنت... بتبعدني ليه طيب؟
مالك: عايز أبقى معاكي في النور، أبوكي يبقى عارف وموافق مش فاكر إني بغشه، هانت يا دعاء فترة وهسلم المرحلة الأولى، خلينا نستحمل بس شوية.
دعاء: لأ مش موافقة، ومش قرارك لوحدك، على الأقل رد عليا وكلمني.
مالك: هضعف، مش عايز أضعف وأعمل عكس اللي قررته.
دعاء: يعني قرارك أهم مني؟
مالك: مفيش حاجة أهم منك.
دعاء: يبقى ترد عليا، كلمني حتى لم تشوفني، بلاش قسوة يا مالك مش بحبها.
مالك: مقدرش أقسى عليكي، حاضر.
ابتسمت دعاء وقالت: طيب... أنا هرجع عشان بابا.
مالك: ماشي... روحي.
كادت تذهب ولكن عيناها لا تزال مسلطة عليه، قلبها يرفض الرحيل عنه، فقالت: يعني أروح؟!
ضحك مالك وقال: روحي يلا.
دعاء: طيب.. هشوفك بكرة؟
مالك: اه يا مجنونة، روحي.
عادت دعاء وهي تسترق النظر إليه وهو يراقبها من بعيد، حتى اختفت من أمامه، وقفت أمام عاصم الذي يشتعل بالغضب وقال: ينفع اللي حصل ده؟!
دعاء: معملتش حاجة.
عاصم: لينا كلام تاني في البيت.
جذبها من يدها ورحل، أما هاجر فاقتربت من حاتم وقالت له بغضب: عجبك كده؟!
تدخلت نيرة بالحديث وقالت: نفسي أعرف ليه مقولتش لدعاء عن الموضوع عشان نخلص من مالك خالص.
حاتم: عشان لو قولتلها حاجة زي ديه هتسألني عرفت منين؟ وليه مقولتش قبل كده؟
نيرة: طيب وبعدين يعني؟
حاتم:كنت بحاول مع الدكتور بتاعه يروح يبلغها بنفسه كأنها صدفة، بس الدكتور وافق بالعافية وخد مبلغ أد كده، المشكلة دلوقتي إيه اللي يخلي دعاء تروح هناك.
نيرة: أنا عندي فكرة.
حاتم: إيه هي؟!
نيرة: اتفق مع الدكتور واحجزلي معاد معاه، وأنا هبلغ دعاء إني تعبانة وتيجي تاخدني، ولما تيجي الدكتور يقول كل حاجة قدامها.
حاتم: ماشي، هتفق معاه بكرة.
عادت دعاء إلى منزل وهي تدعو الله أن تنتهي الليلة بسلام، عندما دخلت أمام عاصم ركضت نحو الدرج لتصعد سريعًا إلى غرفتها هروبًا منه، ولكن أوقفها صوته المرتفع وهو يقول: إستني مكانك.
التفتت إليه وقالت: ممكن نأجل كلام للصبح، عشان تعبانة وعايزة أرتاح.
عاصم: إنتي لحد دلوقتي مقولتيش رأيك النهائي في موضوع جوازك من حاتم.
دعاء: ما هو يا بابا أنا مش عارفة أشوف حاتم غير صديق وبس.
عاصم: ليه؟! الراجل محترم بيحبك ودخل البيت من بابه، وبعدين باين إنه كان عايزك من زمان بس كان شايف إن ليث هو العقبة.
دعاء: ومالك دلوقتي عقبة برده، بابا أنا بحب مالك.
عاصم: ومالك مش مناسب ليكي، وأكيد طمعان في فلوسك، وبكرة تتأكدي إنه بيعمل كل ده عشان هو بني أدم وصولي.
دعاء: صدقني يا بابا مالك مش كده خالص، ولما يسلمك المشروع في معاده هتصدقني.
زفر عاصم بضيق وقال: تمام، بس لو مسلمش في المعاد هتتجوزي حاتم.
دعاء بتعجب: إيه علاقة ده بده؟!
عاصم: يا حبيبتي إفهميني، إنتي وريثتي الوحيدة، لو جرالي حاجة الكل هيطمع فيكي، مش هسيبك في وسط كل دول وأنا قلقان عليكي، ليث كان بيحبك إنتي ومن وإنتو صغيرين قبل ما يعرف فلوسك وشركاتك لكن دلوقتي اللي هيتقدملك نعرف منين إنه بيحبك إنتي.
دعاء: طيب ما ممكن حاتم يكون طمعان فيا.
عاصم: حاتم يعرفك من زمان برده، وعينه عليكي من زمان بدليل إن ليث كان بيغير منه جدًا، فا أكيد مش كل ده مستنيكي عشان فلوسك ما كان شاف غيرك.
دعاء: طيب أنا فاهمة وجهة نظرك بس لأ مش عايز أتجوز حاتم، ولو سمحت نأجل الكلام عن مالك لحد معاد التسليم.
تركته وصعدت إلى غرفتها، أما مالك فكان يقود سيارته وبجواره يامن الذي ينظر إليه بين الحين والآخر ويبتسم، حتى شعر مالك بالخجل فقال: ما خلاص يا ابني، إيه أول مرة تشوف واحد بيحب.
يامن: لأ أول مرة أشوفك بتحب، بس إيه كان مشهد سينمائي، مكنتش أعرف إنك رومانسي كده.
مالك: طيب لم دورك عشان مزعلكش.
حاول يامن كبت ضحكته وصمت، ثم أوصله مالك وعاد إلى منزله، بدل ثيابه ثم جلس بالفراش وأمسك هاتفه، ينظر إلى اسم دعاء ويبتسم، كاد يتصل بها ولكن تفاجأ بأنها تتصل به، فابتسم وتلقى المكالمة وقال: كنت لسه هكلمك.
دعاء: معرفتش أنام غير لما اسمع صوتك.
مالك: وأنا كمان، هتيجي بكرة الموقع ولا هتروحي الشركة؟
دعاء: كان المفروض أروح الشركة بس لأ هاجي أشوفك.
مالك: يكون أحسن عشان وحشتيني.
ابتسمت دعاء وقالت: وإنت كمان.
خيم عليهما هدوء ما بعد العاصفة، سكينة دخلت القلب ولم تغادر، لم ينتهي الحديث بل استمر لساعات، وكل منهما يأبى أن يترك الآخر، حتى ناما وهما يشعران بسعادة غامرة.
في الصباح، ذهبت دعاء إلى الموقع، وحين وقعت عيناها عليه اختل إيقاع القلب للحظة ثم استقر على نبض أدفى، كأن المشاعر تستيقظ بهدوء بعد سبات قصير، في حضوره يلين كل شيء، تبتسم الروح قبل الشفاه، تنبض بالحياة وتعلن أنها قد وجدت مالكها، مالك القلب ونبضه.
نظر لها مالك وقلبه يصرخ بداخله في سعادة: ها هي، تلك التي لخصت معاني الحب الصادق، حين يراها يكتفي بها ولم يعد يطلب الكثير، فهي دواء القلب العليل.
كانت نظراتهما لبعضهما البعض ليست عابرة، بل تعترف مع كل ارتداد طرف العين بالعشق الذي تخلل بين ثنايا القلوب، احتل الجسد أطول احتلال، تشعر وكأنهما بالعالم وحدهما، تقترب منه وهو يتتبع خطواتها بنبض فؤاده، حتى وقفت أمامه ليكملا الحديث من حيث ما توقف بالأمس، وكأن الوقت لم يعد لديه أهمية أو تأثير.
عملا معًا وأصوات ضحكاتهما كانت تعبء المكان بدفء، حتى جاءها اتصال هاتفي من نيرة، فتلقت المكالمة على الفور وتبدلت ملامحها عندما سمعت صوتها المريض، وحين علمت إنها بالمشفى تركت العمل وذهبت إليها على الفور.
بعد وقت، دخلت إلى الغرفة ووجدت الطبيب يفحصها وهي مستلقية بتعب، نظر لها عادل بتعجب وقالت: خير يا دكتور، مالها؟!
عادل: متقلقيش هي كويسة، هو أنا شفتك فين قبل كده؟
دعاء: كنت هنا من كام يوم مع مالك العشري.
عادل: ااااه صح صح، بس إنتي تعرفي نيرة. هانم كمان؟
نيرة بتعب: ديه بنتي، وكانت خطيبة ابني الله يرحمه، بس خلاص ابني مات وهي عاشت حياتها.
دعاء بحزن: ليه كده يا ماما؟!
نيرة: ديه سنة الحياة يا حبيبتي، ليث كان بيحبك جدًا بس النصيب وعمره خلص لحد كده.
عادل: ليث عدنان؟!
نيرة: أيوة يا دكتور، إنت نسيته ولا إيه؟
عادل: لأ طبعًا فاكره، بس... بس مستغرب.
نيرة: ليه مستغرب؟
عادل بارتباك: لأ مفيش حاجة، أنا هبعت الممرضة ببعض أدوية لحضرتك.
أشار لدعاء كي تخرج من الغرفة معه، ثم وقفت أمامه بعد أن أغلقت الباب خلفها بالخارج وقالت: خير يا دكتور، هي فيها حاجة؟
عادل: لأ متقلقيش هي كويسة، أنا بس عايز أسألك سؤال شخصي ومعلش تجاوبيني عليه.
دعاء: إتفضل.
عادل: إنتي إيه علاقتك بمالك العشري بالظبط؟
دعاء: هنتجوز قريب، بس ليه؟!
عادل: هو إنتي كنتي تعرفيه قبل العملية؟!
دعاء: لأ.
اقترب منها عاد وهمس لها قائلًا: هو أنا المفروض مقولش الكلام ده، بس أرجوكي حاولي تقدري موقفي متتكلميش في الموضوع بتفسير.
دعاء: خير يا دكتور.
عادل: من فترة كده إكتشفنا إن فيه دكتور كان بيعمل عمليات زرع أعضاء بس بطريقة مش قانونية، لقينا كذا حالة والدكتور ده أتقبض عليه وخلاص يعني الموضوع خلص، بس من ضمن الحالات اللي إكتشفنا إنه إتسرق منها أعضاء هو ليث.
دعاء بصدمة: ليث؟! إزاي ده؟!
عادل: هو إتاخد منه القلب وإتزرع لشخص تاني في نفس اليوم.
دعاء: ثانية، هو إنت قصدك....
عادل: أعتقد بدأتي تفهمي الموضوع، بصي أنا بتكلم معاكي في حاجة زي ديه عشان تعرفي إن مالك عايش بقلب ليث، والقلب بالذات ليه فسيولوجية خاصة شوية، ممكن المشاعر اللي حاسس بيها مالك تكون مشاعر ليث أصلًا، بس مش ده الموضوع كله، الفكرة إن حد وصل إن يسرق أعضاء ده شخص مش سوي، فا أنصحك تبعدي عنه، هو حتى لو فعلًا بيحبك فا ده مش هو، ده قلب ليث اللي لسه بينبض جواه.
هل أهتزت الأرض من أسفلي؟ لا... هذه الحقيقة التي هزت كياني وليس من حولي.
تذكرت ذلك النبض الذي كان آخر اعتراف بحب ليث لها، تذكرت هذا الخافق باسمها الذي لا يزال يخفق لها وحدها، وهنا... جاء سؤال واحد: هل أحببت ذلك النبض من جديد أم حبه كان عقابًا على ترك ليث ودفنه في ذاكرتي كي أحيا بدونه؟!
يتبع...
رباب حسين