صفقة الشيطان - بداية اللعنة
بداية اللعنة
منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلّق به وحده. صار أملهم الأخير، ومستقبلهم المؤجَّل، والحلم الذي وضعوه بين يديه. أدرك أن فشله لن يكون سقوطه وحده، وأن نجاحه دينٌ ثقيل يجب أن يسدّده مهما كان الثمن. خرج خليل من البيت كمن يخلع جسده ويتركه معلّقًا على عتبة الذاكرة. ألقى نظرة أخيرة على الحيّ الذي سيفتقده، نظرةً أثقل من وداع، وأصدق من ألف وعدٍ بالعودة. هناك، ترك خلفه جزءًا من حياة لا يُعوَّض: وجوهًا، أصواتًا، وخطواتٍ حفظها الطريق أكثر مما حفظتها الذاكرة.
انقضى الصيف أخيرًا، وأقبل سبتمبر كما يُقبل الوعد المؤجَّل، محمّلًا بحرارته التي انتظرها "خليل" طويلًا، انتظار من يقف على الجمر ولا يصرخ. جاء الشهر الذي علّق عليه أحلامه، والذي ظلّ يطلّ عليه من تقاويم السنوات الماضية كحلم بعيد المنال، وها هو اليوم يقف عند عتبته، يتهيّأ لتحقيق أمنية سكنته طويلًا. لازال غير مصدّق أنه سيلتحق بإحدى أعرق جامعات باريس، تلك المدينة التي كانت تناديه من خلف الخرائط والكتب والصور، منذ أن أدرك أن مصيره لن يتّسع له ذلك المكان الصغير. بعد تفوّقه في امتحان البكالوريا بدرجة مشرّفة، تليق بتعب الليالي وبصبر العائلة، شعر "خليل" بأن بابًا ثقيلًا قد انفتح، وأن كل ما مضى لم يكن سوى تمهيد لهذه اللحظة. كانت الأيام التي سبقت السفر مزيجًا غريبًا من الفرح المرتبك والحماسة القلقة. تراه تارة يضحك بلا سبب، وتارة أخرى يصمت فجأة كمن تداهمه فكرة موجعة. كان خليل يعدّ الحقائب، ويعيد ترتيبها، كأنه يبحث بين الثياب عن شيء من الوطن يحمله معه، عن رائحة البيت، عن أثر الأصوات التي اعتاد سماعها كل صباح. أقنع نفسه بأن الغد أجمل، وبأن هذه الخطوة ضرورة لا مفرّ منها، وأن الأحلام الكبيرة لا تُمنح لمن يخاف ثمنها. ثم جاءت لحظة الوداع ثقيلة كأن الزمن قرّر أن يتباطأ عمدًا. البيت الذي عرف ضحكاته الصغيرة بدا أضيق من قبل، والجدران التي شهدت نشأته صارت تحدّق فيه بصمت، كأنها تسأله إلى أين يمضي. اقترب خليل من أبيه، فشدّه إلى صدره عناقًا طويلًا، عناق رجلٍ حاول أن يخفي ضعفه خلف صمته. قبّل رأسه، فشعر كأنه يقبّل تعب السنين كلّها، ذلك التعب الذي حوّله الأب إلى مشروع أمل معقود عليه. في عينيه رأى فخرًا ممزوجًا بقلقٍ لم يجرؤ على النطق به، ورأى رجاءً صامتًا بأن يكون عند حسن ظنه. أمّا أمه، فقد كانت تقف على مسافة خطوة، تبتسم ابتسامة مرتجفة، كأنها تخشى أن تفضح دموعها ما تحاول إخفاءه. حين اقترب منها، شعر بأن قلبه ينهار دفعة واحدة. عانقته بقوة، عناقًا يحمل خوف الأم وصلابتها معًا، ثم مرّرت يدها على وجهه كما كانت تفعل وهو طفل، كأنها تحفظ ملامحه قبل الغياب. أخفى دمعة حارّة، وتظاهر بالقوة، غير أن داخله كان يرتجف. أيّ قوة تلك التي يدّعيها؟ وأيّ كذبة يصدّقها؟ كان عاجزًا عن تخيّل أيامه بعيدًا عنها، بعيدًا عن رائحة البيت، عن تفاصيل صغيرة ظنّها عادية حتى صارت فجأة كنزًا مهددًا بالفقد. راود خليل سؤال قاسٍ لم يفارقه: كيف سيحتمل الغربة ووحشة المدن البعيدة؟ كيف سيواجه ليالي باريس الباردة دون دفء ذلك المكان؟ غير أن الواقع كان أكثر صرامة من مشاعره. الحياة لا تفاوض أحدًا، تدفعك نحو طرق شائكة، ثم تطلب منك أن تمضي مرفوع الرأس. السفر صار حتميّة، ودراسة الطب تحوّلت من حلم شخصي إلى مسؤولية ثقيلة، مسؤولية إنقاذ عائلة بأكملها من فقر يطاردها منذ سنوات. لم يبع الأب من اجل تحمل نفقات دراسة إبنه أشياء جامدة فقط، إنما تخلّى عن ذاكرة كاملة فقد باع قطعة الأرض الصغيرة التي ورثها عن جدّ خليل، تلك التي كان يشير إليها دائمًا باعتبارها سند العائلة وملجأ الأيام السوداء. باعها وهو يعلم أنّه يقطع آخر خيط يربطه بالماضي، وأنه يراهن بكل ما يملك على مستقبل لم يره بعد. رآه خليل يوقّع الأوراق بيد ثابتة ووجه متماسك، غير أنّ صوته يومها كان مكسورًا، كأنّه يسلّم جزءًا من عمره مقابل فرصة واحدة لابنه. أمّه، التي طالما أخفت فقرهم بابتسامة دافئة، فقد أقدمت على ما هو أوجع. جلست ذات مساء أمام صندوقها الصغير، ذلك الذي كانت تحتفظ فيه بذهبها القليل، بقايا شبابها وذكرياتها الأولى، أساورها التي لبستها يوم زفافها، وخاتمًا كانت تقول إنّه حارس الأيام الجميلة. نزعته قطعة قطعة، وهي تردّد بصوت خافت أن الذهب يُعوَّض، أمّا المستقبل فلا. لم تبكِ أمام خليل، اختارت أن تكون قويّة كعادتها، غير أنّ عينيها فضحتا وجعها، وأدرك أنّها كانت تخلع قلبها قبل أن تخلع حُليّها. منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلّق به وحده. صار أملهم الأخير، ومستقبلهم المؤجَّل، والحلم الذي وضعوه بين يديه. أدرك أن فشله لن يكون سقوطه وحده، وأن نجاحه دينٌ ثقيل يجب أن يسدّده مهما كان الثمن. خرج خليل من البيت كمن يخلع جسده ويتركه معلّقًا على عتبة الذاكرة. ألقى نظرة أخيرة على الحيّ الذي سيفتقده، نظرةً أثقل من وداع، وأصدق من ألف وعدٍ بالعودة. هناك، ترك خلفه جزءًا من حياة لا يُعوَّض: وجوهًا، أصواتًا، وخطواتٍ حفظها الطريق أكثر مما حفظتها الذاكرة. كانت أشجار الزيتون مصفرّة، كأنها تشاركه حزنه، تميل أغصانها في صمتٍ نبيل، وكأنها تلوّح له للمرّة الأخيرة. كان الجيران جميعهم يودّعونه، من صغيرهم إلى كبيرهم، بابتسامات متشابهة في ظاهرها، متناقضة في باطنها؛ فلا يدري من يفتقده بصدق، ومن يراه يرحل وهو يبارك الغياب خلف ابتسامة صفراء مثقلة بالحقد. اكترى له أبوه سيارة تقلّه إلى المطار، وقبل أن يركب، ألقى عليه خطبة وداع طويلة، محمّلة بالنصائح والتعليمات، تلك التي لا تُقال إلا حين يعجز القلب عن قول ما هو أعمق. عانقه بصمتٍ موجع، ثم ودّعه. انطلقت السيارة، وكان خليل يحمل حقيبته بيد، وقلبه بكل ما فيه بيدٍ أخرى. كان عليه أن يتعلّم سريعًا كيف يكون أكبر من عمره، وأقسى من خوفه، وأوفيَ للأحلام التي لم تعد تخصّه وحده. صعدَ خليل إلى الطائرة يفتّش عن مقعده بعد انتظارٍ طويلٍ استُنزفت فيه أعصابه بين الفحص والتفتيش وبروتوكولات السفر، ثمّ استقرّ به المقام قرب النافذة، فمال بصره إلى الخارج يشيّع بلده وهو يبتعد رويدًا رويدًا، حتى تقلّص في عينيه إلى نقاطٍ من أضواءٍ برتقاليةٍ باهتة. استسلم لسحر المشهد يراقب السحاب وهو يتشكّل ويتلاشى، غير أنّ النعاس باغته بثقله، وقبل أن يُطبق جفنيه شعر بنظرةٍ تخترق وجهه. التفتَ خليل ليجد الراكب الجالس إلى جواره يحدّق فيه باشمئزازٍ متصلّبٍ وغضبٍ مكبوت. حاول تجاهله متصنّعًا اللامبالاة، غير أنّ الرجل مال نحوه واقترب من أذنه وهمس بفحيحٍ زاحفٍ كصوت أفعى: — كيف تجرأتَ على أخذ غرفتي أيها اللعين القذر؟