رواية حكاية الشيطان
حكاية الشيطان
قصة الرواية
في سواحل البحر ماذا حدث لبطلنا
هي سجى، التي اتُهمت ظلمًا وخسرت حياتها في ليلة واحدة. وهو باسل الشريف، الرجل الذي مدّ لها يد الأمان حين تخلى عنها الجميع .بين الجرح والإنصاف يولد حب صادق، حبّ يثبت أن بعض القلوب خُلقت لتبقى... مهما قاومها القدر .نوفيلا وتبقى أنتَ الحب .
ممالك مفقودة وسيوف أسطورية، هنا تبدأ المغامرة
مؤامرات، وأبطال منسيون
لم تكن تعلم أن حياتها ستتغير بتلك النظرة
قصص العصابات والخارجين عن القانون
اجمل القصص الكوريه المترجمه والكيدراما
عوالم ما بعد الكارثة والمجتمعات المستقبلية المظلمة
حكايات شعبية، وقصص العائلات الكبيرة،
حكايات شعبية، وقصص العائلات الكبيرة،
في سواحل البحر ماذا حدث لبطلنا
بيت مرعب جدا إلى يدخل البيت ده مستحيل يخرج سليم
أنا ياسمين، والخوف كله في عروقي. لما خالد قاللي عن البيت القديم في الغابة، قلبي بدأ يدق بسرعة. الغابة حوالينا ساكنة بشكل مخيف، الظلال تتحرك بين الأشجار وكأنها بترقبنا. الرياح كانت تصفر بصوت أشبه بالهمسات، وكأنها بتحذرنا: "مش هنا".
خالد:
أنا خالد، وبصراحة بحب المغامرة، بس البيت ده غير كل حاجة. الباب الخشبي المهترئ كان يهتز مع كل نسمة هواء، وكأن البيت نفسه بيتنفس. دخلنا، وخشخشة الأرض تحت رجلي كانت تصرخ في قلبي: "ارحلوا".
ياسمين:
في الطابق الأرضي، الجدران مغطاة برموز غريبة، وعلامات كأنها دم. حسيت حاجة بتتبعنا، كل ما أبص على زاوية، الظلال تتحرك بعيد عن أي مصدر ضوء. أحيانًا أسمع همسات، أحيانًا أشوف أشباح تمشي في طرف عيني، ولما أبص تاني، مفيش حاجة.
خالد:
وصلنا لغرفة فيها مرايات قديمة. لما بصيت فيها، صورنا كانت مشوهة، عيوننا تكبر بشكل غير طبيعي، وفجأة حسيت بشيء ورايا بيبتسم ابتسامة مرعبة. استدرت بسرعة، لكن مفيش حاجة، بس صوت مكتوم بيهمس: "لن تخرجوا أبدًا".
ياسمين:
قلبي وقف. الباب اتقفل فجأة، بقينا محاصرين. أصوات ضحكات مكتومة مليت الغرفة، وكل ظل بدأ يقترب مننا ببطء. شعرت بالبرودة بتتسلل لكل عظمة في جسمي.
خالد:
لقيت دفتر قديم مليان رموز ورسائل عن أرواح ضايعة، كل كلمة مكتوبة فيه كانت تحسسني بالذعر. حتى مجرد لمس الدفتر حسيت فيه نبض، كأن الأرواح نفسها موجودة.
ياسمين:
بدأت الظلال تتحرك حولنا أسرع، أصواتهم صارت أعلى، وكأنهم بيتقربوا منّا خطوة بخطوة. خالد مسك إيدي، بس إحساسي كان إن كل نفس نأخذه يجذبهم أكتر.
خالد:
قلتلي نقرأ الكلمات اللي في الدفتر بصوت عالي، كل كلمة كانت بتفتح الباب لمزيد من الظلال، وكل كلمة تخوفنا أكتر. لكن مفيش خيار، لازم نواجههم.
ياسمين:
أغمضت عيني، وحسيت إيدي اتحرقت من لمس خالد، بس كان لازم نكمل. الظلال بدأت تهاجمنا من كل اتجاه، وصرنا نسمع أصوات صراخ مكتوم، كأن البيت كله بيتنفس، بيتحرك، بيعيش معنا الرعب.
خالد:
بعد كل كلمة، بدأت بعض الظلال تختفي، بس في المقابل، ضوء خافت ظهر وبيمسح جزء من الرعب حوالينا. الباب اتفتح شوية، بس الهمسات ما وقفتش. كنت حاسس إنهم موجودين ورا ضهري، مستنيين أي حركة خطأ.
ياسمين:
طلعنا من البيت نلهث، الغابة حواليانا رجعت طبيعية، بس إحنا عارفين إن البيت ده عمره ما هينسى اللي شافناه. حتى دلوقتي، أي ظل في أي زاوية بيخليني أتجمد من الخوف، وكأنهم ما زالوا بيتابعونا.
خالد:
أنا حاسس بالرعب لدرجة إني كل ما أتذكر البيت، قلبي يوقف لحظة. بس على الأقل، ياسمين كانت جنبي، ومعاها حسيت إني أقدر أواجه أي رعب. ومع كل خطوة، عرفت إن اللي شوفناه مش مجرد حلم، البيت دا حي، والظلال ما زالت موجوده .رجعنا للبيت مرة تانية، مش لأني عايزة، لكن ما كانش عندنا اختيار. الباب مفتوح على مصراعيه، والظلال بتتحرك حوالينا بشكل أسرع، أصوات صراخ مكتوم بتدور حوالينا، وكأنها جوا رئتنا. قلبي كان بينفجر من الخوف، بس كان لازم نواجه اللي فاتنا قبل ما يسيطر علينا تمامًا.
خالد:
في اللحظة اللي دخلنا فيها، حسيت إن البيت نفسه بيستقبلنا كأعداء. كل غرفة مليانة ضباب أسود، والهواء تقيل كأنه مسموم. أظافر غير مرئية خدشت الجدران، والهمسات بقت أقوى، وكأنها بتهتف باسمنا: "ياسمين… خالد… لن تخرجوا أبدًا".
ياسمين:
شفت في نهاية الممر باب صغير بيتفتح لوحده. إحساسي قاللي لأ، لكن فضولي كان أقوى. لما قربنا، خرجت يد شفافة من الظلام محاولة تمسك بيا. صرخت، خالد مسك إيدي بسرعة، بس شعرت بالبرودة بتتسرب لكل جسمي، وكأن الظلام نفسه بيلتهمنا.
خالد:
وجدنا غرفة مليانة مرايات، وكل مراية بتعكس أشكال غريبة ومشوهة، وكأنها صور لأشباح الناس اللي اختفوا قبلنا. كل صورة كانت بتتحرك بشكل مستقل، وعيونهم تتبعنا، تهمس: "ابقوا هنا… للأبد".
ياسمين:
خدت نفس عميق، حاولت أركز على الكلمات اللي في الدفتر، بدأنا ننطقها بصوت عالي، الظلال حواليانا بدأت تتردد وتختفي جزئيًا. بس صوت مكتوم من بعيد بيصرخ: "مش هتخرجوا… مش هتخرجوا…".
خالد:
حسيت بإيدي تتحرق، وعيوني دمعت من الرعب. فجأة، انعكاسنا في المرايا ابتدى يبتسم ابتسامة شيطانية، وحسيت إننا ممكن نضيع جوه المرايات دي للأبد.
ياسمين:
بس قلت لنفسي: "لازم نخرج… لازم نعيش". قبضت على يد خالد، وصرنا ننطق الكلمات من الدفتر بسرعة، كل كلمة كانت تفتح لنا باب صغير من الضوء. الظلال حاولت تمنعنا، لكن ما قدرتش على قوتنا مع بعض.
خالد:
خرجنا من الغرفة، البيت بدأ يهتز، أصوات صرخات الأرواح بتعلي وتختفي فجأة. سمعنا الباب الرئيسي بيتفتح، شعاع ضوء القمر دخل فجأة، والظلال اختفت كلها في لحظة.
ياسمين:
خرجنا نلهث، الغابة حوالينا رجعت طبيعية، بس إحساس الرعب لم يختفِ أبدًا. أي صوت في الليل، أي ظل في الزاوية، بيخليني أتجمد من الخوف. بس أنا وخالد عارفين إننا قدرنا ننجو، وإن القوة الحقيقية كانت فينا طول الوقت، مع بعض.
خالد:
حتى دلوقتي، كل مرة الليل ييجي، بحس إن البيت بيبص علينا من بعيد، وكأنه مستني أي لحظة ضعف. بس على الأقل، مع ياسمين جنبّي، ممكن أواجه أي رعب… وأحيانًا، مجرد التفكير في البيت ده بيخليني أرتجف من الخوف.
ياسمين:
أنا ياسمين، وعرفت إن الرعب مش بس في البيت، الرعب أحيانًا بيكون جوا قلبك، بس لما تواجهه، حتى لو خايفة، ممكن تسيطر عليه. ومع خالد جنبي، أي ظل، أي همسة، أي روح ضائعة، مش هتقدر تكسرني.
خالد:
أنا خالد، وعرفت إن المغامرة ممكن تكون أخطر تجربة في حياتك، بس أحيانًا الرعب هو اللي بيعلمك مين انت… وياسمين كانت دايمًا دليلي في الليلة دي، وأي رعب قدامي مش هيقدر يقهرنا.
البيت الغريب المرعب غلطنا لمه دخلنا هنا
.........
كانت القرية في أوائل صيف 1992 تعرف كيف تنام مبكرًا. البيوت الطينية المتلاصقة لا تُبقي الضوء مشتعلاً طويلاً بعد العشاء، والطريق الترابي الذي يخترقها من الجنوب إلى الشمال يخلو من الحركة مع اقتراب منتصف الليل، كأن الظلمة هناك ليست غيابًا للنور بقدر ما هي حضورٌ كامل لسكينة كثيفة لا يحب الناس كسرها. في الطرف الغربي من القرية، بعد آخر بيت حجري، يبدأ فراغ واسع من الأرض الزراعية المنبسطة، يقطعه مبنى وحيد يرتفع بانتظام هندسي لا يشبه ما حوله. خمسة طوابق خرسانية صلبة، نوافذ مستطيلة متراصة، وسياج معدني يحدد حدوده بدقة، كأن المكان لم يُبنَ ليكون جزءًا من القرية، بل ليبقى على مسافة محسوبة منها. مستشفى الأمراض النفسية. لم يكن اسمه يُقال بصوت مرتفع. كان يُشار إليه بإيماءة خفيفة نحو الغرب. “هناك.” هكذا فقط. في النهار، بدا المبنى عاديًا، صامتًا، لا يحمل ما يثير الريبة لمن يراه من بعيد. لكن في الليل، حين تُطفأ أنوار البيوت القريبة، كان يقف ككتلة داكنة تحدّق في العتمة، لا يضيئها إلا مصباحان أبيضان فوق المدخل الرئيسي، ثابتان لا يخفتان، كعينين مفتوحتين بلا رمش. تلك الليلة، كان الهواء أثقل من المعتاد. رياح حارة خفيفة تمرّ فوق الأسطح دون أن تحرّك شيئًا، والسماء صافية إلى حد يجعل النجوم حادة أكثر مما ينبغي. عند الثالثة فجرًا تقريبًا، كان “سالم” يسير في الطريق الترابي عائدًا من أرضه، يحمل فأسه على كتفه ويفكر في موسم قمح لم يرضه تمامًا. اعتاد رؤية المستشفى في هذا التوقيت، معتادًا على مصباحيها الأبيضين في الظلمة. لكنه تلك المرة رأى شيئًا مختلفًا. خيط دخان رفيع، متردد، يخرج من نافذة في الطابق الثالث. لم يكن كثيفًا بعد. لم يكن مذعرًا. لكن وجوده وحده كان غريبًا بما يكفي. توقف سالم في منتصف الطريق، حاول إقناع نفسه بأن الأمر لا يتجاوز بخارًا عالقًا تحت ضوء المصباح. لكن بعد ثوانٍ، ومضة قصيرة اشتعلت خلف الزجاج. تبعها صوت طقطقة جاف، ثم شرخٌ سريع في أحد الألواح. الزجاج انكسر من الداخل. اللهب لم يندفع فجأة. تسلل أولاً كلسان ضوء خافت، ثم تمدد على الستارة الثقيلة، وكأن النار تعرف الطريق مسبقًا. صرخ سالم. لم يكن صراخه عالياً في البداية، لكن الصوت حمله الهواء بسرعة نحو البيوت القريبة. انفتحت الأبواب تباعًا، وخرج الرجال بملابس النوم، يرفعون أيديهم فوق أعينهم ليحجبوا وهجًا بدأ يزداد. كانت النار ترتفع بطريقة لا تتناسب مع سرعة اندلاعها. غرفة واحدة اشتعلت، ثم تسرب الضوء إلى الغرفة المجاورة، كأن الجدار بينهما لم يكن عائقًا كاملاً. ركض بعض الشباب نحو بئر المياه، يملأون أوعية صغيرة باندفاع فوضوي، رغم إدراكهم أنها لن تكفي لإخماد واجهة خرسانية تلتهمها النيران. النساء وقفن على الأعتاب، وأصوات الهمس اختلطت برائحة احتراق لم تكن عادية؛ لم تكن رائحة خشب فقط، بل شيء أكثر حدّة، أقرب إلى معدن يسخن حتى الاحمرار. المستشفى لم تُصدر صوتًا. لم تُفتح نوافذ أخرى. لم يخرج أحد مستغيثًا. كان المبنى يحترق في صمت. وصلت سيارة الإطفاء بعد ما يقرب من نصف ساعة، وحينها كان الطابق الثالث قد اسودّ بالكامل، والزجاج في جوانب الواجهة قد بدأ يتشقق من الحرارة. اندفعت المياه بقوة، لكنها كانت تصطدم بالحائط الخارجي أكثر مما تتسلل إلى الداخل. وقف ضابط الشرطة أمام المدخل، ينظر إلى المصباحين الأبيضين فوق الباب. أحدهما انطفأ فجأة، كأن التيار انقطع عنه وحده. – “فين الإدارة؟” سأل بصوت واضح. رد أحد رجال القرية: – “قالوا المدير مسافر من يومين.” – “والمرضى؟” سادت لحظة صمت قصيرة. ثم قال رجل آخر، بنبرة غير واثقة: – “اتنقلوا… على ما سمعنا.” لم يكن في المكان ما يؤكد ذلك. لا سجلات خرجت. لا سيارات إسعاف رآها أحد تغادر في اليومين السابقين. ولا صوت في الداخل يشبه وجود بشر. مع أول ضوء للفجر، تراجعت النار، وظهر المبنى واقفًا كما كان تقريبًا، سوى ندبة سوداء عميقة في طابقه الثالث، ممتدة كجرح طولي لا ينزف لكنه لا يلتئم. دخل بعض رجال الإطفاء إلى الداخل بعد أن خفّت الحرارة، وخرجوا بعد دقائق قليلة دون أن يبدوا في حاجة إلى حمالات إسعاف. كتب الضابط في محضره: “حريق بالطابق الثالث. مصدر الاشتعال غير محدد. لا خسائر بشرية مُبلّغ عنها.” كانت عبارة “مُبلّغ عنها” دقيقة أكثر مما ينبغي. بعد أسبوعين، انعقد اجتماع قصير في مبنى المحافظة. الغرفة ضيقة، والملف الرمادي على الطاولة يحمل آثار سخام عند حافته العليا. تحدّثوا عن الخسائر المادية، وعن ضرورة “احتواء الموقف”، وعن التحقيق الذي لم يسفر عن نتيجة قاطعة. لم يسأل أحد سؤالاً إضافيًا. عندما انتهى النقاش، أغلق أقدمهم الملف ببطء، مرّر يده فوق الغلاف كمن يزيل ذرة غبار، ثم قال بنبرة محسومة: – “نُغلق الموضوع هنا.” لم يُقصد بالموضوع الحريق وحده. انتقل الملف إلى الأرشيف. وبقي المبنى في طرف القرية، صامتًا كما كان، لكن أكثر حضورًا في الظلمة. بعض الأماكن لا تصبح أخطر بعد أن تحترق. بعضها يبدأ حين تنطفئ النار. وبعد اثنين وثلاثين عامًا، لم يكن الرماد قد برد تمامًا.
هناك أماكن لا تُبنى فوق الأرض… بل تُبنى فوق شيء نائم. والشيء الذي ينام طويلًا… لا يصحو هادئًا. في عامٍ لا يتذكره أحد بدقة، وُقِّع عقد بيع على قطعة أرض عند أطراف قرية لا تظهر على الخرائط الحديثة. العقد كان بسيطًا. سطران. توقيعان. وبندٌ أخير، كُتب بخطٍ مائل: "من يقيم فيها، يقيم مقام من سبق." لم يفهم أحد معنى الجملة. لكنهم فهموا بعد ذلك معنى الصمت. حين بُنيت المستشفى فوق الأرض، قيل إنها مشروع رحمة. حين أُغلق الطابق الأخير، قيل إنه إجراء احترازي. وحين اشتعل الحريق، قيل إن المرضى فقدوا عقولهم. لكن في كل مرة تغيّر فيها اسم المكان… لم يتغيّر عدد الغرف. الغرفة التي لا تظهر في المخطط، تظهر في الواقع. الطابق الذي لا تراه العين، تراه الكاميرات. والاسم الذي لا يجب أن يكون في السجلات… كان مكتوبًا هناك قبل أن يولد صاحبه. آدم الكومي لم يكن يؤمن إلا بالقانون. والقانون بالنسبة له أرقام… تواريخ… أختام. حتى رأى اسمه ممهورًا على ورقة عمرها قرن. منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل الطابق الأخير موجود؟ بل: من الذي يسكنه الآن؟ وفي الليلة التي صعد فيها المصعد دون كهرباء… تأكد أن بعض الأماكن لا تُهدم. هي فقط… تختار ساكنها التالي.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلّق به وحده. صار أملهم الأخير، ومستقبلهم المؤجَّل، والحلم الذي وضعوه بين يديه. أدرك أن فشله لن يكون سقوطه وحده، وأن نجاحه دينٌ ثقيل يجب أن يسدّده مهما كان الثمن. خرج خليل من البيت كمن يخلع جسده ويتركه معلّقًا على عتبة الذاكرة. ألقى نظرة أخيرة على الحيّ الذي سيفتقده، نظرةً أثقل من وداع، وأصدق من ألف وعدٍ بالعودة. هناك، ترك خلفه جزءًا من حياة لا يُعوَّض: وجوهًا، أصواتًا، وخطواتٍ حفظها الطريق أكثر مما حفظتها الذاكرة.
انقضى الصيف أخيرًا، وأقبل سبتمبر كما يُقبل الوعد المؤجَّل، محمّلًا بحرارته التي انتظرها "خليل" طويلًا، انتظار من يقف على الجمر ولا يصرخ. جاء الشهر الذي علّق عليه أحلامه، والذي ظلّ يطلّ عليه من تقاويم السنوات الماضية كحلم بعيد المنال، وها هو اليوم يقف عند عتبته، يتهيّأ لتحقيق أمنية سكنته طويلًا. لازال غير مصدّق أنه سيلتحق بإحدى أعرق جامعات باريس، تلك المدينة التي كانت تناديه من خلف الخرائط والكتب والصور، منذ أن أدرك أن مصيره لن يتّسع له ذلك المكان الصغير. بعد تفوّقه في امتحان البكالوريا بدرجة مشرّفة، تليق بتعب الليالي وبصبر العائلة، شعر "خليل" بأن بابًا ثقيلًا قد انفتح، وأن كل ما مضى لم يكن سوى تمهيد لهذه اللحظة. كانت الأيام التي سبقت السفر مزيجًا غريبًا من الفرح المرتبك والحماسة القلقة. تراه تارة يضحك بلا سبب، وتارة أخرى يصمت فجأة كمن تداهمه فكرة موجعة. كان خليل يعدّ الحقائب، ويعيد ترتيبها، كأنه يبحث بين الثياب عن شيء من الوطن يحمله معه، عن رائحة البيت، عن أثر الأصوات التي اعتاد سماعها كل صباح. أقنع نفسه بأن الغد أجمل، وبأن هذه الخطوة ضرورة لا مفرّ منها، وأن الأحلام الكبيرة لا تُمنح لمن يخاف ثمنها. ثم جاءت لحظة الوداع ثقيلة كأن الزمن قرّر أن يتباطأ عمدًا. البيت الذي عرف ضحكاته الصغيرة بدا أضيق من قبل، والجدران التي شهدت نشأته صارت تحدّق فيه بصمت، كأنها تسأله إلى أين يمضي. اقترب خليل من أبيه، فشدّه إلى صدره عناقًا طويلًا، عناق رجلٍ حاول أن يخفي ضعفه خلف صمته. قبّل رأسه، فشعر كأنه يقبّل تعب السنين كلّها، ذلك التعب الذي حوّله الأب إلى مشروع أمل معقود عليه. في عينيه رأى فخرًا ممزوجًا بقلقٍ لم يجرؤ على النطق به، ورأى رجاءً صامتًا بأن يكون عند حسن ظنه. أمّا أمه، فقد كانت تقف على مسافة خطوة، تبتسم ابتسامة مرتجفة، كأنها تخشى أن تفضح دموعها ما تحاول إخفاءه. حين اقترب منها، شعر بأن قلبه ينهار دفعة واحدة. عانقته بقوة، عناقًا يحمل خوف الأم وصلابتها معًا، ثم مرّرت يدها على وجهه كما كانت تفعل وهو طفل، كأنها تحفظ ملامحه قبل الغياب. أخفى دمعة حارّة، وتظاهر بالقوة، غير أن داخله كان يرتجف. أيّ قوة تلك التي يدّعيها؟ وأيّ كذبة يصدّقها؟ كان عاجزًا عن تخيّل أيامه بعيدًا عنها، بعيدًا عن رائحة البيت، عن تفاصيل صغيرة ظنّها عادية حتى صارت فجأة كنزًا مهددًا بالفقد. راود خليل سؤال قاسٍ لم يفارقه: كيف سيحتمل الغربة ووحشة المدن البعيدة؟ كيف سيواجه ليالي باريس الباردة دون دفء ذلك المكان؟ غير أن الواقع كان أكثر صرامة من مشاعره. الحياة لا تفاوض أحدًا، تدفعك نحو طرق شائكة، ثم تطلب منك أن تمضي مرفوع الرأس. السفر صار حتميّة، ودراسة الطب تحوّلت من حلم شخصي إلى مسؤولية ثقيلة، مسؤولية إنقاذ عائلة بأكملها من فقر يطاردها منذ سنوات. لم يبع الأب من اجل تحمل نفقات دراسة إبنه أشياء جامدة فقط، إنما تخلّى عن ذاكرة كاملة فقد باع قطعة الأرض الصغيرة التي ورثها عن جدّ خليل، تلك التي كان يشير إليها دائمًا باعتبارها سند العائلة وملجأ الأيام السوداء. باعها وهو يعلم أنّه يقطع آخر خيط يربطه بالماضي، وأنه يراهن بكل ما يملك على مستقبل لم يره بعد. رآه خليل يوقّع الأوراق بيد ثابتة ووجه متماسك، غير أنّ صوته يومها كان مكسورًا، كأنّه يسلّم جزءًا من عمره مقابل فرصة واحدة لابنه. أمّه، التي طالما أخفت فقرهم بابتسامة دافئة، فقد أقدمت على ما هو أوجع. جلست ذات مساء أمام صندوقها الصغير، ذلك الذي كانت تحتفظ فيه بذهبها القليل، بقايا شبابها وذكرياتها الأولى، أساورها التي لبستها يوم زفافها، وخاتمًا كانت تقول إنّه حارس الأيام الجميلة. نزعته قطعة قطعة، وهي تردّد بصوت خافت أن الذهب يُعوَّض، أمّا المستقبل فلا. لم تبكِ أمام خليل، اختارت أن تكون قويّة كعادتها، غير أنّ عينيها فضحتا وجعها، وأدرك أنّها كانت تخلع قلبها قبل أن تخلع حُليّها. منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلّق به وحده. صار أملهم الأخير، ومستقبلهم المؤجَّل، والحلم الذي وضعوه بين يديه. أدرك أن فشله لن يكون سقوطه وحده، وأن نجاحه دينٌ ثقيل يجب أن يسدّده مهما كان الثمن. خرج خليل من البيت كمن يخلع جسده ويتركه معلّقًا على عتبة الذاكرة. ألقى نظرة أخيرة على الحيّ الذي سيفتقده، نظرةً أثقل من وداع، وأصدق من ألف وعدٍ بالعودة. هناك، ترك خلفه جزءًا من حياة لا يُعوَّض: وجوهًا، أصواتًا، وخطواتٍ حفظها الطريق أكثر مما حفظتها الذاكرة. كانت أشجار الزيتون مصفرّة، كأنها تشاركه حزنه، تميل أغصانها في صمتٍ نبيل، وكأنها تلوّح له للمرّة الأخيرة. كان الجيران جميعهم يودّعونه، من صغيرهم إلى كبيرهم، بابتسامات متشابهة في ظاهرها، متناقضة في باطنها؛ فلا يدري من يفتقده بصدق، ومن يراه يرحل وهو يبارك الغياب خلف ابتسامة صفراء مثقلة بالحقد. اكترى له أبوه سيارة تقلّه إلى المطار، وقبل أن يركب، ألقى عليه خطبة وداع طويلة، محمّلة بالنصائح والتعليمات، تلك التي لا تُقال إلا حين يعجز القلب عن قول ما هو أعمق. عانقه بصمتٍ موجع، ثم ودّعه. انطلقت السيارة، وكان خليل يحمل حقيبته بيد، وقلبه بكل ما فيه بيدٍ أخرى. كان عليه أن يتعلّم سريعًا كيف يكون أكبر من عمره، وأقسى من خوفه، وأوفيَ للأحلام التي لم تعد تخصّه وحده. صعدَ خليل إلى الطائرة يفتّش عن مقعده بعد انتظارٍ طويلٍ استُنزفت فيه أعصابه بين الفحص والتفتيش وبروتوكولات السفر، ثمّ استقرّ به المقام قرب النافذة، فمال بصره إلى الخارج يشيّع بلده وهو يبتعد رويدًا رويدًا، حتى تقلّص في عينيه إلى نقاطٍ من أضواءٍ برتقاليةٍ باهتة. استسلم لسحر المشهد يراقب السحاب وهو يتشكّل ويتلاشى، غير أنّ النعاس باغته بثقله، وقبل أن يُطبق جفنيه شعر بنظرةٍ تخترق وجهه. التفتَ خليل ليجد الراكب الجالس إلى جواره يحدّق فيه باشمئزازٍ متصلّبٍ وغضبٍ مكبوت. حاول تجاهله متصنّعًا اللامبالاة، غير أنّ الرجل مال نحوه واقترب من أذنه وهمس بفحيحٍ زاحفٍ كصوت أفعى: — كيف تجرأتَ على أخذ غرفتي أيها اللعين القذر؟
لا أدري أهذه القصة حقيقة تسربت من شقوق الواقع أم خيال ولد في عتمة عالم مواز لا تطاله الأعين، فكل ما أعلمه أنني أقف عند حافة الكلام مترددا بين أن أبوح بما رأيت وبين أن أدفنه حيث ينبغي للأسرار الثقيلة أن تدفن، إذ ليست كل الحكايات آمنة حين تروى، وليست كل الحقائق رحيمة بمن يقترب منها أكثر مما يجب. ولعلك تتساءل الآن عما يدفعني إلى هذا التحفظ، وعن السر الذي يجعل كلماتي تمشي على أطرافها كمن يخشى أن يوقظ شيئا نائما في الظلام، والحقيقة أن الأمر يتعلق بالغرفة رقم ثلاثة عشر، تلك الغرفة التي يبدو رقمها عاديا لمن ينظر من بعيد، غير أن الاقتراب منها يبدل الإحساس تبديلا خفيا، كأن الهواء حولها أثقل مما ينبغي، وكأن الجدران تحتفظ بأصداء لا يسمعها كل الناس. لن أدعي الشجاعة في كشف كل ما أعرف، فبعض المعرفة عبء، وبعض الأسرار إذا خرجت من مخابئها لم تعد تقبل العودة، وقد تعلمت بالطريقة التي أتمنى ألا يتعلمها أحد أن الفضول حين يقود خطاه إلى الأماكن الخطأ يدفع ثمنا لا يدفع مرة واحدة، بل يتقاضاه الواقع أقساطا من الطمأنينة والنوم وراحة البال. ولهذا، وقبل أن تمضي أبعد في القراءة، يجدر بك أن تعلم أنني غيرت أسماء الشخصيات وطمست ملامح المكان عمدا، ولم أفعل ذلك ترفا أدبيا أو رغبة في التزيين، وإنما اتقاء لعيون تبحث أكثر مما ينبغي، وخشية أن يهتدي أحد إلى تلك الغرفة فيعيد فتح باب أغلق بثمن باهظ، وتعقد صفقة كان يجب أن تبقى طي النسيان. أما ما سيأتي بعد هذه الكلمات فليس وعدا بكشف كامل، لكنه اقتراب محسوب من حافة شيء ما يزال، حتى هذه اللحظة، يفضل البقاء في الظل… فاقرأ بحذر
أمسك المخلوق بالكتاب الأسود المحترق بيده اليمنى، ومدّ يده اليسرى المرعبة نحو الغطاء.
في غرفةٍ غارقةٍ في العتمة، لا يُبصر فيها شيء، سوى خيطٍ ضعيف من ضوء القمر يتسلّل على استحياء عبر نافذة الغرفة، كأنّه آخر مقاومةٍ يائسة في حربٍ خاسرة ضد الظلام. في إحدى الزوايا التي بلغها ذلك البصيص الشاحب، جلس فتىً على كرسيٍّ خشبيٍّ مهترئ، يحتضنه الصمت، بينما يرسم ضوء القمر حدود وجوده بخفوت. كان ساكنًا تمامًا، يحدّق في مرآةٍ موضوعة أمامه، تعكس هيئة شابٍّ شاحب، أبيض البشرة على نحوٍ غير طبيعي، نحيل الجسد، يبدو كأنّ الحياة قد سُحبت منه قطرةً قطرة. شَعره مموج، لا طويل ولا قصير، أسود قاتم إلى حدٍّ يوحي بأنّه يمتص الضوء المحيط به، كسواد ثقبٍ كونيٍّ لا يُفلت شيئًا من جاذبيته. غير أنّ ما يبعث القلق الحقيقي في تلك الصورة... كانت عيناه. عينان قرمزيتان، حمراوان على نحوٍ غير مألوف، تشبهان نجمين محتضرين، ينبعث منهما وهجٌ خافت، لكنه ثقيل، خانق. انتبه الفتى فجأة من شروده. ثم رفع يده اليسرى ببطء، وقلبها أمام عينيه متأملا إياها . كانت كفّه خالية تمامًا... لا خطوط، لا تعرّجات، لا أثر لتلك العلامات التي تميّز أيدي البشر. فارغة، ملساء، باستثناء خطٍّ واحدٍ فقط. خطٍّ غريب، منفرد، يقع أسفل الخنصر بنحو سنتيمترين، وينطلق مستقيمًا كحدّ السهم، يعبر راحة الكفّ مارًّا أسفل السبابة، كأنّه يشقّ اللحم شقًّا متعمّدًا، محاولًا الالتفاف نحو ظهر اليد... لكنه يتوقّف عند الحافة، كأنّ قوةً خفيّة منعته من الاكتمال. غارقًا في تأمله، بدأت يده ترتجف بلا إرادة. ضيق الفتى عينيه باستغراب، يحاول فهم ما يحدث. وفجأة- قبل ان يستوعب مايحدث . اشتعل الخط . نارٌ سوداء، بلا دخان، بلا لهبٍ مألوف، كأنّ الظلام نفسه قد احترق. اتّسعت عينا الفتى رعبًا، وقفز واقفًا، وصرخ بجنون: «جدي!... جدي!» اندفع نحو باب الغرفة، لكن قبل أن تصل يده إلى المقبض، دار المقبض وحده. بدأ الباب ينفتح ببطءٍ مقيت، مصدِرًا صريرًا حادًّا يخترق السكون. «جدي-» قالها بفرحٍ مرتجف. لكن حين انفتح الباب على مصراعيه... لم يكن هناك أحد. لم يكن سوى ظلامٍ أعمق، أكثف، كأنّه كيانٌ حيّ. تسارعت أنفاسه، وقبل أن يستوعب ما يحدث، امتدّت من العتمة يدٌ سوداء كالفحم، ذات أظافر طويلة حادّة، تمسك كتابًا أسود يشتعل بنارٍ سوداء، مطابقة لتلك المشتعلة في كفّه. «م... ما هذا؟» تراجع مذعورًا، تعثّر بالسرير وسقط فوقه، وسحب الغطاء محاولًا الاحتماء. ثم سمع خطواتٍ ثقيلة... غير بشرية. انكمش تحت اللحاف، يرتجف، وقلبه يكاد ينفجر، وهو يصرخ: «جدييي!... جدييي!» مرّت ثواني و لحظاتٌ بذت كأنها ابدية . ولكن لم يكن هنالك صوت . لا شيء. بعد بعض التردد حاول الفتى مرتجفا اختلاس نظرة من تحت الغطاء. فبدأت نظراته الخائفة تجتاح الغرفة شبرا شبرا . ثم توقّف بصره عند بقعة تسلل لها ضوء القمر. ومنها... تقدّم ذلك الشيء. كائن بحجم البشر، يرتدي عباءةً سوداء تخفي جسده بالكامل من فوق لأسفل باستثناء يديه وقدميه... لكن قدميه لم تكونا بشريتين. بل كانتا حوافر . شهق الفتى من الرعب ، وأغلق عينيه بقوّة، وانكمش تحت الغطاء، يلهث، يرتجف، يصرخ بانكسار: «جدي... جدي... جدي...» ثم اخترق صوت خطوات الحوافر السكون خطوة بخطوة حتى توقّفت عند حافة السرير. أمسك المخلوق بالكتاب الأسود المحترق بيده اليمنى، ومدّ يده اليسرى المرعبة نحو الغطاء. وحين قبض عليه- بدأ يتمتم بلغةٍ غريبة، ملتوية، كأنّها لا تنتمي لأيّ لسانٍ بشري. سدّ الفتى أذنيه بيديه، غير مكترث بالنار السوداء التي اشتعلت في كفّه، وقد بلغ الرعب ذروته. وفجأة... دوّى صوتٌ داخل رأسه. صوتٌ أجشّ، خشن، كأنّه زجاج يخدش بمشط معدني : «تـ... تـ... تيلاس...» «تـ... تـ... تيلاس...» وفي لحظة- سُحب الغطاء من فوق رأسه . فتح الفتى عينيه على اتساعهما بارتباك وهو يلهث ، وجبينه مبلّل بالعرق. وقال بصوتٍ مبحوح: «جدي؟» كان أمام خط بصره رجلٌ عجوز، شعره أبيض، بشرته شاحبة، حفرتها السنين بالتجاعيد، ينظر إليه بقلقٍ واضح ويقول: «تيلاس، ما بك؟ لقد كنتَ تناديني وأنت نائم ، هل كان كابوس ؟ » تنفّس تيلاس بعمق، ثم رد بخوف متمتما : «نعم... إنه كابوس. الكابوس نفسه الذي يراودني دائمًا.» رفع يده اليسرى بقلق، وتأمّل كفّه. لم تكن كما في الحلم. كانت مليئة بالجروح القديمة والخدوش الباهتة. وحين تأكّد من وجودها، تنفّس الصعداء. كان جدّه يحدّق فيه بقلقٍ واضح، ثم قال: «هل تؤلمك كفّك يا تيلاس؟» تردّد تيلاس قليلًا، ثم أجاب: «لا... لكنّي أحيانًا أشعر وكأنّها تحترق.» انقبض قلب العجوز، وقال بحزن: «أنا آسف يا تيلاس... إنه خطئي، لو لم-» قاطعه تيلاس بغضبٍ صادق: «جدي! لا تقل هذا. أعرف أنك فعلت ذلك لمصلحتي... لأنك كنت خائفًا عليّ.» ساد صمتٌ قصير، ثم ابتسم العجوز وقد اغرورقت عيناه: «شكرًا لك يا تيلاس.» ابتسم تيلاس بحبّ: «بل أنا من يجب أن يشكرك، يا جدي.» ربّت العجوز على رأسه ضاحكًا: «لقد أخفتني بصراخك أيها الصغير ! هيا، الفطور جاهز.» ابتسم تيلاس وقال بسعادة: «حسنًااا!» ( السلام عليكم أنا Boumargood، ويسعدني أن أقدّم لكم رواية فانتازيا مظلمة، غارقة في جو شمال افريقيا ، مليئة بالأساطير العربية، المؤامرات المعقدة، والقوى الخارقة. قد تبدو البداية بطيئة قليلًا، ذلك لأنني أحرص على بناء عالم غني ومتماسك، وأطلب منكم منحها بعض الوقت لتكتشفوا أعماقها، خصوصًا أنها ستُقسم إلى عدة مجلدات. وأود التأكيد أن هذا العمل هو مجرد خيال، ولا يقصد به تشويشكم عن عبادتكم أو حياتكم اليومية، وأنا برئ من أي تأثير سلبي قد يترتب عليه. أتمنى أن تنال الفانتازيا إعجابكم وتستمتعوا برحلتها الغامضة.)
في عالمٍ تحكمه الخيمياء القديمة وتختلط فيه عوالم البشر بالجن، حيث لا مكان للضعف ويعلو صوت قانون الغاب، يُلقى بثلاثة أبطال في قلب واقعٍ قاسٍ لا يرحم. أحدهم تطارده في أحلامه رؤى مخلوقٍ سحيق يحمل كتابًا عتيقًا، كأن صفحاته تخبئ قدرًا لم يُكتب بعد. والثانية تناديها في منامها قلادة مهترئة، تشدّ روحها إليها وتوقظ أسرارًا منسية. أما الثالث، فعبدٌ جبان مسحوق، لا يملك سوى حلمٍ واحد... أن ينتزع حريته من عالمٍ لا يعترف بالرحمة. تتشابك طرقهم وسط صراعات الخيمياء والجن، وتُختبر إرادتهم أمام مصيرٍ يتربص بهم في الظلال، حيث كل اختيار قد يكون بداية النجاة... أو السقوط الأخير
قلق وكوابيس أشبهُ بالواقع
أعزّائي القرّاء، هذه الرواية ليست للقلوب الهشّة، فهي تحكي وجعاً لا يُروى إلا لمن يجرؤ على الإصغاء. تنويه: ما ستقرؤونه قد يوقظ أسئلة مؤلمة، ويكشف ظلالاً نفضّل تجاهلها. في إحدى قرى ضواحي بلدة عفرين، عاشت عائلة متواضعة، دافئة رغم بساطتها. ومن بين أفرادها، كانت هناك فتاة تُدعى هيفين. كانت تعيش حياة طبيعية، مرِحة وفضولية، دون أن تدرك أن الفضول، أحياناً لا يفتح أبواب المعرفة… بل يفتح أبواب الجحيم، ويُشعل نيراناً تحرق ما تبقّى من براءة الحياة. في قريتها، كانت هناك كهوف منحوته في الجبال بدقّةٍ أعجز العلماء عن تفسير نقوشها، ولا كيفية نحتها، وكأنها ليست من صنع البشر. لم تكن تعي أن دخولها تلك الكهوف سيغيّر مجرى حياتها إلى الأبد. كانت تدخل الكهوف وتلعب فيها مع أصدقائها، حتى جاء يومٌ بلغت فيه سنّ الرشد، فخفّ لعبها في أرجاء القرية، وكأن شيئاً خفياً بدأ يسحبها بهدوء بعيداً عن الطفولة. بعد أيام، كانت في المطبخ تُعدّ القهوة لعائلتها، تغنّي وتدور بخفّة :دقت مهباجك تدري فيّ اسويت ترا نارك ولعت بيّ وقلبي دقيت فجأة…. لمحت ظلّ رجلٍ يعبر. رفعت رأسها نحو الباب… كان مغلقاً أقنعت نفسها بأنها تهلوس. جلست مع عائلتها، وضحكت، وانتظرت حتى حان وقت النوم. هناك… وجدت نفسها في مكانٍ مظلم. شابٌ حزين يجلس تحت شجرة، يتمتم بكلماتٍ غريبة لا تُفهم. اقتربت منه رويداً رويداً رفع رأسه….ملامحه خفيّة، إلا بؤبؤي عينيه… كانا يشتعلان احمراراً كأنهما لهيب نارٍ غاضبة، لا تُنذر بالدفء، بل بالخطر.ارتعبت. استدارت وبدأت تركض، تركض دون أن تلتفت خلفها، تحاول أن تصرخ، أن تطلب النجدة، لكن صوتها خانها، وكأن شيئًا عالقاً في حنجرتها يمنعها من الكلام. استمرت بالهرب حتى تعثّرت وسقطت. اقترب منها. اتسعت عيناها رعباً وبدأت تزحف إلى الخلف، تبكي بصمت، متشبثة بأملٍ أخير أن يأتي أحد…أيّ أحد لينقذها. استيقظت مرعوبةً تتنفس بصعوبة. ما هذا؟ أيُّ حلمٍ كان ذلك؟! قرأت المعوّذات، ثم عادت إلى النوم من جديد. وبعد مرور أسبوع… كانت هيفين جالسةً مع صديقتها فاتن، تتبادلان أحاديث الفتيات، وترشفان القهوة المُرّة، وتضحكان بملء القلب… فقد كبرتا الآن، وبات مسموحاً لهما أن تحتسيا القهوة التي كانت يوماً محرّمة عليهما. فجأةً… ارتجف جسد فاتن. تبدّلت ملامحها، وانطفأ بريق عينيها، كأنّ ظلًّا مرّ من داخلهما. ارتعبت هيفين، وقالت بسرعة: — بسم الله عليكِ… شو صرلك؟ رفعت فاتن رأسها ببطء، حدّقت في هيفين طويلًا… نظرةً بلا رمش، بلا حياة. ثم قالت بصوتٍ غريب: — هيفين… صوتكِ وأنتِ تتلين القرآن جميل جدّاً يُوسف. يحبّ صوتك كثيراً ضحكت هيفين محاولةً كسر التوتر: — ههههه! مين يوسف يا بنت؟! أجابت فاتن بنبرة جامدة: — يوسف قال لمعتصم إنه يحبّك ويحبّ صوتك ويريدك بالحلال. ومنذ أن بلغتِ سنّ الرشد… ماأستطاع أن يرفع عينيه عنكِ. تسمّرت هيفين في مكانها، وقالت بارتباك: — لك من يوسف؟ ومن معتصم؟! رح تجننيني… كنّا نضحك ونمزح، ليه تغيّرتِ هيك فجأة؟ من هذول؟ عدّلت فاتن جلستها ببطء، ولم ترفع عينيها عن هيفين، ثم قالت: — معتصم يسكن داخل فاتن. وهو صديق يوسف وعلى فكرة… هو ختم المصحف الكريم أيضاً ارتعشت هيفين وهمست: — فاتن… أرجوكِ… لا تُخيفيني. جاءها الردّ ببرودٍ مخيف: — أنا لستُ فاتن. أنا معتصم ضحكت هيفين ضحكةً مصطنعة: — ههههه! تروحي نتف اي!! أنا بحبّ قصص الرعب، وإن كنتِ عم تخاولي تخوفيني… فاطمئني مارح تنجحي قالتها…لكن قلبها كان يرتجف. وعيناها معلّقتان بالباب، تفكّر بأيّ عذرٍ يمكن أن يُنقذها، وتتمنّى ولو لمرّة أن يدخل أحد…أيّ أحد…فتنجو. إلى أن دخلت أمّ فاتن فجأة. في تلك اللحظة، شعشع قلب هيفين فرحًا، كأنّ أحدهم أعاد إليها الهواء. اعتذرت على عجل، وغادرت. كانت ركبتاها بالكاد تحملانها، والارتجاف يسبق خطواتها حتى باب المنزل. طوال ذلك اليوم، بقيت هيفين شاردة، صامتة. تسأل نفسها: هل تُخبر والدتها؟ أم تتجاهل ما حدث، وتعتبره مزحةً ثقيلة من فاتن؟ في صباح اليوم التالي، كانت تتدنّدِن أغانيها المفضّلة وهي تنظّف المنزل، تحاول أن تطرد بقايا الكابوس من ذاكرتها. حين انتهت دخلت لتستحم. فتحت صنبور المياه… فتدفّق البخار بكثافة غير مألوفة. فجأة، خرجت صرخة. لا تعلم من أين جاءت، كانت رفيعة، موجعة، كأن أحداً ما احترق. تجمّدت في مكانها. ثم خافت… وهربت مصدومة. لم يكن هناك أحد. فهل كانت تتوهّم؟ أم أن شيئاً ما بدأ يتسلّل إلى واقعها؟هرعت تنادي أمّها: — ماما… سمعتُ صوت صراخ، هل هناك خطبٌ ما؟ نظرت إليها أمّها بهدوء وقالت: — لا، لا بدّ أنكِ تتوهّمين. عبست هيفين. هل حقاً أتوهّم؟ ما خطبي؟ كان قلبها يخبرها أن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام، خطرٌ خفيّ، شعور ثقيل يتسلّل إلى صدرها… لكنها لم تكن تعلم ما هو. جلست في الصالة تتصفّح هاتفها، تضحك وتمزح مع صديقاتها. كان معظم حديثهنّ عن فتى الأحلام: مواصفاته... أخلاقه، وتلك التفاصيل التي تُقال بخفّة وضحك. اتفقت مع إحدى صديقاتها، كاتي، أن تلتقيا يوم الاثنين. كان كلّ شيء طبيعياً نامت كطفلةٍ بريئة، بلا كوابيس...ولا أحلام.
شيء لا يطرق الأبواب… بل يدخل مباشرة إلى عقلها.لم يعد الكابوس يتكرر — بل يتطور. يقترب. يتكلم. ويترك خلفه آثارًا لا يمكن تفسيرها. حين يصبح النوم فخاً والحلم ساحة مطاردة… كيف يمكن الهرب من عدو يعيش داخل رأسك؟
رميت الظرف بما احتواه بلا اهتمام في القمامة وجلست باسترخاء على الأريكة ممسكة بكتابي، متنعمة بجمال هذا الوقت من كل يوم، فهذه عادة يومية أسعى للمحافظة عليها.
كانت الشمس تتوارى خلف الغيوم.. مشهد غروبها يحبس الأنفاس. أمسكت بكوب الشاي خاصتي وجلست أشاهد هذا المنظر الرائع من خلف زجاج الغرفة، ودون أن أنتبه مضى الوقت وأنا أسرح في السماء وجمالها. حين أدركت كم من الوقت أمضيت هنا، وقفت متوجهة إلى غرفة الجلوس، وضعت الكوب على الطاولة بجانب كتابٍ لم أكن قد أنهيت قراءته بعد، ثم شرعت في إغلاق الستائر... فالليل حلّ وموعد قراءتي المعتادة قد حان.. لكن... استوقفني ظرف ذو لون أبيض أمام باب المنزل فالتقطه بفضول وأنا أفكر في مضمونه. "ستكونين لي وحدي روز... لي أنا فقط حتى لو عنى ذلك أن أقتلك" حسنًا، لقد كان هذا مضمون الرسالة التي وجدتها بداخله... ابتسمت بسخرية. إنه جاك جاري الذي يسكن في الطابق العلوي، يكبرني ببضع سنوات ولديه مثل هذه الحركات السخيفة. رميت الظرف بما احتواه بلا اهتمام في القمامة وجلست باسترخاء على الأريكة ممسكة بكتابي، متنعمة بجمال هذا الوقت من كل يوم، فهذه عادة يومية أسعى للمحافظة عليها. وفي قرابة الواحدة بعد منتصف الليل، ومع تسارع أوتار الأحداث في الرواية، كانت تتسارع وتيرة الطرقات على باب منزلي أيضًا. • "من يكون الطارق في مثل هذا الوقت؟" تأففت. • "أوه، ومن سيكون غيرك يا جاك؟" قلت ذلك وأنا أنظر إلى وجهه بعد أن رأيته من العين السحرية وفتحت له. -"سعيدة برؤيتي أليس كذلك؟" • "أيها الأحمق، ما الذي يدفعك لطرق باب منزلي في مثل هذه الساعة أو أي ساعة من اليوم حتى؟" -"حسنًا، لقد جئت لكي أجعل تهديدي أكثر جدية." • "ما الذي تقصده بهذا؟" -"تعرفين.. الرسالة.. لقد كتبتها لك، هل فهمت معناها؟" لمحت يده وهي تخرج سكينًا من جيب سترته. • "بحقك يا جاك، هذا ليس وقت مزاحك الثقيل." قلت ذلك وأغلقت الباب في وجهه، لا أعرف كيف يتحملون ثقل دمه بحق. حسنًا، لديه سكين ويهددني أجل، لكنها ليست المرة الأولى أنه يمزح فقط... ومن يدري قد يفعلها بحق يومًا ما، ولكنني الآن سأستمتع بما يحدث في روايتي وأنشغل عن هذا العالم قليلًا. ~~~~~ صوت رنين هاتف مزعج. • "مرحبًا" قلت بنبرة ناعسة. ° "روز، أين أنتِ يا فتاة؟ لقد بدأ العمل بالفعل إن لم تدركي ذلك بعد." "العمل ماذا؟!!" نهضت. • "أوه يا للهول، لقد سهرت طوال الليل وأنا أقرأ، لم أنتبه للساعة، أغلقي الآن، أنا قادمة." ركضت باتجاه غرفتي وحاولت أن أستعد بأقصى سرعة لدي لكي لا أتأخر أكثر من ذلك. ومعلومة صغيرة لربما تفيدكم: أنا أعمل صحفية في جريدة يقع موقعها قريب من هنا، ولذلك انتقلت إلى هذا المنزل. قد كنت طفلة تحب قصص الرعب وكبرت وأنا أقرأ أخبار الجرائم حول العالم لأصبح الآن أكتب وأبحث عن هذه الأخبار بنفسي. ° "لقد تأخرتِ." • "أنا أعلم أعلم، لكن ليس كثيرًا على الأقل، ثم هذه ليست طريقة لائقة للترحيب." ° "هذا صحيح، لكن في المرة القادمة المدير هو من سيرحب بك وبطريقته الخاصة... ربما بطردك روز." • "آه هيا، إنها بضع مرات التي تأخرتها فقط، إنها لا تستحق." ° "قولي هذا له وليس لي، والآن تحركي، هناك مقال عن مجرم يجب أن يكتب." • "حسنًا، هذه هي الأمور التي أحب سماعها." جلست في مكتبي، أمامي الكثير من الأوراق والصور... عدة أشخاص قد اختفوا دون أثر، وهذه المرة أكتب عن أمر يحدث في المنطقة التي أسكن بها، أي أن الخطر قريب وقد يكون أي أحد بقربي هو الضحية القادمة... أو المجرم المطلوب. لكن هناك أمر مريب.... لقد كتبت عن اختفاء خمسة دون أثر في منطقة مختلفة... وقبلهم أيضًا خمسة في منطقة أخرى... الفاصل بين كل واحدة قرابة ثلاثة أشهر، ولو افترضنا أن خمسة من هنا سيختفون أيضًا فهذا يعني أنه.... قد تبقت ضحية واحدة. تفكيري بكل هذا لا حاجة له، فأنا في النهاية مجرد صحفية، مهمتي أن أكتب عن الجرائم لا أن أتحرى عنها.... لكن هناك فضول يدفعني لكي أعرف كل شيء، أريد أن أكتشف الحقيقة بنفسي ولو لمرة واحدة بدلاً من أن أكتب عنها. أذكر قصة مشابهة قرأت عنها في مراهقتي لكنني لم استطيع الوصول للنهاية ربما حان الوقت لكي اعيش أمرا مشابهاً و أصل إلى النهاية وحدي....لا بأس أن عشت دور المحقق لبضع ساعات أليس كذلك ؟ أمسكت قلمي وجمعت كل شيء على المكتب، أحاول صياغة الخبر وفي نفس الوقت حل اللغز. ° "روز هيا، أنتِ غير معقولة أبدًا، تصلين متأخرة وتغادرين متأخرة أيضًا." • "أنا قادمة، لماذا أنتِ كثيرة الكلام هكذا؟" عدنا أنا وهي معًا ثم افترقنا عند طريق جانبي، كنت أسير وشممت رائحة شواء قريبة تلفت، فإذا بي أرى جاري الذي يقع منزله بجانب منزلي تمامًا وبينهما سور خشبي يفصل الحديقتين فقط. • "مرحبًا سيد الكسندر." ~"أوه أهلًا، كيف كان عملك اليوم؟" • "جيدًا، وأنت؟" ~"كما ترين، أستعد لحفلة العشاء مع عائلتي مثل كل أسبوع." • "حسنًا، بالهناء سيدي، إلى اللقاء." إنه يبدو ودودًا لكن في كل مرة لا يحضر أحد من عائلته ويقوم بحفلة شواء لوحده... أو هذا ما لاحظته فوقت ذلك متأخر دومًا لذلك لا أرى ما يفعل بحق. أغلقت الباب خلفي وارتميت على السرير بإرهاق... لا زلت أفكر.. هذا اللغز عليّ أن أحله، لا تهمني الشرطة وتحقيقاتها، أريد أن أصل إلى الحقيقة وحدي وليس أن أكتب عن أشياء مزيفة كما في كل مرة... بعض التغيير لن يضر. بعد نصف ساعة كنت قد اعددت كوبًا من القهوة ودفترًا وقلمًا وبدأت بكتابة كل ما أعرفه. حسنًا إذًا لو ربطنا بين هذه الوقائع الثلاث وبافتراض أن المجرم المسؤول عنها هو الشخص ذاته فهذا يعني أنه متنقل، وهكذا يمكننا أن نحصر تفكيرنا في الذين انتقلوا إلى هنا حديثًا... وأنا على رأس القائمة... قد أكون أنا القاتل وأفعل ذلك دون وعي مني... أجل لربما كثرة الجنون الذي أقرأ عنه جعلني كذلك. لدينا أيضًا ثلاثة انتقلوا حديثًا غيري: جاك، السيد الكسندر، والسيدة كوليت -انتقلت لكي تبيع الزهور- لكن قد تكون امرأة خمسينية مجرمة أيضًا، هذا وارد جدًا. كتبت أسماءهم أمامي، ارتشفت آخر ما تبقى من الفنجان ثم أغلقت الدفتر وكتبت على ورقة ملاحظات صغيرة ماذا سأفعل غدًا في العمل. عليّ أن أخرج كل ما كتبته من قبل عن الجريمتين السابقتين.. يجب أن أعرف كيف اختفوا، ماذا قال القريبون منهم، وما هي أداة القتل... ففي نهاية كل جريمة وجدت أجزاء من كل ضحية مدفونة معًا في حفرة وسط غابة. إنها ليست حالات اختفاء عادية بل جرائم قتل مدروسة بعناية. الأمر يصبح مثيرًا أكثر. °"حسنًا حسنًا، انظروا من وصل باكرًا اليوم." •"أجل، تعرفين الالتزام بالمواعيد مهم." توجهت إلى مكتبي مباشرة. جمعت كل ما كنت أريد وجلست أقرأ. خمسة أشخاص لا يعرفون بعضهم فقدوا خلال فترة زمنية متقاربة يسكنون في المنطقة ذاتها أيضًا، وبعد الفحوصات التي أجريت على اللحم في الغابة كانت الصدمة... اللحم المدفون كان يعود إلى الخمسة الذين فقدوا.. الأداة المستخدمة حادة كفأس... أو سكين ضخمة! لم يكن هناك أمور غريبة قبل اختفاء أحد منهم، بعض الجيران ذكروا شيئًا عن سماع صوت شيء يسقط أو اشتمام رائحة كالدخان، والباقي كانت منازلهم منعزلة نسبيًا. حسنًا ربما قليل من الرعب بدأ يتسلل إليّ... اختفاء أربعة في منطقتنا جعل الشرطة في كل مكان لكن أربعتهم كانت أماكن سكنهم متقاربة للغاية مما جعل الشرطة تصب اهتمامها على تلك المنطقة والتي بالمناسبة أبعد ما يمكن عن منزلي الذي أصل إليه بالسير في طريق جانبي يبتعد عن مركز المدينة. لكن هذا اليوم لم أغادر عند انتهاء ساعات العمل بل كنت كل الوقت أحاول التركيز... من من الممكن أن يكون القاتل... بائعة ورود لديها بعض الاشياء الاخرى التي تبيعها كالمباخر و الشموع صياد وموظف متقاعد ودود و لكنه لا يزور أحدا و لم يشاهد احد في منزله قبلاً شاب يهددني بالقتل غريب أطوار قليلا و لديه الكثير من التنقلات حسنًا... لقد بدأت أكره اللحظة التي انتقلت فيها إلى هنا. بدأ الظلام يتسلل إلى المكتب، لقد غرقت المدينة في الليل ولم أعد بعد.... لذا قمت بإغلاق المكان وبدأت بالسير. الجو هادئ، السماء صافية والهواء منعش فعلًا. ~"روز كيف حالك؟" نظرت إلى جانبي حيث صدر الصوت. •"أوه أهلًا سيد الكسندر، ما الذي تفعله في الخارج في مثل هذا الوقت؟" ~"إنني أستعد للعشاء، أترغبين بمشاركتي؟" •"حسنًا ربما المرة القادمة." ~"تعالي لن تخسري شيئًا." لم أكن أرغب بكسر خاطره فأجبته بنصف ابتسامة. •"حسنًا سأجلس لخمس دقائق فقط ثم عليّ العودة لمنزلي." خطوت أول خطوة في حديقته واستقبلني هو ممسكًا بيدي. ~"أجل أجل بالتأكيد." وأنا أسير معه وقد وصلنا بالفعل إلى آخر الحديقة، شعرت بيده تضغط على ذراعي حيث المرفق حتى بانت عروقي. •"يا للهول، افلتني، ما الذي تفعله؟" ~"أوه سأفلتك بالفعل." وهو يقول ذلك كنت قد شعرت بوخز في ثنية مرفقي حيث يضغط هو. •"آه ما هذا أيها المجنون ابتعد." رميت الحقيبة التي كنت أمسكها في يدي الأخرى عليه محاولة أن أبعده عني وأدافع عن نفسي ثم أزلت الإبرة لكنني وجدتها فارغة بالفعل. •"أيها ال** ما هذه المادة ماذا فعلت؟" ~"أوه لا تقلقي، إنه القليل من... الكورار." •"الكو ماذا؟" كنت أشعر بوخز خفيف في مكان الحقنة ينتشر بسرعة. ثم جفوني ثقلت فجأة وشعرت بشيء غريب.. حتى عضلات وجهي لا أستطيع تحريكها كما أريد. •"ماذا فعلت بي قل." ~"اهدئي أيتها الصغيرة... لن يسمعك أحد على أي حال فصديقك ليس هنا والبقية بعيدون بما يكفي." لم أعد قادرة على أن أرمش وأجد صعوبة في البلع والكلام. •"ما ما هذا ماذا يحدث لي؟" ~"إنها البداية فقط البداية، تحملي قليلًا بعد." أحاول بكل جهدي أن أتحرك أن أقترب منه وأضربه أو أن أهرب حتى لكن هناك ضعف في أطرافي، أنا لم أعد قادرة على تحريكهما . وبلحظة غير متوقعة سقطت على الأرض، عيناي مفتوحتان، عضلاتي عاجزة عن الحركة ولكنني أعي كل شيء. رأيته ينزل إلى مستواي. ~"إنه الكورار يا عزيزتي، سم كنا نستخدمه في الصيد لكن له استخدامات أخرى كذلك... كأن أجعلك الآن مشلولة لكنك تسمعينني وتدركين كل ما حولك." نظر إلى ساعته ثم قال: ~"لقد مرت بالفعل أربع دقائق، ستبدئين بالشعور بشلل كامل ولن تستطيعي التنفس حتى." استقام ثم نظر لي وهو يكمل: ~"لكن لا تقلقي أنا من سيريحك من هذا العذاب." كنت أشعر برعب شديد. ملمس العشب الطري بجانبي.. الأرض القاسية تحتي ونسيم الهواء الذي يلامس بشرتي.. كل هذا كنت أشعر به لكن لا يمكنني أن أتحرك أبدًا أو أحرك أي شيء بي. رأيته يقترب مرة أخرى... و... وما هذا؟ ~"تبدين مذهولة بلعبتي الصغيرة، هل تعجبك... إنها فأسي الغالية... ستحبينها لا تقلقي، هي من ستنجيك من هذا العذاب وترسلك إلى خالقك أيتها الجميلة." كانت نبضات قلبي تتسارع بشكل جنوني والعرق البارد يتصبب مني بغزارة... الخوف والرعب قد تمكنا مني تمامًا. ~"هل تعلمين أنتِ مميزة بالفعل، ف على عكس كل الذين سبقوك أنتِ الوحيدة التي كنتِ تقتربين من الحقيقة... لكنك حمقاء بالفعل." انخفض وأمسك بفكي بقوة، كنت كتمثال خشبي لا يقدر على الحراك، إنه يستطيع أن يوجهني كيفما أراد دون أن أقاوم لكن روحي كانت تعاني داخل هذا الجسد المتصلب. ~"تدرين روز، من المهم أن تبني علاقات ودية مع الآخرين لكي لا يشكوا بك... حسنًا هذه نصيحة لن تفيدك الآن." "بالتأكيد تتسائلين عن سبب ما يحدث و لماذا اقوم بكل ذلك.... حسناً بعض البشر لم يحالفهم الحظ في حياتهم كما تعرفين... أعني هل جربت يوماً أن تتعرضي لأساءة جسدية و انت طفلة...أن يحرق حيوانك الاليف أمام عينيك...أن تكوني مطفأة سجائر مثلا...انت محظوظة يا فتاه انت أول من اكشف له كل هذا..... و مميزة أيضا بطريقة مبهرة.... مجرد صدفة قادتني إليك... صدفة جعلتني أرى وجها فيه من الشبه بأمي ما يعجز اللسان عن وصفه ...و قد كنت اكره أمي... أنا لست مجرما روز أنا ضحية هذا العالم و ها أنا أخذ حقي منه بنفس الطريقة " أفلت وجهي واصطدم بالأرض بقوة، أشعر بكل الألم ولكن الصراخ محبوس داخل حنجرتي. حرك وجهي لكي أستطيع رؤيته ثم قال: ~"سأريك شيئًا جميلًا آخر، انتظري هنا.... لحظة، أنتِ بالفعل لا تستطيعين فعل شيء سوى انتظاري." ابتسم ابتسامة مختلة ورأيته يسير نحو غرفة منعزلة في زاوية الحديقة. كيف لم أشك به منذ البداية؟ رائحة الشواء الأسبوعية، الدخان الذي اشتمه القريبون من مسرح الجريمة، بقايا الاجزاء من الجثث مجهولة المكان حتى الآن وصوت شيء يسقط.. ربما يكون فأس أو جسم المجني عليه. ثم ماذا يقصد بأنه ضحية و تعرض للعنف.... بل و ما شأني انا في كل هذا...الأنني أشبه امه التي يكرهها بات علي أن أكون ضحيته القادمة.....لكن من الواضح أنه انعكاس لما عاشه من قبل و يكرر التعذيب و المعاناة التي تعرض لها بطريقة مميتة على أشخاص عشوائيين ظناً منه أنه يأخذ بثأره. هذا هو الجنون بعينه. عاد وهو يحمل كيسًا أسود ثم رماه قريبًا من وجهي، كان يمتلك رائحة سيئة للغاية.... وما بداخله أسوأ. فور رميه بجانبي رأيت قطع لحم نيء تسقط منه. أصابتني نوبة هلع لكن جسدي كصخرة يأبى التحرك، أحاول الصراخ أن أقوم بأي حركة لكن دون جدوى. ~"رُؤيتكم وأنتم تحاولون الصراخ هو أكثر ما يسعدني بحق." "والآن ما رأيك بأن نضمك إلى أصدقائك؟" أمسك بالفأس بكلتا يديه. ~"لكن أنتِ ستكونين مختلفة... سنلهو معًا قليلًا قبل أن أجهز عليكِ." رفع ما بيده قدر استطاعته، رأيت لمعان ضوء القمر على المعدن، شعرت بضغط دمي يرتفع وكأن شراييني ستنفجر. ثم وفي لحظة سريعة كانت الدماء تتدفق من ذراعي كشلال لا ينضب... شعرت بالألم في كل خلية مني وكأن سكاكين صغيرة كانت تمزق كل قطعة لوحدها... عظمي تفتت وسحق تحت وطأة الضغط، الألم يزداد مع كل نبضة قلب وتنفسي اضطرب وأصبح شبه معدوم، كنت أختنق، أريد أن أصرخ أن أبدي أي رد فعل لكن ما من شيء يمكنني فعله، حتى دموعي كانت تنزل ببطء وصعوبة وبدأت رؤيتي بالتشوش لدرجة أنني لم أعد أرى ملامح وجهه البعيدة. لكنني رأيته وهو يتحرك وهو يرمي ذراعي بجانب الكيس. ~"إنها قطعة مميزة بالفعل، سيتعرفون على صاحبتها فورًا عندما يجدونها." "أما الآن... حان وقت حفلة الشواء الأسبوعية." شواء! كانت البرودة تتسلل إلى كل أنحاء جسدي لكنني حاولت تجاهل الألم ولو للحظة والتركيز على ما حاولي. كان هناك رائحة دخان بالفعل وكانت تقترب أكثر فأكثر لأن المشواة المعدة لاستقبال اللحم قد وضعت قريبًا مني. ~"حسنًا لقد انتهى دوركِ هنا." كل ذكرياتي بدأت تتزاحم في عقلي دون رحمة: طفولتي البريئة التي أمضيتها مع والديّ، مراهقتي وسط كتب الرعب والجريمة، تخرجي وقبولي في العمل، ثم أخيرًا انتقالي إلى هنا، التعرف على جاك المجنون الذي كان يهددني بالقتل إن كنت لغيره... مستعدة لأعيش معه عمري بأكمله مقابل أن أتخلص من هذا الرعب الذي أعيشه الآن... على الأقل كان سيقتلني لو كنت لغيره، إما الآن أنا أُقتل من أجل متعة سادي لا يعرف الرحمة... بل لا أعلم بحق ما سبب قتلي الوجيه. كنت أذكر كل شيء، كل ثانية وكل دقيقة عشتها، وكل ذلك في اللحظة التي لحقت كلامه، وها هو الآن يعيد رفع الفأس بيديه الاثنتين، وكل ما لي الآن هو الرعب الذي يشل أطرافي قبل أن يفعل السم حتى، وأن أدعو بالرحمة لنفسي... انتهى كل ذلك بضربة قاسية على الرقبة لحقتها ضربات عديدة مقطِعةً بقية الجسد. تحرك باتجاه المشواة ثم نظر إلى الكيس المرمي أرضًا. "سأدفُنكَ غدًا وسننتقل إلى القرية المجاورة." ـ"سيد الكسندر هل أنت هنا؟" التفت وجهه بسرعة، أمسك المزيد من الأكياس البلاستيكية الكبيرة وقام بتغطية الجثة المتمددة على الأرض ثم ذهب باتجاه البوابة. ~"أوه جاك، أهلًا بك." ـ"اعتذر عن هذا الوقت المتأخر لكنني فقط أردت أن أسألك عن روز، هل رأيتها اليوم؟" ~"روز؟" ـ"أجل أنني لا أجدها في المنزل وصديقتها تقول إنها تأخرت في العمل." ~"لا لم أرها، كنت منشغلًا بإعداد حفلة شوائي الأسبوعية كما تعلم." قال ذلك مع ابتسامة حاول جعلها بريئة وودودة قدر المستطاع. -"حسنًا أعتذر عن إزعاجك سيدي." رمقه جاك بنظرة طويلة فيها بعض الشك وكأنه لا يصدق ما يقول لمس بأصابعه على سكينه المخبأ في السترة ..كان في داخله شيء يرفض تصديق كلام هذا العجوز..لكنه غادر إلى شقته مبتعدًا مثقل الخطى. ابتسم الكسندر بهدوء ابتسامة شيطانية تعكس حقيقته متمتمًا: "ترى هل سنجعل في هذه المنطقة ستة ضحايا؟" * نهاية
روز صحفية تعمل في جريدة بسيطة يترتب عليها في يوم من الايام أن تكتب عن قضية اختفاء عدة أشخاص في منطقة سكنها لكنها تحاول أن تفعل أكثر من ذلك و تعثر على المسؤول عن ذلك.... قضية اختفاء تتحول الى جرائم قتل متسلسلة و روز التي يدفعها فضولها لكشف الحقيقة يتبين أنها قد تورطت في شيء أكبر من ذلك
أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.
"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"
"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"
عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.
"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"