العودة للماضي | دي لوكا إرث الخطيئة
جاري التحميل...
دي لوكا إرث الخطيئة
الملف المفتوح أمامه لم يكن مجرّد أوراق تدريب... بل فكرة اقترحها بنفسه، حين قال إن برنامج المتدرّبين صار قديمًا، هشًّا، لا يصنع ضباطًا حقيقيين.
بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة ممتعة
__ قبل 15 عاما __
كان المكتب غارقًا في صمتٍ كثيف، صمتٍ له وزن، يضغط على الصدر كما تفعل الاعترافات المتأخرة.
لم يكن يُسمَع سوى نقر عقارب الساعة، كأن الزمن نفسه يراقب... وينتظر سقوط أحدهما.
جلس الطبيب على الأريكة، جسده حاضر وعقله غائب، عيناه معلّقتان بالأوراق فوق الطاولة، لا يقرأها، بل يحدّق فيها كما يُحدّق رجل في قبرٍ لم يُدفن فيه بعد.
وقف الجنرال قرب النافذة، ظهره للطبيب، يراقب مدينةً ظنّ يومًا أنها تفهم معنى الحماية وقد اقسم علي حمايتها.
الضوء الرمادي ينسكب على كتفيه، فيجعل قامته أشبه بظلّ قانونٍ لا يرحم.
- متى قررتَ أن تصبح قاتلًا؟
قالها بهدوءٍ جارح، دون أن يلتفت.
كأن السؤال لم يكن بحاجة إلى وجه.
تجمّد الطبيب.
لا لأن الكلمات كانت مفاجِئة...
بل لأنها خرجت من فم الرجل الوحيد الذي كان يظنّه مرآته.
لم يسأل: عن ماذا تتحدث؟
ولم يتظاهر بالجهل.
قال فقط، بصوتٍ بدا أصلب من قلبه وعقله في تلك اللحظة:
- أنتَ تعلم.
- أعلم،
قال الجنرال وهو يستدير ببطء،
- وأعرف أكثر مما تتخيّل.
التقت عيناهما.
لم تكن مواجهة رجلين...
بل صدام ذنبٍ بواجب.
- الكولونيل روما،
قال الجنرال،
- كان تابعًا لي منذ خمسة عشر عامًا.
- كان فاسدًا،
اندفعت الكلمة من فم الطبيب كمن يقذف خشبة نجاة في بحرٍ أسود.
- لم يكن فاسدًا،
ردّ الجنرال ببرودٍ قاسٍ،
- وكان تحت حمايتي.
ثم أضاف، كطعنة ثانية:
- حمايتي أنا، لا حماية أولئك الذين تسميهم "رجال الدولة".
ارتعشت شفتا الطبيب.
للحظة واحدة فقط...
ثم أعاد قناع السيطرة إلى مكانه.
- كان فاسدًا...
قالها أضعف،
- فاسدًا بما يكفي ليُقتل.
ابتسم الجنرال ابتسامة بلا دفء.
- لا.
اقترب خطوة.
- قتلته لأنك اخترت طريقًا لا يُفرش إلا بالدم.
قتلته لأنك أردت الصعود... لا العدالة.
خفض الطبيب نظره.
وفي داخله، انفتح باب الذاكرة دون استئذان.
وجه زوجته.
تلك الليلة.
الهاتف الذي رنّ بعد منتصف الليل.
الصوت الهادئ الذي قال:
زوجتك جميلة فعلًا.
ثم الصورة.
الدم.
والرسالة:
نفّذ.
ولا تخبر أحدًا.
وإلا...
عاد إلى اللحظة على صوت الجنرال:
- أصبحتَ جزءًا من لعبة قذرة،
قالها بهدوء قاتل،
- وستُحاكم.
رفع الطبيب رأسه ببطء:
- ستحطّمني.
- سأفعل الصواب،
ردّ الجنرال.
- حتى لو قاد الصواب إلى تدميرك.
تردّد الطبيب، ثم سأل بصوتٍ بدا كصدى رجل يغرق:
- وماذا عن ابنتي؟
سكت الجنرال لحظة.
لحظة طويلة بما يكفي لتنكسر فيها أشياء غير مرئية.
- لم أفكّر فيها،
قال أخيرًا،
- كما لم تفكّر أنت في أبناء الكولونيل عندما ضغطتَ على الزناد.
ابتسم الطبيب ابتسامة واهنة، تشبه اعترافًا بلا غفران:
- فكّرتُ...
قال الجنرال.
__ وهل تفكيرك بأبنائه منعك من القتل؟
- تعلم أن محاكمتي ستمسّ أسماءهم،
قال الطبيب بصوتٍ منخفض.
- وهذا ما لن يرضوا به.
سيدمّرونك، سيجعلون منك خائنًا.
سيدمّرون عائلتك... أخاك، أبناءك.
- أتهددني؟
- لا...
قالها الطبيب بهدوءٍ ميت،
- أنا أصف لك النهاية.
ساد الصمت.
صمتٌ يشبه المقابر قبل أن تُغلق.
قال الجنرال أخيرًا:
- غدًا صباحًا... أقدّم الملف.
أغمض الطبيب عينيه.
ليس خوفًا.
بل وداعًا أخيرًا لرجلٍ كان يومًا صديقا... قبل أن يصبح سرًّا يجب دفنه.
- كنتُ أتمنى لو كنتَ أقل نزاهة،
قال.
- وأنا كنتُ أتمنى لو كنتَ أقل خيانة،
ردّ الجنرال.
تبادلا النظرة الأخيرة.
الجنرال رأى مجرمًا يجب أن يُمحى.
والطبيب رأى صديقًا...
سيقتله باسم القانون،
تمامًا كما قتل هو غيره باسم الخوف.
__ الحاضر __
كان جالسًا خلف مكتبه بعد يومٍ عملٍ شاق، يُرتّب بعض الأوراق ويوقّع أخرى بلا تركيز حقيقي.
الملف المفتوح أمامه لم يكن مجرّد أوراق تدريب... بل فكرة اقترحها بنفسه، حين قال إن برنامج المتدرّبين صار قديمًا، هشًّا، لا يصنع ضباطًا حقيقيين.
والآن، وقد أُسندت إليه مهمّة إعادة صياغته، أدرك متأخرًا أنه وضع نفسه في ورطةٍ صنعها بيده.
لكن التراجع لم يكن خيارًا.
كان عليه أن يستمر.
أن يُثبت، مرّة بعد أخرى، أنه لم يتسلّم هذا المنصب لأن اسمه دي لوكا، بل لأنه يستحقه.
فأن يتسلّم رجل في عمره هذا المنصب كان شبه مستحيل...
والمستحيل لا يُغفر له أي خطأ.
- ادخلي.
قالها عندما سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
دخلت، واتجهت مباشرة إلى سريره وجلست عليه، كأن الغرفة ملكها، وكأن وجوده لا يفرض عليها الوقوف.
استدار بكرسيه نحوها، مرّر أصابعه في شعره الأسود بإرهاق، نزع نظارته وفرك عينيه.
حتى الأعمى كان ليُدرك تعبه؛ من ثقل كتفيه، من صمت حركاته.
سهولة قراءته لم تكن صفة مألوفة في رجل يحتل منصبًا كهذا...
لكن يبدو أن وجودها، أو كونه في غرفته، كان كافيًا ليُسقط بعض دفاعاته.
وضع النظارة على المكتب، أعاد تركيزه إليها، وسأل بنبرة مقتضبة:
- ماذا تريدين؟
- أريدك أن تسحب طلبك.
توقّف لثانية، لا أكثر.
ثم قال بهدوء:
- لماذا؟ ألم تكوني أنتِ من أرادتِ التسجيل في برنامج الضباط التقنيين؟
- نعم، أردت... ولكن ليس في وحدتك.
لا أريد العمل معك.
قالتها بحدّةٍ خفيفة، مشوبة بتوترٍ تحاول إنكاره.
نظر إليها طويلًا. نظرة ثابتة، باردة، لا تحمل جدلًا.
ثم قال بصوت محسوب:
- إذا أُلغي طلبي، فعليكِ أن تُدركي أن العمل في وحدة أخرى غير متاح.
إن كنتِ تريدين فعلًا تجربة عمل الضابط التقني الميداني...
فعليكِ القبول.
والعمل في وحدتي.
اشتعل الغضب في عينيها.
- ومن أنت لتقرر إن كانت هناك وحدة ستقبلني أم لا؟
رفع حاجبه ببطء، كأن السؤال أضحكه أكثر مما استفزّه.
- أنا الكولونيل لورينزو دي لوكا، قائد وحدتك.
قالها ببرودٍ متعمَّد، بابتسامة خفيفة يعرف جيدًا كيف يستخدمها كسلاح.
لم تفكّر.
التقطت إحدى وسائد السرير ورمته بها بقوة.
- إذًا، يا سيّد كولونيل، سأذهب لأتحدّث مع وزير الدفاع سيباستيان دي لوكا.
ولنرَ كيف ستتجرأ على كسر كلمته عندما يأمرك بسحب طلبك.
استدارت بعصبية واتجهت نحو الباب، عازمة على تنفيذ تهديدها.
لكن صوته سبقها...
ضاحكًا.
ضحكة واثقة، مستفزّة، تعرف أنها ستلاحقها حتى خارج الغرفة.
- وأنا سأنتظركِ في الوحدة غدًا صباحًا.
توقّفت لثانية.
لم تلتفت.
فتحت الباب... وخرجت.
خرجت تايلور من غرفة لورينزو وهي تشتاط غضبًا.
شبكت يدها بيد صوفيا، التي كانت تنتظرها عند الباب، وقالت بحدّة:
- لنذهب إلى والدك.
تعثّرت خطوات صوفيا قليلًا.
- لماذا أبي؟
سألت باستغراب.
- لأن ابن عمك رفض سحب طلبه،
قالت تايلور وصدرها يعلو ويهبط.
- والآن لم يعد أمامي سوى عمي سيباستيان. سأجعله يُلغي الطلب... وسأتحرّر من سيطرته.
كانت كلماتها مشبعة بالغضب، حتى إنها لم تنتبه في البداية إلى أن يد صوفيا لم تعد متشابكة بيدها...
ولا إلى أنها لم تعد تسير بجانبها.
توقّفت تايلور، والتفتت خلفها.
كانت صوفيا تقف في الرواق أمام باب غرفتها.
وعندما التقت عيناها بعيني تايلور، أشارت لها ببرود خفيف وقالت:
- اصعدي.
أول غرفة من جهة اليمين... مكتب أبي.
وحظًا موفقًا في إقناعه، صديقتي العزيزة.
ثم دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
شعرت بالخيانة من حركة صديقتها،
لكنها لم تسمح لهذا الشعور أن يحتلّها طويلًا.
استدارت وصعدت إلى الطابق الثالث، حيث يقع مكتب سيباستيان،
عازمة على حسم هذا الأمر أولًا...
ثم العودة لاحقًا لمحاسبة صوفيا.
كان مكتب سيباستيان دي لوكا
ليس فقط مكتب وزير دفاع...
بل مكتب رجل يعرف أكثر مما يقول.
الجدران الداكنة، رائحة الخشب العتيق، وصور عسكرية مؤطّرة بعناية، تراقب الداخلين بصمتٍ ثقيل.
وقفت تايلور أمام مكتبه، ويداها متشابكتان خلف ظهرها، تحاول إخفاء اضطراب لا يليق بها.
رفع سيباستيان نظره إليها ببطء.
نظرة العم... لا الوزير.
- من ارتجافك أفهم غضبك،
قال بهدوء يعرفها منذ كانت طفلة.
- والوقوف أمامي هكذا يعني أنكِ جئتِ لتحاربي، لا لتطلبي.
لم تجلس.
- عمي،
قالت بصوت مشدود.
- أرجوك اطلب من لورينزو أن يسحب طلبه.
أنا لا أستطيع مخالفة المسؤولين... لكنه يستطيع سحب الطلب وإنهاء الأمر.
لم يتغيّر وجهه.
لم يُفاجأ.
أغلق الملف أمامه بهدوء، ثم شبك أصابعه.
- كنتُ أعلم أنكِ ستأتين.
- إذًا تعلم أيضًا أنني لا أريده قائدًا لي،
قالت بحدّة مكتومة.
- لماذا لا تجعله يسحب الطلب؟
نهض سيباستيان من خلف مكتبه، واقترب منها خطوة.
- لأنني موافق على كونه قائدك، لقد أخذ إذني قبل أن يتقدّم بالطلب،
تابع بصوت ثابت،
- عندما سمعكِ تقولين إنكِ ستتقدّمين لبرنامج الضباط التقنيين.
وأعطيته موافقتي لأنني أثق بأنه سيحميك.
سكت لحظة، ثم قال:
- أنتِ تدخلين عالمًا خطِرًا... وتُصرّين على التوغّل فيه.
لم يمنعكِ أحد، ولا حتى أخوكِ، رغم اعتراضه.
والآن... حان دورك لتستمعي لنا.
تشنّج فكّها.
كانت تعلم أن كل كلمة قالها صحيحة.
لكنها لم تكن ممن يعترفون بالهزيمة.
- لكن الجميع سيقول إنني هنا بسببه،
قالت بإصرار.
- لأنه ابن خالتي، ولن يعاملني أحد بعدل.
- الجميع سيصمت عندما يرون أنكِ تستحقّين وجودك،
ردّ سيباستيان بهدوء.
- ثم إنهم لن يعرفوا أصلًا.
هو لورينزو دي لوكا...
وأنتِ تايلور مارك.
اقترب أكثر.
- لا أحد سيكتشف صلتكما.
وفي النهاية، هي بضعة أشهر...
تنهين البرنامج وتعودين إلى مقر عملك.
هذه المرة... لم تجد ما تناضل به.
لا لأنها استسلمت،
بل لأنها استوعبت كلامه،
وتعلم أن له الحق في كل كلمة قالها.
هي من خالفت رغبة أخيها، وأبناء خالتها، وحتى هو الذي تعتبره عمّها، من أجل هذه الوظيفة،
وجعلتهم يخضعون لمطالبها.
والآن... حان دورها لتفعل.
استدارت نحو الباب، وقالت بصوت أخفض:
- فهمت، عمي.
وخرجت.
كانت تكره اضطرارها للذهاب إلى الكتيبة صباحًا،
وتكره رؤية وجه لورينزو المنتصر.
لكنها كانت تريد حلمها أيضًا.
لا تريد التضحية به من أجل لورينزو أو غيره.
لذلك ستتحمّل بضعة أشهر.
في النهاية ستنتهي، وتعود إلى عملها.
هذا ما كانت تُقنع به نفسها،
وهي تتوجّه إلى غرفة صوفيا،
حيث مواجهةٌ مؤجَّلة،
وحيث ستقضي ليلتها.
فقد قرّرت المبيت في قصر دي لوكا...
لإنهاء ما بدأته وقد فعلت،
رغم أنه لم ينتهِ بالطريقة التي أرادتها.
(*^^*)(*^^*)(*^^*)
__هل الوظيفة التي كنتِ قد عرضتِها عليّ لا تزال متاحة؟
- نعم،
لكن ما الذي غيّر رأيك؟
لم تكوني تريدين مزاولة العمل قبل إنهاء الماجستير.
ما الذي تغيّر الآن؟
سألت فينيسا باستغراب.
- لم يتغيّر شيء،
قلتُ بهدوء.
- هو عمل تطوّعي خيري، لا مزاولة عمل رسمي.
لم أرد شرح شيء.
بعض القرارات إن فُسّرت... فقدت قدرتها على إنقاذ صاحبها.
وعندما لم ترد، أضفتُ:
- بما أنه لا يزال متاحًا، هل يمكنكِ إرسال الموقع وجدول العمل؟
- حسنًا، سأعدّ لكِ جدول الساعات التي تتطلب حضورك، ووقت الذهاب، وكل ما يلزم، وسأرسله مرفقًا بالموقع.
- جيد.
قلتُ قبل أن أضيف:
- سأغلق الخط الآن. بلّغي سلامي لعمّتي.
- سأفعل.
أغلقتُ الخط، وبقيت أحدّق في الفراغ.
كنت أعلم أنني بحاجة إلى الخروج من هذا المنزل.
أي خروج... حتى لو كان مؤقتًا.
بضع ساعات خارجه قد تُنقذني من نفسي،
من هذا التوتر المتراكم،
من الغضب الذي لم أعد أفهم إن كان سببه الحمل...
أم حجر الجليد.
بدأت أشعر أنني مراقَبة.
وبالأخص بعد وصول العاملات.
ذلك الإحساس الثقيل... الذي لا يُرى، لكنه يُحسّ.
وصلت الطباخة في الموعد تمامًا.
ذلك النوع من الدقّة التي لا تبعث على الارتياح،
بل على الحذر.
ناثان لم يكن موجودًا.
خرج بعد شجارنا الصباحي... ولم يعد.
لم يترك رسالة،
ولا تفسيرًا.
فتحتُ الباب بنفسي.
كانت تقف مستقيمة، بهدوء لا يشبه توتر الوافدين الجدد.
شابة، ملامحها واضحة، ونظرتها ثابتة أكثر مما توقّعت.
- تاليا،
قالت وهي تمدّ يدها.
- الطباخة.
صافحتُها بابتسامة رسمية لا تعبّر عن شيء،
ثم أدخلتها.
اصطحبتُها إلى الغرفة المخصّصة لها.
راقبتُها وهي ترتّب أغراضها بسرعة منظّمة، بلا فضول، بلا أسئلة.
لم تُحدّق في المكان،
ولم تحاول أن تقرأ تفاصيله.
وكأنها تعرفه مسبقًا...
أو كأن معرفته لا تعني لها شيئًا.
عندما خرجت، كنت بانتظارها في غرفة الجلوس.
جلستُ قبالتها.
كان عليّ أن أشرح.
أن أحدّد.
أن أضع الحدود.
- سأخبرك بتفضيلاتنا في الطعام،
قلتُ بهدوء.
- ما نحبّه... وما لا نحتمله.
كنت أعني أنا وآنا.
فذلك الجليد...
لا أستطيع حتى الآن الجزم بما يحبّه أو يكرهه.
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة... واثقة.
- لا داعي،
قالتها ببساطة أربكتني.
نظرتُ إليها باستغراب لم أستطع إخفاءه.
- كيف؟
رفعت كتفيها قليلًا، وكأن الأمر بديهي:
- السيد ناثان أخبرني بكل شيء.
كان يُفترض أن يطمئنني ذلك.
أن أشعر بالراحة.
لكنه لم يفعل.
شعرتُ بانقباضٍ خفيف في صدري.
تفصيل صغير... غير مؤذٍ في ظاهره،
لكنه ثقيل المعنى.
كيف يعرف؟
ومتى انتبه؟
وكم من الأشياء الأخرى يعرفها... ولم يقلها؟
لم أُظهر شيئًا.
ابتسمت فقط.
تلك الابتسامة التي تعلّمتها جيّدًا منذ دخلت عالمهم.
- حسنًا،
قلت.
- أهلًا بكِ في المنزل.
انتشلني من شرودي صوت إشعار رسالة.
كانت من فينيسا.
عندما قرأت محتواها، استغربت.
فأرسلتُ فورًا:
لماذا ثلاثة أيام فقط؟ وثلاث ساعات في اليوم؟
هل تسمّين هذا عملًا؟
جاء ردّها سريعًا:
إنه عمل تطوّعي، وهذه الساعات هي ما يحتاجونه.
ولا تنسي أنكِ حامل... لا يمكنكِ الضغط على نفسك.
قرأتُ الرسالة.
عدتُ أسألها:
- يبدو أن جميع المرضى في الدار رجال.
أجابت بهدوء:
- أولًا، لم تُحدّدي الجنس الذي ترغبين بالعمل معه.
ثانيًا، الدار المخصّصة للنساء رفضتِ التطوّع فيها قبل سنتين،
والآن لم يعودوا بحاجة إليكِ.
ثم أضافت:
- كما أن هذه الدار أقرب إلى منزلك،
وأنتِ لا تريدين ترك آنا في المنزل كثيرًا
وأنتِ بعيدة عنها، أليس كذلك؟
اتصلتُ بها بدل أن أراسلها.
وحين فتحت الخط، قلت فورًا:
- حسنًا، فهمت. والآن... هلّا غيّرتِ هذه النبرة الرسمية؟ لا تُطاق.
وصلني صوت أنفاسها عبر السماعة، كأنها كانت تختنق، ثم أفرغت زفيرًا طويلًا وقالت:
- هل تصدّقين؟ كانت تضغط على أنفاسي أنا أيضًا.
ثم أضافت، بنبرة أخفّ:
- أخبريني... ماذا فعلتِ مع عاملاتكِ الجديدات؟
- لا شيء.
- إذًا لماذا صوتكِ محبط؟
ما الذي حدث؟
يبدو أنها التقطت إحباطي من نبرتي .
- لا أعلم... تلك تاليا لا تُريحني.
تتصرف وكأنها تعرف المنزل، بل تحفظ تفاصيله.
وتخيّلي... ناثان يعرف ما نحب أنا وآنا، وما نكره.
أنا متأكدة أن هذه المرة ليست عمّتي من أخبرته،
لأن هناك تفاصيل... حتى عمّتي لا تعرفها عني.
وهو يعرفها.
توقفت لحظة، ثم خرج ما كنت أخشاه:
- أشعر أنني مُراقَبة طوال الوقت.
أشعر أن أعصابي تتآكل ببطء.
هذه أنا...
التي كانت تقول قبل دقائق: لن أدخل في تفاصيل.
وها أنا الآن أنفجر بلا مقدمات، من سؤالٍ واحد فقط.
لم أعد أفهم نفسي.
لم أعد أستطيع قراءتها.
أنا التي أقرأ الناس بسهولة، أفهمهم من نظرة،
أساعدهم...
ولا أستطيع مساعدة نفسي.
- اهدئي، حبيبتي.
ما الذي تقولينه؟ مُراقَبة؟
بالتأكيد لن يزرع كاميرات داخل المنزل.
والعاملات... حتى هذا الصباح لم يكن لهن وجود.
من الذي قد يراقبك؟
ثم أضافت بنبرة عملية:
- وإن أردتِ التأكد، أستطيع إرسال خادمتكِ.
لتراقب تاليا وآمبر.
يمكنها التواجد معهم طوال اليوم.
- لا أريدها.
حتى هي... لم أعد أثق بها.
أشعر أن ثقتي تتهاوى، شخصًا بعد آخر.
ساد صمت قصير، ثم سألت:
- وهل أنا... من ضمن من تفقدين الثقة بهم؟
سؤالها كان...
أغبى سؤال سمعته في حياتي.
- هل جُننتِ؟
هل تسمعين ما يخرج من فمك؟
أغلقي الخط.
اكتفيتُ من حماقتكِ لهذا اليوم.
سأتدبّر أمر المراقبة بنفسي.
- إذًا أخبريني إن توصّلتِ إلى شيء.
قالتها بسرعة، محاولة الإمساك بالخيط.
- ومن قال لكِ إنني أثق بكِ لأشارككِ أخباري؟
قلتُها باستفزازٍ بارد،
ثم أغلقتُ الخط في وجهها.
أعلم أنها تمزح، وتحاول انتشالي من المزاج الذي أغرق فيه،
ومع ذلك... لا أستطيع إنكار أنني أكره أسئلتها الساذجة أحيانًا.
ففي لحظة أراها ناضجة فكريًا على نحو يدهشني،
وفي لحظة أخرى تبدو وكأنها تفكّر بعقل طفل،
وكأن بين الصورتين مسافة لا أفهم كيف تعبرها بهذه السهولة.
عدّلتُ الغطاء فوق آنا النائمة بجانبي،
وأنا أفكّر... يجب أن أُخرجها من هنا.
هي أيضًا.
ولعلّ أفضل ما أستطيع فعله الآن
أن أسجّلها في روضة أطفال.
(*^^*)(*^^*)(*^^*)
كان قصر دي لوكا يستيقظ ببطء،
لا لأن الشمس قرّرت الظهور،
بل لأن الجدران اعتادت أن تتحرّك وفق إيقاع ساكنيه.
طاولة الفطور كانت جاهزة بدقّة مفرطة؛
مفارش بيضاء، أدوات فضية تلمع بلا أثر لأصابع بشرية،
قهوة سوداء برائحة ثقيلة،
وأصوات خفيفة لخدمٍ يعرفون متى يختفون.
أول من دخل القاعة كانت صوفيا،
وبرفقتها تايلور،
فجلستا على كراسي متجاورة.
بعدهما دخلت ماريانا.
- صباح الخير.
ألقت تحية الصباح المتعارف عليها، قبل أن تجلس على كرسيها.
- صباح النور،
ردّت تايلور، ثم أضافت بنبرة مازحة:
- حبيبتي ماري، هلّا تقنعين أخاك بسحب طلبه؟
أو سأقاضيه.
لكن من ردّ لم تكن ماريانا،
بل لورينزو، الذي كان قد سمع آخر كلماتها وهو يدخل القاعة:
- وبأي تهمة ستقاضينني؟
- تايلور...
تهمة استخدام السلطة لمنافع شخصية.
ابتسم لورينزو بسخرية وقال:
- وما هي المنفعة الشخصية التي ستعود عليّ من تدريب فاشلة مثلك؟
- ربما جمالي.
فامتلاك جندية بمثل هذا الجمال في وحدتك ليس أمرًا يحدث كل يوم.
ردّت تايلور ببرود.
نظر إليها لورينزو وكأنه يقول:
هل تتحدثين بجدية؟
لكنه لم يعلّق،
بل جلس على كرسيه بجانب أخته،
التي كانت تكتم ضحكتها مع صوفيا.
مال على ماريانا وهمس لها:
- تبرّعي بمرآة لمنزل خالتك،
يبدو أنهم لا يملكون واحدة.
عند هذا الحد انفجرت ماريانا ضاحكة.
نظرت إليها تايلور باستغراب، وهمّت بسؤالها عمّا يضحكها،
لكن دخول روكي وإيلينا قطع سؤالها.
جلست المرأتان إلى المائدة،
وكان سيباستيان خلفهما،
إذ دخل هو الآخر وجلس على رأس الطاولة.
وكالعادة، لم يلمس أحد طبقه
حتى شرع هو في الأكل.
- سمعتُ أنكِ القاضية في قضية تعاطي الممنوعات
لابن الممثلة روزاليا.
من سألت كانت روكي.
- نعم،
أجابت ماريانا بإيجاز.
- هل تخططين لبثّها على الهواء؟
هذه المرة كان السؤال من إيلينا،
لكن من أجابها كانت صوفيا:
- لا أعتقد ذلك.
لو فعلت، سيكرهها معجبوه على مواقع التواصل الاجتماعي،
ومعجبو والدته أيضًا.
ضحك لورينزو ضحكة خفيفة وقال:
- ومن في هذه البلاد لا يكره القاضية ماريانا دي لوكا؟
كُرههم لها ليس شيئًا جديدًا.
- عائلتها.
قالت تايلور وهي تنظر إلى ماريانا.
كانت تعرف وتفهم ما تمرّ به ابنة خالتها،
فهي بمثابة أختها الكبرى.
- وذلك يكفي.
ردّت ماريانا بصوت يملؤه الامتنان.
لو عرفها أحد فقط كـ القاضية ماريانا دي لوكا
لما خمّن أبدًا كم تملك من مشاعر وأحاسيس.
لكن من يعرفها على حقيقتها
يدرك أنها، رغم اقترابها من الأربعين،
لا تزال تحمل روح فتاة في الخامسة عشر.
كان لورينزو أول من نهض عن طاولة الفطور، بعد أن استأذن من عمّه،
وقال موجّهًا حديثه إلى تايلور:
- هل تريدين توصيلًا إلى العمل؟
نظرت إليه بغضب، ولم ترد.
خرج لورينزو ضاحكًا،
بينما سألت روكي باستغراب:
- ما الذي يحدث؟
أجابت صوفيا:
- تايلور لا تريد العمل في وحدة لورينزو.
تخاف أن يكتشف الجنود علاقتهم،
فيتّهمونها بعدم الكفاءة.
- ظننتُ أنكِ دخلتِ في مشكلة معه،
قالت روكي.
- ألا ترينها مشكلة؟
ردّت تايلور.
- لا، ليست مشكلة.
حتى لو اكتشفوا قرابتكِ منه،
لا تسمحي لهم أن يحوّلوها إلى شكّ فيكِ.
ثقي بقدراتكِ، ولا تنتظري أحكام الآخرين،
فأنتِ لم تصلي إلى هذا المنصب صدفة،
بل بجهدكِ... واستحقاقكِ.
- أنا أثق، يا خالتي،
قالت تايلور بهدوء متوتر،
- لكنني لا أريد مشاكل مع زملائي.
- حسنًا، حسنًا،
قالت روكي بنبرة حاسمة،
- انهضي واذهبي إلى العمل مع أخيك.
ستتوجهان إلى المكان نفسه،
لذلك اذهبي معه.
نهضت تايلور مكرهة من الطاولة.
آخر شيء كانت تريده هو الذهاب معه إلى المعسكر،
لكنها لم تُرِد كسر كلمة خالتها.
خرجت تايلور، وكان لورينزو ينتظرها في السيارة.
لم يكن ينتظرها بالمعنى الحرفي...
كان متأكدًا أنها ستأتي.
جلست في المقعد الأمامي، فيما كان هو خلف المقود.
أغلقت الباب وربطت حزام الأمان بحركة حادّة، كأنها تعلن رفضًا صامتًا.
شغّل لورينزو السيارة، وانطلق بها بلا كلمة.
ما إن تجاوزا بوابة القصر حتى قالت، دون أن تنظر إليه:
- هلّا تقود إلى المنزل؟ حقيبة ثيابي هناك.
- حقيبتكِ في الخلف.
التفتت إليه ببطء.
دهشة باردة عبرت عينيها.
كانت تشكر نفسها داخليًا لأنها لم تأخذ الحقيبة معها في الليلة الماضية.
رغم أنها لم تكن متأكدة من النتيجة، إلا أنه كان من المفترض أن تأخذها كي لا تتأخر عن الوحدة في حال رفض سحب طلبه، كما حدث.
فهي جندية، تلتزم بالتوقيت، ولا تريد أن تتأخر عن المعسكر في يومها الأول.
ومع ذلك... كانت شاكرة لأنها نسيتها.
كانت تنوي استخدامها كعذر؛
لينزلها في المنزل، ومن هناك يوصلها أحد سائقي العائلة إلى الوحدة.
لم يخطر ببالها أنه سيحضرها بنفسه.
ما الذي تفعله حقيبتي هنا؟
نظرت إليه بنظرة صريحة، مليئة بالاتهام.
لم يلتفت، لكنه شعر بها، كما يشعر القائد بارتباك جندي خلفه.
قال بهدوء محسوب:
- عندما سألتُ صوفيا، وقالت إنكِ لم تحضري شيئًا معك، اتصلتُ بداميان.
طلبتُ منه أن يرسل الحقيبة مع السائق.
لم تجبه.
الصمت تمدّد بينهما، ثقيلًا، خانقًا.
حتى بدأت ملامح المدينة تتلاشى خلفهما،
وتحوّلت الطريق إلى امتداد طويل من الفراغ.
كان المعسكر في منطقة نائية نسبيًا، مخصّصًا للتدريب الميداني المكثّف.
لم يكن هذا مقر وحدته الدائم، لكنها كانت تعلم ذلك؛
فأمر إلحاقها أُرسل رسميًا،
وبحثت بنفسها عن موقع التدريب.
عندما لاح سور المعسكر في الأفق، قالت فجأة:
- أنزلني هنا. سأكمل سيرًا.
كان يرى أن المعسكر لا يزال بعيدًا؛ أكثر من خمسة كيلومترات.
طلبها لم يكن منطقيًا... لكنه مفهوم.
أوقف السيارة.
لم يكن يريد دخول المعسكر وهي بجانبه.
وجودها معه علنًا، منذ اليوم الأول،
قد يفتح أبوابًا لا يرغب بفتحها بعد.
وكان سينزلها قبل الوصول إلى المعسكر على أي حال،
لكن بالتأكيد ليس في هذه النقطة.
إلا أنها هي من اختارتها.
نزلت، سحبت حقيبتها من الخلف،
وأغلقت الباب بقوة لم تكن موجهة للسيارة وحدها.
لو لم يُصرّ على توصيلها،
لكانت وصلت بسيارة رسمية،
تنزلها أمام البوابة كأي عنصر آخر.
أما الآن...
فستقطع هذه المسافة مشيًا.
بسببه.
(*^^*)(*^^*)(*^^*)
استيقظتُ على أشعّة الشمس وهي تحاول التسلّل بخجل عبر الستائر الثقيلة.
كانت آنا لا تزال نائمة بجانبي، هادئة، بريئة، تشبه ملاكًا صغيرًا لا يعرف شيئًا عن تعقيدات هذا العالم.
الجانب الآخر من السرير...
جانب ناثان، لم يتغيّر.
لم تُمسّ الوسادة، ولم ينكسر ترتيب الغطاء.
لم ينم هنا البارحة.
وذلك... كان أفضل.
نهضتُ بهدوء كي لا أوقظها، واتّجهت نحو الحمّام بنيّة غسل وجهي وأسنانـي،
لكن ما حدث كان شيئًا آخر.
فما إن اقتربت من الحمّام حتى داهمني الغثيان الصباحي.
تسارعت خطواتي، بالكاد أغلقت الباب خلفي قبل أن أنحني فوق المغسلة.
لم أقاوم.
أدركت أن المقاومة لا تفعل سوى إطالة العذاب.
تقيّأت... مرة، ثم أخرى،
حتى شعرت بأن جسدي كلّه يثور عليّ.
حين انتهى الأمر، كنت أرتجف، متعبة، فارغة.
قررت أخذ حمّام سريع.
الماء الدافئ كان رحيمًا، على عكس كل شيء آخر.
غسل عني بقايا الضعف...
أو هكذا أردت أن أصدّق.
عندما خرجت، كانت آنا كما تركتها، نائمة بسلام.
اليوم سأصطحبها إلى الروضة.
جدول عملي لا يبدأ قبل يومين،
وأردت أن أهبها صباحًا طبيعيًا...
إن كان هذا ممكنًا.
أيقظتها بلطف، ومنحتها حمّامًا سريعًا،
ثم ألبستها فستانًا ورديًا فاتحًا بتفاصيل سوداء، وحذاءً أبيض.
ارتديتُ أنا ملابس مشابهة.
عندما نزلنا إلى الأسفل، كانت آمبر وتاليا في غرفة الجلوس.
- صباح الخير.
قلتُها بهدوء.
- صباح النور.
أجابت آمبر مبتسمة.
نهضت تاليا فورًا:
- سأحضّر لكِ الإفطار.
- سنفطر في الخارج اليوم.
قلتُها وأنا أتجه نحو الباب.
لم أشرح أكثر.
التقطت مفاتيح السيارة وخرجت.
رفضتُ أن يقودني السائق.
أردت يومًا خاصًا... لي، ولابنتي فقط.
جلست آنا في مقعدها الخلفي،
جلستُ خلف المقود،
وانطلقت.
بعد خمس دقائق تقريبًا، رنّ هاتفي.
تجمّد شيء ما في صدري.
كنت أعلم أنني مراقبة...
والآن تأكّدت.
هذا التوقيت لا يمكن أن يكون صدفة.
تجاهلت المكالمة أولًا، لكنه أعاد الاتصال بإصرار.
فتحت الخط أخيرًا.
- صباح الخير.
قلتُها بنبرة هادئة لا تمتّ بصلة لما يحدث داخلي؛
فإدراكي أنني مراقبة كان خانقًا... لا يُطاق.
- إلى أين تذهبين؟
قالها دون أن يردّ التحية.
كانت نبرته غريبة...
شيء من التملّك،
شيء من المرض،
شيء لا أملك له اسمًا.
تجاهلت حدّته:
- لتناول الإفطار.
- إذًا اطلبـي لي معك.
قالها ببرود، ثم أغلق الخط.
بقي الهاتف في يدي لثوانٍ.
لم أفهم قصده...
ولم أرد أن أفهم.
توقّفت أمام أحد المقاهي.
طلبتُ لآنا كورنيتو وكأس عصير فراولة طازج.
أما أنا، فلم تكن لديّ رغبة في الطعام،
فاكتفيت بقهوة بالحليب مع الثلج.
تحدّثت آنا بحماس طفولي،
وأنا أستمع...
أحاول أن أكون حاضرة.
أنهت فطورها،
وأنهيت قهوتي.
خرجنا متجهتَين نحو السيارة.
لكن سيارة سوداء من نوع مرسيدس-بنز الفئة S
توقّفت أمامنا،
تسدّ الطريق.
كنت أعلم تمامًا لمن تعود تلك السيارة.
نزل حجر الجليد من مقعد السائق.
يبدو أنه كان يقود بنفسه هذه المرة.
تقدّم حتى وقف أمامنا.
آنا، ما إن رأته، حتى أفلتت يدي وركضت نحوه.
حملها بسرعة،
كأن الخوف من أن تفلت منه أكبر من وزنها.
- اشتقت لك.
قالتها بصوتها الطفولي، قبل أن تطبع قبلة على خده.
- وأنا أيضًا.
ردّ عليها بهدوء،
ثم أنزلها،
ورفع نظره نحوي.
مهما حاولت،
لا أستطيع التعود على هذا.
آنا لم تكن يومًا قريبة إلى هذا الحد من ستيفن.
ستيفن كان يأتي إلى المنزل مرة أو مرتين في السنة فقط.
عندما تزوجت أنا وستيفن،
رفض أبي أن أسكن بمفردي،
فطلب من ستيفن أن ينتقل للعيش معنا،
وقد فعل.
لكن بعد ثلاثة أشهر من إقامته المتواصلة،
بدأ يبيت خارج المنزل أيامًا،
ثم تحوّلت الأيام إلى أسابيع،
ثم إلى أشهر.
لا ألومه على ذلك.
فقد لقي من عائلتي ما يكفي ليهجر البلد...
لا المنزل فحسب.
ومع ذلك،
كان يأتي أحيانًا ليطمئن على آنا وعليّ،
يجلس معنا يومًا أو يومين،
ثم يختفي من جديد.
- تحرّكي.
أفقت على صوته،
وعلى يده التي أمسكت معصمي بقوة،
كأن الوقوف في مكاني صار جريمة.
سحبتُ معصمي منه وقلت:
- أتحرّك نحو ماذا؟
وما الذي تفعله أنت هنا؟
اقترب خطوة، وصوته انخفض حدّ الخطر:
- إلى السيارة.
ولا تجرؤي أن يمرّ اسم رجلٍ غيري في رأسك.
لا أمامي... ولا خلف ظهري
أفكاركِ ليست حرّة كما تتخيّلين،
وذاكرتكِ لا تعرف طريقًا خارج قبضتي.
حتى تلك الزاوية التي تهمسين فيها لنفسكِ:
هذا لي وحدي
أنا أصل إليها.
أنا الرجل الوحيد الذي يُسمح له أن يسكنكِ،
فكرةً، خوفًا... أو رغبة.
لا أعلم كيف أدرك أنني تذكّرت ستيفن،
لكنني تجاهلت كلماته، وتهديده، وتصريحه بمراقبتي؛
فقد كنت قد اكتشفت ذلك بالفعل،
ولم يدهشني.
بل تعلّقت بكلمته الأولى فقط
- السيارة؟
لكن سيارتي في الاتجاه الآخر.
- سيارتك سيحضرها السائق لاحقًا.
الآن، هلا تصعدين السيارة؟
- أريد الذهاب إلى الروضة.
همست، محاولة أن أبدو حازمة.
ابتلع صمتًا، ثم أومأ برأسه، واضعًا يده على الباب، مشيرًا إليّ أن أصعد.
- إذًا... اصعدي.
امتثلتُ لطلبه،
وصعدتُ السيارة.
منذ أن صعدنا السيارة، خيّم الصمت عليها، صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه يراقبنا.
حتى قال فجأة، دون أن يلتفت إليّ:
- كنتُ في المستشفى.
نظرتُ إليه بدهشة، وقلت فورًا:
- ما بك؟ هل أنت بخير؟
أجاب بهدوء، وعيناه ما تزالان مثبتتين على الطريق:
- كنتُ في مناوبة مسائية.
- ماذا؟
سألته، غير مستوعبة ما قاله، ظننت أن السمع خانني، حتى أردف:
- أنا جراح قلب.
كانت صدمتي هذه المرة أشدّ من الأولى.
حدّقت به دون تصديق:
- أنت... ماذا؟
- جراح قلب.
أعادها بنبرة لا مبالية، كأن الأمر بديهي أو لا يستحق الذكر.
ضحكتُ بسخرية... سخرية من نفسي.
وتذكّرت أول مرة قلت له فيها إنني لا أظنه يعمل في المجال الطبي.
لا أصدق أنني لا أعلم عنه شيئًا، ولا حتى تفصيلًا كهذا.
بما أنه بدأ الحديث، قررت أن أستمر:
- في أي مستشفى تعمل؟
لا أظن أن عائلتك تمتلك مستشفى... أم هل تمتلكون واحدًا وأنا لا أعلم؟
- في مستشفى عائلتك.
وعائلتي لا تمتلك مستشفى.
قالها بهدوءٍ مستفز.
ذلك البرود... تلك اللامبالاة.
مستشفى عائلتي؟
فينيسا... تلك الحقيرة. سأقتلها، بالتأكيد تعلم بأمره .
لماذا لم تخبرني؟
وكيف يعمل هناك وأنا آخر من يعلم؟
- منذ متى وأنت تعمل هناك؟
- الأمس كان أول يوم لي.
حسنًا... هذا يفسّر جهلي بالأمر حتى الآن.
لكنه لا يعفي فينيسا من القتل حين أراها.
لم أكن أنوي إخباره بشيء عن دراستي أو تخصصي،
لكن بما أنه شاركني، سأفعل المثل.
- درستُ علم النفس... وبالتحديد الطب النفسي.
انتظرت.
أي ردة فعل.
أي مفاجأة.
أي شيء.
لكنه قال بهدوء قاتل:
- أعلم.
وأضاف بعد لحظة، وكأنه يقرء تقريرا مفصّلا عني:
__وتوقّفتِ بعد حصولك على شهادة البكالوريوس.
لا أصدق.
كيف له أن يعلم كل شيء عني؟
لكن... هل أستسلم؟
بالطبع لا.
سأفاجئه بمعلومة لا يعرفها.
قلتُ هذه المرة بحماس، واثقةً من قدرتي على مفاجأته: - لقد تطوّعتُ في دار غواريدزوني الخيرية.
لكنّه كان هو من فاجأني. تنفس ببطء، صوته كظلال الليل:
- يبدو أنكِ لا تعلمين... لقد اتصلتُ بهم، واعتذرتُ، وأخبرتهم أنكِ لن تستطيعي العمل هناك.
حدّقتُ به.
- المزاح لا يليق بك.
- أنا لا أمزح.
نظرتُ إليه من جديد، وبالفعل... لم يكن يمزح.
شعرتُ بالأرض تدور بي.
- هل تتحدث بجدية؟
لم يُجب.
كانت السيارة قد توقّفت أمام الروضة. همَّ بالنزول، لكنني أمسكتُ ذراعه بقوة:
- هل تتحدث بجدية؟
مرة أخرى... لا رد.
صرختُ به، وقد نفذ ما تبقّى من قدرتي على التماسك:
- هل بتَّ تراقب اتصالاتي الآن؟ ألا يكفيك العيون التي وضعتها في المنزل؟ أنا زوجتك، ولستُ رهينةً عندك! هلا أفقْتَ على تصرّفاتك... رجاءً؟
لم أعد أحتمل. من يظنّ نفسه؟
لكنّ رده جاء هادئًا... هادئًا إلى حدّ الاستفزاز:
- لا أراقبك، ولا أراقب اتصالاتك،
قال بهدوء قاتل.
- سمعت محادثتكِ مع فينيسا البارحة، وسألتها... فأجابتني.
تشنّجت يدي وفكرت في الكلمة الأخيرة. فينيسا... تلك الخائنة. لكنني تجاهلت خيانتها الآن. سأحاسبها لاحقًا، حين يحين الوقت.
- إذًا بماذا تفسّر اتصالك بي بعد خمس دقائق فقط من خروجي من المنزل؟
صرخت، والغضب يتصاعد في صوتي.
نظر إليّ بلا أي أثر للانفعال، صوته بارد وثابت:
- كنتُ قد طلبت من السائق ألا يترككِ بمفردك إن رغبتِ في الخروج، من أجل حمايتك. اتصل بي وأخبرني أنكِ رفضتِ أن يرافقك.
هل يظنّني طفلة لأصدّق هذه الكذبة السافرة؟
تجاهلتُ ذلك، وقلت:
- والمقهى؟ ما تفسير وجودك أمامه؟
- إنه الأقرب إلى المنزل، كما أنه يقع بين المنزل والروضة. كان من البديهي أن تختاريه.
نظرتُ إليه بشك:
- أنا لم أقل لك شيئًا عن الروضة عندما اتصلت.
- لم تقولي، لكنني قلتُ لكِ من قبل إنكِ سهلة القراءة. وعندما تطوّعتِ في الدار، كنتُ أعلم أن أول ما ستفعلينه بعدها هو تسجيل آنا في الروضة.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
- والآن... إذا كنتِ قد اقتنعتِ، هلا ننزل؟
لم أقتنع بحرفٍ واحد مما قاله، ولم أرغب في الانجرار وراء حججه.
على أي حال، لم أرغب في افتعال مشاكل أمام الروضة.
نظرتُ إلى آنا في المقعد الخلفي... كانت قد غفَت قبل أن أنفجر في وجه ذاك الحجر، ولا تزال نائمة. أيقظتها برفق قبل أن أخرج من السيارة.
دخلنا الروضة واتجهنا نحو موظفة الاستقبال. كان ناثان يحمل آنا، وأنا أسير بجانبهما.
استقبلتنا الموظفة بابتسامةٍ عملية، بادلتُها الابتسامة وأنا أشير إلى آنا:
— أريد تسجيلها.
— تفضلوا بالجلوس، سأحضر لكم الأوراق المطلوبة.
جلسنا على المقاعد القريبة. آنا لم تتحرك من حضنه، فجلست مستقرة هناك، كأن وجودها بين ذراعيه هو الشيء الوحيد الثابت في هذا المكان الغريب.
لم تمر سوى ثوانٍ حتى عادت الموظفة تحمل ملفًا أسود وقلمًا، ودفعتْهما نحو ناثان وهي تقول:
— تفضل، سيدي.
سحبتُ الملف نحوي بهدوء.
لم يعترض، لا بحركة ولا حتى بنظرة.
فتحت الملف.
الاستمارة تطلب اسمي، اسم الطفلة، واسم الأب.، فكتبتُ اسمي واسم ستيفن.
شعرتُ باعتراض ناثان هذه المرة؛ في نظراته التي ازدادت ظلمة، وفي تنفّسه الذي تغير إيقاعة حتى بتّ أسمعه بوضوح.
لكن ذلك لم يكن يهمني. ستيفن والدها، وهو يعلم ذلك جيدًا.
طلبتْ مني الموظفة بعض الأوراق، فسلّمتُها لها، مثل:
شهادة ميلاد آنا، تقريرًا طبيًا يثبت خلوّها من الأمراض المعدية، وصورًا شخصية.
كنت أعلم أنها ستطلبها، لذلك جهّزتها مسبقًا.
ثم أشارت إلى الاستمارة وقالت:
— هنا نحتاج توقيع وليّ الأمر.
كنتُ على وشك التوقيع، لولا أنه سحب منّي الملف والقلم. نظرتُ إليه وأنا أحاول استيعاب فعلته، لكنه كان قد وقّع بالفعل.
أخذت الموظفة الاستمارة بعد توقيعه، ثم نظرت إلينا نظرة شك لم تحاول إخفاءها ، وكان ذلك متوقعًا؛ فقد وقّع باسمه، بينما كنت قد كتبتُ في خانة الأب اسم ستيفن.
— هل أنت والدها؟
سؤالها كان موجّهًا له.
أجاب بصوته الرجولي الهادئ، الخالي من أي تردد:
— نعم.
— إذًا من ستيفن؟
عادت الموظفة تسأل بشك، فقلتُ محاولةً تدارك الموقف:
— ستيفن والدها البيولوجي، وهذا زوجي.
أشرتُ إليه في الجملة الأخيرة، وشعرتُ بإحساسٍ غريب وأنا أطلق عليه هذا الوصف.
— هل تمتلكين حكم وصاية أو تفويضًا رسميًا؟
سألتني الموظفة هذه المرة. لم أكن أتمنى أن تصل الأمور إلى هنا، لكنني لم أغفل عن احتمال حدوث شيء كهذا، فأخرجته وقدّمته لها.
تأكدت منه، ثم بدأت تسألني عن آنا:
هل تعاني من أي حساسية؟
هل سبق لها الالتحاق بحضانة؟
هل تبكي عند الانفصال؟
كيف تتعامل مع الغرباء؟
أجبتها عن جميع أسئلتها، وكانت تدوّن كل كلمة أقولها، ثم قالت:
— من الأشخاص المصرّح لهم باستلامها؟
— نحن.
قلتُها وأنا أشير إلى نفسي... وإلى ذاك الحجر الصامت بجانبي.
— إذًا سأحتاج إلى نسخ من هوياتكم.
قدّمتُ لها نسخة من هويتي، ثم تفاجأت به يقدّم نسخة من هويته أيضًا.
بعدها شرحت سياسة العمل، ومنها:
دوام جزئي في الأسبوع الأول، واتصال فوري في حال البكاء المستمر.
كنت أعلم أنهم لن يحتاجوا للاتصال؛ فآنا تتكيّف بسرعة مع من هم في سنها.
ثم أضافت:
— يمكن تسجيلها اليوم وتبدأ فورًا إن رغبتم.
نظرتُ إلى آنا، التي كانت لا تزال متشبثةً بناثان، وقلت:
— لا، سنبدأ غدًا.
دفع رسوم التسجيل، واستلمنا بطاقة صغيرة باسمها:
آنا *الصف التمهيدي.*
طوال الطريق إلى المنزل، كانت البطاقة بين أصابعي؛ صغيرة… لكن وزنها يضغط على صدري كحجر.
لم أكن أنظر إليها فقط، بل إلى حياةٍ كان يُفترض أن تكون لي.
كنتُ أنتظر هذه اللحظة مع استيفن.
لحظة ندخل فيها ابنتنا الروضة للمرة الأولى.
كنتُ قد رسمتها مئات المرات في رأسي:
ما الذي سنرتديه؟
هل سنبدو عائلةً متشابهة؟
كيف سنضحك بتوترٍ ونحن نتركها هناك؟
وكيف سنعدّ الدقائق حتى نعود لنأخذها، لتغمرنا بحكاياتها الصغيرة عن أصدقاء لا نعرف أسماءهم بعد؟
كنتُ أعيش الحلم كاملًا…
إلى أن انكسر فجأة.
سأعيش كل ذلك.
لكن ليس معه.
سأعيشه مع ناثان.
شعرتُ بسخونةٍ على خدي.
لم أحتج إلى مرآة لأعرف… كانت دموعي.
خرجت بلا استئذان، بلا صوت، كأنها خيانة صغيرة أخرى ارتكبتها دون قصد.
لم أدرك أنني أبكي إلا حين كنتُ أبكي فعلًا.
مسحتُ وجهي بسرعة، بعنفٍ خفيف، كأنني أعاقب نفسي.
آخر ما أريده هو أن يرى ضعفي…
لكنه كان قد رأى بالفعل.
توقفت السيارة فجأة في منتصف الطريق… كأن العالم كله تجمّد، والهواء أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.
قال بصوت منخفض، كهمس حكمٍ نهائي:
— ألم أقل لكِ إن التفكير في غيري جريمة؟
ثم أضاف ببطء، مع وزن كل كلمة:
— وأنتِ تعرفين… أن الجرائم لها عقاب.
قلبي خفق بلا ترتيب، جسدي مشدود، كأنه يحاول الفرار من نفسه.
اقترب مني دون تحذير، ولم يكن هناك أي مخرج.
دفعتُه عني بكل قوتي، وصفعته.
صفعة واحدة، صدى صرخات داخلي، شعرت بها في أطراف أصابعي، وكأنها تقول:
ما زال لدي شيء أملكه لنفسي.
نظر إليّ ناثان بثبات، عينيه مظلمة كليل بلا نجوم، صمتته الصفعة للحظة، لكنه لم يتراجع.
تنفسه كان هادئًا… قاتلًا، كل حركة منه تقول:
هذه اللحظة لي، وأنتِ لي.
شعرت بحرارة تنتشر على خدي، ورعشة تجتاح عمودي الفقري.
كل إحساس بدا مزدوجًا:
خوف وغضب، وخطر لم أرغب في الاعتراف به، لكنه كان هناك، حقيقي، ملموس.