نوفلو | Novloo: 07ZMe4C5I7UbC0mhM7ME4pEEy8X2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

وتبقى أنت الحب

هي سجى، التي اتُهمت ظلمًا وخسرت حياتها في ليلة واحدة. وهو باسل الشريف، الرجل الذي مدّ لها يد الأمان حين تخلى عنها الجميع .بين الجرح والإنصاف يولد حب صادق، حبّ يثبت أن بعض القلوب خُلقت لتبقى... مهما قاومها القدر .نوفيلا وتبقى أنتَ الحب .

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

العودة للماضي | دي لوكا إرث الخطيئة

جاري التحميل...

دي لوكا إرث الخطيئة

الملف المفتوح أمامه لم يكن مجرّد أوراق تدريب... بل فكرة اقترحها بنفسه، حين قال إن برنامج المتدرّبين صار قديمًا، هشًّا، لا يصنع ضباطًا حقيقيين.

تحميل الفصول...
المؤلف

        بسم الله الرحمن الرحيم










قراءة ممتعة







   __ قبل 15 عاما __ 

كان المكتب غارقًا في صمتٍ كثيف، صمتٍ له وزن، يضغط على الصدر كما تفعل الاعترافات المتأخرة.

لم يكن يُسمَع سوى نقر عقارب الساعة، كأن الزمن نفسه يراقب... وينتظر سقوط أحدهما.

جلس الطبيب على الأريكة، جسده حاضر وعقله غائب، عيناه معلّقتان بالأوراق فوق الطاولة، لا يقرأها، بل يحدّق فيها كما يُحدّق رجل في قبرٍ لم يُدفن فيه بعد.

وقف الجنرال قرب النافذة، ظهره للطبيب، يراقب مدينةً ظنّ يومًا أنها تفهم معنى الحماية وقد اقسم علي حمايتها.

الضوء الرمادي ينسكب على كتفيه، فيجعل قامته أشبه بظلّ قانونٍ لا يرحم.

- متى قررتَ أن تصبح قاتلًا؟

قالها بهدوءٍ جارح، دون أن يلتفت.  
كأن السؤال لم يكن بحاجة إلى وجه.

تجمّد الطبيب.
لا لأن الكلمات كانت مفاجِئة...
بل لأنها خرجت من فم الرجل الوحيد الذي كان يظنّه مرآته.

لم يسأل: عن ماذا تتحدث؟
ولم يتظاهر بالجهل.

قال فقط، بصوتٍ بدا أصلب من قلبه وعقله في تلك اللحظة:
- أنتَ تعلم.

- أعلم،
قال الجنرال وهو يستدير ببطء،
- وأعرف أكثر مما تتخيّل.

التقت عيناهما.
لم تكن مواجهة رجلين...
بل صدام ذنبٍ بواجب.

- الكولونيل روما،
قال الجنرال،
- كان تابعًا لي منذ خمسة عشر عامًا.

- كان فاسدًا،
اندفعت الكلمة من فم الطبيب كمن يقذف خشبة نجاة في بحرٍ أسود.

- لم يكن فاسدًا،
ردّ الجنرال ببرودٍ قاسٍ،

- وكان تحت حمايتي.
ثم أضاف، كطعنة ثانية:
- حمايتي أنا، لا حماية أولئك الذين تسميهم "رجال الدولة".

ارتعشت شفتا الطبيب.
للحظة واحدة فقط...
ثم أعاد قناع السيطرة إلى مكانه.

- كان فاسدًا...
قالها أضعف،
- فاسدًا بما يكفي ليُقتل.

ابتسم الجنرال ابتسامة بلا دفء.
- لا.
اقترب خطوة.
- قتلته لأنك اخترت طريقًا لا يُفرش إلا بالدم.
قتلته لأنك أردت الصعود... لا العدالة.

خفض الطبيب نظره.
وفي داخله، انفتح باب الذاكرة دون استئذان.
وجه زوجته.
تلك الليلة.
الهاتف الذي رنّ بعد منتصف الليل.
الصوت الهادئ الذي قال:
زوجتك جميلة فعلًا.
ثم الصورة.
الدم.
والرسالة:
نفّذ.
ولا تخبر أحدًا.
وإلا...

عاد إلى اللحظة على صوت الجنرال:
- أصبحتَ جزءًا من لعبة قذرة،
قالها بهدوء قاتل،
- وستُحاكم.

رفع الطبيب رأسه ببطء:
- ستحطّمني.

- سأفعل الصواب،
ردّ الجنرال.
- حتى لو قاد الصواب إلى تدميرك.

تردّد الطبيب، ثم سأل بصوتٍ بدا كصدى رجل يغرق:
- وماذا عن ابنتي؟

سكت الجنرال لحظة.
لحظة طويلة بما يكفي لتنكسر فيها أشياء غير مرئية.
- لم أفكّر فيها،

قال أخيرًا،
- كما لم تفكّر أنت في أبناء الكولونيل عندما ضغطتَ على الزناد.

ابتسم الطبيب ابتسامة واهنة، تشبه اعترافًا بلا غفران:
- فكّرتُ...

قال الجنرال.
__ وهل تفكيرك بأبنائه منعك من القتل؟

- تعلم أن محاكمتي ستمسّ أسماءهم،
قال الطبيب بصوتٍ منخفض.
- وهذا ما لن يرضوا به.
سيدمّرونك، سيجعلون منك خائنًا.
سيدمّرون عائلتك... أخاك، أبناءك.

- أتهددني؟

- لا...
قالها الطبيب بهدوءٍ ميت،
- أنا أصف لك النهاية.

ساد الصمت.
صمتٌ يشبه المقابر قبل أن تُغلق.

قال الجنرال أخيرًا:
- غدًا صباحًا... أقدّم الملف.

أغمض الطبيب عينيه.
ليس خوفًا.
بل وداعًا أخيرًا لرجلٍ كان يومًا صديقا... قبل أن يصبح سرًّا يجب دفنه.

- كنتُ أتمنى لو كنتَ أقل نزاهة،
قال.

- وأنا كنتُ أتمنى لو كنتَ أقل خيانة،
ردّ الجنرال.

تبادلا النظرة الأخيرة.
الجنرال رأى مجرمًا يجب أن يُمحى.
والطبيب رأى صديقًا...
سيقتله باسم القانون،
تمامًا كما قتل هو غيره باسم الخوف.



__ الحاضر __






كان جالسًا خلف مكتبه بعد يومٍ عملٍ شاق، يُرتّب بعض الأوراق ويوقّع أخرى بلا تركيز حقيقي.
الملف المفتوح أمامه لم يكن مجرّد أوراق تدريب... بل فكرة اقترحها بنفسه، حين قال إن برنامج المتدرّبين صار قديمًا، هشًّا، لا يصنع ضباطًا حقيقيين.

والآن، وقد أُسندت إليه مهمّة إعادة صياغته، أدرك متأخرًا أنه وضع نفسه في ورطةٍ صنعها بيده.
لكن التراجع لم يكن خيارًا.

كان عليه أن يستمر.
أن يُثبت، مرّة بعد أخرى، أنه لم يتسلّم هذا المنصب لأن اسمه دي لوكا، بل لأنه يستحقه.
فأن يتسلّم رجل في عمره هذا المنصب كان شبه مستحيل...
والمستحيل لا يُغفر له أي خطأ.

- ادخلي.

قالها عندما سمع طرقًا خفيفًا على الباب.

دخلت، واتجهت مباشرة إلى سريره وجلست عليه، كأن الغرفة ملكها، وكأن وجوده لا يفرض عليها الوقوف.

استدار بكرسيه نحوها، مرّر أصابعه في شعره الأسود بإرهاق، نزع نظارته وفرك عينيه.

حتى الأعمى كان ليُدرك تعبه؛ من ثقل كتفيه، من صمت حركاته.

سهولة قراءته لم تكن صفة مألوفة في رجل يحتل منصبًا كهذا...
لكن يبدو أن وجودها، أو كونه في غرفته، كان كافيًا ليُسقط بعض دفاعاته.

وضع النظارة على المكتب، أعاد تركيزه إليها، وسأل بنبرة مقتضبة:

- ماذا تريدين؟

- أريدك أن تسحب طلبك.

توقّف لثانية، لا أكثر.
ثم قال بهدوء:
- لماذا؟ ألم تكوني أنتِ من أرادتِ التسجيل في برنامج الضباط التقنيين؟

- نعم، أردت... ولكن ليس في وحدتك.
لا أريد العمل معك.

قالتها بحدّةٍ خفيفة، مشوبة بتوترٍ تحاول إنكاره.
نظر إليها طويلًا. نظرة ثابتة، باردة، لا تحمل جدلًا.
ثم قال بصوت محسوب:

- إذا أُلغي طلبي، فعليكِ أن تُدركي أن العمل في وحدة أخرى غير متاح.
إن كنتِ تريدين فعلًا تجربة عمل الضابط التقني الميداني...
فعليكِ القبول.
والعمل في وحدتي.

اشتعل الغضب في عينيها.

- ومن أنت لتقرر إن كانت هناك وحدة ستقبلني أم لا؟

رفع حاجبه ببطء، كأن السؤال أضحكه أكثر مما استفزّه.

- أنا الكولونيل لورينزو دي لوكا، قائد وحدتك.

قالها ببرودٍ متعمَّد، بابتسامة خفيفة يعرف جيدًا كيف يستخدمها كسلاح.

لم تفكّر.
التقطت إحدى وسائد السرير ورمته بها بقوة.

- إذًا، يا سيّد كولونيل، سأذهب لأتحدّث مع وزير الدفاع سيباستيان دي لوكا.
ولنرَ كيف ستتجرأ على كسر كلمته عندما يأمرك بسحب طلبك.

استدارت بعصبية واتجهت نحو الباب، عازمة على تنفيذ تهديدها.
لكن صوته سبقها...

ضاحكًا.
ضحكة واثقة، مستفزّة، تعرف أنها ستلاحقها حتى خارج الغرفة.

- وأنا سأنتظركِ في الوحدة غدًا صباحًا.

توقّفت لثانية.
لم تلتفت.
فتحت الباب... وخرجت.

خرجت تايلور من غرفة لورينزو وهي تشتاط غضبًا.
شبكت يدها بيد صوفيا، التي كانت تنتظرها عند الباب، وقالت بحدّة:

- لنذهب إلى والدك.

تعثّرت خطوات صوفيا قليلًا.
- لماذا أبي؟
سألت باستغراب.

- لأن ابن عمك رفض سحب طلبه،

قالت تايلور وصدرها يعلو ويهبط.

- والآن لم يعد أمامي سوى عمي سيباستيان. سأجعله يُلغي الطلب... وسأتحرّر من سيطرته.

كانت كلماتها مشبعة بالغضب، حتى إنها لم تنتبه في البداية إلى أن يد صوفيا لم تعد متشابكة بيدها...
ولا إلى أنها لم تعد تسير بجانبها.

توقّفت تايلور، والتفتت خلفها.

كانت صوفيا تقف في الرواق أمام باب غرفتها.
وعندما التقت عيناها بعيني تايلور، أشارت لها ببرود خفيف وقالت:

- اصعدي.
أول غرفة من جهة اليمين... مكتب أبي.
وحظًا موفقًا في إقناعه، صديقتي العزيزة.

ثم دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.

شعرت بالخيانة من حركة صديقتها،
لكنها لم تسمح لهذا الشعور أن يحتلّها طويلًا.
استدارت وصعدت إلى الطابق الثالث، حيث يقع مكتب سيباستيان،

عازمة على حسم هذا الأمر أولًا...
ثم العودة لاحقًا لمحاسبة صوفيا.

كان مكتب سيباستيان دي لوكا
ليس فقط مكتب وزير دفاع...
بل مكتب رجل يعرف أكثر مما يقول.

الجدران الداكنة، رائحة الخشب العتيق، وصور عسكرية مؤطّرة بعناية، تراقب الداخلين بصمتٍ ثقيل.

وقفت تايلور أمام مكتبه، ويداها متشابكتان خلف ظهرها، تحاول إخفاء اضطراب لا يليق بها.

رفع سيباستيان نظره إليها ببطء.
نظرة العم... لا الوزير.

- من ارتجافك أفهم غضبك،
قال بهدوء يعرفها منذ كانت طفلة.
- والوقوف أمامي هكذا يعني أنكِ جئتِ لتحاربي، لا لتطلبي.

لم تجلس.

- عمي،
قالت بصوت مشدود.
- أرجوك اطلب من لورينزو أن يسحب طلبه.
أنا لا أستطيع مخالفة المسؤولين... لكنه يستطيع سحب الطلب وإنهاء الأمر.

لم يتغيّر وجهه.
لم يُفاجأ.

أغلق الملف أمامه بهدوء، ثم شبك أصابعه.

- كنتُ أعلم أنكِ ستأتين.

- إذًا تعلم أيضًا أنني لا أريده قائدًا لي،

قالت بحدّة مكتومة.
- لماذا لا تجعله يسحب الطلب؟

نهض سيباستيان من خلف مكتبه، واقترب منها خطوة.
- لأنني موافق على كونه قائدك، لقد أخذ إذني قبل أن يتقدّم بالطلب،

تابع بصوت ثابت،
- عندما سمعكِ تقولين إنكِ ستتقدّمين لبرنامج الضباط التقنيين.
وأعطيته موافقتي لأنني أثق بأنه سيحميك.

سكت لحظة، ثم قال:
- أنتِ تدخلين عالمًا خطِرًا... وتُصرّين على التوغّل فيه.
لم يمنعكِ أحد، ولا حتى أخوكِ، رغم اعتراضه.
والآن... حان دورك لتستمعي لنا.

تشنّج فكّها.
كانت تعلم أن كل كلمة قالها صحيحة.
لكنها لم تكن ممن يعترفون بالهزيمة.

- لكن الجميع سيقول إنني هنا بسببه،
قالت بإصرار.
- لأنه ابن خالتي، ولن يعاملني أحد بعدل.

- الجميع سيصمت عندما يرون أنكِ تستحقّين وجودك،
ردّ سيباستيان بهدوء.

- ثم إنهم لن يعرفوا أصلًا.
هو لورينزو دي لوكا...
وأنتِ تايلور مارك.

اقترب أكثر.
- لا أحد سيكتشف صلتكما.
وفي النهاية، هي بضعة أشهر...
تنهين البرنامج وتعودين إلى مقر عملك.

هذه المرة... لم تجد ما تناضل به.
لا لأنها استسلمت،
بل لأنها استوعبت كلامه،
وتعلم أن له الحق في كل كلمة قالها.

هي من خالفت رغبة أخيها، وأبناء خالتها، وحتى هو الذي تعتبره عمّها، من أجل هذه الوظيفة،
وجعلتهم يخضعون لمطالبها.

والآن... حان دورها لتفعل.

استدارت نحو الباب، وقالت بصوت أخفض:
- فهمت، عمي.

وخرجت.

كانت تكره اضطرارها للذهاب إلى الكتيبة صباحًا،
وتكره رؤية وجه لورينزو المنتصر.
لكنها كانت تريد حلمها أيضًا.
لا تريد التضحية به من أجل لورينزو أو غيره.

لذلك ستتحمّل بضعة أشهر.
في النهاية ستنتهي، وتعود إلى عملها.

هذا ما كانت تُقنع به نفسها،
وهي تتوجّه إلى غرفة صوفيا،
حيث مواجهةٌ مؤجَّلة،
وحيث ستقضي ليلتها.

فقد قرّرت المبيت في قصر دي لوكا...
لإنهاء ما بدأته وقد فعلت،
رغم أنه لم ينتهِ بالطريقة التي أرادتها.



(*^^*)(*^^*)(*^^*)






__هل الوظيفة التي كنتِ قد عرضتِها عليّ لا تزال متاحة؟

- نعم،
لكن ما الذي غيّر رأيك؟
لم تكوني تريدين مزاولة العمل قبل إنهاء الماجستير.
ما الذي تغيّر الآن؟
سألت فينيسا باستغراب.

- لم يتغيّر شيء،
قلتُ بهدوء.
- هو عمل تطوّعي خيري، لا مزاولة عمل رسمي.
لم أرد شرح شيء.
بعض القرارات إن فُسّرت... فقدت قدرتها على إنقاذ صاحبها.

وعندما لم ترد، أضفتُ:
- بما أنه لا يزال متاحًا، هل يمكنكِ إرسال الموقع وجدول العمل؟

- حسنًا، سأعدّ لكِ جدول الساعات التي تتطلب حضورك، ووقت الذهاب، وكل ما يلزم، وسأرسله مرفقًا بالموقع.

- جيد.
قلتُ قبل أن أضيف:
- سأغلق الخط الآن. بلّغي سلامي لعمّتي.

- سأفعل.

أغلقتُ الخط، وبقيت أحدّق في الفراغ.
كنت أعلم أنني بحاجة إلى الخروج من هذا المنزل.
أي خروج... حتى لو كان مؤقتًا.

بضع ساعات خارجه قد تُنقذني من نفسي،
من هذا التوتر المتراكم،
من الغضب الذي لم أعد أفهم إن كان سببه الحمل...
أم حجر الجليد.

بدأت أشعر أنني مراقَبة.
وبالأخص بعد وصول العاملات.
ذلك الإحساس الثقيل... الذي لا يُرى، لكنه يُحسّ.

وصلت الطباخة في الموعد تمامًا.
ذلك النوع من الدقّة التي لا تبعث على الارتياح،
بل على الحذر.

ناثان لم يكن موجودًا.
خرج بعد شجارنا الصباحي... ولم يعد.

لم يترك رسالة،
ولا تفسيرًا.

فتحتُ الباب بنفسي.
كانت تقف مستقيمة، بهدوء لا يشبه توتر الوافدين الجدد.

شابة، ملامحها واضحة، ونظرتها ثابتة أكثر مما توقّعت.

- تاليا،
قالت وهي تمدّ يدها.
- الطباخة.

صافحتُها بابتسامة رسمية لا تعبّر عن شيء،
ثم أدخلتها.

اصطحبتُها إلى الغرفة المخصّصة لها.

راقبتُها وهي ترتّب أغراضها بسرعة منظّمة، بلا فضول، بلا أسئلة.

لم تُحدّق في المكان،
ولم تحاول أن تقرأ تفاصيله.
وكأنها تعرفه مسبقًا...
أو كأن معرفته لا تعني لها شيئًا.

عندما خرجت، كنت بانتظارها في غرفة الجلوس.
جلستُ قبالتها.
كان عليّ أن أشرح.
أن أحدّد.
أن أضع الحدود.

- سأخبرك بتفضيلاتنا في الطعام،
قلتُ بهدوء.
- ما نحبّه... وما لا نحتمله.

كنت أعني أنا وآنا.
فذلك الجليد...
لا أستطيع حتى الآن الجزم بما يحبّه أو يكرهه.

ابتسمت.
ابتسامة صغيرة... واثقة.

- لا داعي،
قالتها ببساطة أربكتني.

نظرتُ إليها باستغراب لم أستطع إخفاءه.

- كيف؟

رفعت كتفيها قليلًا، وكأن الأمر بديهي:
- السيد ناثان أخبرني بكل شيء.

كان يُفترض أن يطمئنني ذلك.
أن أشعر بالراحة.
لكنه لم يفعل.

شعرتُ بانقباضٍ خفيف في صدري.
تفصيل صغير... غير مؤذٍ في ظاهره،
لكنه ثقيل المعنى.

كيف يعرف؟
ومتى انتبه؟
وكم من الأشياء الأخرى يعرفها... ولم يقلها؟
لم أُظهر شيئًا.
ابتسمت فقط.
تلك الابتسامة التي تعلّمتها جيّدًا منذ دخلت عالمهم.

- حسنًا،

قلت.
- أهلًا بكِ في المنزل.

انتشلني من شرودي صوت إشعار رسالة.
كانت من فينيسا.

عندما قرأت محتواها، استغربت.
فأرسلتُ فورًا:

لماذا ثلاثة أيام فقط؟ وثلاث ساعات في اليوم؟
هل تسمّين هذا عملًا؟

جاء ردّها سريعًا:

إنه عمل تطوّعي، وهذه الساعات هي ما يحتاجونه.
ولا تنسي أنكِ حامل... لا يمكنكِ الضغط على نفسك.
قرأتُ الرسالة.

عدتُ أسألها:

- يبدو أن جميع المرضى في الدار رجال.

أجابت بهدوء:
- أولًا، لم تُحدّدي الجنس الذي ترغبين بالعمل معه.
ثانيًا، الدار المخصّصة للنساء رفضتِ التطوّع فيها قبل سنتين،
والآن لم يعودوا بحاجة إليكِ.

ثم أضافت:
- كما أن هذه الدار أقرب إلى منزلك،
وأنتِ لا تريدين ترك آنا في المنزل كثيرًا
وأنتِ بعيدة عنها، أليس كذلك؟

اتصلتُ بها بدل أن أراسلها.
وحين فتحت الخط، قلت فورًا:

- حسنًا، فهمت. والآن... هلّا غيّرتِ هذه النبرة الرسمية؟ لا تُطاق.

وصلني صوت أنفاسها عبر السماعة، كأنها كانت تختنق، ثم أفرغت زفيرًا طويلًا وقالت:

- هل تصدّقين؟ كانت تضغط على أنفاسي أنا أيضًا.

ثم أضافت، بنبرة أخفّ: 
- أخبريني... ماذا فعلتِ مع عاملاتكِ الجديدات؟

- لا شيء.

- إذًا لماذا صوتكِ محبط؟
ما الذي حدث؟

يبدو أنها التقطت إحباطي من نبرتي .

- لا أعلم... تلك تاليا لا تُريحني.
تتصرف وكأنها تعرف المنزل، بل تحفظ تفاصيله.
وتخيّلي... ناثان يعرف ما نحب أنا وآنا، وما نكره.
أنا متأكدة أن هذه المرة ليست عمّتي من أخبرته،
لأن هناك تفاصيل... حتى عمّتي لا تعرفها عني.
وهو يعرفها.

توقفت لحظة، ثم خرج ما كنت أخشاه:
- أشعر أنني مُراقَبة طوال الوقت.
أشعر أن أعصابي تتآكل ببطء.

هذه أنا...
التي كانت تقول قبل دقائق: لن أدخل في تفاصيل.
وها أنا الآن أنفجر بلا مقدمات، من سؤالٍ واحد فقط.
لم أعد أفهم نفسي.
لم أعد أستطيع قراءتها.
أنا التي أقرأ الناس بسهولة، أفهمهم من نظرة،

أساعدهم...
ولا أستطيع مساعدة نفسي.

- اهدئي، حبيبتي.
ما الذي تقولينه؟ مُراقَبة؟
بالتأكيد لن يزرع كاميرات داخل المنزل.
والعاملات... حتى هذا الصباح لم يكن لهن وجود.
من الذي قد يراقبك؟

ثم أضافت بنبرة عملية: 
- وإن أردتِ التأكد، أستطيع إرسال خادمتكِ.
لتراقب تاليا وآمبر.
يمكنها التواجد معهم طوال اليوم.

- لا أريدها.
حتى هي... لم أعد أثق بها.
أشعر أن ثقتي تتهاوى، شخصًا بعد آخر.

ساد صمت قصير، ثم سألت: 
- وهل أنا... من ضمن من تفقدين الثقة بهم؟

سؤالها كان...
أغبى سؤال سمعته في حياتي.

- هل جُننتِ؟
هل تسمعين ما يخرج من فمك؟
أغلقي الخط.
اكتفيتُ من حماقتكِ لهذا اليوم.
سأتدبّر أمر المراقبة بنفسي.

- إذًا أخبريني إن توصّلتِ إلى شيء.

قالتها بسرعة، محاولة الإمساك بالخيط.

- ومن قال لكِ إنني أثق بكِ لأشارككِ أخباري؟

قلتُها باستفزازٍ بارد،
ثم أغلقتُ الخط في وجهها.

أعلم أنها تمزح، وتحاول انتشالي من المزاج الذي أغرق فيه،
ومع ذلك... لا أستطيع إنكار أنني أكره أسئلتها الساذجة أحيانًا.
ففي لحظة أراها ناضجة فكريًا على نحو يدهشني،
وفي لحظة أخرى تبدو وكأنها تفكّر بعقل طفل،
وكأن بين الصورتين مسافة لا أفهم كيف تعبرها بهذه السهولة.

عدّلتُ الغطاء فوق آنا النائمة بجانبي،
وأنا أفكّر... يجب أن أُخرجها من هنا.
هي أيضًا.
ولعلّ أفضل ما أستطيع فعله الآن
أن أسجّلها في روضة أطفال.







(*^^*)(*^^*)(*^^*)









كان قصر دي لوكا يستيقظ ببطء،
لا لأن الشمس قرّرت الظهور،
بل لأن الجدران اعتادت أن تتحرّك وفق إيقاع ساكنيه.

طاولة الفطور كانت جاهزة بدقّة مفرطة؛
مفارش بيضاء، أدوات فضية تلمع بلا أثر لأصابع بشرية،
قهوة سوداء برائحة ثقيلة،
وأصوات خفيفة لخدمٍ يعرفون متى يختفون.

أول من دخل القاعة كانت صوفيا،
وبرفقتها تايلور،
فجلستا على كراسي متجاورة.

بعدهما دخلت ماريانا.

- صباح الخير.
ألقت تحية الصباح المتعارف عليها، قبل أن تجلس على كرسيها.

- صباح النور،
ردّت تايلور، ثم أضافت بنبرة مازحة:

- حبيبتي ماري، هلّا تقنعين أخاك بسحب طلبه؟
أو سأقاضيه.

لكن من ردّ لم تكن ماريانا،
بل لورينزو، الذي كان قد سمع آخر كلماتها وهو يدخل القاعة:
- وبأي تهمة ستقاضينني؟

- تايلور...
تهمة استخدام السلطة لمنافع شخصية.

ابتسم لورينزو بسخرية وقال:
- وما هي المنفعة الشخصية التي ستعود عليّ من تدريب فاشلة مثلك؟

- ربما جمالي.
فامتلاك جندية بمثل هذا الجمال في وحدتك ليس أمرًا يحدث كل يوم.
ردّت تايلور ببرود.

نظر إليها لورينزو وكأنه يقول:
هل تتحدثين بجدية؟

لكنه لم يعلّق،
بل جلس على كرسيه بجانب أخته،
التي كانت تكتم ضحكتها مع صوفيا.

مال على ماريانا وهمس لها:
- تبرّعي بمرآة لمنزل خالتك،
يبدو أنهم لا يملكون واحدة.

عند هذا الحد انفجرت ماريانا ضاحكة.

نظرت إليها تايلور باستغراب، وهمّت بسؤالها عمّا يضحكها،

لكن دخول روكي وإيلينا قطع سؤالها.
جلست المرأتان إلى المائدة،
وكان سيباستيان خلفهما،
إذ دخل هو الآخر وجلس على رأس الطاولة.

وكالعادة، لم يلمس أحد طبقه
حتى شرع هو في الأكل.

- سمعتُ أنكِ القاضية في قضية تعاطي الممنوعات
لابن الممثلة روزاليا.
من سألت كانت روكي.

- نعم،
أجابت ماريانا بإيجاز.

- هل تخططين لبثّها على الهواء؟

هذه المرة كان السؤال من إيلينا،
لكن من أجابها كانت صوفيا:

- لا أعتقد ذلك.
لو فعلت، سيكرهها معجبوه على مواقع التواصل الاجتماعي،
ومعجبو والدته أيضًا.

ضحك لورينزو ضحكة خفيفة وقال:
- ومن في هذه البلاد لا يكره القاضية ماريانا دي لوكا؟
كُرههم لها ليس شيئًا جديدًا.

- عائلتها.

قالت تايلور وهي تنظر إلى ماريانا.
كانت تعرف وتفهم ما تمرّ به ابنة خالتها،
فهي بمثابة أختها الكبرى.

- وذلك يكفي.
ردّت ماريانا بصوت يملؤه الامتنان.

لو عرفها أحد فقط كـ القاضية ماريانا دي لوكا
لما خمّن أبدًا كم تملك من مشاعر وأحاسيس.
لكن من يعرفها على حقيقتها
يدرك أنها، رغم اقترابها من الأربعين،
لا تزال تحمل روح فتاة في الخامسة عشر.

كان لورينزو أول من نهض عن طاولة الفطور، بعد أن استأذن من عمّه،
وقال موجّهًا حديثه إلى تايلور:
- هل تريدين توصيلًا إلى العمل؟

نظرت إليه بغضب، ولم ترد.
خرج لورينزو ضاحكًا،
بينما سألت روكي باستغراب:
- ما الذي يحدث؟

أجابت صوفيا:
- تايلور لا تريد العمل في وحدة لورينزو.
تخاف أن يكتشف الجنود علاقتهم،
فيتّهمونها بعدم الكفاءة.

- ظننتُ أنكِ دخلتِ في مشكلة معه،
قالت روكي.

- ألا ترينها مشكلة؟
ردّت تايلور.

- لا، ليست مشكلة.
حتى لو اكتشفوا قرابتكِ منه،
لا تسمحي لهم أن يحوّلوها إلى شكّ فيكِ.
ثقي بقدراتكِ، ولا تنتظري أحكام الآخرين،
فأنتِ لم تصلي إلى هذا المنصب صدفة،
بل بجهدكِ... واستحقاقكِ.

- أنا أثق، يا خالتي،
قالت تايلور بهدوء متوتر،
- لكنني لا أريد مشاكل مع زملائي.

- حسنًا، حسنًا،
قالت روكي بنبرة حاسمة،
- انهضي واذهبي إلى العمل مع أخيك.
ستتوجهان إلى المكان نفسه،
لذلك اذهبي معه.

نهضت تايلور مكرهة من الطاولة.
آخر شيء كانت تريده هو الذهاب معه إلى المعسكر،
لكنها لم تُرِد كسر كلمة خالتها.

خرجت تايلور، وكان لورينزو ينتظرها في السيارة.
لم يكن ينتظرها بالمعنى الحرفي...
كان متأكدًا أنها ستأتي.

جلست في المقعد الأمامي، فيما كان هو خلف المقود.
أغلقت الباب وربطت حزام الأمان بحركة حادّة، كأنها تعلن رفضًا صامتًا.

شغّل لورينزو السيارة، وانطلق بها بلا كلمة.

ما إن تجاوزا بوابة القصر حتى قالت، دون أن تنظر إليه:
- هلّا تقود إلى المنزل؟ حقيبة ثيابي هناك.

- حقيبتكِ في الخلف.

التفتت إليه ببطء.
دهشة باردة عبرت عينيها.

كانت تشكر نفسها داخليًا لأنها لم تأخذ الحقيبة معها في الليلة الماضية.

رغم أنها لم تكن متأكدة من النتيجة، إلا أنه كان من المفترض أن تأخذها كي لا تتأخر عن الوحدة في حال رفض سحب طلبه، كما حدث.

فهي جندية، تلتزم بالتوقيت، ولا تريد أن تتأخر عن المعسكر في يومها الأول.
ومع ذلك... كانت شاكرة لأنها نسيتها.

كانت تنوي استخدامها كعذر؛
لينزلها في المنزل، ومن هناك يوصلها أحد سائقي العائلة إلى الوحدة.

لم يخطر ببالها أنه سيحضرها بنفسه.
ما الذي تفعله حقيبتي هنا؟

نظرت إليه بنظرة صريحة، مليئة بالاتهام.
لم يلتفت، لكنه شعر بها، كما يشعر القائد بارتباك جندي خلفه.

قال بهدوء محسوب:
- عندما سألتُ صوفيا، وقالت إنكِ لم تحضري شيئًا معك، اتصلتُ بداميان.
طلبتُ منه أن يرسل الحقيبة مع السائق.

لم تجبه.
الصمت تمدّد بينهما، ثقيلًا، خانقًا.

حتى بدأت ملامح المدينة تتلاشى خلفهما،
وتحوّلت الطريق إلى امتداد طويل من الفراغ.
كان المعسكر في منطقة نائية نسبيًا، مخصّصًا للتدريب الميداني المكثّف.

لم يكن هذا مقر وحدته الدائم، لكنها كانت تعلم ذلك؛
فأمر إلحاقها أُرسل رسميًا،
وبحثت بنفسها عن موقع التدريب.

عندما لاح سور المعسكر في الأفق، قالت فجأة:
- أنزلني هنا. سأكمل سيرًا.

كان يرى أن المعسكر لا يزال بعيدًا؛ أكثر من خمسة كيلومترات.
طلبها لم يكن منطقيًا... لكنه مفهوم.

أوقف السيارة.
لم يكن يريد دخول المعسكر وهي بجانبه.
وجودها معه علنًا، منذ اليوم الأول،
قد يفتح أبوابًا لا يرغب بفتحها بعد.

وكان سينزلها قبل الوصول إلى المعسكر على أي حال،
لكن بالتأكيد ليس في هذه النقطة.
إلا أنها هي من اختارتها.

نزلت، سحبت حقيبتها من الخلف،
وأغلقت الباب بقوة لم تكن موجهة للسيارة وحدها.

لو لم يُصرّ على توصيلها،
لكانت وصلت بسيارة رسمية،
تنزلها أمام البوابة كأي عنصر آخر.

أما الآن...
فستقطع هذه المسافة مشيًا.
بسببه.








  (*^^*)(*^^*)(*^^*)









استيقظتُ على أشعّة الشمس وهي تحاول التسلّل بخجل عبر الستائر الثقيلة.

كانت آنا لا تزال نائمة بجانبي، هادئة، بريئة، تشبه ملاكًا صغيرًا لا يعرف شيئًا عن تعقيدات هذا العالم.

الجانب الآخر من السرير...
جانب ناثان، لم يتغيّر.
لم تُمسّ الوسادة، ولم ينكسر ترتيب الغطاء.
لم ينم هنا البارحة.
وذلك... كان أفضل.

نهضتُ بهدوء كي لا أوقظها، واتّجهت نحو الحمّام بنيّة غسل وجهي وأسنانـي،
لكن ما حدث كان شيئًا آخر.

فما إن اقتربت من الحمّام حتى داهمني الغثيان الصباحي.

تسارعت خطواتي، بالكاد أغلقت الباب خلفي قبل أن أنحني فوق المغسلة.

لم أقاوم.
أدركت أن المقاومة لا تفعل سوى إطالة العذاب.

تقيّأت... مرة، ثم أخرى،
حتى شعرت بأن جسدي كلّه يثور عليّ.
حين انتهى الأمر، كنت أرتجف، متعبة، فارغة.
قررت أخذ حمّام سريع.

الماء الدافئ كان رحيمًا، على عكس كل شيء آخر.
غسل عني بقايا الضعف...
أو هكذا أردت أن أصدّق.

عندما خرجت، كانت آنا كما تركتها، نائمة بسلام.
اليوم سأصطحبها إلى الروضة.

جدول عملي لا يبدأ قبل يومين،
وأردت أن أهبها صباحًا طبيعيًا...
إن كان هذا ممكنًا.

أيقظتها بلطف، ومنحتها حمّامًا سريعًا،
ثم ألبستها فستانًا ورديًا فاتحًا بتفاصيل سوداء، وحذاءً أبيض.
ارتديتُ أنا ملابس مشابهة.

عندما نزلنا إلى الأسفل، كانت آمبر وتاليا في غرفة الجلوس.

- صباح الخير.
قلتُها بهدوء.

- صباح النور.
أجابت آمبر مبتسمة.

نهضت تاليا فورًا:
- سأحضّر لكِ الإفطار.

- سنفطر في الخارج اليوم.
قلتُها وأنا أتجه نحو الباب.
لم أشرح أكثر.

التقطت مفاتيح السيارة وخرجت.
رفضتُ أن يقودني السائق.
أردت يومًا خاصًا... لي، ولابنتي فقط.

جلست آنا في مقعدها الخلفي،
جلستُ خلف المقود،
وانطلقت.

بعد خمس دقائق تقريبًا، رنّ هاتفي.
تجمّد شيء ما في صدري.

كنت أعلم أنني مراقبة...
والآن تأكّدت.

هذا التوقيت لا يمكن أن يكون صدفة.

تجاهلت المكالمة أولًا، لكنه أعاد الاتصال بإصرار.
فتحت الخط أخيرًا.

- صباح الخير.
قلتُها بنبرة هادئة لا تمتّ بصلة لما يحدث داخلي؛
فإدراكي أنني مراقبة كان خانقًا... لا يُطاق.

- إلى أين تذهبين؟
قالها دون أن يردّ التحية.
كانت نبرته غريبة...
شيء من التملّك،
شيء من المرض،
شيء لا أملك له اسمًا.

تجاهلت حدّته:
- لتناول الإفطار.

- إذًا اطلبـي لي معك.
قالها ببرود، ثم أغلق الخط.

بقي الهاتف في يدي لثوانٍ.
لم أفهم قصده...
ولم أرد أن أفهم.

توقّفت أمام أحد المقاهي.
طلبتُ لآنا كورنيتو وكأس عصير فراولة طازج.

أما أنا، فلم تكن لديّ رغبة في الطعام،
فاكتفيت بقهوة بالحليب مع الثلج.

تحدّثت آنا بحماس طفولي،
وأنا أستمع...
أحاول أن أكون حاضرة.

أنهت فطورها،
وأنهيت قهوتي.
خرجنا متجهتَين نحو السيارة.

لكن سيارة سوداء من نوع مرسيدس-بنز الفئة S
توقّفت أمامنا،
تسدّ الطريق.

كنت أعلم تمامًا لمن تعود تلك السيارة.
نزل حجر الجليد من مقعد السائق.
يبدو أنه كان يقود بنفسه هذه المرة.

تقدّم حتى وقف أمامنا.
آنا، ما إن رأته، حتى أفلتت يدي وركضت نحوه.
حملها بسرعة،
كأن الخوف من أن تفلت منه أكبر من وزنها.

- اشتقت لك.
قالتها بصوتها الطفولي، قبل أن تطبع قبلة على خده.

- وأنا أيضًا.
ردّ عليها بهدوء،
ثم أنزلها،
ورفع نظره نحوي.

مهما حاولت،
لا أستطيع التعود على هذا.
آنا لم تكن يومًا قريبة إلى هذا الحد من ستيفن.

ستيفن كان يأتي إلى المنزل مرة أو مرتين في السنة فقط.
عندما تزوجت أنا وستيفن،
رفض أبي أن أسكن بمفردي،
فطلب من ستيفن أن ينتقل للعيش معنا،
وقد فعل.

لكن بعد ثلاثة أشهر من إقامته المتواصلة،
بدأ يبيت خارج المنزل أيامًا،
ثم تحوّلت الأيام إلى أسابيع،
ثم إلى أشهر.

لا ألومه على ذلك.
فقد لقي من عائلتي ما يكفي ليهجر البلد...
لا المنزل فحسب.

ومع ذلك،
كان يأتي أحيانًا ليطمئن على آنا وعليّ،
يجلس معنا يومًا أو يومين،
ثم يختفي من جديد.

- تحرّكي.
أفقت على صوته،
وعلى يده التي أمسكت معصمي بقوة،
كأن الوقوف في مكاني صار جريمة.

سحبتُ معصمي منه وقلت:
- أتحرّك نحو ماذا؟
وما الذي تفعله أنت هنا؟

اقترب خطوة، وصوته انخفض حدّ الخطر:
- إلى السيارة.
ولا تجرؤي أن يمرّ اسم رجلٍ غيري في رأسك.
لا أمامي... ولا خلف ظهري
أفكاركِ ليست حرّة كما تتخيّلين،
وذاكرتكِ لا تعرف طريقًا خارج قبضتي.
حتى تلك الزاوية التي تهمسين فيها لنفسكِ: 
هذا لي وحدي
أنا أصل إليها.
أنا الرجل الوحيد الذي يُسمح له أن يسكنكِ،
فكرةً، خوفًا... أو رغبة.

لا أعلم كيف أدرك أنني تذكّرت ستيفن،
لكنني تجاهلت كلماته، وتهديده، وتصريحه بمراقبتي؛
فقد كنت قد اكتشفت ذلك بالفعل،
ولم يدهشني.
بل تعلّقت بكلمته الأولى فقط

- السيارة؟
لكن سيارتي في الاتجاه الآخر.

- سيارتك سيحضرها السائق لاحقًا.
الآن، هلا تصعدين السيارة؟

- أريد الذهاب إلى الروضة.

همست، محاولة أن أبدو حازمة.

ابتلع صمتًا، ثم أومأ برأسه، واضعًا يده على الباب، مشيرًا إليّ أن أصعد.
- إذًا... اصعدي.

امتثلتُ لطلبه،
وصعدتُ السيارة.

منذ أن صعدنا السيارة، خيّم الصمت عليها، صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه يراقبنا.

حتى قال فجأة، دون أن يلتفت إليّ:
- كنتُ في المستشفى.

نظرتُ إليه بدهشة، وقلت فورًا: 
- ما بك؟ هل أنت بخير؟

أجاب بهدوء، وعيناه ما تزالان مثبتتين على الطريق: 
- كنتُ في مناوبة مسائية.

- ماذا؟ 

سألته، غير مستوعبة ما قاله، ظننت أن السمع خانني، حتى أردف:
- أنا جراح قلب.

كانت صدمتي هذه المرة أشدّ من الأولى.
حدّقت به دون تصديق: 
- أنت... ماذا؟

- جراح قلب.

أعادها بنبرة لا مبالية، كأن الأمر بديهي أو لا يستحق الذكر.

ضحكتُ بسخرية... سخرية من نفسي.
وتذكّرت أول مرة قلت له فيها إنني لا أظنه يعمل في المجال الطبي.

لا أصدق أنني لا أعلم عنه شيئًا، ولا حتى تفصيلًا كهذا.

بما أنه بدأ الحديث، قررت أن أستمر:
- في أي مستشفى تعمل؟
لا أظن أن عائلتك تمتلك مستشفى... أم هل تمتلكون واحدًا وأنا لا أعلم؟

- في مستشفى عائلتك.
وعائلتي لا تمتلك مستشفى.

قالها بهدوءٍ مستفز.
ذلك البرود... تلك اللامبالاة.

مستشفى عائلتي؟
فينيسا... تلك الحقيرة. سأقتلها، بالتأكيد تعلم بأمره .
لماذا لم تخبرني؟
وكيف يعمل هناك وأنا آخر من يعلم؟

- منذ متى وأنت تعمل هناك؟

- الأمس كان أول يوم لي.

حسنًا... هذا يفسّر جهلي بالأمر حتى الآن.
لكنه لا يعفي فينيسا من القتل حين أراها.

لم أكن أنوي إخباره بشيء عن دراستي أو تخصصي،
لكن بما أنه شاركني، سأفعل المثل.

- درستُ علم النفس... وبالتحديد الطب النفسي.

انتظرت.
أي ردة فعل.
أي مفاجأة.
أي شيء.

لكنه قال بهدوء قاتل: 
- أعلم.
وأضاف بعد لحظة، وكأنه يقرء تقريرا مفصّلا عني:
__وتوقّفتِ بعد حصولك على شهادة البكالوريوس.

لا أصدق.
كيف له أن يعلم كل شيء عني؟

لكن... هل أستسلم؟
بالطبع لا.

سأفاجئه بمعلومة لا يعرفها.

قلتُ هذه المرة بحماس، واثقةً من قدرتي على مفاجأته: - لقد تطوّعتُ في دار غواريدزوني الخيرية.

لكنّه كان هو من فاجأني. تنفس ببطء، صوته كظلال الليل: 
- يبدو أنكِ لا تعلمين... لقد اتصلتُ بهم، واعتذرتُ، وأخبرتهم أنكِ لن تستطيعي العمل هناك.

حدّقتُ به. 
- المزاح لا يليق بك.

- أنا لا أمزح.

نظرتُ إليه من جديد، وبالفعل... لم يكن يمزح.
شعرتُ بالأرض تدور بي. 
- هل تتحدث بجدية؟
لم يُجب.

كانت السيارة قد توقّفت أمام الروضة. همَّ بالنزول، لكنني أمسكتُ ذراعه بقوة: 
- هل تتحدث بجدية؟

مرة أخرى... لا رد.
صرختُ به، وقد نفذ ما تبقّى من قدرتي على التماسك:

- هل بتَّ تراقب اتصالاتي الآن؟ ألا يكفيك العيون التي وضعتها في المنزل؟ أنا زوجتك، ولستُ رهينةً عندك! هلا أفقْتَ على تصرّفاتك... رجاءً؟

لم أعد أحتمل. من يظنّ نفسه؟
لكنّ رده جاء هادئًا... هادئًا إلى حدّ الاستفزاز: 

- لا أراقبك، ولا أراقب اتصالاتك، 
قال بهدوء قاتل.
- سمعت محادثتكِ مع فينيسا البارحة، وسألتها... فأجابتني.

تشنّجت يدي وفكرت في الكلمة الأخيرة. فينيسا... تلك الخائنة. لكنني تجاهلت خيانتها الآن. سأحاسبها لاحقًا، حين يحين الوقت.

- إذًا بماذا تفسّر اتصالك بي بعد خمس دقائق فقط من خروجي من المنزل؟ 

صرخت، والغضب يتصاعد في صوتي.
نظر إليّ بلا أي أثر للانفعال، صوته بارد وثابت:

- كنتُ قد طلبت من السائق ألا يترككِ بمفردك إن رغبتِ في الخروج، من أجل حمايتك. اتصل بي وأخبرني أنكِ رفضتِ أن يرافقك.

هل يظنّني طفلة لأصدّق هذه الكذبة السافرة؟

تجاهلتُ ذلك، وقلت: 
- والمقهى؟ ما تفسير وجودك أمامه؟

- إنه الأقرب إلى المنزل، كما أنه يقع بين المنزل والروضة. كان من البديهي أن تختاريه.

نظرتُ إليه بشك: 
- أنا لم أقل لك شيئًا عن الروضة عندما اتصلت.

- لم تقولي، لكنني قلتُ لكِ من قبل إنكِ سهلة القراءة. وعندما تطوّعتِ في الدار، كنتُ أعلم أن أول ما ستفعلينه بعدها هو تسجيل آنا في الروضة.

سكت قليلًا، ثم أضاف: 
- والآن... إذا كنتِ قد اقتنعتِ، هلا ننزل؟

لم أقتنع بحرفٍ واحد مما قاله، ولم أرغب في الانجرار وراء حججه. 
على أي حال، لم أرغب في افتعال مشاكل أمام الروضة.

نظرتُ إلى آنا في المقعد الخلفي... كانت قد غفَت قبل أن أنفجر في وجه ذاك الحجر، ولا تزال نائمة. أيقظتها برفق قبل أن أخرج من السيارة.

دخلنا الروضة واتجهنا نحو موظفة الاستقبال. كان ناثان يحمل آنا، وأنا أسير بجانبهما.
استقبلتنا الموظفة بابتسامةٍ عملية، بادلتُها الابتسامة وأنا أشير إلى آنا:

— أريد تسجيلها.

— تفضلوا بالجلوس، سأحضر لكم الأوراق المطلوبة.

جلسنا على المقاعد القريبة. آنا لم تتحرك من حضنه، فجلست مستقرة هناك، كأن وجودها بين ذراعيه هو الشيء الوحيد الثابت في هذا المكان الغريب. 

لم تمر سوى ثوانٍ حتى عادت الموظفة تحمل ملفًا أسود وقلمًا، ودفعتْهما نحو ناثان وهي تقول:

— تفضل، سيدي.

سحبتُ الملف نحوي بهدوء. 
لم يعترض، لا بحركة ولا حتى بنظرة.

فتحت الملف.
الاستمارة تطلب اسمي، اسم الطفلة، واسم الأب.، فكتبتُ اسمي واسم ستيفن. 

شعرتُ باعتراض ناثان هذه المرة؛ في نظراته التي ازدادت ظلمة، وفي تنفّسه الذي تغير إيقاعة حتى بتّ أسمعه بوضوح.

لكن ذلك لم يكن يهمني. ستيفن والدها، وهو يعلم ذلك جيدًا.

طلبتْ مني الموظفة بعض الأوراق، فسلّمتُها لها، مثل:
شهادة ميلاد آنا، تقريرًا طبيًا يثبت خلوّها من الأمراض المعدية، وصورًا شخصية.

كنت أعلم أنها ستطلبها، لذلك جهّزتها مسبقًا.

ثم أشارت إلى الاستمارة وقالت:
— هنا نحتاج توقيع وليّ الأمر.

كنتُ على وشك التوقيع، لولا أنه سحب منّي الملف والقلم. نظرتُ إليه وأنا أحاول استيعاب فعلته، لكنه كان قد وقّع بالفعل.

أخذت الموظفة الاستمارة بعد توقيعه، ثم نظرت إلينا نظرة شك لم تحاول إخفاءها ، وكان ذلك متوقعًا؛ فقد وقّع باسمه، بينما كنت قد كتبتُ في خانة الأب اسم ستيفن.

— هل أنت والدها؟

سؤالها كان موجّهًا له.
أجاب بصوته الرجولي الهادئ، الخالي من أي تردد:
— نعم.

— إذًا من ستيفن؟

عادت الموظفة تسأل بشك، فقلتُ محاولةً تدارك الموقف:

— ستيفن والدها البيولوجي، وهذا زوجي.

أشرتُ إليه في الجملة الأخيرة، وشعرتُ بإحساسٍ غريب وأنا أطلق عليه هذا الوصف.

— هل تمتلكين حكم وصاية أو تفويضًا رسميًا؟

سألتني الموظفة هذه المرة. لم أكن أتمنى أن تصل الأمور إلى هنا، لكنني لم أغفل عن احتمال حدوث شيء كهذا، فأخرجته وقدّمته لها.

تأكدت منه، ثم بدأت تسألني عن آنا:
هل تعاني من أي حساسية؟
هل سبق لها الالتحاق بحضانة؟
هل تبكي عند الانفصال؟
كيف تتعامل مع الغرباء؟

أجبتها عن جميع أسئلتها، وكانت تدوّن كل كلمة أقولها، ثم قالت:

— من الأشخاص المصرّح لهم باستلامها؟

— نحن.

قلتُها وأنا أشير إلى نفسي... وإلى ذاك الحجر الصامت بجانبي.

— إذًا سأحتاج إلى نسخ من هوياتكم.

قدّمتُ لها نسخة من هويتي، ثم تفاجأت به يقدّم نسخة من هويته أيضًا.

بعدها شرحت سياسة العمل، ومنها: 
دوام جزئي في الأسبوع الأول، واتصال فوري في حال البكاء المستمر.

كنت أعلم أنهم لن يحتاجوا للاتصال؛ فآنا تتكيّف بسرعة مع من هم في سنها.

ثم أضافت:
— يمكن تسجيلها اليوم وتبدأ فورًا إن رغبتم.

نظرتُ إلى آنا، التي كانت لا تزال متشبثةً بناثان، وقلت:

— لا، سنبدأ غدًا.

دفع رسوم التسجيل، واستلمنا بطاقة صغيرة باسمها:
آنا *الصف التمهيدي.*

طوال الطريق إلى المنزل، كانت البطاقة بين أصابعي؛ صغيرة… لكن وزنها يضغط على صدري كحجر.

لم أكن أنظر إليها فقط، بل إلى حياةٍ كان يُفترض أن تكون لي.

كنتُ أنتظر هذه اللحظة مع استيفن.
لحظة ندخل فيها ابنتنا الروضة للمرة الأولى.
كنتُ قد رسمتها مئات المرات في رأسي:

ما الذي سنرتديه؟
هل سنبدو عائلةً متشابهة؟
كيف سنضحك بتوترٍ ونحن نتركها هناك؟
وكيف سنعدّ الدقائق حتى نعود لنأخذها، لتغمرنا بحكاياتها الصغيرة عن أصدقاء لا نعرف أسماءهم بعد؟

كنتُ أعيش الحلم كاملًا…
إلى أن انكسر فجأة.

سأعيش كل ذلك.
لكن ليس معه.
سأعيشه مع ناثان.

شعرتُ بسخونةٍ على خدي.
لم أحتج إلى مرآة لأعرف… كانت دموعي.

خرجت بلا استئذان، بلا صوت، كأنها خيانة صغيرة أخرى ارتكبتها دون قصد.
لم أدرك أنني أبكي إلا حين كنتُ أبكي فعلًا.

مسحتُ وجهي بسرعة، بعنفٍ خفيف، كأنني أعاقب نفسي.
آخر ما أريده هو أن يرى ضعفي…
لكنه كان قد رأى بالفعل.

توقفت السيارة فجأة في منتصف الطريق… كأن العالم كله تجمّد، والهواء أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.

قال بصوت منخفض، كهمس حكمٍ نهائي:
— ألم أقل لكِ إن التفكير في غيري جريمة؟
ثم أضاف ببطء، مع وزن كل كلمة:
— وأنتِ تعرفين… أن الجرائم لها عقاب.

قلبي خفق بلا ترتيب، جسدي مشدود، كأنه يحاول الفرار من نفسه.
اقترب مني دون تحذير، ولم يكن هناك أي مخرج.

دفعتُه عني بكل قوتي، وصفعته.
صفعة واحدة، صدى صرخات داخلي، شعرت بها في أطراف أصابعي، وكأنها تقول:
ما زال لدي شيء أملكه لنفسي.

نظر إليّ ناثان بثبات، عينيه مظلمة كليل بلا نجوم، صمتته الصفعة للحظة، لكنه لم يتراجع.

تنفسه كان هادئًا… قاتلًا، كل حركة منه تقول: 
هذه اللحظة لي، وأنتِ لي.

شعرت بحرارة تنتشر على خدي، ورعشة تجتاح عمودي الفقري.
كل إحساس بدا مزدوجًا: 
خوف وغضب، وخطر لم أرغب في الاعتراف به، لكنه كان هناك، حقيقي، ملموس.
		       

صباح غريب - دي لوكا إرث الخطيئة

جاري التحميل...

صباح غريب

شقّ صوت فينيسا شرودي وأعادني إلى الواقع. كنت أقف أمام المرآة منذ دقائق، أحدّق في انعكاسي دون أن أراه حقًا. اتصلت بها على عجل، بعدما اكتشفت أن حجر الجليد رتّب لعشاء عائلي في منزل عائلته دون سابق إنذار، ولم يخبرني إلا بعد الظهر.

تحميل الفصول...
المؤلف

           بسم الله الرحمن الرحيم






إن أحببتم القصة، لا تنسوا وضع نجمة، فدعمكم              يساعدها على الوصول إلى عدد أكبر من القرّاء.

قراءة ممتعة






لم أتوقع أن أنام تلك الليلة، لكنني نمت... وبعمق.
وعندما استيقظت، لم تكن آنا في الغرفة. أدركت فورًا أنها سبقتني إلى الاستيقاظ.

نهضت، غسلت وجهي ونظّفت أسناني على عجل، ثم خرجت من الغرفة.

كان المنزل في الصباح مختلفًا كليًا عمّا بدا عليه ليلًا؛ الضوء يملأ المكان بسخاء، والجانب الشرقي بأكمله من الزجاج، شيء لم أنتبه إليه في الليلة الماضية. 

كانت الشمس تتسلل بهدوء، ترسم ظلالًا خفيفة على الأرض. وعلى الجدران، عُلّقت لوحات فنية بسيطة. لست من محبي الفن، لكن هدوءها كان جميلًا، غير قابل للتجاهل.

وأنا أنزل الدرج، وصلتني رائحة شهية... مزيج من مربى التوت والخبز المحمّص. عندها فقط أدركت كم كنت جائعة. تبعت الرائحة دون تفكير، حتى وجدت نفسي واقفة عند مدخل المطبخ.

داخل المطبخ، استقبلني مشهد لم أكن لأتخيله حتى في أكثر أحلامي غرابة.
كان هو هناك، يرتّب الفطور على طاولة الطعام بهدوء، بينما تجلس آنا على طاولة التحضير، تتأرجح قدماها الصغيرتان، وفي يدها تفاحة تأكل منها بتركيز طفولي.

تملكتني الدهشة وأنا أراقبهما.
هذا الهدوء… لم يكن مريحًا.
كان أشبه بسكون ما قبل شيء لا أعرفه.

وضع الطبق على الطاولة وقال دون أن يلتفت: 
— اجلسي.
لم يكن طلبًا.
كان أمرًا قيل بنبرة لا تحتاج إلى تفسير.

تقدّمت وجلست.
المائدة مرتّبة بعناية: كورنيتو طازج، خبز محمّص، فاكهة، مربى، عصير مانجو.

بحثت بعيني عن شيء واحد.
القهوة.

رفعتُ نظري إليه.
— أين قهوتي؟

لم يرد فورًا.
حمل آنا بهدوء، أجلسها على الكرسي المقابل لي، ثم عاد إلى ماكينة الإسبريسو.

حضّر فنجانًا واحدًا فقط.
جلس.

— لا قهوة.

قلت بحدّة:
— ومن قرر ذلك؟

نظر إليّ أخيرًا. نظرة مستقيمة، باردة، بلا انفعال.
— أنا.

— ومن أنت لتمنعني؟

— الشخص المسؤول هنا.

ضحكت، ضحكة قصيرة خرجت رغمًا عني. 

— لا تختبر صبري، ناثان.

نهضت.
اتجهت نحو ماكينة القهوة من دون أن أنتظر إذنه.
وضعت الكبسولة بين أصابعي.
قبل أن أُكمل الحركة، كانت يده فوق يدي.

لم يشدّها.
لم يعصرها.
أوقفها فقط.

— قلتُ لا

نظرت إليه.
— أتعلم؟ هذا أسلوب سيئ في التعامل.

لم يعلّق.
سحب الكبسولة من يدي ووضعها بعيدًا.

— الحمل ليس مجالًا لتجاربك.

— أنا لست جاهلة.
قلتُها بحدة.
— أستطيع شرب قهوة منزوعة الكافيين.

صمت لحظة.
ثم قال، بصوت أخفض: 
— ليست القهوة.

توقّفت. 
— إذًا ماذا؟

اقترب نصف خطوة. 
— جلستِ على الأرض البارحة.
تتصرفين وكأنك تريدين دفع جسدك إلى الحدّ الأقصى.

رفعتُ ذقني. 
— لا تفسّر أفعالي كما يحلو لك.

نظر إلى بطني نظرة سريعة… ثم عاد إلى عينيّ.
— الجنين ليس ملكك وحدك.

شعرتُ بالصدمة. 
— ولا ملكك.

— لكنه مسؤوليتي.

كانت الكلمة الأخيرة ثقيلة.
مسقطة.
غير قابلة للنقاش.

— إن أردتِ القهوة، سنناقشها مع الطبيب.

أضاف بهدوء قاتل:
— لا في المطبخ، ولا بهذه الطريقة.
استدار.

أنهى فنجانه ببطء.
ثم قال دون أن ينظر إليّ:
— اجلسي. كلي.

تركني واقفة.
غاضبة.
ومرتبكة أكثر مما أحب أن أعترف.

جلست أُكمل فطوري، وذاكرتي تعود إلى ما فعله ليلة البارحة.

                         __البارحة__





_استيقظ من أوهامك، لن أشاركك غرفة، فكيف بسرير؟

خرجت الكلمات من فمي حادّةً، نهائية، ثم أدرت ظهري له ودخلت غرفة آنا قبل أن أمنحه فرصة للرد.

لم أشعل الضوء؛ خشيت أن أوقظها. ومع ذلك، لم تكن الغرفة غارقة في الظلام. كان ضوء خافت يتسلل من الخارج، يكفي لرؤية ملامحها وهي نائمة.

تمدّدت إلى جوارها على السرير. كان المكان مألوفًا، هادئًا... لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.

انفتح الباب بهدوء، ودخل حجر الجليد، ولا يزال يحمل الكأس نفسه على الصينية نفسها.
الشيء الوحيد الذي تغيّر كان ثيابه.

وضع الكأس على الطاولة بجانب السرير وقال: 
- فقط اشربيه، وسأخرج بعد أن تفعلي.

لم أناقش. جلست دون تفكير، وشربت الكأس دفعة واحدة.
كل ما أردته هو التخلّص منه، وبالفعل كان عند كلمته.
ما إن أنهيت الكأس حتى أخذه مع الصينية وخرج.

كنت متعبة، والنعاس يثقل جفوني. لا أعلم إن كان السبب طول اليوم، أم الحمل، أم كلاهما معًا.
بعد نحو خمس دقائق، كان التعب قد تملكني تمامًا.

ثم دخل الغرفة مجددًا.
رفعت رأسي بصعوبة، أحاول أن أبقى مستيقظة: 
- ماذا تفعل هنا؟ ألم تقل إنك ستخرج؟

أجاب بصوته البارد المستفز، كعادته:
- وقد خرجت.

تمتمت بصوت خافت، لا أعلم كيف سمعه: 
- خرجت... وها أنت هنا.

قال بهدوء:
- قلت إنني سأخرج، ولم أقل إنني لن أعود.

ثم أضاف، وكأنه يغلق الموضوع: 
- والآن، هلا تنامين؟

قالها وهو يصعد إلى الجانب الآخر من السرير.
أصبح وضعنا كالتالي:
هو في الجانب الأيمن، آنا في الوسط، وأنا في الجانب الأيسر.

أردت أن أجيبه، أن أقول أي شيء... أن أطلب منه الخروج، أن أتشاجر، أن أصرخ.
لكنني لم أستطع.

كنت أشعر بأن عضلاتي تثقل، وكأن جسدي ينسحب مني ببطء، مستسلمًا للنوم رغماً عني.

                          __الحاضر__


- لا تلبسي ذلك... هذا سيكون أجمل عليكِ.

شقّ صوت فينيسا شرودي وأعادني إلى الواقع. كنت أقف أمام المرآة منذ دقائق، أحدّق في انعكاسي دون أن أراه حقًا. اتصلت بها على عجل، بعدما اكتشفت أن حجر الجليد رتّب لعشاء عائلي في منزل عائلته دون سابق إنذار، ولم يخبرني إلا بعد الظهر.

لم يكن لدي وقت للتردد، ولا للرعونة. كنت بحاجة إلى شخص يملك ذوقًا هادئا وناضجا في آنٍ واحد... شخص يراني من الخارج حين أعجز عن ذلك.

بعد ما رأيته منهم في الزفاف، لم أعد أحتمل فكرة أن يضعوني في قالب الفتاة الطائشة. لا. هذه المرة، أردتهم أن يروا امرأة مختلفة؛ قوية، ثابتة، تعرف تمامًا أين تقف.

- في ماذا تفكرين؟ قلت لك لا تلبسي ذلك.

نظرت إلى الفستان بين يديّ، ثم إلى انعكاسي.
- لكنه جميل.

التفتت إليّ بعينين ضيقتين: 
- إذا كنتِ لن تستمعي لي، فلماذا اتصلتِ بي أصلًا؟

تنهدت، وكأنني أساوم نفسي قبلها
- ومن قال إنني لن أستمع؟ أنا فقط أعطيت رأيي.

قالت بغيظ واضح: 
- لو كان رأيكِ ينفع، لما احتجتِ إليّ من الأساس.

لم أعلّق. أخذت الفستان من يدها ودخلت غرفة التغيير. ارتديته ببطء، أراقب كيف ينسدل على جسدي، وكيف يحتضنني كما فعلت الفساتين السابقة تمامًا.

خرجت مجددًا وقلت: 
- ما رأيك؟

تأملتني طويلًا، نظرة فاحصة لا تعرف المجاملة، ثم قالت: 
- جميل... لكن هل أنتِ متأكدة أن ناثان هو من اشترى هذه الملابس؟ لم تكوني أنتِ من فعلتِ ذلك وقلتِ إنه هو؟

- قلت لك، عندما جئت كانت مرتّبة في الخزانة.

رفعت حاجبها: 
- إذن فسّري لي كيف أن جميعها على مقاسك تمامًا.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تخلو من الحيرة: 
- وأنا مستغربة مثلك. على أي حال، هل تقترحين خيارًا آخر أم استقر الرأي على هذا؟

تنهدت أخيرًا، وكأنها استسلمت: 
- هذا هو الأنسب. لونه يليق بك، ويمنحك حضورًا قويًا. الآن اخلعيه واجلسي، لأضع لك المكياج

غيّرتُ الفستان وجلستُ على الكرسي أمام المرآة. بدأت فينيسا بترطيب بشرتي استعدادًا للمكياج، وحين انتهت شرعت في وضعه بهدوء، قبل أن تسأل فجأة:
- أين آنا؟

أجبتها دون أن أرفع عيني عن انعكاسي في المرآة:
- ألم تلتقي بها عند مجيئك؟ تركتها في غرفة الجلوس مع حجر الجليد.

رفعت فينيسا نظرها إليّ عبر المرآة، وقد ارتسم الاستغراب على ملامحها.
- لا، لم ألتقِ بها... ولا به. ولا يبدو أن هناك أحدًا في الطابق السفلي.

تجمّدت للحظة.
تركتُهما في الأسفل قبل أن أصعد... فأين يمكن أن يكونا قد ذهبا؟

- الحديقة الأمامية؟
سألتها وأنا أتمنى، بصدق، أن تقول إنها رأت ظل آنا هناك.

هزّت رأسها نفيًا.
- حارس البوابة فقط.

شعرت بنبضة خوف تعصف بصدري.
- ماذا يحدث؟ أين ابنتي؟

نهضت فورًا، وخرجت من الغرفة متجهة إلى الجانب الشرقي من المنزل، المطلّ على الحديقة الخلفية وجزء من المسبح. كنت آمل أن أجدها هناك... لكن المكان كان خاليًا.

نزلت الدرج بسرعة وأنا أرفع صوتي:
- فينيسا! أحضري لي هاتفي من الغرفة! سأتصل به... أسأله أين هو.

جاءتني بالهاتف بعدما كنت قد وصلت إلى الطابق السفلي دون أن أجد أحدًا. أخذته منها واتصلت به.
رنّ مرة... ثم ثانية... أعصابي كانت مشدودة حتى أجاب في الرنة الثالثة.

لم أترك له فرصة للكلام:
- هل آنا معك؟

- نعم.
نبرته الهادئة كادت تفقدني صوابي.

- لماذا أخذتها وخرجت دون أن تخبرني؟

- هل أحتاج إذنك لأخرج مع ابنتي؟

- ليست ابنتك، بل ابنتي أنا وستيفن. ونعم، تحتاج إذني لتخرج مع ابنتي. أعدها فورًا، أنا لا أثق بك لتخرج معها....

لم أكمل. سحبت فينيسا الهاتف من يدي وأغلقت الخط وهي تقول بحدة:
- ما هذا الذي تقولينه؟ اهدئي، ما بكِ؟

- لا أعلم... نبرته الباردة تثير أعصابي. خرج بالفتاة دون أن يخبرني، هل تتخيلين؟

- وهل لا يستطيع الخروج معها؟

- ليس الأمر أنه لا يحق له الخروج بها، لكن على الأقل كان عليه أن يخبرني قبل أن يذهب. هو يعلم أنني سأقلق عليها حين أبحث عنها ولا أجدها.

تنهدت فينيسا، ثم قالت بنبرة أهدأ:
- حسنًا، قال إنها معه، وهذا يعني أنها بأمان. أعلم أنك لم تقصدي ما قلتيه، لكن هل كان يجب أن تذكري ذلك الخائن؟

- ذلك الخائن هو والدها، شئتم أم أبيتم.

قلتُها وأنا أجلس على الأريكة، وقد أنهكني هذا الحديث كله.

كان واضحًا أنهم لا يطيقون ستيفن.
لولا حملي بآنا وإصراري على الزواج منه، لما سمحوا لي به أصلًا. حتى فينيسا نفسها لم تكن تطيقه؛ كان زميلنا الأكبر في الدراسة، ومع ذلك لم ترتح له يومًا.

وحين علموا بخيانته، وجدوا فيها الفرصة المثالية ليبرهنوا لي أن اختياري كان خطأ.

ليس وكأنني أنا من تعرّض للخيانة...
ومع ذلك، لم أندم.

عشت معه أيامًا لم أكن لأعيش مثلها مع شخص آخر، ومنحني أجمل هدية في الحياة: ابنتنا آنا.

والآن، هناك طفل آخر قادم... وهم لا يفهمون هذا. يريدون مني محوه من الوجود.

كلما نظرت إلى ابنتي تذكّرته.
كلما رأيت نفسي في المرآة تذكّرته.
وكلما رأيت حجر الجليد... تذكّرته.

لولا خيانته، ولولا ضغط عمتي، لما تزوجت رجلًا لا أعرفه.

كل شيء يذكرني به، وهم يريدون مني النسيان، وقتل مشاعري، وكأن الأمر بهذه السهولة.

- تفضلي، اشربي واهدئي. الغضب والقلق يضران بالجنين.

أخذت كوب الماء منها، شربت بعضه، ثم وضعته على الطاولة. تناولت هاتفي واتصلت به مرة أخرى.
أجاب، وكان صوته أبرد من المعتاد:
- نعم.

برودته استفزني أكثر من أي كلمة. كنت أريد تبريرًا، أي شيء...
- أين أنتم؟

- في الطريق.
قالها وأغلق الخط.

هذه المرة، هو من أنهى المكالمة.
كان صوته باردًا كالصقيع، مغلفًا بنبرة لم أفهمها.
لو كان شخصًا غير حجر الجليد، لقلت إن كلماتي السابقة جرحته...
لكن حجر الجليد لا يملك مشاعر لتُجرح.

- ماذا قال؟
سألت فينيسا.

- قال إنهم في الطريق.

- إذن تعالي نكمل ما بدأناه قبل أن يصلوا.

قال إنهم في الطريق، لكن الطريق - على ما يبدو - كان أطول مما توقعت؛ فقد استغرق أكثر من ساعتين.
حين وصلوا أخيرًا، كانت فينيسا قد غادرت، ولذلك كنت قد أنهيت المكياج وتسريحة الشعر، وارتديت الفستان.

كان الفستان طويلًا، بلا أكمام ولا حمّالات، بلون النبيذ الداكن، ينساب على جسدي بثقلٍ أنيق. نسّقتُ معه حذاءً بكعبٍ عالٍ باللون نفسه، وشالًا أبيض من الفرو، وحقيبة بيضاء صغيرة، وعقدًا من اللؤلؤ مع أقراطٍ مطابقة.

وقفت أمام المرآة لحظة أتأمل انعكاسي. بدوت فعلًا بمظهر المرأة الناضجة، وأدركت أنني راضية.

نزلت إلى الأسفل، وما إن وقعت عيناي على آنا حتى حبست أنفاسي لوهلة.
كانت ترتدي فستانًا أزرق سماويًا، ناعمًا كبراءتها، وقد صُفِّف شعرها بعناية تفوق المعتاد.

في تلك اللحظة فقط فهمت سبب تأخرهما...
لقد اصطحبها إلى مركز التجميل.
- أهلًا حبيبتي، اشتقتُ لكِ.

قلتُها وأنا أفتح ذراعيّ دون تفكير. اندفعت نحوي فورًا، وارتمت في حضني.

- وأنا اشتقتُ لكِ! انظري إلى فستاني، أليس جميلًا؟

ابتسمت، وفككت العناق ببطء، أمسكت يدها وسحبتها معي حتى أجلسْتها على إحدى الأرائك، وجلست بجانبها.

في تلك الأثناء، كان ناثان قد صعد إلى الأعلى فور دخوله، متجهًا مباشرة نحو الدرج، دون أن يلقي التحية... دون نظرة حتى.

- نعم حبيبتي، فستانك جميل، وأنتِ جميلة.

ترددت لحظة قبل أن أضيف:
- هل حجر الجليد هو من اختاره؟

- لا، ليس ابي، المصممة هي من اختارته.

- إذن ماذا فعلتما اليوم؟

- ذهبنا إلى المجمع، اشتريتُ مثلجاتي... وتخيلي، هي أيضًا المفضلة عند أبي. ثم ذهبنا إلى متجر الملابس، وهناك اختارت لي المصممة هذا الفستان، وبعدها إلى مركز التجميل وصففوا شعري.

توقفت لحظة، ثم أضافت بفخر طفولي:
- قال أبي إنه سيأخذني إلى حفل الليلة، ويريدني أن أكون أجمل واحدة... حتى أجمل منكِ.

ضحكتُ رغمًا عني.
حجر الجليد يأكل المثلجات، وله نكهة مفضلة أيضًا... كانت نكتة اليوم.

أما قوله إنه يريدها أجمل مني، فلم أفهمه.
هل يراني غايةً في الجمال... أم يراني طفلةً ليقارنني بها؟

- هل قال ذلك؟ أجمل مني؟

- نعم، هذا ما قاله أبي.

وبينما كانت تثرثر، شعرت بحركة في محيطي.
رفعت رأسي... وكان ينزل الدرج.
كان مختلفًا.

ليس في ملامحه ، بل في حضوره.
كان جميلًا على نحوٍ مزعج، ذلك النوع من الجمال الذي لا يطلب الانتباه، لكنه يفرضه.

اعترفت في داخلي (._.) علي مضض (._.) أن حجر الجليد، لولا شخصيته اللامبالية وبروده، لكان حلم أي فتاة.
لكن مع هذه الشخصية، أشك أن أحدًا يرغب حتى في البقاء قربه.

اقترب.
خطوة... ثم أخرى.
وأثناء نزوله، وصلتني رائحة عطره.
كانت قوية، خانقة.
شعرت بالغثيان يصعد سريعًا، يضغط على صدري، ويدوّر رأسي. حاولت التماسك، ابتلعت اللعاب، حبست أنفاسي... لكن جسدي لم يطاوعني.

استدرت واندفعت مسرعة نحو الحمام.
تقيأت بعنف، مرة... ثم أخرى، حتى شعرت أن جوفي على وشك أن يخرج.

العرق بلّل جبيني، والارتجاف سكن أطرافي.

- ما بكِ؟
جاء صوته من خلف الباب... لكنني لم أرد.

غسلت وجهي، واستندت إلى الحوض حتى هدأ الدوار قليلًا، ثم فتحت الباب.

— ما الذي يحدث؟
قالها بنبرة منخفضة، متحكّم بها، كأنه يسجّل ملاحظة ذهنية لا يسأل سؤالًا بينما يسدّ عليّ طريق الخروج.

وقفت أمامه، أتنفس بصعوبة، وأسُد أنفي بيدي.

- هلّا تبتعد قليلًا؟ رائحة عطرك تشعرني بالغثيان.

لم يعتذر.
لم يستغرب .
فقط نظر إليّ لثانيتين إضافيتين، وكأنه يعيد ترتيب معطياته.

ثم تنحّى خطوة واحدة.
خطوة محسوبة.
كافية… دون أن تكون ودية 

تجاوزته بخطوات سريعة، متجهة نحو الباب الخلفي.
كنت أحتاج هواءً... شمسًا... أي شيء لا يحمل رائحته.
خرجت إلى الحديقة.

كانت الشمس على وشك الغروب، تنثر أشعتها الصفراء الأخيرة على العشب، بينما كانت الظلال تطاردها ببطء.
جلست على أحد كراسي الحديقة. لحقت بي آنا، وسألت بقلق:
- ما بكِ يا أمي؟

- لا شيء حبيبتي، أمك بخير... فقط شعرت ببعض الدوار، وسيزول بعد قليل.

كانت آخر أشعة الشمس كفيلة بأن تمنحني شيئًا من الدفء.
أغمضت عيني، وضعت يدي على بطني دون وعي،
وباليد الأخرى ربّتُّ على رأس آنا.

لم أستطع إطالة الجلوس في الحديقة، رغم ما منحته لي من راحة مؤقتة. كان هناك عشاء ينتظرني، وتأخري أكثر لن يُغتفر، لا في أعينهم... ولا في حساباتي أنا.

وأنا أسير باتجاه المنزل، وآنا تتبعني بخطواتها الصغيرة، تمنّيت-بلا وعي-أن أجد حجر الجليد قد غيّر ثيابه، أو تخلّص من ذلك العطر الثقيل، فكرة بسيطة، لكنها كانت كفيلة بتخفيف شيء من الضيق العالق في صدري.
لكن المفاجأة كانت مختلفة تمامًا.

دخلت المنزل... ولم أجده. لا في غرفة الجلوس، ولا قرب الدرج، ولا حتى أثر يدل على وجوده. كان المنزل فراغا باردا، صامتا، كأنه يعلن غيابه دون اعتذار.

تناولت هاتفي بعصبية خفيفة، أنوي الاتصال به، لكن رسالة كانت بانتظاري بالفعل. قصيرة. مباشرة:

السائق بانتظاركِ إن رغبتِ في الذهاب إلى العشاء.

هذا كل شيء. بهذه البساطة. يذهب، ويترك رسالة، وكأن الأمر لا يستحق أكثر من ذلك.

تساءلت: ألا يفكر في نظرة عائلته إلينا عند وصولنا متفرّقين؟ في الأسئلة التي ستُطرح؟ في الانطباع الذي سيتشكل؟

ثم توقفت. إن كان هو لا يهتم... فلماذا أُرهق نفسي بالتفكير؟

أصلحت تبرّجي، وعدّلت تسريحة شعري. وضعت الوشاح الأبيض على كتفيّ، وحملت حقيبتي، ثم التقطت وشاح آنا بعدما رفضت ارتداءه بإصرار طفولي، بحجة أنه سيفسد مظهر فستانها. كنت أعلم أنها ستطلبه ما إن تشعر بالبرد، لذلك حملته معي.

خرجنا.

كان السائق بانتظارنا بالفعل، واقفًا بجانب السيارة بوقار صامت. فتح الباب الخلفي، أجلست آنا في مقعدها المخصّص، ثم جلست إلى جوارها. أغلقت حزام الأمان، وانطلقت السيارة بسلاسة.

بدأت آنا تثرثر بحماس عن الحفل، عن الأضواء، والفساتين، والرقص. كنت أجيبها بابتسامات قصيرة، بينما ذهني كان في مكان آخر.
في ذلك اللقاء... وفي كيف سيكون.

توقفت السيارة أمام بوابة حديدية عالية، سوداء اللون، تتوسطها زخارف بسيطة تحمل اسم دي لوكا بحروف معدنية داكنة. فتح الحارس البوابة بصمت، فانكشف الطريق أمامنا ببطء.

لم يكن القصر صاخبًا كما توقعت. كان واسعًا، ثابتًا، كأنه يقف هناك منذ زمن طويل. مشيد بالحجر الكلسي الفاتح، تتخلله نوافذ طويلة مضاءة من الداخل، وأعمدة مستقيمة تمنحه هيبة هادئة.
لا زخرفة زائدة، ولا بهرجة… فقط اتساع، ونظام، ودقة.

توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. نزل السائق أولًا وفتح الباب. أنزلت آنا، وعدّلت فستانها قبل أن تمسك بيدي. كانت الأضواء تنعكس على الأرضية الرخامية، والدرج المؤدي إلى الداخل واسعًا، تحفّه نباتات خضراء مرتبة بعناية لافتة.

ما إن دخلنا حتى استقبلتنا امرأة في منتصف العمر، خمّنت أنها كبيرة الخدم. 
رحّبت بي وبآنا باحترام واضح، ثم قادتنا إلى حيث مكان التجمع. 

مع اقتربنا من القاعة، بدأت أسمع أصواتًا متداخلة، بعضها لم أتعرف إليه، مما دلّ على وجود أشخاص جدد. تساءلت في داخلي: 
أليس هذا مجرد عشاء عائلي؟ أليس من المفترض أن يقتصر على أفراد العائلة فقط؟

توقفت لحظة أمام الباب، قبل أن أومئ للخادمة بفتحه. كنت بحاجة إلى أن أستجمع نفسي… شجاعتي… أي شيء. 

وقبل أن أخطو إلى الداخل، شعرت به يقف بجانبي. مدّت آنا يدها الصغيرة، وأمسكت بيده بثقة.

لاحظتُ أنه تخلّص فعلًا من تلك الرائحة الثقيلة؛ فرغم قربه، لم تصلني إلا رائحة خفيفة، حلوة، أربكت حواسي.
ابتسمتُ بسخرية في داخلي:
ما الذي أهذي به؟ يبدو أن الحمل بدأ يعبث بي حقًا.

دخلنا القاعة، كنت أمسك بيد آنا، بينما كان حجر الجليد يمسك بيدها الأخرى.

لم أحتج إلى رفع رأسي لأدرك أن القاعة قد التفتت نحونا. شعرت بذلك في الهواء نفسه، في الصمت الذي سبق الهمسات، في تلك الثواني القصيرة التي بدا فيها كل شيء متوقفًا بانتظارنا. 
كنت أمسك يد آنا، لكنها كانت هي من تشدّ عليّ، بثقة طفلة لا ترى ما أراه.

خطوت خلفه بنصف خطوة. لا متأخرة… ولا متقدمة. موضع غير محدد، يشبه وضعي تمامًا.

الأضواء كانت قوية، لكنها بلا دفء. انعكست على الوجوه، على العيون التي تفحّصتني دون خجل. بعضهم نظر إليّ باهتمام مبالغ فيه، بعضهم ببرود مدروس، وآخرون بنظرة سريعة، كأنهم سجّلوا ملامحي ثم انتقلوا إلى ما هو أهم.

كنت أعرف تلك النظرات جيدًا؛ ففي النهاية أنا أيضًا أنتمي إلى عائلة أرستقراطية، وأفهم طريقتهم في النظر، وفي التفكير.

أما هو، فكان يسير بهدوء، كأن القاعة امتداد طبيعي له، وكأن كل من فيها ضيوف في مساحته الخاصة. لم يكن متعجرفًا… كان واثقًا على نحو يربك.

رفعت آنا رأسها، نظرت حولها بفضول بريء، وابتسمت وهي تشدّ يده الصغيرة. فخفّف خطوته تلقائيًا، دون أن ينظر إليها، حتى أصبحنا نسير نحن الثلاثة بمحاذاة بعضنا، لا خلفه. حركة بسيطة… لكنها قالت الكثير، أكثر مما قاله صمته.

أما أنا، فكنت أحاول أن أبدو ثابتة.
أن أتنفّس بانتظام.

تقدّمنا نحو الطاولة التي يتجمعون حولها. كان سيباستيان يترأسها، وعن يمينه زوجته إيلينا، وبجانبها ابنتهما صوفيا، وإلى جوار صوفيا فتاة لم أتعرف إليها. وعلى يسار سيباستيان جلست روكي، تليها ماريانا، وبجانب ماريانا امرأة في منتصف العمر، يليها رجل يبدو في عمر حجر الجليد.

ألقيت التحية حين وصلنا، فردّ سيباستيان باقتضاب مهذّب.

عندما رأيت حجر الجليد يتجه للجلوس في الطرف الآخر من الطاولة، سحبت الكرسي المجاور للفتاة التي لا أعرف اسمها، وجلست عليه، بعد أن أجلست آنا أولًا على الكرسي المخصص للأطفال، الواقع بيني وبينه.

بعد جلوسنا بدقائق قليلة، دخل لورينزو، وتوجّه مباشرة إلى الكرسي الواقع عن يمين أخيه.
فبات ترتيب الجلوس على هذا النحو…

                        حجر الجليد
                      آنا      |        لورينزو 
                      أنا      |         ؟
                      ؟       |          ؟
                   صوفيا   |          ماريانا
                   إيلينا     |          روكي 
                         سيباستيان 

بدأ الخدم بالتحرّك بانسجامٍ صامت، كأنهم جزء من تصميم القاعة لا أشخاصًا فيها. انسحب الحديث تلقائيًا إلى نبرات أخفض، واعتدل الجميع في جلستهم.

وُضعت أمامنا المقبّلات أولًا.
أطباق صغيرة، دقيقة الترتيب:
شرائح رقيقة من سمك السلمون المدخّن، تتوسّطها قطرات من زيت الليمون وقليل من الكبر، وبجانبها تارتار لحم العجل المفروم بعناية.
كان كل شيء خفيفًا، محسوبًا، لا يسرق الأضواء مما سيأتي لاحقًا.

تلاها الحساء.
حساء فطر بري كثيفة القوام، بلونٍ داكن يوحي بالعمق لا بالثقل، تفوح منها رائحة الزبدة والزعتر. كانت ملعقة واحدة كافية لتفهم أنها وُضعت هنا لتهيئة الحواس، لا لإشباعها.

ثم جاء الطبق الرئيسي.
استيك واغيو.
قُدّم على أطباق داكنة، كأنها اختيرت لتُبرز لونه وحده. اللحم بدا طريًا على نحوٍ غير واقعي، مشويًا بدقة، بلا أثر للمبالغة أو لمحاولة الإبهار. إلى جانبه هريس بطاطس ناعم بلمسة زبدة خفيفة، وخضار موسمية مشوية بخفّة.

رافقت الأطباق زجاجات من نبيذ «إسينسيا» الإصدار المحدود من دار رويال توكاجي، إنتاج عام 2008.
بدأ الخدم بسكب النبيذ في الكؤوس حول الطاولة.

وُضع أمام آنا طبق مختلف؛ أصغر، أبسط، بلا صلصات ولا بهرجة. حساء صافٍ، ولحم مطهو بعناية، كأن أحدهم قرر أن يحمي عالمها من تعقيدات هذا المكان.

انسحب الخدم بهدوء بعد أن انتهوا من ترتيب الأطباق على المائدة.

ساد الصمت لثوانٍ.
ذلك الصمت الصادق، الذي لا يُفرض، بل يُنتزع حين يكون الطعام أبلغ من أي حديث

بدأ سيباستيان بالأكل ببطء؛ حركة بسيطة، لكنها كانت الإشارة التي انتظرها الجميع. تحرّكت الأيدي تباعًا، كأنها كانت معلّقة في الهواء وتلقّت أخيرًا الإذن بالهبوط.

عادت الأصوات، لا دفعة واحدة، بل متقطّعة ومحسوبة، كأن كل كلمة تُختبر قبل أن تُقال.

انحنى لورينزو قليلًا نحو آنا.
— هل يعجبكِ الحساء؟ 

هزّت رأسها بحماس طفولي، ثم همست: 
— نعم، أحببته.

ابتسم، تلك الابتسامة السريعة التي لا تُمنح كثيرًا، وقال: — إذن أنهي طبقكِ.

نظرتُ إليهما من طرف عيني. كان المشهد بسيطًا، لكنه لم يكن عابرًا. لورينزو لم يكن يحاول أن يبدو ودودًا؛ كان طبيعيًا، وهذا نادر في مكان كهذا.

على الطاولة، انزلقت الأحاديث إلى مسارات مألوفة: مشروع جديد هنا، صفقة مؤجّلة هناك، تعليق ذكي يُلقى ثم يُترك دون متابعة، كأن الغاية منه أن يُسمع لا أن يُناقش. كنت أتناول طعامي بهدوء، أراقب أكثر مما أشارك. أعرف متى يكون الصمت مشاركة بحد ذاته.

سمعتُ الفتاة الجالسة إلى جانبي تهمس لي، فالتفتُّ نحوها. 
ابتسمت ابتسامة صادقة، وقالت: 
— أنا تايلور، ذاك أخي داميان، وتلك أمي جينا.

بادلتها الابتسامة وقلت:
— تشرفت بمعرفتك، أنا رؤى. 

توسعت بتسامتها وهي تقول: 
— اسمك غريب، لكنه جميل. 

— هو اسم عربي، يعني البصيرة… كما كانت تقول أمي. 

— أحببت معناه. لكنكِ قلتِ كانت، ألم تعد كذلك؟ 

— نعم… كانت، لأن أمي متوفاة. 

— آه… أنا آسفة. 
قالتها بصوت خافت، حزين، كأن وفاة أمي ذنبها. 

— لا بأس، 
قلت بهدوء.
__ كنت صغيرة عندما توفيت.

كنت أتحدث معها وأنا أتناول طعامي. كانت فتاة رقيقة، مرِحة، تتحدث بلا مبالاة، أقلّ تحفظًا من لورينزو بكثير. لم تحاول الالتزام بأي من قوانينهم. 

كانت تضحك، تقاطع نفسها، وتعلّق على كل شيء تقريبًا. حضورها كان مختلفًا؛ أخفّ. لاحظتُ كيف تبادل بعضهم النظرات كلما ارتفع صوتها، وكيف تجاهلت ذلك تمامًا.

انتهينا من الطعام، وعاد الخدم لجمع الأطباق.

— ألا تحبين نبيذ «إسينسيا»؟ قولي للخادمة ما تفضلينه لتجلبه لكِ.

كانت تلك ماريانا. قالت كلماتها بعد أن لاحظت كأسي الذي لم ألمسه. كان بعضهم قد أعاد ملء كأسه مرة أو اثنتين، أما كأسي فلم أقترب منه منذ البداية، بسبب الحمل.

لم أعرف كيف أجيب. التفتُّ إلى حجر الجليد، لعلّه ينقذني، لكنه كان ينظر إليّ بملامح جامدة، كأنها نُحتت من جليد سيبيري. 

عندها أدركت أنه لن يتدخل، وأن صمتي طال إلى حدّ جعل الجميع يلتفتون نحوي، ينتظرون جوابي. 

— لا أتحمّل الكحوليات، لذلك لم ألمسه.

كان ذلك، بلا شك، أسخف عذر قلته في حياتي، لكن يبدو أنهم اقتنعوا… أو تظاهروا بذلك إذ عادوا إلى أحاديثهم، وانشغلت الخادمات بإكمال تنظيف الطاولة.

ما إن فرغت الطاولة حتى تبدّل إيقاع القاعة. لم يقف أحد، برغم فراغ الجميع من الأكل وسحب الأواني؛ إذ إن الوقوف الآن يُحسب موقفًا، لا مجرد فعلٍ عادي.

نهض سيباستيان أخيرًا. كان نهوضه المفتاح الذي كانوا بحاجة إليه، إذ ما إن نهض حتى نهض الجميع على أثره. نهضتُ متأخرة عن الجمع بثوانٍ لا تُحتسب، وسحبتُ يد آنا معي

اتجهنا إلى غرفة الجلوس، التي لم تكن أقلّ رقيًا وفخامة من قاعة الطعام، لكنها كانت أدفأ، والإضاءة فيها أخفّ. جلستُ على إحدى الأرائك، اجلست آنا في حضني، وجلست تايلور بجانبي، 

كنت أظن أن تايلور وحدها هي من يهتم بالحديث معي هنا، الوحيدة التي تحاول كسر الحاجز بيننا. لذلك فاجأني وصول صوفيا وجلوسها إلى جانبي، بعد أن ألقت تحية خافتة، قبل أن يلحق بها لورينزو ويجلس إلى جانبها.

كنا نجلس في جهة، وكان سيباستيان مع إيلينا وروكي وجينا وداميان وماريانا في جهة أخرى. حجر الجليد لم يكن متواجدًا معهم، بل لم أره يدخل الغرفة أصلًا.

— كم عمرها؟ 
كسرت تايلور الصمت بسؤالها.

— ثلاث سنوات.

— إنها صغيرة. من هدوئها ظننتُ أنها أكبر.
كان المتحدث هذه المرة لورينزو.

— ليست هادئة، إنما خجولة. آنا بطبعها فتاة خجولة، لذلك قد تظنينها هادئة، لكن بمجرد أن تعتاد على الشخص، تُظهر له شخصيتها الحقيقية.

— أفهمك، فبجانبك تجلس نسخة آنا الكبيرة. 
قالت تايلور وهي تضحك، وتشير إلى صوفيا.

التفتُّ إلى صوفيا، فوجدتها تبتسم لي ابتسامة خجولة، كأنها تعتذر عن وجودها. كنت قد لمحت خجلها منذ اللحظة الأولى، لذلك بدا جلوسها إلى جانبي لفتة خاصة؛ صغيرة لكنها دافئة، تحمل شجاعة لا يراها إلا من يفهم أشخاصًا مثلها.

— لكنها منفتحة على أخي، حتى إنها تناديه «أبي». أقرّ لورينزو بنبرة أقرب إلى الاستفهام.

— نعم، فقد كانت اختي فينيسا تُريها صوره حتى تعودت عليه.

— إذًا سأعطيكِ بعض صوري لتأخذيها معكِ إلى المنزل، إذا كانت هذه الطريقة تنجح معها.

قال لورينزو بصوت فكاهي، وقبل أن أتمكّن من الرد، مدّت تايلور هاتفها نحوي وهي تقول:

— لا أمتلك صورًا جاهزة، لكن أعطيني رقم هاتفك، وسأرسلها لكِ لاحقا.
أخذتُ الهاتف وسجّلت رقمي فيه، وأعدته إليها.

تأخّر الخدم بضع دقائق، كأنهم يمنحون المكان مهلة ليلتقط أنفاسه بعد العشاء. ثم فُتح الباب بهدوء، ودخلوا في صفٍّ متناسق، يحملون صواني فضية انعكس عليها الضوء الخافت لغرفة الجلوس.

وُضعت التحلية أولًا. أطباق صغيرة، متقنة الترتيب، لا تسمح بأي ارتجال:
كريم بروليه بسطحه الذهبي المشقوق بعناية، موس شوكولاتة داكنة في كؤوس زجاجية، وقطع فاكهة مقطّعة بإتقان، كأنها للعرض بقدر ما هي للأكل. لم يُسأل أحد عمّا يفضّل؛ فالاختيار هنا لا يُترك لأصحابه، كما هو حال معظم الأشياء.

ثم تلتها القهوة.
وُضعت فناجين الإسبريسو أمام الجميع تقريبًا؛ بيضاء ناصعة، يتصاعد منها بخار خفيف يحمل رائحة مركّزة، حادّة، تستقر في الحواس قبل أن تُرتشف. 

تحرّكت الأيدي نحو المقابض بلا عجلة، كأن حتى هذا الفعل يخضع لإيقاع غير مرئي.

كنت أنا وتايلور الاستثناء.

وُضع أمامها فنجان قهوة بالحليب، وأمامي كأس يحتوي قهوة ممزوجة بالحليب والثلج.
تأمّلت تايلور فنجانها، ثم نظرت إلى كأسي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية وهي تقول بنبرة خفيفة:
— كنت أعرف أنهم لن يسلّموني القهوة المركّزة… لكن لم أكن أعلم أنكِ لا تفضّلينها أيضًا.

ابتسمت ابتسامة خافتة.
— لا أتحمّلها، لذلك أفضّلها مع الحليب،
لكن لا أعلم من الذي أخبرهم بذلك.

آنا لم يُقدَّم لها شيء من التحلية. بدلًا من ذلك، وضعوا أمامها كوبًا صغيرًا من الحليب الدافئ، وبجانبه قطعة بسكويت. انتظرت أن تمتد يدها، لكنّها لم تفعل. 

حين نظرت إليها، وجدتها قد غرقت في نوم هادئ. في بعض الأحيان أغار من قدرة الأطفال على النوم في أي مكان، وكأنهم يشعرون بالأمان تجاه العالم أجمع.

غرست الملعقة في موس الشوكولاتة وتذوّقته. تمنّيت لو أرتشف من القهوة، لكنني لم أستطع المخاطرة.

في تلك اللحظة، دخل ناثان. كان يتّجه حيث يجلس عمّه، لكنه ما إن لمح آنا نائمة حتى غيّر مساره، وتقدّم نحونا، حيث كنت أجلس مع تايلور وصوفيا ولورينزو، الذين كانوا قد بدأوا بالتحلية.

ركع أمامها بهدوءٍ لافت، حركة محسوبة لا تحمل أي استعجال. مدّ ذراعيه وحمل آنا بحذر، كأنها شيء هشّ لا يُسمح للعالم أن يمسّه بخشونة.

تبعته العيون وهو يفعل ذلك.
نظرات ساكنة، متفحّصة، كأن ما يحدث لا ينسجم مع الصورة التي اعتادوا رؤيتها منه. وكان هذا حالهم طوال العشاء؛ كلما اقترب من آنا… أو اقتربت هي منه.

وقبل أن ينهض، مال قليلًا وهمس بصوت منخفض، لم يسمعه أحد غيري: — منزوعة الكافيين.

لم تكن جملة عابرة.
كانت تقريرًا.

نهض بها، واستدار دون أن ينظر إليّ، ثم ناولها لإحدى الخادمات وأمرها أن تأخذها إلى إحدى الغرف لتنام براحة.
لم يسأل.
لم ينتظر موافقة.
وكأن الأمر محسوم منذ البداية.

أخرجتُ هاتفي بسرعة، وكتبت له: «لماذا أرسلتها إلى إحدى الغرف؟ كنت سأُبقيها معي حتى نغادر. أم هل ستطول جلستنا؟»

رأيته ينظر إلى شاشة هاتفه.
ثانية… ثم أخرى.
عرفت أنه قرأ الرسالة.
لكنه لم يرد.

ألحقتُها بأخرى، أصابعي أكثر توترًا: «أنا متعبة، وأريد العودة إلى المنزل.»

مرة أخرى نظر إلى الهاتف.
ومرة أخرى… لا شيء.

عندما ادركت انه لن يرد أخذت قهوتي وبدأت أحتسيها. بعد دقائق، وعندما أنهيتها، رأيته ينهض. بدا كمن يودّع عمّه ووالدته. لم أسمع الكلمات، ولم أحتج إلى سماعها لأفهم. 

وقفت بدوري، استأذنت بهدوء من المجموعة التي كنت أجلس معها، واتجهت نحو سيباستيان ومن معه.
حين وصلت، كان ناثان قد غادر الغرفة.

استأذنت سيباستيان ومن حوله، ثم خرجت أتبعه. لم أجده في الممرات، والقصر لم يكن مألوفًا لي بما يكفي لأعرف أين أبحث. لم يكن أمامي سوى الخروج إلى المدخل الخارجي والانتظار.

بعد لحظات، توقّفت سيارته أمام المدخل. كان أحد السائقين هو من أوقفها، نزل منها في اللحظة نفسها التي خرج فيها ناثان من القصر، حاملاً آنا بين ذراعيه. وضعها في المقعد الخلفي بعناية لافتة.

وحين أدركتُ أنه هو من سيقود، فتحتُ باب المقعد الأمامي، أرجعتُ المقعد إلى الخلف بعد أن ثبّتُّ حزام الأمان، ثم أغمضتُ عينيّ.

سمعت صوته وهو يغلق الباب بعد أن جلس، وشعرت بالسيارة تبدأ بالتحرّك.
لكنني كنت متعبة فعلًا، متعبة لدرجة أردت النوم طوال الطريق.


                           🌞🌞🌞 





عندما استيقظتُ، وجدتُ نفسي على سريرٍ.

آخر ما أتذكّره أنني كنتُ داخل السيارة، فما الذي أفعله على سريرٍ وفي غرفةٍ غريبة؟

كانت الغرفة غريبة بعض الشيء؛ ليست غرفة آنا التي اعتدتُ النوم فيها. ألوانها بين الرمادي والبني، حين تأمّلتها أدركتُ أنها غرفة الملابس. 
هي بالتأكيد ليست مجرد غرفة ملابس، بل غرفة نوم متكاملة، لكنني أطلقتُ عليها هذا الاسم لأنني لم أدخلها يومًا إلا لألتقط ثوبًا وأغادر.

حجر الجليد…
لا بدّ أنه هو من حملني إلى هنا، ومن غيره سيفعل ذلك؟
سأتفاهم معه عندما أراه.

نهضتُ من السرير، أخذتُ حمّامًا سريعًا، وغيّرتُ ثيابي.

خرجتُ وفي نيّتي التوجّه إلى غرفة آنا، لكنني رأيتها من خلال الجدار الزجاجي؛ كانت تلعب في الحديقة مع فتاةٍ غريبة، فتاة لم أرها من قبل. 
لا أعلم كيف وصلت إلى الحديقة، لكنني وجدتُ نفسي أسحب آنا الجالسة على العشب من ذراعها وأُخبئها خلفي، بينما أسأل الفتاة بنبرةٍ ليست لطيفة على الإطلاق:

— من أنتِ؟ وماذا تفعلين مع ابنتي؟

— اهدئي، سيدتي، ما بكِ؟

قالت الفتاة بنبرة خوف، وقد بدا عليها التفاجؤ. لكنني لم أكن في موقف يسمح لي بالاهتمام بنبرتها الخائفة أو ملامحها المتفاجئة، فأعدتُ السؤال، وهذه المرة قد نفد صبري فعلًا:

— سألتكِ: ماذا تفعلين في منزلي ومع ابنتي؟

— أمي، كنا نلعب…

قالت آنا من خلف ظهري بصوتها الطفولي، لكنني رددتُ عليها بصوتٍ حاد، وكانت تلك أول مرة أرفع فيها صوتي عليها:

— لم أسألكِ، اصمتي.

شعرتُ بانكماش آنا، لكنني لم أهتم، وعدتُ أنظر إلى الفتاة الغريبة منتظرةً إجابة، إلا أن الرد جاء من شخصٍ آخر:

— إنها الخادمة الجديدة.

نظرتُ خلفي نحو مصدر الصوت. كان يقف هناك بملامح خاوية.

لماذا لم يُخبرني أنه سيُحضر خادمة؟ ليس وكأنني لم ألاحظ غياب الخادمات عن المنزل، وحين لاحظتُ ذلك ظننتُ أنه يريد ترك حرية اختيارهن لي. فلماذا يأتي هو بخادمة الآن ولا يُخبرني أيضًا؟

التفتُّ مجددًا نحو الفتاة، وعندها فقط انتبهتُ إلى مدى الرعب في ملامحها.

— أنا آسفة لإخافتكِ.

قلتُ ذلك وقد شعرتُ بالأسف تجاهها فعلًا؛ فهو من لم يُخبرني بوجودها، وليس ذلك ذنبها.

— لا عليكِ، سيدتي، أنا من لم أُعرّف بنفسي.
قالت بنبرة مهذبة، بلكنة أجنبية، ثم أردفت:
— اسمي آمبر.

— تشرفتُ بمعرفتكِ، آمبر. أنا رؤى، ناديني رؤى.

— حاضر، سيدتي.

قالتها بالنبرة نفسها، لكن هذه المرة مع ابتسامة خفيفة. غير أنها قالت «سيدتي» لا «رؤى». نظرتُ إليها بعتاب، فعادت تُصحّح خطأها بتوتر:
— عفوًا… سي… آه، أقصد رؤى.

— جيد. آمبر، من فضلكِ، أحضري لي شيئًا آكله، وقهوة مع حليب وثلج.

— حاضر.

قالتها وهي تتجه نحو المنزل.

جلستُ على أحد المقاعد، وأجلستُ آنا في حضني، وبدأتُ أعتذر لها عن إخافتها:

— أنا آسفة يا حبيبتي، لم أقصد الصراخ عليكِ. أتعذرينني؟

— نعم.

قالت بصوتها الطفولي الذي أعشق سماعه، وهي تحتضنني. بادلتُها العناق، ثم طلبتُ منها الذهاب لمساعدة آمبر.
عندما أدركتُ أن حجر الجليد لا يزال واقفًا في مكانه، قررتُ أن أتحدث معه، لكن ليس أمامها.

مشيتُ مع آنا بضع خطوات، حتى وصلنا إلى حيث يقف. تركتُ يدها لتدخل المنزل، ثم سحبته من يده دون استئذان، وأجلسته على أحد المقاعد، وجلستُ قبالته.

— لماذا لم تُخبرني أنك ستوظّف خادمة؟

سألته دون مقدمات، لكن رده جاء باردًا ومستفزًا:

— هل هو ضروري؟

ضحكتُ ضحكة قصيرة، حادّة، أقرب إلى الاختناق.
— هل تريد إصابتي بجلطة؟
أم أنك تتعمّد أن تختبر حدود صبري؟
إخباري بجلبك خادمة ليس مجاملة، بل حقّ. وإشراكي في اختيار من ستعيش معنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل ضرورة.
هذه امرأة ستتنفّس هواء بيتنا، ستقترب من ابنتي، سنأكل مما تطهو، وستعرف من حياتنا أكثر مما ينبغي…
وكل هذا القرب، وكل هذه السلطة، وتجرؤ على سؤالي إن كان الأمر ضروريًا؟

— هي عاملة وليست طباخة. الطباخة ستصل ظهر اليوم.
هل هذا رد بعد كل ما قلته؟
هل يمزح معي؟ هل يريد قتلي؟ أم ماذا؟
ممَّ صُنع هذا الرجل ليكون بهذه الدرجة من البرود والاستفزاز؟

من شدة غضبي منه ومن بروده، لم أستطع تمالك نفسي، ووجدتُ نفسي آخذت المزهرية من الطاولة وأقذفها نحوه.

لم يتحرّك.
لم يرمش حتى.

ارتطمت المزهرية بجبينه وتكسّرت، وانغرست إحدى شظاياها في جلده. 
سال الدم ببطء، خطًّا داكنًا يشقّ وجهه، يمرّ بجانب عينه، ثم ينساب حتى أسفل فكه.

ومع ذلك… لم يتغيّر شيء. لا في جلسته، ولا في ملامحه، ولا في تلك البرودة القاسية التي كانت تستفزني أكثر من الألم نفسه.

غضبي تصاعد، لا لأنني آذيته، بل لأنه سمح لي بذلك دون أن يمنحني المتعة الوحيدة التي كنت أطلبها:
ردّة فعل.

بحثت بعيني عن شيء آخر. أي شيء. لكن الطاولة كانت عارية الآن، كأنها تشاركه تحدّيه الصامت.

فانحنيتُ، والتقطتُ من الأرض شظيّة زجاج؛ حادّة، لامعة، ما تزال دافئة بأثر دمه.

اقتربتُ منه خطوةً خطوة.
كنتُ أريد غرسها في كتفه… لا بدافع الأذى وحده، بل لأراه يتألّم.
لأكسر هذا الجمود الذي يحيط به كدرع.
لأنتزع منه اعترافًا واحدًا:
أنني قادرة على زعزعته، على هزيمته، ولو للحظة.

رفعتُ يدي.
في اللحظة نفسها، أمسك معصمي بقوّة، سحبني نحوه فجأة، حتى فقدت توازني وجلست في حضنه. التصق جسدي بجسده، وشعرت بحرارة لم تكن متوقّعة من رجل يبدو مصنوعًا من الجليد.

رفعتُ عينيّ إليه، متفاجئة، لاهثة، بينما كان الدم ما يزال يسيل على وجهه، وكأن شيئًا لم يحدث.

انتزع شظيّة الزجاج من يدي بهدوء قاتل، كمن ينزع سلاح طفل، وقال بصوت منخفض، قريب من أذني:

— عقوبة القتل المتعمّد السجن المؤبّد… وقد تصل إلى الإعدام.
توقّف لحظة، كأنه يمنح كلماته وقتها لتستقر، ثم أضاف دون أن يرفع صوته:
— وأنا لا أريد لزوجتي أن تقضي بقية حياتها خلف القضبان… بسبب نوبة غضب.

لم تكن نبرته تهديدًا.
ولا تحذيرًا.
كانت عناية مريضة… مخيفة.

ازداد غضبي، لكن شيئًا آخر تسلّل إليّ في الوقت نفسه؛ ارتباكٌ ثقيل، وتوتّر خانق، وإدراكٌ مؤلم بأن كل محاولاتي انتزاع ردّة فعل منه ارتدّت إليّ فارغة.

ظللتُ جالسةً في حضنه، لا لأنني أردتُ ذلك، بل لأن قبضته على معصمي كانت تذكيرًا صامتًا بأن الحركة قرارٌ مشترك الآن… أو هكذا يراه هو.
حاولتُ سحب يدي، لا بعنف هذه المرة، بل بعناد، لكنه لم يتركها.
بل خفّف قبضته قليلًا، كأنّه يمنحني وهم الاختيار.

رفعتُ رأسي، واجهته أخيرًا. كان الدم قد جفّ جزئيًا على جبينه، تاركًا أثرًا داكنًا يزيد ملامحه قسوة. ومع ذلك، عيناه… ثابتتان. لا غضب. لا لوم. لا حتى دهشة.

— اتركني.

قلتُها بحدّة حاولت أن تبدو أقوى مما أشعر به.

انحنى قليلًا، حتى صار صوته أقرب، أخفضه، كأنه سرّ لا يُقال إلا لي:

— لو أردتُ أن أترككِ، لفعلتُ منذ اللحظة الأولى.

كانت جملة بسيطة، لكنها سقطت عليّ كصفعة. ليس تهديدًا، بل حقيقة يقدّمها ببرود. شعرتُ بالاختناق؛ ليس من قربه، بل من إدراكي أنني كنت أصرخ في فراغ، أبحث عن ردّة فعل من رجل لا يمنحها إلا حين يختار.

— أنتَ تستفزّني عمدًا.

قلتُها أخيرًا، بصوت أقل صلابة مما أردت.

ابتسم.
لا ابتسامة حقيقية، بل انحناءة خفيفة في زاوية فمه، كأن الفكرة راقته.

— لا. أنتِ من تستفزين نفسكِ… وأنا أراقب.

حرّرتُ يدي فجأة، وهذه المرة سمح بذلك. نهضتُ بسرعة، وابتعدتُ خطوة، كأن المسافة وحدها ستعيد لي توازني. مرّرتُ يدي في شعري، أنفاسي غير منتظمة، بينما هو بقي جالسًا، كما لو أن شيئًا لم يتغيّر.

— هذا منزلي أيضًا.

قلتُ وأنا أواجهه.

— وآنا ابنتي. وأي قرار يخصّها، أو يخصّ من يدخل هذا المكان، يجب أن أعرفه.

نهض أخيرًا. بدا أطول مما كان عليه وهو واقف أمامي، حضوره يملأ الفراغ بيننا دون أن يلمسني.

— أنتِ لستِ بخير. 
الحمل يؤثّر عليكِ.

— ماذا تقصد؟

اقترب خطوة. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأن تجعلني أتراجع دون أن أشعر.

— منذ استيقظتِ وأنتِ في حالة دفاع. غضبكِ سابق لأسئلتكِ. ردودكِ أقسى من المواقف.

توقّف، ثم أضاف بنبرة أخفض:

— استريحي اليوم. سنتحدث لاحقًا… عندما تهدئين.

تركني واقفةً في الحديقة، وظهره لي، والدم ما يزال أثره على جبينه، وكلماته تنزف داخلي أكثر مما نزفت شظايا الزجاج في جلده.

أدركتُ أنني فعلًا أتصرف على غير عادتي. هذه ليست شخصيتي. أنا لستُ شخصًا يسهل استفزازه، وبالتأكيد لستُ شخصًا يمتلك ردود أفعال عنيفة.

لكن عندما أتذكّر بروده… أتمنى لو جعلته ينزف أكثر.





رأيكم يهمني 🤍

🇵🇸
🇸🇩		       

زواج بالإتفاق | دي لوكا إرث الخطيئة

جاري التحميل...

زواج بالإتفاق

بعضُ الخطايا لا نرتكبها، بل نولد داخلها… والعبرة ليست في الهرب منها، بل في كسر السلسلة التي تورّثها. لكن بالنسبة لبطلتنا، لم تبدأ الحكاية باختيارٍ حر، بل بزواجٍ لم تطلبه، واسمٍ كُتب عليها قبل أن تتعلّم كيف ترفض. في عائلة دي لوكا، لا تُرتكب الخطيئة مرة واحدة، بل تُورَّث. تُغلَّف بالصمت، وتُبرَّر بالواجب، وتُسمّى… انتقامًا. فما الذي يحدث حين يصبح الصمت حماية؟ وحين يغدو البقاء داخل العائلة خطرًا، والخروج منها خيانة؟ هذه ليست حكاية قرارٍ واحد، بل حكاية امرأة اكتشفت متأخرة أن أخطر القرارات هي تلك التي لم تُمنَح حقَّ اتخاذها. مرحبًا بك في دي لوكا: إرث الخطيئة.

تحميل الفصول...
المؤلف

                    بسم الله الرحمن الرحيم 

إن أحببتم القصة، لا تنسوا وضع نجمة، فدعمكم يساعدها على الوصول إلى عدد أكبر من القرّاء.

قراءة ممتعة







كنتُ أعلم... بل كنتُ متيقنة أن هذا لا يجوز.

كنتُ لا أزال امرأة متزوجة، أو هكذا كنت أُقنع نفسي.
_لستِ متزوجة، لقد طلقكِ وانتهى الأمر.

قالتها ببرودٍ كأنها تتحدث عن شيء عابر لا يمسّ روحي.
_لكنني حامل.
خرجت الكلمة مني مرتجفة، وكأنها اعتراف أخير قبل السقوط.

_إذًا؟
_عندما يعلم... سيعود.
ضحكت ضحكة قصيرة، قاسية:
_لن يعلم، ولن يعود.

كنت أعرف أنها تكذب عليّ فهو سيعلم بالتأكيد سيعلم .

فهذا ليس سرًا يمكن دفنه طويلًا، ليس شيئًا يختفي في العتمة إلى الأبد.
الحقيقة تشبه الضوء... مهما حاولت إخفاءه، ينسلّ من الشقوق.

_سيعلم، لكنه لن يعلم أنه ولده. ناثان سيسجل الجنين باسمه، وحتى لو علم أنه ابنه فلن يعود. لا تنسي أنه خانكِ وهرب مع تلك الشيطانة قبل شهرين. استلمتِ أوراق الطلاق من المحكمة منذ أسبوع، ولم يسأل حتى عن آنا... وكأنها ليست ابنته.

تجمدتُ عند الاسم.
_لحظة... هل يعلم ناثان بأمر الجنين؟

_يعلم.

_من أخبره؟ وكيف؟

_أنا. عندما أخبرتِني صباحًا اتصلت به فورًا.

ساد صمت ثقيل، ثم سألتُ بصوت خافت:
_وهل لا يزال يريد إتمام الزواج؟

_ألم أقل لكِ؟ يريد أن يحمل الجنين اسمه.

_هل أنتِ متأكدة؟

_تمامًا.

عندها فقط، شعرتُ أن الأرض تميد تحت قدمي.
_إذًا... أنا لم أعد موافقة على هذا الزواج. أريد إلغاءه.
رفعت حاجبيها بذهول:

_إلغاء الزفاف؟ وهو بعد ساعتين بالضبط؟ والتحضيرات قد اكتملت بالفعل!

_نعم. أريد إلغاءه.

لوّحت بيدها بعصبية غير آبهةٍ بطلبـي إلغاء الزفاف بينما تقول:
_اتصلتُ بخبيرة تجميل ومصففة شعر، وسيصلن قريبًا. عندما يصلن دعيهن يعملن بسلام، نحن متأخرون أصلًا... وأنا سأغادر الآن قبل أن أرتكب فيكِ جريمة.

أغلقت الباب خلفها بعنف.

مسكينٌ ذلك الباب... صار متنفسًا لغضبها.
لكنني لم أشفق عليه، فموقفي كان أحق بالشفقة.
كيف تورطتُ في هذا؟
أين كان عقلي عندما وافقت على هذا الزواج؟
ربما خيانة زوجي-عفوًا، طليقي-هي التي سرقت وعيي.
نعم، خيانة طليقي.

لا أعرف عن ناثان شيئًا يُذكر.
سوى اسمه، وعمره-ثلاثة وثلاثون عامًا-وأنه كان مغتربًا قبل أن يقرر الاستقرار هنا منذ عام. لم يسبق له الزواج، ولا أعرف لماذا عاش تسع سنوات بعيدًا عن عائلته رغم وجودهم في البلد. لا أعرف عمله، ولا ما يحب أو يكره، ولا أظنه يعرف عني أكثر مما أعرف عنه.

عندما تقدم لي وافقت دون تفكير.
كنتُ عمياء بالغضب والغيرة، وكل ما أردته آنذاك هو إغاظة طليقي.

وناثان... كان يعلم ذلك جيدًا.
الآن فقط، بدا الأمر مريبًا.
رجل مثله يستطيع الزواج ممن يشاء، فلماذا اختارني أنا؟
وفي هذا التوقيت تحديدًا؟
لو أن حارس بوابتنا تقدم لي في تلك الفترة لكنت وافقت.

تقدم لي وهو ضامن لموافقتي.
أسرع في إنهاء أوراق الطلاق، كلف محامي عائلته، وأنهى كل شيء خلال أسابيع.

وقّعت أوراق الطلاق قبل أسبوع...
واليوم من المفترض أن أوقّع أوراق الزواج.
آه يا رؤى...
آهٍ منكِ، ومن قراراتكِ، ومن ضعفكِ.
كيف أهرب من هذا الزفاف؟

دخلت مصففة الشعر ومعها خبيرة التجميل. تذكّرتُ ما قالته لافيتا قبل قليل، فالتزمت الصمت وتركتُهما تعملان بهدوء كما أرادت. جلستا خلفي، تتحركان بخفة مدروسة، وكأن ما يحدث مجرد طقس عادي يسبق احتفالًا سعيدًا.

أما أنا، فلم يكن في رأسي سوى سؤال واحد، يلحّ عليّ بلا رحمة:
كيف يمكن لزفاف أن يُلغى... دون أن يُقال إنني أنا من ألغاه؟

لم يكن الأمر خيارًا، بل ضرورة.
اسمي لا يجب أن يُذكر.
واسم عائلتي كذلك.

أبي لن يسامحني إن علم أنني تراجعت،. والصحف؟ ستتلقف الخبر بشهية مفتوحة، وستجعل من اسم عائلتي عنوانًا دائمًا لفضيحة طويلة العمر.

لذلك، لم يكن أمامي سوى احتمال واحد:
أن تكون عائلة دي لوكا هي من تتراجع.
لكن التفكير في كيف كان أصعب من القرار نفسه.

مرّ الوقت ببطءٍ ثقيل. كنت أسمع أصوات أدوات التجميل، خفيفة، منتظمة، كأنها تعدّني لشيء لا أشعر نحوه بأي استعداد. ساعة كاملة، ثم نصف ساعة أخرى، وأنا ثابتة في مكاني، أحبس أنفاسي وأفكاري معًا.
عندما انتهتا، شكرتهما بصوت بدا لي غريبًا، كأنه لا يخصني.

ثم وقفت أمام المرآة.
لم أرَ نفسي.
رأيت امرأة ترتدي فستانًا أبيض، أنيقًا وفخمًا في آنٍ واحد، 
امرأة يعرف الجميع كيف ينظر إليها بإعجاب.
لكن عينيها...
كانتا خاليتين من أي حياة.
بدت جميلة، نعم، لكن الجمال كان خارجيًا، مصقولًا بعناية، بينما الداخل كان صامتًا، فارغًا، كأن شيئًا انسحب منها دون أن يترك أثرًا.

تأملت انعكاسها طويلًا.
كانت تشبهني كثيرًا...
لكنها لم تكن أنا.

وأنا أحدّق في الإنعكاس، أدركتُ أخيرًا أن السؤال لم يعد كيف أُلغي هذا الزفاف،
بل كم سأفقد من نفسي وأنا أمضي فيه.

ابتعدتُ عن المرآة ببطء، كأن الصورة قد تجرحني إن اقتربتُ أكثر.
كان الفستان أثقل مما ظننت، أو ربما كان صدري هو المثقل.
التقطتُ أنفاسي، واحدة تلو الأخرى، كما لو كنت أعدّها قبل أن تنفد.

طرقت لافيتا الباب طرقًا خفيفًا.
لم تنتظر الإذن.
«بقي عشرون دقيقة.»
قالتها بنبرة عملية، كأنها تعلن موعدًا لا يقبل التفاوض.
أومأتُ فقط. لم أجد ما أقوله.

الكلمات، مثل الاعتراض، تأخرت كثيرًا.

في الردهة، كانت الأصوات تتداخل: 
خطوات، همسات، تعليمات سريعة.
كل شيء يتحرك، يستعد، يندفع إلى الأمام...
إلا أنا.

سرتُ ببطء، أجرّ طرف الفستان خلفي، وأشعر مع كل خطوة أنني أترك شيئًا ما في الغرفة التي غادرتها:
قرارًا لم يُتخذ،
صرخة لم تُقال،
ونسخة أخرى مني لن تعود.

عند باب القاعة، كان أبي ينتظرني.
ارتسمت على وجهه ابتسامة واضحة، ابتسامة رجل راضٍ عن هذا الزفاف.

أبي لم يكن يحب ستيفن، ولولا إصراري على الزواج منه لما وافق يومًا.
لم يسر معي في الممر آنذاك،
بل لم يحضر ذلك الزفاف أصلًا.
أما اليوم، فقد كان هنا،
ينتظرني أمام باب القاعة،
مستعدًا للسير معي،
لأن من يقف عند المذبح هذه المرة... هو ناثان.
توقفتُ لحظة.

لم أنظر إلى الداخل.
كنت أعرف ما ينتظرني هناك.
رفعتُ ذقني، لا بثقة، بل بتحدٍّ صامت.
إن كان لا بد من العبور، فسأعبر وأنا واعية تمامًا بما أخسره.

شبكتُ يدي بذراع أبي.
لم ينظر إليّ، كان نظره ثابتًا إلى الأمام، مستقيمًا، كما ربّاني أن أكون.
خطواته واثقة، محسوبة، كأنه يسير نحو انتصار لا يقبل الشك.
اما أنا فكنت أسير إلي قراري الأخير .

وقبل أن نخطو إلى الداخل، شعرتُ بيد صغيرة تشد طرف فستاني.
التفتُّ.
كانت آنا تقف خلفي، تحمل سلة الورود بين يديها الصغيرتين.

رفعت رأسها إليّ بعينين لامعتين، تبتسم بثقة لا تشبه ثقل اللحظة.
_ماما... متى أبدأ؟

توقفتُ للحظة.
لم أعرف ماذا أجيب.
كيف أشرح لطفلة أن هذه الورود ستتحول إلي اشواك تُنثر فوق طريق لا أعرف إن كنت قادرة على اجتيازه؟
انحنيتُ إلى مستواها، عدّلتُ الشريط الأبيض في شعرها، وابتسمت.
ابتسامة متقنة... أكثر مما ينبغي.

_عندما تسمعين الموسيقى، حبيبتي.
أومأت بحماس، وكأنها تستعد للعب، لا لقيادة أمها نحو مصير يشبه لعبة تجهل قواعدها.

استقمتُ مجددًا.
شبكتُ يدي بذراع أبي مرة أخرى.
انطلقت الموسيقى.

خطت آنا أولى خطواتها، 
كانت تسير بخفة، تقفز أحيانًا، وتضحك بهدوء،
بينما كنت أتباطأ خلفها، أعدّ خطواتي.

دخلنا القاعة.
تقدّمت آنا أولًا، تنثر الورود بخفة طفولية لا تعرف ثقل الطريق الذي تمهّده.
كانت تتوقف أحيانًا لتلتقط بتلة سقطت من يدها، ثم تتابع ضاحكة،
بينما كانت القاعة، من حولها، تتابعها بابتسامات دافئة وهمسات معجبة.

كنت أسمع اسمي يُهمس،
وأشعر بالعيون تلاحقني من الجانبين،
نظرات إعجاب، فضول، وتقييم صامت...
كأنني لوحة تُعرض لأول مرة.

شدّ أبي على ذراعي قليلًا، إشارة صامتة بأن أمضي.
فعلت.
كان الهواء أثقل كلما تقدّمنا.

الموسيقى تملأ المكان، لكنها بدت بعيدة، كأنها لا تخصني.
رفعتُ بصري أخيرًا.

ناثان.
لم ينظر إليّ مباشرة.
كانت عيناه تتبعان آنا أولًا،
توقفتا عندها لثوانٍ أطول مما توقعت،
نظرة لا دهشة فيها، بل تركيز غامض... كأنه يسجّل تفصيلة لن ينساها.

ثم التفت إليّ.
التقت أعيننا.
لم تكن نظرته حانية، ولا باردة.
كانت نظرة رجل يعرف أكثر مما يقول،
ونظرة امرأة تدرك أنها دخلت لعبة لا تعرف قواعدها كاملة.

أحسستُ بأنفاسي تختل للحظة.
شدّدتُ قبضتي على ذراع أبي، أبحث عن توازن لا يأتي.
وعند اقترابنا من المذبح، بدأت الموسيقى تخفت تدريجيًا.

خطواتنا أصبحت مسموعة،
صوت الفستان،
احتكاك الأحذية،
ونبض قلبي الذي بدا أعلى من كل شيء.

وقفت آنا في المكان المخصص لها، التفتت نحوي وابتسمت.
ابتسامة مطمئنة... وكأنها تقول إن كل شيء بخير.
لم يكن كذلك.
سلّمني أبي إلى ناثان.

لحظة قصيرة، رسمية، لكنها بدت أطول من اللازم.
وفي تلك الثانية، وأنا أقف بين رجلين،
أدركت أنني لم أعد أخص نفسي وحدي.
رفعتُ رأسي.
وقفتُ مستقيمة.
لا لأنني واثقة،
بل لأنني رفضت أن أنكسر أمامهم.

خفتت الموسيقى تمامًا.
كان صوت الكاهن أول ما اخترق الصمت، واضحًا، رسميًا، محفوظ النبرة،
كأن الكلمات قيلت آلاف المرات قبلي،
وكأنها لا تحتاج إلى إحساس كي تكون صحيحة.
كان يتحدث...

وأنا أسمع، دون أن أُصغي.
كل جملة كانت تمرّ فوق رأسي، ثم تسقط داخلي بثقل:
توقيعات، شروط، موافقة، قبول...
مفردات كبيرة تُقال بسهولة مخيفة.

حين نُطق اسمي، شعرتُ بأن القاعة تضيق.
رفعتُ رأسي، لا بدافع الفخر،
بل لأن الهروب لم يعد خيارًا.
_رؤى دي سانتيس، هل تقبلين الزواج من ناثان دي لوكا؟

كان السؤال واضحًا.
مباشرًا.
قاطعًا.
لثانية واحدة، لم أفكّر في ناثان،
ولا في الحضور،
ولا في الصحف.

فكّرت فقط في آنا.
في يدها الصغيرة التي ما زالت تمسك سلة الورود،
وفي ابتسامتها التي تفترض أن هذا اليوم سعيد.
كنتُ قد أدركت بالفعل أن فكرة الهروب الطائش مع ابنتي
لم تعد خيارًا.
_أقبل.

خرجت الكلمة من فمي ثابتة،
أكثر ثباتًا مما شعرت به.
لم أدرِ إن كان ذلك شجاعة...
أم استسلامًا متقنًا.

تحرّك ناثان بجانبي.
اقترب قليلًا، ليس بما يكفي ليلفت الانتباه،
لكن بما يكفي لأن أسمع صوته وحدي.
_لا تقلقي.

همس بها بهدوء غريب،
كأنها ليست أول مرة يقولها،
وكأنها موجّهة لشيء أعمق من هذا اليوم.

لم أنظر إليه.
لو فعلت، لانهار شيء ما.
أعاد الكاهن السؤال إليه.
أجاب بلا تردد.
وفي تلك اللحظة، شعرت بيد ناثان تقترب من يدي.
لم يمسكها فورًا.

توقّف، كأنه يمنحني فرصة أخيرة للتراجع...
ثم أمسك بها.
لم تكن قبضته قوية،
ولا مترددة.
كانت واثقة،
مطمئنة على نحو أربكني أكثر.

أخرج خاتمًا دائريًا صغيرًا،
أخفّ مما توقعت،
وأثقل مما يحتمل قلبي.

انزلق الخاتم ببطء إلى مكانه.
لم يكن ضيّقًا، ولا واسعًا...
كان مناسبًا تمامًا.
وذلك ما أخافني.
همس بصوت منخفض، كأنه قرأ أفكاري:
_أخذتُ المقاس من لافيتا.

رفعتُ بصري نحوه.
التقت أعيننا لثانية قصيرة.
لم أجد فيها نظرة انتصار،
ولا شفقة،
بل يقينًا هادئًا.

وحين جاء دوري، حاولت أن أبدو ثابتة مثله...
لكنني فشلت.
ارتجفت أصابعي،
وخَذلتني قوتي في أكثر اللحظات جدّية.
توقفتُ لحظة،
لا لأتراجع،
بل لأجمع ما تبقّى مني.
ثم وضعتُ الخاتم في إصبعه.
استقر بسهولة...
بسهولة مؤلمة.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن بعض القيود لا تُفرض علينا،
نحن من نغلقها بأيدينا،
ونبتسم بينما نفعل ذلك.

نظرتُ إلى آنا.
كانت تتابعنا بعينين واسعتين،
وحين التقت عيوننا، رفعت إبهامها الصغير نحوي،
إشارة انتصار بريئة.
ابتسمتُ لها.
ابتسامة كاملة...
كاذبة تمامًا.

جاء صوت القس وهو يعلن إتمام الزواج.
تعالت التصفيقات.
ارتفعت الأصوات.
عاد الضجيج دفعة واحدة،
كأن الصمت لم يكن.
أما أنا،
فكنت أقف هناك،
أرتدي فستانًا أبيض،
وخاتمًا لامعًا،
واسمًا جديدًا يُضاف إلى اسمي...
وأدرك، بهدوء مخيف،
أن القرار الأخير لم يكن هذا الزواج،
بل كل ما سيأتي بعده

انتبهتُ إلى ناثان وهو يضغط على يدي، إشارة صامتة يطلب بها أن أسير معه كان علينا التقدم نحو الحضور لإلقاء التحية وتلقّي المباركات.
تبِعته بصمت.

خطواتي كانت محسوبة،
وابتسامتي مرسومة بعناية.

كان أبي أول من تقدّم نحونا.
تبادل مع ناثان التحية بقدرٍ من الرسمية،
مصافحة ثابتة، نظرة مباشرة،
اتفاق غير معلن بين رجلين يفهمان قواعد اللعبة.

أما أنا، فاقتربت من أبي وعانقته عناقًا خفيفًا.
لم يكن عناق وداع،
ولا تهنئة،
بل شيء بينهما... واجب مؤدّى.
حين ابتعدت عنه،
لم أحتج للنظر طويلًا لأعرف أنه راضٍ.
هذا وحده كان كافيًا.

بدأت اسير إلي مخرج القاعة ابحث عن آنا كنت قد رأيتها تخرج برفقة فيني.
تلقيتُ التهاني من كل من مررتُ بهم، واحدًا تلو الآخر،
إلى أن خرجتُ إلى الممر.

هناك، باغتني غثيان شديد.
تسارعت نبضات قلبي، وشعرت بالأرض تدور بي.
اتجهتُ نحو أقرب مقعد رأيته، وجلست عليه بسرعة، وأغمضتُ عيني، أبحث عن بعض السكينة،
علّ أعراض الحمل تنحسر سريعًا لأتمكن من متابعة بحثي عن ابنتي 
فهذا لم يكن جديدًا عليّ.

كنتُ أُمسّد بطني تلقائيًا، وما زالت عيناي مغمضتين،
حين سمعتُ صوت امرأة بجانبي تقول:
_السيدة دي لوكا.

تجاهلتها في البداية،
لكنها نادتني مرة أخرى... ثم ثالثة،
إلى أن ضربني الإدراك فجأة:
أنا بالفعل السيدة دي لوكا الآن.
فتحتُ عيني ببطء، سحبتُ يدي من فوق بطني بخفة، واستقمتُ واقفة.

نظرتُ إليها.
كانت امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها تقريبًا،
وعيناها مركّزتان على بطني تركيزًا خانقًا.
تجاهلتُ نظراتها وأنا أجيب بهدوء متكلّف:
_تفضّلي.

قالت بصوت بارد:
_عندما رأيتك تخرجين من القاعة قبل أن تُحيّيني، قررت أن أتبعك... وأفعلها بنفسي.

ابتلعتُ ريقي.
خرج صوتي متوترًا، مرتبكًا:
_عفوًا... لكن من أنتِ؟

قالت، بالنبرة الجليدية نفسها:
_أنا السيدة روكي دي لوكا.

نطقت اسمها ببرود قاطع.
وعند سماعي له، كنت أنا من تجمّد.
إنها والدة ناثان.

لم أصدق نفسي...
كيف خرجتُ من القاعة قبل أن أحيّيها؟
وكيف لم أتعرف عليها من قبل؟
وهي نسخة أكبر من ابنتها القاضية الشهيرة ماريانا دي لوكا.

قلتُ بصوتٍ يملؤه الندم والأسف:
_أعتذر لكِ... عن خروجي قبل أن أحييكِ.

لم تُجبني فورًا.
وقفت السيدة روكي دي لوكا أمامي صامتة.

مرّت ثوانٍ شعرتُ فيها أن الهواء نفسه صار أثقل،
وأن الممر ضاق،
وأن ما في بطني لم يعد خفيًا كما ظننت.

ثم قالت أخيرًا، بنبرة هادئة أكثر مما ينبغي:
_لا بأس.

كلمة قصيرة،
لكنها لم تكن مسامحة.
تابعت، وعيناها لا تزالان مثبتتين عليّ.
لو رفعتُ بصري للتقت عيناي بعينيها مباشرة،
لكنني كنت أحدّق في الأرض.

_قد تختنق العروس من أجواء القاعة.
توقفت لحظة،
ثم أضافت:
_خصوصًا إن كانت تمرّ بأكثر مما يبدو.

لم أرد.
لو فتحتُ فمي، لانكشف شيء لا أريده أن يظهر في الوقت الخطأ.

اقتربت خطوة واحدة فقط.
لم تلمسني،
لكن المسافة بيننا صارت خانقة.
_ناثان لا يحب المفاجآت.
قالتها كأنها حقيقة عامة، لا تحذيرًا.
_وأنا... أكرهها.

رفعتُ رأسي أخيرًا.
التقت أعيننا.
لم أجد غضبًا،
ولا صدمة،
بل شيئًا أخطر:
حسابًا.

وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالكلام،
جاء صوته من خلفنا:
_أمي.
تجمّدتُ.

استدارت روكي ببطء مدروس،
وارتسمت على شفتيها ابتسامة اجتماعية مثالية،
لا تمتّ بصلة لما كان بيننا قبل ثانية واحدة.

_ناثان.
قالتها بنبرة دافئة مصطنعة-أو هكذا قرأتها.
_كنت أبحث عن زوجتك.»
كلمة زوجتك خرجت بسلاسة جارحة.
اقترب ناثان منا.

وقف بجانبي،
قريبًا بما يكفي لأشعر بحرارته،
لكن دون أن يلمسني.
نظر إليّ نظرة سريعة، فاحصة.

قرأ كل شيء:
الغثيان،
الارتباك،
والخطر.

ثم قال بهدوء متقن:
_كنت سأصطحبها بنفسي بعد أن تهدأ قليلًا.
نظرت روكي إليه، ثم إليّ،
كأنها تربط خيطين لم يُعلنا بعد.

_بالطبع.
قالتها وهي تعدّل قفازها الأنيق.

ثم التفتت إليّ من جديد،
وابتسامتها لم تصل إلى عينيها:
_سنكمل حديثنا لاحقًا، رؤى.

نطقت اسمي بوضوح زائد.
غادرت الممر بخطوات واثقة،
وتركت خلفها صمتًا أثقل من حضورها.
لم أتحرّك.
ولا ناثان.

وبعد ثوانٍ، قال بصوت منخفض لا يسمعه سواي:
_كم رأت؟»
رفعتُ عيني إليه أخيرًا،
وقلت الحقيقة الوحيدة التي أملكها:
_لا أعلم.

ساد الصمت من جديد...
لكن هذه المرة بيني وبينه.
حتى قررتُ كسره.

عدتُ للجلوس على المقعد، وقلت:
_تعلم أنني حامل.
جلس هو الآخر بجانبي، وقال بهدوء:
_نعم.

نظرتُ إليه.
كانت ملامحه غير مقروءة،
لكنني تجاهلت جموده وسألته:
_ولا تمانع الزواج من امرأة لديها ابنة... وحامل؟

نظر إليّ،
ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من الدفء، وقال:
_ألا تظنين أن سؤالكِ تأخر قليلًا؟
أنتِ أصبحتِ زوجتي بالفعل.

لا أعرف لماذا ارتجف شيء في داخلي حين قال زوجتي.
كأن الكلمة لم تكن وصفًا... بل قيدًا أُغلق فجأة.
تجاهلت الإحساس.

وتجاهلت سخريته الواضحة، وسألته مرة أخرى، بإصرار يشبه التمسك بآخر خيط:
_لماذا إذًا؟

أجاب دون تردّد، بصوت خالٍ من أي حرارة:
_أريد أسرة.
وأريد الاستقرار.

توقفت لحظة قبل أن أتمكن من الكلام.
ثم سألت، بصوت خرج بالكاد مسموعًا:
_معي؟
لماذا أنا؟

رفع نظره إليّ أخيرًا.
كانت نظرته مستقيمة، بلا التفاف، بلا محاولة تلطيف.
وقال كلمة واحدة فقط:
_مناسبة.

تلك الكلمة...
لم تُقنعني.
لم تُغضبني.
بل أصابتني في موضع أعمق.
مناسبة.
كأنني خيار مدروس،
كأنني حلّ،
كأن حياتي اختُزلت إلى ملاءمة.

كنت على وشك أن أسأله:
مناسبة لأي شيء؟ 
لكن آنا جاءت.
جاءت لتقطع السؤال قبل أن يولد.

أجلستها في حضني.
كانت ترتدي فستانًا آخر، مختلفًا عن ذاك الأبيض الذي نثرت به الزهور،
وكأن دورها تغيّر كما تغيّر دوري.

حين لاحظت وجود ناثان بجانبي،
توقفت.
حدّقت فيه طويلًا،
ثم رفعت عينيها إليّ وسألت، ببراءة كسرتني:
_هل هو أبي الجديد؟

تجمّدتُ.
كنت أريد أن أقول لا.
أردت أن أحميها من كلمة أكبر من عمرها،
من حقيقة لم أستوعبها أنا بعد.

لكن ناثان تحرّك قبل أن أجد صوتي.
سحبها من حضني بهدوء،
وأجلسها في حضنه،
كأن الأمر بديهي،
كأن هذا المكان خُلق لها.

وقال بثبات:
_نعم.

نظرت إليه.
كان يتحدث إليها بوجه مختلف،
ملامحه لينة، صوته صادق،
رجل آخر تمامًا غير ذاك الذي كان يكلمني قبل قليل.

وقفتُ بهدوء، ومددتُ يدي نحو آنا.
نزلت من حضنه دون اعتراض، ووضعت يدها الصغيرة في يدي بثقة بريئة. شعرتُ بنظره يتبعنا؛ نظرة شملتني وشملتها معًا، لكنني تجاهلتها.
سرتُ بها باتجاه القاعة، ولا أزال ممسكة بيدها، كأنني أتشبث بشيء يمنحني توازنًا مؤقتًا.

قبل أن أدخل، سمعتُ وقع خطواته خلفي.
لم ألتفت.

في الداخل، سلمت آنا إلي عمتي فقد كان التعب باد علي ملامحها الطفولية وقلت لها أن تأخذها إلي أحدى غرف الفندق تأخذ قسطا من الراحة واتجهت بعدها مباشرة نحو فينيسا.

كانت تقف مع مجموعة من الفتيات؛ بعضهن رأيتهن معها من قبل، وأخريات أراهن للمرة الأولى. وقفتُ إلى جانبها، وانحنيت قليلًا وهمست بصوت خافت:
- هلا تأتين معي؟

لم أنتظر جوابها. كنت أعرف أنها ستلحق بي.
فينيسا... ابنة عمّتي لافيتا، أختي التي لم تلدها أمي، وصديقتي الوحيدة التي أثق أنها لن تتركني أغرق وحدي.

أخذتها إلى ركن شبه معزول، لا يقف فيه أحد. وما إن توقفنا حتى اندفعت بالكلام؛ الكلمات خرجت متلاحقة، متداخلة، تمامًا كما أشعر:
- قولي لي ماذا أفعل... خرجتُ من القاعة دون أن أحيّي السيدة دي لوكا. أنتِ تعلمين أن الحضور مليء بالصحافيين، ولا شيء يخفى عن أعينهم. ماذا أفعل الآن؟ سيجعلون مني خبرًا حصريًا. العناوين القادمة ستكون: زوجة ناثان دي لوكا تغادر قاعة الزفاف قبل تحية والدته.

رفعت فينيسا يدها قليلًا، تقطع سيل كلماتي:
- اهدئي... اهدئي أولًا. دعي لي مجالًا للكلام.

ثم نظرت إليّ بثبات وأضافت:
- هل نسيتِ أن المرأة التي خرجتِ قبل تحيتها تمتلك أكبر قناة إخبارية في البلاد؟ هل تظنين أنها ستسمح بانتشار خبر كهذا؟ ليس من أجلكِ بالطبع، بل من أجل سمعتها وسمعة عائلة دي لوكا. اطمئني.

حاولت أن أتنفس بعمق، لكن القلق لم يغادر صدري.
- لا أعلم ما الذي يحدث لي... لم أعد أستطيع التفكير بشكل سليم. لو كنت أفكر بعقلانية، لما كنت أقف هنا أصلًا.

تأملتني لحظة، ثم قالت بنبرة أخف:
- هل ما زلتِ تفكرين في ستيفن؟ فيما فعله؟ يجب أن تنسيه. لا يستحق أن يشغل بالكِ. ولكي تعلمي... أكثر قرار عقلاني اتخذتِه كان زواجكِ من ناثان.

هززتُ رأسي ببطء:
- ليس لأنني أريد التفكير فيه... لكنني لا أستطيع نسيانه. وما رأيته من ناثان وأمه حتى الآن لا يساعدني. على العكس... بدأت أندم لأنني فوّتُّ فرصة الهروب من هذا الزفاف.

قبل أن ترد، جاء صوته من خلفنا. هادئًا... ساخرًا:
- ألا تظنين أن ندمكِ جاء متأخرًا، زوجتي العزيزة؟
تجمّدت الكلمات في حلقي.

ذلك الصوت الساخر... بات بإمكاني تمييزه من بين ألف صوت، وحتى لو لم أكن أستطيع، أنه الوحيد الذي سيناديني زوجتي.

تسللت قشعريرة باردة إلى أطرافي. حاولتُ أن أستجمع نفسي، أن أُجبر شفتيّ على ابتسامة تخفف حدّة اللحظة وأنا ألتفت نحوه. لكنه كان كما عهدته منذ لحظة لقائنا الأولى: وجه جامد، ملامح مغلقة بإحكام، لا تترك لي نافذة أطلّ منها على ما يشعر به.

بادرت فينيسا بالكلام، محاولة إنقاذ الموقف، محاولة فاشلة:
- رؤى لم تقصد... هي فقط مرتبكة. الزفاف كان أسرع مما تخيّلت، وتحاول التأقلم.
سقطت كلماتها في الفراغ.

لم يلتفت إليها. لم يمنحها حتى نظرة مجاملة. كان نظره مثبتًا عليّ وحدي، ثقيلًا، كأنه يزنني.

وحين انتهت، قال موجّهًا حديثه لي، بصوت منخفض لكنه قاطع، وهو يبدأ بالابتعاد:
- اتبعيني، إن كنتِ ترغبين في التعرّف إلى أفراد عائلتكِ الجديدة.

عائلتكِ الجديدة...
ارتطمت الكلمات بي بقسوة. كان يقول لي بطريقته الخاصة إن عليّ التأقلم سريعًا؛ فآل دي لوكا أصبحوا عائلتي بالفعل، شاء قلبي أم أبى.

مددتُ يدي بصمت، وأخذت هاتفي من فينيسا-كان في حقيبتها منذ وقت-ثم تبعته.
خطواتي كانت أبطأ من خطواته،
وحين لاحظ ذلك، خفّف سرعته تلقائيًا، حتى صرنا نسير بمحاذاة بعضنا البعض، كتفًا إلى كتف.

اعلم انه لم يفعلها من اجلي بل من أجل
العيون التي تلاحقنا من كل زاوية.
حين أكون وحدي، أكون غير مرئية...
لكن ما إن أقف إلى جواره، حتى أتحول فجأة من ظلّ عابر إلى مركز المشهد.
لهذا ابتسمت.
ابتسامة اجتماعية مصقولة، تلك التي تُخفي أكثر مما تُظهر.

وانحنيت قليلًا نحوه، وهمست بصوت لا يسمعه سوانا:
- ليس ذنبي إن كنتَ أنت ووالدتك أحجار جليد.
لم يعلّق.

لم يلتفت حتى.
وأنا لم أُسقط الابتسامة؛ كنت أحتاجها درعًا، فليس هذا المكان المناسب للتصرف بصدق.
أضفت، بنفس الهمس، وكأنني أستدرك نفسي:
- حسنًا... آسفة. أعتذر عمّا قلته عنك وعن والدتك.

توقف لجزء من الثانية، ثم ردّ هو الآخر بصوت منخفض،
لكن دون أي محاولة للتخفيف أو المجاملة.
قالها بوجهه الجامد، الحاد كعادته:
- إن أردتِ قول شيء كهذا مرة أخرى، فانتبهِي لما يحيط بكِ قبل أن تتكلمي.

لم يمنعني من الحديث عنهما، ولم يطلب مني الصمت التام.
كل ما أراده أن يكون الكلام بعيدًا عن الأماكن المفتوحة، عن الآذان التي لا يجب أن تسمع.

لم يكن يهمه ان تحدثت ام لا ... بل إن كان هناك شهود.
لم أستطع الرد.
ليس لأن كلماته أصابتني،
بل لأننا كنا قد وصلنا بالفعل إلى طاولة عائلته.

تقدّمت خطوة إلى الأمام، وقلت بهدوء رسمي مدروس:
- مرحبًا.

كان سيباستيان دي لوكا هناك،
واقفًا بصلابة رجل يعرف وزن السلطة التي يحملها، كأن منصبه لم يفارقه حتى هنا.

إلى جانبه تقف روكي دي لوكا، 
هادئة، صامتة، 
وإلى يسارها ماريانا دي لوكا.
شقيقته الكبرى.

في الثامنة والثلاثين من عمرها،
إحدى أشهر قضاة البلاد،
وإحدى أشهر عازباتها أيضًا.
كانت ملامحها مألوفة... لا لأنني أعرفها شخصيًا،
بل لأن شاشات التلفاز اعتادت أن تنقل وجهها وهو ينطق بالأحكام.

إلى جانبها وقف رجل بدي في أواخر العشرين؛
ملامحه تحمل شيئًا من ناثان، لكن أقل قسوة.
خمّنت أنه شقيقه الأصغر.
كما كانت هناك امرأة في الخمسين تقريبًا،
وفتاة تبدو في مثل عمري، ربما في الخامسة والعشرين.
رجّحت أنهما زوجة سيباستيان وابنته.

ساد صمت قصير بعد تحيتي،
ذلك النوع من الصمت الذي لا يعني الفراغ،
بل انتظار الترتيب الصحيح للكلمات.

كانت روكي دي لوكا أول من ردّ.
ابتسامة خفيفة، مدروسة، بالكاد ارتسمت على شفتيها، وقالت بنبرة رسمية لا تخلو من برودة:
- أهلًا بكِ، رؤى.

تحرّك سيباستيان دي لوكا بعدها مباشرة.
صافح ناثان أولًا، ثم التفت إليّ ومدّ يده بثبات رجل اعتاد اللقاءات الرسمية أكثر من العائلية:
- سيباستيان دي لوكا.
عمّ ناثان.

هززت رأسي احترامًا ورددت التحية،
فأجابني بابتسامة قصيرة، أقرب إلى الإقرار منها إلى الترحيب.
وقبل أن ألتقط أنفاسي، تقدّمت ماريانا دي لوكا خطوة إلى الأمام.

كانت أطول مما تظهره الشاشات، حضورها طاغيًا،
وعيناها تحملان تلك النظرة التي أعرفها جيدًا من شاشات المحاكم.

- ماريانا.
قالتها ببساطة، ثم أضافت بعد لحظة:
- شقيقته الكبرى.

نظرت إليّ نظرة فاحصة، لا قاسية ولا ودودة،
نظرة قاضٍ يتعرّف إلى ملف جديد.
إلى جوارها، ابتسم الرجل الأصغر سنًا،
ابتسامة طبيعية أكثر مما توقعت على هذه الطاولة.

مدّ يده نحوي وقال بنبرة أخف:
- لورينزو دي لوكا.
الأخ الأصغر.

كانت طريقته مختلفة، أقل تحفظًا،
وكأنه لم يتدرّب بعد على البرود العائلي الكامل.
تقدّمت المرأة التي بجانبه بخطوة صغيرة،
وعلى شفتيها ابتسامة اجتماعية دافئة نوعًا ما:
- إيلينا دي لوكا.
زوجة سيباستيان.

ثم دفعت الفتاة الواقفة قربها للأمام بلطف:
- وهذه ابنتي، صوفيا.

ابتسمتُ للفتاة.
كانت ملامحها هادئة، وفضولها واضحًا،
تنظر إليّ وإلى ناثان كأنها لم تستوعب بعد أن ابن عمّها قد تزوّج...
أو أنني أنا زوجته.

وبصراحة، إن كنت أنا نفسي لم أستوعب الأمر بعد،
فلا ألومها.
وأنا أبادلهم التحية واحدًا تلو الآخر،
كان ناثان يقف بجانبي.
لم يتكلم،
لم يعرّفني،
وكأن وجودي وحده كان كافيًا لتعريفي.

ساد الصمت من جديد،
حتى كسرته إيلينا أخيرًا، بصوت ناعم لكنه محسوب:
- يسعدني أنكِ بخير الآن.
سمعتُ أنكِ شعرتِ بتوعّك بسيط.
رفعتُ رأسي إليها،
وقابلتُ نظرتها مباشرة هذه المرة:
- نعم، مجرد إرهاق.
ابتسمت ابتسامة لم أعرف إن كانت تصديقًا أم مجرد تسجيل للمعلومة،
ثم قالت:
- لا ينبغي عليك إهمال صحتك، حتى وإن كان يوم زفافك.

تدخّل لورينزو عندها، بنبرة عفوية،
وذلك شيء لم أعتده بعد من هذه العائلة:
- ما بكِ يا زوجة أخي؟
وما الذي تقوله زوجة عمي؟
كنت على وشك الرد،
لأخبره أنني بخير،

لكن ناثان سبقني بصوته الهادئ الحاسم:
- شعرت ببعض التوعك سابقًا،
لكنها الآن بخير.
قالها ببساطة،
وكأن الأمر منتهٍ...
وكأن صوته وحده كافٍ لإغلاق أي سؤال آخر.

في داخلي، كنت ممتنّة لأن ذلك الموضوع أُغلق أخيرًا.
لم تكن لديّ طاقة للرد على أسئلتهم التي بدت أقرب إلى استجوابٍ غير معلن،
ولا كنت مستعدّة لتحمّل جوّهم الصامت الخانق، ذلك الصمت الذي يضغط على الصدر أكثر من الكلام.

ولم أكن وحدي من شعر به.
لورينزو، على ما بدا، لم يرحّب بذلك الجو هو الآخر.
مال بجسده قليلًا إلى الأمام، وأسند مرفقيه على الطاولة،
ثم قال بنبرة خفيفة، وابتسامة صادقة :
- أين ابنة أخي؟ وما اسمها؟
أودّ التعرّف عليها أيضًا.

تمنّيت، لثانية، لو أنه لم يتكلم.
كنت أفضّل الصمت الخانق على المسار الذي اخذه الحديث فجأة.
لكن سؤاله ظلّ معلّقًا في الهواء،
ولم استطع تجاهله.

بادلتُه ابتسامة صغيرة، وقلت بهدوء حاولت أن أجعله طبيعيًا:
- أخذتها لافيتا إلى إحدى غرف الفندق.
كانت بحاجة إلى الراحة.
في الحقيقة... ذكّرتني، كنت أنوي الاطمئنان عليها.
عن إذنكم.

لم أنتظر ردًّا.
أنهيت جملتي وانسحبت بهدوء،
دون أن اترك مجالا لتعليق أو اعتراض 
لم يعجبني حديثه عن آنا،
لكنني، رغم ذلك، كنت ممتنّة له؛
فقد منحني ذريعة مثالية لمغادرة تلك الجلسة الثقيلة،
وذلك الجو الذي كان يضيق بي أكثر مع كل دقيقة.

خرجت من القاعة،
وأخرجت هاتفي واتصلت بعمّتي.
لا إجابة.
اتصلت بعدها بفيني.

- نعم؟

- في أي غرفة توجد عمّتي؟

- الغرفة رقم 2003.

- شكرًا.
أغلقت الخط،
واتجهت نحو المصعد.
نزلت في الطابق المطلوب، وسرت في الرواق حتى
وصلت إلى الغرفة.
طرقت الباب.
لا رد.
طرقت مرة أخرى،
ولا رد للمرة الثانية .

اتصلت بفينيسا مجددًا.
- هل أنتِ متأكدة من رقم الغرفة؟

- نعم.

- لا يبدو أن هناك أحدًا هنا، ووالدتك لا ترد.
هل يمكنك البحث عنها في القاعة؟

- بالطبع.
أغلقت الهاتف،
وجلست أمام الباب أنتظر.
أسندت ظهري إلى الباب،
وأغمضت عيني.
كنت أعلم أن الجلوس بهذه الطريقة قد لا يكون الأفضل للجنين،
لكن التعب كان أثقل من أي تحذير.

لا أعلم كم من الوقت مرّ، لكنني أدركت أنني غفوت وأنا جالسة في الرواق، أمام باب الغرفة التي يُفترض أن تكون آنا بداخلها.

استيقظت على صوته.
- هل تحاولين قتله؟

خرجت كلماته ببرودٍ ثقيل، كأنها سهم انطلق دون إنذار.
فتحتُ عينيّ ببطء، لأجده واقفًا إلى جانبي، مسندًا ظهره إلى الحائط، ذراعاه مشبوكتان بإحكام.

رفعتُ رأسي نحوه، وسألته بذهول لم أستطع إخفاءه: - هل... هل تحدثني؟

- نعم. هل تحاولين قتله؟

تسللت قشعريرة باردة إلى ظهري. 
- من الذي أحاول قتله؟

قالها دون أن يرمش: 
- الجنين.

حدّقت فيه، أحاول استيعاب الكلمة. 
- وما الذي جعلك تقول هذا؟

- ألا تعلمين أن جلوسكِ على الأرض في هذه المرحلة قد يكون خطرًا على صحته؟

ارتسمت على شفتي ابتسامة قصيرة، مشوبة بالسخرية: - على حدّ علمي، لم يسبق لك أن كنت أبًا، ولا أظن أنك تعمل في المجال الطبي. فكيف عرفت إن كان خطرًا أم لا؟

لم يجب.
بدلًا من ذلك، تحرّك فجأة. انحنى وأمسك بذراعي، وسحبني بحركة سريعة أربكت توازني، حتى شعرت بدوارٍ خاطف.

وحين تأكد أنني واقفة بثبات، أفلت ذراعي دون كلمة.

أخرج بطاقة الغرفة من جيبه، فتح الباب بها، ثم تنحّى جانبًا، في إشارة صامتة لكنها آمرة.

دخلت.

خطوت إلى داخل الغرفة، ولحق بي وأغلق الباب خلفه بإحكام.
كان الهدوء يلف المكان، وآنا نائمة على السرير، أنفاسها منتظمة نائمة بهدوء مثل الملاك 
التفتُّ إليه وسألت بصوت منخفض: - لماذا تمتلك المفتاح؟
لم يجب.
تقدّم إلى الأريكة التي تتوسط الغرفة وجلس عليها، وكأن السؤال لم يُطرح أصلًا.

رنّ هاتفي تزامنا مع جلوسه .
أخرجته من حقيبتي، كان اسم فينيسا يضيء الشاشة.
- لماذا لا تجيبين؟.

- هل اتصلتِ بي؟ لم أنتبه...

تنهدت، ثم قالت:
- عدتُ مرات على أي حال. أمي قالت إن مفتاح الغرفة مع ناثان.

- أعلم.

- هل هو معكِ؟
- نعم.

- إذًا إلى اللقاء، وانتبهِي لزوج أختي من-
أنهيت الاتصال قبل أن تُكمل.

لم تكن لدي طاقة لسماع سخافاتها الآن.
اقتربتُ من السرير وجلست عليه بحذر، متجنبة إيقاظ آنا.

وضعت يدي قربها؛ وجودها وحده كان يذكرني بأنني ما زلت على قيد الحياة.

وحين عدّلت جلستي، رفعت بصري إليه وسألته بصوت هادئ: 
- ما الذي جعلك تترك ضيوفك؟

التفت إليّ وقال: 
- يبدو أنك لا تعلمين... لكن الضيوف غادروا بالفعل.

توقف لحظة، ثم أضاف: 
- حتى والدكِ وعمّتك.

تقلّص صدري عند كلماته.
إذًا... هل نحن من تبقّى هنا؟
هل لم يعد هناك أحد أختبئ خلفه؟

أخذتُ هاتفي بهدوء، فتحت تطبيق المراسلة، ودخلت إلى محادثتي مع فيني، ثم أرسلت لها:

_أين أنتِ؟ لماذا ذهبتِ وتركتِني هنا؟

جاء ردّها سريعا ساخرًا كعادتها:
__أنا في المنزل. ولماذا ذهبتُ برأيك؟ الحفل انتهى. أم كنتِ تريدينني أن أنام معكما؟ أو أن أنام مع ناثان بدلَكِ؟ فأنا أوافق على الخيار الأخير.

زفرتُ بغيظ، ثم كتبت بسرعة:
__أنا أتحدث بجدية. لماذا لم تودّعيني؟ حتى أمك وخالك لم يودّعوني.

جاء ردّها هذه المرة أقل سخرية، لكنه لا يخلو من اللامبالاة:
_ذهبتُ مسرعة. أتاني اتصال من المستشفى، وقد اتصلتُ بكِ ولم تردّي. أمّا عمّتكِ ووالدكِ فعاتبيهما أنتِ، لا دخل لي.

توقفتُ لحظة، ثم كتبت:
_ألم تقولي الآن إنكِ في المنزل؟ عن أي اتصال عاجل تتحدثين؟

ردّت فورًا:
_نعم، عدتُ الآن من المستشفى. الحالة الطارئة لا تخصّني، كان المتصل متدرّبًا واتصل بالخطأ. هؤلاء المتدرّبون يرتكبون يوميًا أخطاء بعدد شعر رؤوسهم.

لم أتمالك نفسي، فكتبت:
_من يسمعكِ يظن أنكِ إحدى أعظم طبيبات البلد، ولم ترتكبي خطأً في حياتكِ.

جاء ردّها مقتضبًا، واثقًا:
_ألستُ كذلك؟

أجبتها بحدّة:
_لا، لستِ كذلك، ولن تكوني. والآن، هلّا أخبرتِني أين حقيبة ملابسي؟ هذا الثوب الأبيض خانق، ولم أعد أحتمل.

تأخر ردّها لثوانٍ، ثم كتبَت:
_اسألي زوجكِ العزيز. عمّتكِ سلّمتكِ له أنتِ وكل ما يخصّكِ.

شعرتُ بضيق يعتصر صدري، فكتبت بانفعال:
_أنا لا أمزح. أنتِ وحسّ دعابتكِ المنعدم. أنا أختنق هنا.

جاء ردّها هذه المرة جادًا على غير العادة:
_وأنا لا أمزح. أمي أعطته ثيابكِ التي أخذتها إلى الفندق، وثياب آنا أيضًا. وقد كان في المنزل صباحا وكانت ستعطيه ثيابكِ الموجودة هنا، لكنه اكتفى بإلقاء نظرة علي غرفة آنا وأخذ دميتها المفضلة.

تسارعت أنفاسي وانا اقرأة ماكتبته. كتبت فورًا:
_ماذا تقولين؟ متى حدث هذا؟

_اليوم صباحًا، عندما ذهبتِ معي إلى المستشفى لفحص الحمل.

ترددتُ قبل أن أكتب:
_والآن؟

_الآن اسألي زوجكِ عن شيءٍ تغيّرين به، أو دعيه هو يُغيّر لكِ.

أغلقتُ المحادثة دون ردّ.
لا أصدق مدى سخافتها... وكيف تستطيع المزاح في موقف كهذا.

أنزلتُ الهاتف، ورفعتُ بصري نحوه.
كان مغمض العينين.
لا أعلم إن كنت أتوهّم، لكن بدا لي متعبًا.

ترددت كثيرًا، غير أن الفستان بدأ يخنقني أكثر فأكثر.
ناديتُه بصوت خافت:
- ناثان...

كنتُ أريد فقط التأكد إن كان نائمًا، لكنه أجاب بصوت أجش، ولا تزال عيناه مغمضتين:

- نعم؟

- ملابسي... أريد تغيير ملابسي. هذا الثوب خانق.

فتح عينيه، ونظر إليّ نظرة لم أفهم معناها.
ثم نهض وهو يقول:
- ثيابكِ في السيارة. لم أكن أخطط للنوم هنا، لكن يبدو أن هناك شخصًا أنهكه التعب وفي الحقيقة... أنا لا أمانع قضاء ليلتي الأولى معك هنا

قالها وهو يغمز، غمزة أشعرتني بالغثيان. إنه بالتأكيد مصاب بنفصام الشخصية، لايمكن أن يكون حجر الجليد هو نفسه من تكلم وغمزة لتوّه.

وبينما كنت ما أزال أحلّل كلماته ونبرته ونظرته، توجّه نحو الباب، حركته واضحة، محسوبة، تنبئ بنيّته النزول إلى السيارة لجلب الحقيبة.

تابعته بنظري لثانية واحدة فقط... ثانية كانت كافية لأستوعب الكارثة.

قضاء ليلة هنا سيكون بمثابة ليلة في الجحيم.
الجناح كامل، نعم، فخم وواسع، لكنه يضم سريرًا واحدًا فقط. سريرًا واحدًا.

وعندما تسلّل إلى ذهني مشهد مشاركته إياه ، اجتاحتني قشعريرة حادة. لا، مستحيل. النوم في المنزل أفضل، هناك غرف كثيرة، وأسِرّة أكثر، ومساحة آمنة .
أوقفته قبل أن يبتعد أكثر.

قلت، وأنا أبذل جهدًا حقيقيًا لأجعل صوتي ثابتًا:
- لم أعد متعبة... لنذهب إلى المنزل. فقط دقائق، حتى أوقظ آنا.

استدار نحوي فورًا، وكأنه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا.
- لا توقظيها.

قالها بهدوء، وهو يتقدّم بخطوات واثقة نحو السرير. ألقى نظرة سريعة على آنا، نظرة لم تخلُ من شيءٍ لم أعتد رؤيته فيه، ثم خفّض صوته وأضاف: 
- اتركيها. سأحملها أنا.

لم أتردد لحظة واحدة. ابتعدت عن السرير وأفسحت له المجال. كل ما رأيته منه تجاهها حتى الآن كان كافيًا ليقنعني بأنه يراها فعلًا كابنته.

راقبته وهو ينحني، يحملها بحذر، يضمّها إلى صدره كما لو أن الحركة مألوفة، وكأنها تكررت مئات المرات من قبل

خرجنا من الجناح بصمتٍ كامل.
صمتٍ لم يكن ثقيلًا بقدر ما كان حذرًا، كأن كلًّا منّا يخشى أن يفسد لحظة لا يعرف كيف يفسّرها.

في الرواق الطويل، انسكبت الإضاءة الصفراء الدافئة على الجدران والسجاد الكثيف، فامتصّت وقع خطواتنا، وتركَتنا نمضي بلا صوت... بلا أثر.

كان يحمل آنا بين ذراعيه.
رأسها مستقرّ على كتفه، وملامحها ساكنة في نومٍ عميق؛ ليس وكأننا نسير في رواق فندق، بل كأن هذا المكان، وهذا الرجل، امتداد طبيعي لنومها.

سرتُ إلى جواره، لا ألتصق به ولا أبتعد.
أحيانًا أسبقه بخطوة، وأحيانًا أتأخر، وكأن قدميّ تتخذان القرار بدلًا عني.

لم نتبادل نظرة.
لم يتكلم.
ليس وكأن بيننا ما يُقال أصلًا.

عند المصعد، ضغط الزر بيده الحرة.
انتظرنا.
حين فُتح الباب، دخل أولًا، ثم تبعته.

انغلق المصعد، وانعكس ظلّنا على المرآة الداخلية:
رجل يحمل طفلة نائمة... وامرأة تقف إلى جواره.
كنت لا أزال أرتدي فستان الحفل الأبيض.

لا أعلم ما الذي خطر لي، لكن حين رأيت انعكاسي، لم أره فستان زفاف، بل شيئًا أقرب إلى كفن... كأنني أرتدي كفنًا أبيض لا فستانًا.

في موقف السيارات، تبدّل الهواء.
كان أبرد، أقل تزييفًا، وأكثر واقعية.

فتح الباب الخلفي بحذر، ثبّت آنا في مقعدها دون أن يوقظها، بحركات هادئة توحي بأنها ليست المرة الأولى.

جلستُ في المقعد الأمامي، أغلقت الباب، وأسندت رأسي إلى الزجاج لثوانٍ، كأنني أستجمع نفسي.
انطلقت السيارة.

كانت المدينة ليلًا مختلفة؛ أقل ضجيجًا، وأكثر صدقًا.
أضواء الشوارع تنساب فوق الزجاج الأمامي، والسيارة تشق الطريق بثبات.

كنت أراقب الطريق، لكن أفكاري كانت في مكان آخر.
البيت.
ذلك البيت الذي سأدخله الآن بصفتي الجديدة... زوجته.

بعد مسافة بدت أطول مما هي عليه، انعطف إلى شارع هادئ تحيطه الأشجار.

توقفت السيارة أمام بوابة فُتحت فورًا، فدخلنا.

المنزل بدا واسعًا، أنيقًا، بلا استعراض.
نزل أولًا، وحمل آنا من جديد.
نزلتُ خلفه، وتوقفت لحظة أمام المدخل، أحدّق في الواجهة، كأنني أحاول أن أحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.

في الداخل، كان المنزل يشبهه...
منظّم، صامت، منغلق على نفسه.
الإضاءة خافتة ودافئة، وكل شيء في مكانه بدقة محسوبة، كأن الفوضى لا يُسمح لها بالوجود هنا.

اتجه مباشرة نحو الدرج، وتبعته دون سؤال.
فتح باب غرفة تقع على يمين الممر، أشعل الضوء، ودخل.

توقفت عند العتبة.
كانت الغرفة... مألوفة على نحو أربكني.
نسخة شبه مطابقة لغرفة آنا في منزل عائلتي؛ نفس الألوان، نفس الرسومات، وحتى ترتيب الأثاث بدا متطابقًا.

كانت المرة الأولى التي رأى فيها غرفة آنا صباح هذا اليوم فقط.
فكيف استطاع نسخها في أقل من يوم؟
لم أسأل.
احتفظت بدهشتي لنفسي.

وضعها على السرير، عدّل الغطاء فوقها، ثم أطفأ الضوء.
وحين خرج، كنت بانتظاره.

- أين ثيابي؟
خرج السؤال مني قبل أن أفكّر فيه.

- اتبعيني.

قادني إلى غرفة في الطرف الآخر من الممر. فتحها، وأشار إلى بابين:

- الحمام... وغرفة الملابس.

دخلت غرفة الملابس وأغلقت الباب خلفي.
في الخزانة، وجدت ثيابًا نسائية جديدة، من الواضح أنه اشتراها لي، وأخرى رجالية تخصّه.
خطر لي للحظة ما الذي تفعله ملابسه في خزانتي، لكنني لم أطل التفكير.

كل ما أردته هو أن أخلع ذلك الفستان الخانق.
اخترت قميصًا فضفاضًا باللون الأسود، يكفي لأشعر أنني أتنفّس، وسروالًا بنفس اللون.

حين خرجت، لم يكن في الغرفة.
يبدو أنه ذهب إلى غرفته هو أيضًا.

اتجهت إلى الحمام؛ هناك وجدت اثنين من كل شيء، واحدًا نسائيًا وآخر رجاليًا.

غسلت وجهي جيدًا، لا أريد لبشرتي أن تعاني من أثر المكياج. وضعت مرطّبًا بعد الغسول، ثم خرجت.
توجّهت إلى غرفة آنا.

رأيته في الرواق قبل أن أصل إلى غرفة آنا.
كان قادمًا من الجهة المقابلة، يحمل صينية صغيرة يتوسطها كأس من الحليب، يسير بخطوات هادئة كعادته.

مررتُ من جانبه متعمدة تجاهله، هو وكأسه، لكن يده امتدت فجأة وأمسكت بمعصمي.

لم يكن الإمساك عابرًا؛ كان قويًا إلى حدٍ أفقدني توازني. جذبني نحوه بعنف، فارتطم ظهري بالحائط. كانت ضربة صامتة لكنها موجعة، شعرت بها في ضلوعي قبل أن أستوعب ما حدث. 

ظل ممسكًا بمعصمي، قبضته محكمة، باردة.
رفعت رأسي ونظرت إليه، وغضب لم أستطع كبته يطفو في عينيّ.
- ماذا تظن نفسك فاعلًا؟ اتركني.

لم يتغير شيء في ملامحه. لم يعلُ صوته، ولم يبدُ عليه اضطراب.
قال بهدوئه المستفز، بصوته البارد الذي لا يحمل اعتذارًا ولا تبريرًا:

- إلى أين، زوجتي العزيزة؟ غرفتنا في الاتجاه الآخر.

ترددت الكلمة في رأسي: غرفتنا.
آه... الآن فهمت.
هذا يفسر وجود اثنين من كل شيء: فرشتين، مناشف مزدوجة، تفاصيل لم أجرؤ على التفكير فيها سابقًا. لكن من قال إنني سأكون واحدة من هؤلاء النساء اللواتي يخضعن بسهولة؟ بالتأكيد لست أنا.

ابتسمت بسخرية، وقلت بصوت تعمدت أن يخرج لاذعًا:
- غرفتنا؟ هل تمزح معي؟ قلت لك اتركني. معصمي بات يؤلمني.

قلت الجملة الأخيرة وأسـناني مطبقة بقوة، ليس من الألم وحده، بل من الغضب الذي يغلي في صدري.
نظر إلى معصمي أخيرًا، ثم أفلت يده.

- لم أقصد.

قالها وكأنها جملة محفوظة، بلا إحساس، بلا أثر.
ملامحه بقيت جامدة، ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث. ذلك الثبات وحده كان كافيًا ليشعل غضبي أكثر.

استدرت لأكمل طريقي نحو غرفة آنا، لكنه أوقفني بصوته مرة أخرى:
- قلت لك، الغرفة في الاتجاه الآخر.

توقفت. لم ألتفت إليه هذه المرة.
- سأذهب لأنام مع ابنتي.

ثم أضفت، ببرود مقصود:
- هل لديك مانع؟

جاء ردّه سريعًا، حاسمًا، بلا تردد:
- نعم، لدي.

وتابع بنبرة لا تقبل نقاشًا:
- زوجتي تنام معي.











رأيكم يهمني 

رأيكم في رؤى 

رأيكم في ناثان 


🇵🇸
🇸🇩
		       

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"