سِدرة المُنتهى الأرضية - الفصل الأول {راية عبيد مستهلكة}
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

سِدرة المُنتهى الأرضية - الفصل الأول {راية عبيد مستهلكة}

جاري التحميل...

سِدرة المُنتهى الأرضية

تُعرّي الرواية في فصلها الخيالي (مدينة السدرة) وهم "التدين الكسول"، حيث يكتشف الأبطال أن الإسلام الحقيقي هو ثورة صناعية وإنتاجية، وأن الدول التي تكتفي بالدعاء دون امتلاك أسباب القوة والتكنولوجيا هي دول تعيش "شركاً خفياً" بعبوديتها للمنتج الأجنبي، مما يقلب مفاهيم الشخصيات رأساً على عقب.

تحميل الفصول...
المؤلف

الطواف حول الفراغ

كنتُ أنا "عابر"، السارد والراوي، أحمل عصاي التي لم أتوكأ عليها كبرًا، بل تعبًا من حمل الأسئلة. لم أكن أطوف حول الكعبة هذه المرة، بل كنت أطوف حول خارطة ممتدة من المحيط إلى الخليج، أحاول أن أبحث عن "يد" تعمل، فلا أجد إلا "ألسنة" تلهج. قررت أن أجمع شتات الأمة في رحلة، ثمانية أرواح التقيتهم في مفارق الطرق، لنسأل: هل صلاتنا معراج للسماء، أم هروب من الأرض؟

الفصل الأول: ظلال النخيل الزجاجي (الخليج)

وقفتُ أمام برج شاهق يمزق سماء مدينة خليجية، الزجاج يعكس شمس الصحراء الحارقة، والمكيفات تزمجر بلغة أجنبية لتصنع ربيعًا زائفًا. هناك التقيتُ بـ (سيف)، شاب ثري، ثوبه ناصع البياض كأنه لم يلمس غبار العمل قط، وفي يده مسبحة من ياقوت.

قلت له وأنا أتلمس جدار البرج: "يا سيف، هذا البناء شاهق، فمن رفعه؟"
أجاب سيف بزهو: "إنه بمالنا، وبركة دعائنا، ونعمة الله علينا."

قاطعه صوتٌ خشن، كان (المهندس رستم)، شخصية ثالثة، وافد عربي أفنى عمره في بناء مدن الآخرين، قال بمرارة:
"بل رفعه الغريب يا سيف. أنتم تملكون المفتاح، لكنكم لا تملكون القفل. انظر إلى سبحتك، خيطها من حرير الصين، وحباتها صُقلت في أوروبا. أنتم تصلون، نعم، وتطيلون السجود، لكنكم عبيد لمن صنع لكم سجاد صلاتكم. العبادة التي لا تنتج رغيف الخبز وسيف الدفاع، هي نوع من التسول الميتافيزيقي."

انتفض سيف غاضبًا: "نحن نطبق الشرع، والناس آمنة في بلادنا."

تدخل هنا (الحكيم أبو العز)، رجل مسن من أهل الجزيرة، عاصر زمن الغوص واللؤلؤ قبل النفط، نظر إلى الأبراج وقال بصوت مبحوح:
"يا ولدي، كان أجدادنا يغوصون في البحر للموت ليخرجوا بحياة. كانت عبادتهم ضربًا في الأرض. أما اليوم، فنحن كالأيتام على مأدبة اللئام، ولكننا أيتام أثرياء. أتعلم ما هي العبودية المقنعة؟ هي أن يكون حامي حدودك، وصانع دوائك، ومبرمج عقلك، هو عدوك أو منافسك. نحن في الخليج، وفي أغلب ديار العرب، تحولنا إلى (ظاهرة صوتية)؛ نرفع الآذان بمكبرات صوت يابانية، ونخطب عن الجهاد عبر خوادم إنترنت أمريكية. هل رأيت احتلالًا أنعم من هذا؟ أن تدفع مالك لعدوك ليسمح لك بأن تأكل وتنام؟"

الفصل الثاني: أشباح بابل (العراق)

حملتُ خيبتي وسافرت شمالًا حيث النهرين. بين الأنقاض التي كانت يومًا حضارة، وجدتُ (الدكتور فاضل)، أستاذ تاريخ يجلس فوق كومة من الكتب المحترقة، وبجانبه (أم صابر)، امرأة عراقية فقدت أبناءها.

قال فاضل وهو يقلب الرماد: "هنا كُتب الحرف الأول. هنا سُنَّ القانون الأول. واليوم؟ نحن ننتظر المهدي أو ننتظر المعونة الدولية. لقد تحول الدين عندنا من (ثورة عمل) إلى (طقوس لطم) أو (خطب تكفير). انظر إليهم..." أشار إلى جموع تسير نحو المراقد.

قالت أم صابر بلهجة تقطر ألمًا: "نحن نعبد الله بدموعنا فقط يا بني. لكن هل تبني الدموع وطنًا؟ جيراني يصلون الليل كله، وفي الصباح يرتشون في دوائر الدولة. أي رب يعبدون؟ إنهم يعبدون ذواتهم، يعبدون الخلاص الفردي. كل واحد يريد الجنة لنفسه، وليحترق الوطن."

قلتُ لهم: "ولكن الأرض هنا خصبة، والعقول جبارة."

رد (جاسم)، جندي سابق تحول لسائق أجرة، انضم إلينا فجأة: "العقول؟ العقول هاجرت لمن يُقدّرها. نحن هنا محتلون، ليس من الغريب فقط، بل من (الوهم). وهم أننا خير أمة أخرجت للناس ونحن نستورد حتى إبرة الخياطة. انظر للعراق، بلد النهرين يعطش! أليس هذا عقابًا لمن اكتفى برفع اليدين للدعاء ونسي أن اليد العليا هي اليد العاملة؟ الله لا يجامل الكسالى يا سيدي، حتى لو قرأوا القرآن ليل نهار."

الفصل الثالث: طين النيل (مصر)

وصلتُ مصر، أم الدنيا التي شاخت ملامحها. جلستُ على مقهى في الحسين، حيث صخب الحياة يغطي على أنين الحقيقة. كان هناك (الشيخ حسنين)، إمام مسجد، يجادل (الدكتور عاطف)، عالم ذرة عاطل عن العمل.

قال الشيخ حسنين: "البركة مفقودة لأن الناس ابتعدت عن الدين."

ضرب الدكتور عاطف الطاولة بقبضته: "أي دين تقصد يا مولانا؟ دين الدروشة؟ نحن نستورد القمح الذي نصنع منه (العيش)، ونستورد السلاح الذي نحمي به الحدود. الدولة التي لا تملك قوتها، لا تملك قرارها. نحن نعبد الله في المساجد، لكننا نعبد الغرب في الاقتصاد والسياسة. نحن (محتلون) بالديون. السجدة التي لا ترفع رأس الأمة بالعلم والإنتاج هي ركوع أبدي للآخر."

تدخلت شخصية ثامنة، (سارة)، طالبة جامعية بعيون ثاقبة، وقالت موجهة حديثها للجميع:
"أنتم جميعًا تتحدثون عن الماضي. المشكلة ليست في أننا لا نعمل، المشكلة أننا نعمل (لغيرنا). العامل المصري يبني ناطحات السحاب في الخليج، والعقل العراقي يدير مستشفيات لندن، والطبيب السوري يعالج جرحى ألمانيا. نحن وقود لحضارات الآخرين. لأن مفهوم العبادة عندنا تشوه. قيل لنا أن العبادة هي الانعزال في المسجد، ولم يقل لنا أحد أن إتقان صناعة (رقاقة إلكترونية) قد يكون عند الله أثقل من ألف نافلة."

الفصل الرابع: حوار الطرشان في السوق العربية

جمعتُ خيوط الحديث وعدتُ بذاكرتي للحوار المتخيل بينهم جميعًا.
قال سيف (الخليجي) مدافعًا: "لكننا ننفق المليارات في سبيل الله."
رد عليه رستم (المهندس): "تنفقه لترميم مساجد، ولا تبني مصنعًا للدواء. المال الذي لا يتحول إلى قوة إنتاجية هو مجرد ورق يلعب به أسياد النظام العالمي. أنتم تظنون أنكم أحرار لأنكم تملكون القصور؟ أنتم حراس لثروات، سيأتي وقت يأخذها من يملك القوة والعلم. العبد هو الذي لا يستطيع أن يقول (لا) عندما يجوع، وأنتم لا تملكون طعامكم."

قال فاضل (المؤرخ العراقي): "الاحتلال اليوم ليس دبابات في الشوارع فقط. الاحتلال هو أن يكون (معيار النجاح) في بلادنا هو الرضا الغربي. نحن نصلي الفجر، ثم نذهب لنطبق نظريات اقتصادية وضعها من لا يؤمن بربنا، ونستهلك بضائع صنعتها أيدي من يسخر منا."

صرخت أم صابر: "إذن نحن خاشعون في الصلاة، عاصون في الحياة؟"

أجاب أبو العز (الحكيم) بهدوء مخيف:
"نحن، يا ابنتي، نعبد (طقوسنا) لا (ربنا). الله قال (وَأَعِدُّوا)، ونحن لم نُعد شيئًا سوى الفتاوى التي تبيح دم بعضنا، والقصائد التي تمدح تخلفنا. نحن شعوب تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنسج. وفي عرف الحضارات، من يفعل ذلك لا يحق له أن يتكلم عن السيادة. نحن دول (مفعول بها) منصوبة بالتبعية، وعلامة نصبها الفقر الظاهر على عقولها، وإن بدت البطون متخمة."

الفصل الخامس: الطواف المستمر (بلا نهاية)

نظرتُ إليهم جميعًا.
الخليجي الذي يلمع ثوبه ولكنه مكشوف الظهر استراتيجيًا.
العراقي الذي يقف على كنز ويده ممدودة.
المصري الذي يملك التاريخ ويحاصره الحاضر.
والشاب العربي الذي يرى أن العبادة الحقة هي الهجرة من بلاد المسلمين!

قلت لهم: "إذن، هل نحن كفار بالنعمة؟"

قالت سارة: "نحن كفار بقانون (السببية). نريد نصرًا من السماء ونحن لم نقم بأي سبب من أسباب الأرض. ننتظر طيرًا أبابيل لتقصف أعداءنا، بينما أعداؤنا يصنعون الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية. العبادة هي (عمارة الأرض)، ومن ترك عمارة الأرض للكافر، فقد مكنه من رقبة المؤمن."

ساد صمت ثقيل. لم تنته القصة هنا. فلا يمكن لقصة الجرح العربي أن تنتهي بصفحة أو صفحتين. كل ما في الأمر أنني أدركت أننا جميعًا نطوف في حلقة مفرغة.
نظرتُ إلى الأفق، حيث الشمس تغرب على مدننا العربية، رأيت الظلام يزحف، ليس ظلام الليل، بل ظلام العجز.

التفت إليّ أبو العز وقال والدمعة في عينه: "أكمل طوافك يا بني.. فالطواف حول الحقيقة لم يبدأ بعد. ما زلنا في الشوط الأول من الوعي، والطريق إلى (مكة العمل) طويل جدًا..."

تركتهم هناك، يتجادلون حول من هو السبب، بينما المصانع في الغرب والشرق تدور بلا توقف لتصنع غدًا لن يكون لنا فيه مكان إلا كمستهلكين... أو كعبيد يظنون أنهم أحرار.



------



لنبدأ الرحلة في مدينة "سِدرة المُنتهى الأرضية".. أو كما يسميها أهلها اختصارًا "السِدرة".

لم نركب طائرة ولا قطارًا، بل كان انتقالًا روحيًا جماعيًا، وجدنا أنفسنا فجأة، أنا "عابر" ورفاقي السبعة، نقف عند بوابة ضخمة ليست من ذهب ولا فضة، بل من مادة صلبة غريبة، تشع ضوءًا خافتًا، نُحت عليها عبارة واحدة بخط كوفي صارم: (لا يُقبل هنا عملُ مَن يأكل من فاس غيره).

دلفنا إلى داخل "السدرة"، كانت دهشتنا تتزايد مع كل خطوة. الشوارع لم تكن مرصوفة بالأسفلت التقليدي، بل بألواح تولد الطاقة من وقع أقدام المارة. المباني شاهقة لكنها ليست زجاجية صماء كأبراج دبي أو الدوحة التي نعرفها، بل كانت مبانٍ تتنفس، مغطاة بطبقات خضراء ومزارع عمودية، وكل شرفة هي مصنع صغير أو معمل.

سار (سيف) الخليجي مذهولًا، يتعثر في ثوبه الطويل، يتلفت يمينًا ويسارًا باحثًا عن شيء مألوف، ثم صاح: "أين المساجد؟ أين القباب المذهبة؟ أين المآذن التي تعانق السحاب؟ هذه مدينة بلا روح! إنها تشبه مصانع اليابان، أين الله هنا؟".

ضحكت (سارة) بمرارة، وأشارت بيدها إلى مبنى ضخم تدخله آلاف البشر بملابس عمل زرقاء موحدة: "انظر جيدًا يا سيف، انظر إلى اللوحة هناك".

قرأ (الشيخ حسنين) بصوت متهدج العبارة المكتوبة فوق المبنى: (مصنع ومسجد الفجر للصناعات الدقيقة).

هنا اقترب منا رجل من أهل المدينة، اسمه (عمار)، يرتدي بزة عمل ملطخة ببعض الزيوت، وفي جيبه مصحف صغير وقلم قياس إلكتروني. نظر إلينا بابتسامة هادئة وقال: "أراكم غرباء.. تبحثون عن (المعبد) المنفصل عن الحياة، أليس كذلك؟".

اندفع (رستم) المهندس قائلًا: "يا أخي، نحن قوم نؤمن أن الصلاة عماد الدين، لكننا نرى هنا دخان مصانع وضجيج آلات، هل هذه دار عبادة أم منطقة صناعية؟".

أشار عمار لنا بالجلوس على مقاعد في حديقة عامة، كانت مقاعد ذكية تعرض أخبار العالم على سطحها، وقال: "في (السدرة)، نحن نرى أن السجود على سجادة حريرية مستوردة من الصين هو نوع من النفاق الحضاري. أنتم في بلادكم – وأقصد كل بلاد العرب من المحيط للخليج – تصلون خلف أئمة يبكون من الخشوع، ومكبرات الصوت التي تنقل بكاءهم مصنوعة في الغرب، والمكيفات التي تبرد جلودهم مصنوعة في الشرق، والساعة التي تضبط وقت صلاتهم سويسرية. أخبروني بربكم، لمن الولاء؟ للإله الذي تعبدونه باللسان؟ أم للإله الذي يطعمكم ويكسوكم ويحميكم بالصناعة؟".

انتفض (الدكتور فاضل) العراقي، وقد أثارت الكلمات حميته: "هذا كلام خطير! نحن لا نعبد إلا الله، ونحن أسياد النفط والخيرات".

رد عمار بحدة لم نعهدها: "أنتم لستم أسيادًا، أنتم حراس مخازن. السيد هو من يحول المادة الخام إلى قيمة. النفط يخرج من تحت أقدامكم في الخليج والعراق، لكن (العقل) الذي يكرره ويحوله لبلاستيك ودواء وسلاح هو عقل (الآخر). أنتم تبيعون الدم لتشتروا به قنينة ماء. انظروا حولكم في مدينتكم هذه.. هنا، لا نؤذن للصلاة إلا إذا أنتجنا ما يكفينا ليومنا. الإمام عندنا لا يصعد المنبر إلا إذا كان يحمل براءة اختراع أو أتقن حرفة. العبادة عندنا هي (الاستخلاف)، والاستخلاف يعني السيطرة على المادة، لا الهروب منها".

تدخل (جاسم) الجندي السابق بأسى: "لكننا نحارب.. نحن نقاتل وتُحتل بلادنا، ونقدم الشهداء".

اقترب عمار منه، ووضع يده على كتف جاسم وقال بنبرة أكثر ليناً ولكنها جارحة: "تقاتلون بسلاح عدوكم، وتتعالجون بدواء عدوكم، وتراقبون حدودكم بأقمار عدوكم الصناعية. في (السدرة)، نعتبر الدولة التي لا تصنع رصاصتها (دولة كافرة) بنعمة العقل، حتى لو صام أهلها الدهر كله. يا جاسم، الاحتلال ليس فقط دبابة في الشارع، الاحتلال هو أن يكون (سيرفر) المعلومات الخاصة بجيشك موجودًا في قارة أخرى. أنتم في دولكم العربية، من مصر للسعودية للعراق، محتلون تقنيًا. أنتم (مستعمرات رقمية). هل تظن أن الله يقبل دعاء أمة رضيت أن تكون (عالة) على أعدائه؟".

ساد صمت ثقيل، قطعه صوت (أم صابر) وهي تمسح دموعها بطرف عباءتها السوداء: "يا بني، نحن بسطاء، نعبد الله بقلوبنا، هل يضيعنا الله؟".

نظر إليها عمار بإشفاق وقال: "الله لا يضيع أجر المحسنين، لكنه لا يحابي المغفلين يا أمي. الله وضع قوانين للكون، من زرع حصد، ومن صنع ملك، ومن نام وانتظر المعجزة داسته أقدام السائرين. في مدينتكم (السدرة) هذه، المهر الذي يدفعه الشاب للفتاة ليس ذهبًا، بل (مشروع إنتاجي). والطفل لا يحفظ القرآن فقط، بل يحفظ معه جدول العناصر الكيميائية وكيفية برمجة الرقائق، لأننا نؤمن أن القرآن كتاب يخبرنا كيف نبني الكون، لا كيف نعتزل في الزوايا".

فجأة، انطلق صوت الآذان في المدينة. لم يكن آذانًا عاديًا. كان المؤذن يقول: "حي على الصلاة.. حي على الفلاح.. حي على العمل.. الله أكبر من كل عاجز".

تحركت المدينة كخسلة نحل. رأينا المصلين يخرجون من المصانع بملابسهم، يصفون في الساحات. الإمام كان يرتدي معطف مختبر أبيض.
قال (الدكتور عاطف) العالم المصري بصوت مخنوق: "انظروا.. هذا ما حلمت به طوال عمري. دين ودنيا. انظروا إلى وجوههم، فيها عزة، ليست فيها ذلة السؤال ولا انكسار الحاجة. نحن في بلادنا، نصلي ونحن نفكر في قسط البنك، ونخشى من مدير العمل، ونرتعب من شرطي المرور، لأننا لا نملك حريتنا الاقتصادية".

التفت عمار إلى سيف وقال: "يا سيف، انظر لتلك المباني هناك.. تلك صوامع قمح، وتلك مصانع دواء. هذه هي (القلاع) الحقيقية. أنتم في الخليج بنيتم أطول أبراج في العالم، لكن هل سألتم أنفسكم: لو حاصركم العالم أسبوعًا واحدًا، ومنع عنكم السفن، هل ستأكلون الخرسانة والزجاج؟ العبادة يا سيدي هي (الأمن الغذائي). الإطعام من جوع والأمن من خوف هما شرطا العبادة لرب هذا البيت. فكيف تعبدون وأنتم جائعون لقمح روسيا وأمريكا، وخائفون بسلاح الغرب؟".

هنا تدخل (أبو العز) الحكيم، وكان يراقب المشهد بصمت مطبق، ضرب بعصاه الأرض وقال: "لقد أصاب الرجل كبد الحقيقة. نحن نعيش في (وهم التدين). لقد حولنا الدين إلى (مخدر). نذهب للمسجد لننسى خيبتنا في المصنع. ونحج لنغسل ذنوب تقاعسنا عن نصرة إخواننا بالعلم والقوة. هذه المدينة، (السدرة)، هي ما كان يجب أن تكون عليه مكة وبغداد والقاهرة. مكان يخرج منه النور والقمح والعلم. أليس عارًا علينا أن تكون كلمة (Made in) متبوعة باسم دولة كافرة أصدق وعدًا وأتقن صنعًا من أمة (اقرأ)؟".

مشى بنا عمار نحو ساحة ضخمة تتوسط المدينة، رأينا فيها مجسمًا ضخمًا للكرة الأرضية، لكن الدول العربية كانت ملونة بلون رمادي باهت، بينما دول أخرى تشع ضوءًا.
سألت سارة: "لماذا نحن رماديون؟ هل لأننا بلا دين؟".

أجاب عمار: "بل لأنكم بلا (وزن). الدين يعطي الروح، لكن العمل يعطي الجسد والوزن. أنتم أرواح هائمة بلا أجساد قوية. العالم لا يسمع للمتسولين حتى لو كانوا يملكون الحق. انظروا.. هذه بقعتكم، مليئة بالثروات، شمس لا تغيب، وأنهار، ونفط، وموقع استراتيجي. ومع ذلك، أنتم (مفعول بكم). يتم التلاعب بعملتكم بضغطة زر في بورصة نيويورك. ويتم تحديد سعر نفطكم في لندن. ويتم اختيار حكامكم في غرف مظلمة لا تملكون مفاتيحها. ثم تذهبون للمساجد وتدعون: (اللهم عليك بأعدائنا).. وكيف يستجيب الله لكم وأنتم تدفعون رواتب أعدائكم بشرائكم لبضائعهم؟".

نظر الشيخ حسنين إلى الأرض وقال بصدق مؤلم: "لقد جعلتني أشعر أن عمامتي هذه ثقيلة جدًا. كنت أظن أنني حارس الشريعة، لكن يبدو أنني كنت حارسًا للغفلة. كنا نشغل الناس بالحيض والنفاس ودخول الحمام بالرجل اليسرى، بينما العالم يصنع الذكاء الاصطناعي ويستعمر المريخ. هل فاتنا القطار؟".

ابتسم عمار ابتسامة غامضة، وأشار إلى الأفق حيث بدأت شمس غريبة بالشروق، شمس لا تحرق بل تنير العقول: "القطار لا يفوت ما دامت الروح في الجسد، لكن التذكرة ثمنها باهظ. ثمنها أن تعترفوا أولًا أنكم (عبيد) لأنماط استهلاكية، وأن حريتكم تبدأ من المخرطة والمجهر، لا من القصائد والخطب. في (السدرة)، نحن لا ننتظر المهدي ليخلصنا، نحن نجهز له الأرض لكي يجد جيشًا من العلماء والعمال، لا جيشًا من الدراويش والمتواكلين".

وقفنا جميعًا أمام هذا المشهد المهيب. مصانع تعزف سيمفونية الإنتاج، ومساجد تخرج علماء، وبشر يمشون على الأرض هونًا ولكنهم يملكون مفاتيح القوة.
شعرتُ أنا "عابر" بدوار خفيف. هل يمكن أن نتحول من "ظاهرة صوتية" إلى "قوة فعلية"؟ هل يمكن للخليج أن يزرع صحراءه بعقول أبنائه لا بمالهم فقط؟ وهل يمكن لمصر أن تعيد بناء الأهرامات ولكن هذه المرة أهرامات من تكنولوجيا وعدل؟ وهل ينهض العراق من رماده ليمسك القلم لا البندقية؟

همست سارة وهي تنظر ليدها الفارغة: "أريد أن أعمل.. أريد أن أصنع شيئًا.. أي شيء، حتى لو كان مسمارًا، أشعر أن صلاتي لن تُقبل إلا إذا كانت يدي خشنة من العمل".

نظر إلينا عمار نظرة أخيرة قبل أن يعود لعمله، وقال جملة ظلت تتردد في أذني كالجرس:
"تذكروا يا ضيوف (السدرة).. السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، والأرض لا تخرج كنوزها للكسالى. العبادة التي لا تجعلك حرًا عزيزًا في دنياك، لن تنفعك كثيرًا يوم يقوم الأشهاد، فالله عزيز لا يقبل إلا الأعزاء".

تركنا وغاص في زحام العمال، وبقينا نحن الثمانية، واقفين في وسط المدينة الفاضلة، ننظر إلى أيادينا الناعمة بخجل، وننظر إلى واقعنا العربي الممتد خلفنا كظل ثقيل، ندرك لأول مرة أن الطريق إلى الله يمر حتمًا عبر بوابة "العمل" و"القوة"، وأن كل طريق آخر هو مجرد دوران في حلقة مفرغة من التواكل والذل المقدس.

لم تنته الرواية، ولن تنتهي هنا.. لأننا ما زلنا واقفين في تلك الساحة، والحوار بداخلنا قد اشتعل للتو، نارًا ستحرق كل أوهامنا القديمة.. ولكن، هل نملك شجاعة البدء؟
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"