روايه بكاء السواقي | امرأة من عالم الجن
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

روايه بكاء السواقي | امرأة من عالم الجن

جاري التحميل...

بكاء السواقي

قطعت حديثه بضحكة خافتة تحمل مرارة الدنيا كلها ثم قالت باحتقار: – أنا؟ أنا لست الوحش هنا، بل أنتم.. أنتم الذين تظنون أن الأرض كُتبت بأسمائكم، أن كل شيء خلق لأجلكم تستخدمون كل ما حولكم، حتى أقرب الناس إليكم، لتحقيق رغباتكم. صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة خافتة : – أنا فقط امرأة ذاقت طعم الظلم وما أفعله ليس إلا عدالة والعدالة كما أراها تبدأ من محو أمثالكم. ما إن انهت جملتها حتى ارتفعت بجسدها كأنها لا تنتمي لقوانين هذا العالم بدت ضخمة أطول من الأشجار و أوسع من ظلها حتى كادت تحجب السماء عن عينيه. وقبل أن يصرخ أمسكته من قدميه بشدة ورفعته منهما ثم ألقته في وحل الترعة قفزت بعدها فوق ظهره ثم ضغطت على رأسه في الطين، وهو يصرخ ويتخبط، لكن لا أحد يسمع وبعد لحظات هدأ كل شيء. توقفت حركته وغاص جسده في السكون رفعت جسده بعدها كأنها ترفع كيسًا فارغًا، وألقت به خارج الترعة ذهبت وجلست بقربه ثم اراحت ظهرها فوق الأرض لتحدّق في السماء بهدوء غريب.

تحميل الفصول...
المؤلف

بعد  تلك الحادثة ظلت الحوادث تتوالى ولم تهدأ فالنداهة خلال تلك السنوات  استمرت تفعل ما تفعله حتى صارت أمرًا مألوفًا، لا تثير دهشة  ولا تستدعي 
سؤالاً.
لكن في ذلك النهار  كُسر كل ما هو مألوف. في ظُهيرة  اليوم المنشود  حين خيّم الهدوء على البلدة الصغيرة وغرق أهلها في قيلولةٍ هاربة من قيظ الشمس، كان هناك رجل واحد لا يستطيع النوم (صافي) 
كان يتحرك في فناء منزله ذهابًا وإيابًا، بينما ألم الجوع يعصر معدته، والهمّ يثقل رأسه لم تكن مشكلته في الغداء وحده، بل في شحّ الماء الذي بدأ يهدد محصوله. 
فوق قطعة أرض لا تتجاوز نصف فدان، زرع صافي ما تيسّر له من  فلفل،  خيار، باذنجان كل ما قد يضمن له بعض الدخل في السوق. ولذلك كان الريّ بالنسبة له مسألة حياة. 
عند نفاذ صبره خرج من بيته على عجل  يسحب البقرة العجوز من حبلٍ مربوط حول رقبتها. 
كان يرتدي سديري ممزق الأطراف، يظهر من تحته كلسون طويل مطاطه مرتخٍ حتى أوشك على السقوط، وعلى رأسه طاقية قطنية باهتة، تنزلق منها خصلة مبللة من العرق. 

ضرب البقرة بعصاه وهو يصرخ: 
_تحرّكي أيتها الكسولة، بطني تؤلمني وأريد إنهاء السقاية قبل أن تجف الترعة 
تابع جرّها  ساخطًا يلهث من الحرّ والغضب  وعيناه نحو الساقية التي لم تعد تسعفه كما في الماضي. 
وقبل ان يربط بقرته في الساقية سمع صوت أنثوي قادم من ناحية الترعة: _صافي.. أنقذني  يا أخي الماء يسحبُني .
( صافي) تجمد وهو يرفع عصاه التي كان يضرب بها البقرة: _من هناك؟ من يناديني؟ 
جاءه الرد سريعًا  بنبرة خافتة لكنها واضحة: _أنا فادية، شقيقتك أنقذني قبل أن أفقد أنفاسي. 
شهق صافي ثم  خلع سديريه بعصبية  ورمى عصاه على الأرض. لم ينتبه لكلسونِه المترهل حين بدأ ينزل وهو يركض ولسانه يصرخ: 
_أختي أنا قادم لا تخافي. 
ركض دون أن يشعر بقدميه، الطين يلتصق بعقبيه، والهواء يكاد لا يدخل إلى رئتيه. استمر يعدو حتى بلغ حافة الترعة حينها  توقف  ،كانت مياه الترعة ساكنة كأنها  تطلع فيها فلم يرَ سوى وجهه المرتبك،  نظر يمينًا ثم يسارًا  لكن لا شيء. 
صاح بصوت مرتعش: _فادية  أين أنتِ؟ أجيبيني، قلبي يكاد ينخلع من الخوف عليكِ؟؟ 
مرت لحظة سكون ثقيلة حتى اخترق السكون صوت ضحكة ناعمة، خفيفة، لكنّ شيئًا فيها جعل قلب (صافي) ينكمش تلاها صوت أنثوي، متحوّل مشحون بما يشبه السخرية:_قلبي ينفطر مما سأفعله بكّ يا صافي. 
( صافي)عيناه اتسعتا كأنهما تريان شيئًا لا يُصدَّق همس لنفسه وهو بالكاد يجد صوته: _ماذا فعلت؟ هل جئتُ لإنقاذ الندّاهة، لكنها لا تظهر في النهار.. 
تخبطت الأفكار في رأس صافي، كأنها طيور مذعورة اصطدمت بجدران عقله وراح يتلفّت بعينين زائغتين يحاول أن يميّز ما إذا كان يحلم أم لا. قلبه ينبض بقوة وركبتاه ترتجفان حتى بالكاد تحملانه. 
أأهرب؟ سأل نفسه لكن قدميه كانتا كجذور مغروسة في الطين،  حاول بصعوبة أن يلتفت فصدم بها خلفه تجمد الدم في عروقه حين رآها  اقتربت منه بخطى بطيئة وباردة حتى صار أنفاسها تمس وجهه أراد أن يُشيح بوجهه بعيدًا، لكن يدها امتدت فجأة وأمسكت وجنته بقوة  وأجبرته على النظر في عينيها. 
ابتسمت ابتسامة عريضة على نحو مشوّه، حتى بدت وجنتاها مقلوبتين ولسانها كأنما يتلوّى بين شفتيها كأفعى قالت: 
_صافي أما كنت تشتاق إلى أختك؟ لم أتوقع منك هذا الجفاء يا أخي تريد أن تهرب !! 
تابعت بنبرة باردة: 
_ لا يهم لأنني كنتُ حزينة ولكن بقتلك الآن سيفرح قلبي 
(صافي) وهو يلهث وعيناه لا تزالان تبحثان عن مخرج: – ولِمَ يُسعدك موتي؟ هل يُسعدك أن تؤلمي الآخرين؟ أنتِ  وحش . 
قطعت حديثه  بضحكة خافتة تحمل مرارة الدنيا كلها ثم قالت باحتقار: – أنا؟ أنا لست الوحش هنا، بل أنتم.. أنتم الذين تظنون أن الأرض كُتبت بأسمائكم، أن كل شيء خلق لأجلكم تستخدمون كل ما حولكم، حتى أقرب الناس إليكم، لتحقيق رغباتكم. 
صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة خافتة : – أنا فقط امرأة ذاقت طعم الظلم وما أفعله  ليس إلا عدالة والعدالة كما أراها تبدأ من محو أمثالكم. 
ما إن انهت جملتها حتى ارتفعت بجسدها كأنها لا تنتمي لقوانين هذا العالم بدت ضخمة أطول من الأشجار و أوسع من ظلها حتى كادت تحجب السماء عن عينيه. 
وقبل أن يصرخ أمسكته من قدميه بشدة ورفعته منهما ثم ألقته في وحل الترعة قفزت بعدها فوق ظهره ثم ضغطت  على رأسه في الطين، وهو يصرخ ويتخبط، لكن لا أحد يسمع وبعد لحظات هدأ كل شيء. توقفت حركته وغاص جسده في السكون رفعت جسده بعدها  كأنها ترفع كيسًا فارغًا، وألقت به خارج الترعة ذهبت وجلست بقربه  ثم اراحت ظهرها فوق الأرض لتحدّق في السماء بهدوء غريب. 
همست لنفسها: 
– لقد قتلتك لكني لا أشعر بالراحة بعد. 
مالت عليه ماسحةً وجهه من الطين بلطف لا يشبه قسوتها، كأنها تمسح وجه طفل نام دون أن يسمع حكاية ما قبل النوم. مررت أصابعها على صدره، تتحسسه ببطء ثم بدون مقدمات  قبضت على رأسه وانتزعته. 
حدّقت فيه لدقائق  بعينين لا تشي بالندم  ثم قفزت مرة اخرى في الترعة   لتغيب كما ظهرت كأنها لم تكن. 
لم يَعد أهالي القرية قادرين على الصمت بعد هذه الحادثة المأساوية التي زلزلت أركانهم  فقد تغير الوضع لأنها  بعد ان كانت تظهر في الليالي فقط اصبحت تظهر الآن في وضح النهار، متحدّية نواميس الطبيعة وسُلطان الخوف الذي طالما قيدها. 
لم يَعُدْ للغلق أبواب المنازل أو التخبّؤِ خلف الجدران أيُّ معنى فالخطر بات يُحيط بالجميع دون استثناء. 
ظلال الخوف ألقت بثقلها على القرية، فغدت القلوب مرتجفة والعيون لا تكلّ من الترقّب وكأن الجميع ينتظر النهاية.
**** 
في غرفة واسعة بأرضية خشبية باهتة جلس شيوخ القرية رؤوسهم مثقلة بالهمّ، وأفكارهم تتقاذفها الحيرة. 
كانوا يرتدون الجلابيب الريفية ولُفت العمائم البيضاء رؤوسهم، بينما ساد همس خافت بينهم فجأة انقطع الهمس بدخول الشيخ (عديل) رجل مختلف هيبةً وسكونًا وجهه أبيض صافٍ، عيناه مكحّلتان وشَعرُهُ الأبيض كأنّه تاجٌ من الحكمة يكلّل ذقنه الطويلة. 
جلس على كرسي خشبي في صدر الغرفة واستدار نحوهم ثم قال بصوتٍ جهوريّ غمره الثقة: _أهلًا بكم يا شيوخ بلدة العاقير، اجتمعنا اليوم لنواجه الحقيقة كما هي، لا كما نُريدها، النداهة لم تَعُدْ حكاية تُروى، بل صارت آفةً تنهش وجودنا أرضينا تذبل، أرواحنا تتآكل، وأطفالنا يُسلب منهم المستقبل أمام أعيننا. 
تأمل الشيوخ بعضهم البعض ليتابع: 
نحن اليوم لا نبحث عن شكاوى ولا نحيب، بل عن فعل يخلصنا جميعًا منها فهل أنتم مستعدّون للقتال من أجل حياتكم؟ 
تنهّد الشيخ (سعد):_لكن كيف نقاتلها؟ ألم نحاول من قبل؟ خرجنا مراتٍ عديدة، نُطاردها مع رجال القرية، فلم نعد إلا بالمآتم. في أول مرة عثرنا على جثث ثلاث شباب في مقتبل العمر، وفي الثانية سقط خمسة أما الثالثة فكانت الطامة  سبعة قتلى من بينهم ولدي نادر. 
اشتد صوته اكثر وهو يكمل: _يا عديل كلّما حاولنا الانتقام، حصدنا الحزن والغم ما نرجوه الآن ليس النصر ولا قتلها بل النجاة منها 
هزّ الشيخ (عديل)رأسه وقال بهدوءٍ أشد: _وهذا ما نرجوه جميعًا يا سعد لا قتال دون خطة  ولا حركة بلا بصيرة، هذه المرة لن نتحرك إلا بيقين وعلم، سنعرف كيف نُخرجها من جحرها ولن نرتاح  حتى نقضي عليها. 
تدخل الشيخ( محمد) وقال بنبرة جادّة :_عندي اقتراح.. 
سأل (عديل): _وما هو؟؟؟ 
(محمد) :_نُرسل وفدًا إلى حاكم مصر نُطلعه على ما يحدث لنا نحن جزءٌ من دولته، وقد خدمناه في عزّ أيامنا وصدّرنا له الكتان  وربطنا بلاد الشام بالحجاز فمن باب أولى أن يقف معنا الآن كما وقفنا معه سابقًا 
أومأ الشيخ (عديل)موافقًا: _كلامٌ سديد يا شيخ (محمد ) لكن  من نُرسل في هذه المهمة الشاقة؟ 
(محمد) _نحتاج رجلًا عاقلًا شجاعًا  فصيح اللسان، لا يهاب الموت، ولا يخشى الطريق الطويل ولا النوم تحت السماء فهذا الرجل سيكون رسولنا، وصوت قريتنا المذبوحة. 
رفع الشيخ (عديل) رأسه وسأل بصوت مهيب: _يا شيوخ العاقير الأفاضل من تَُراه يغدُ الصحاري مصقع القول في بيانه فارساً مغواراً في كيانه؟ من نأتمنه على حياتنا جميعًا؟ 
قال الشيخ (عبد الواحد):_يا شيخنا الجليل بيننا من تتوفر فيه كل تلك الصفات. 
(عديل) :_ من هو؟ 
(عبد الواحد) :_( زيدان العبسي) الرجل الذي لم يعرف الخوف يومًا، ولا خانته عزيمته. 
تفكّر (عديل) قليلاً ثم قال: أحسنت يا عبد الواحد( زيدان) فيه اجتمعت شجاعة السيف وحكمة العقل  ولا يُجمع ذلك إلا في الرجال العظام. 
التفت إلى الحضور وأردف :_فليرفع يده  مَن يُؤيد اختيار عبد الواحد ارتفعت الأيادي واحدة تلو الأخرى تؤيد حكمة عبد الواحد. 
(عديل): _لكننا نحتاج ثلاثة رجال آخرين، يُرافقونه ويساندونه. 
دار النقاش طويلًا حتى استقر الرأي على أربعة 
(زيدان العبسي) الفارس المغوار قائد الوفد 
(حمزة بن غارم) العارف بدروب الصحراء، ومرشد القوافل 
(لبيد بن عامر) التاجر الفصيح، والحكيم في المحافل 
(ليث البطّاح)  الحارس الصامت والمقاتل إذا جدّ الجدّ 
نهض الشيخ (عديل) بوقار وختم الاجتماع قائلًا:_ أرسلوا إلي من وقع عليهم الاختيار لنعرض عليهم المهمة. 
كان زيدان في ذلك الوقت يكدُّ في أرضه، يمسح جبينه المتصبب عرقًا، ويغرز فأسه في التراب بقوةٍ وهمّة، يحرت الأرض كما فعل آباؤه من قبل، فالمحاريث الحديثة لم تعرف طريقها إلى تلك البقعة بعد، وكان الاعتماد كلّه على الأيدي والسواعد. 
كان وجهه مائلًا إلى الحمرة، كأنما صُبغ بنار الشمس، يكسوه شيءٌ من الوسامة الريفية الخشنة، وعيناه كُحليّتان كفرشتين من ظلام الليل تحت سماء مرصّعة بالنجوم جسده من فرط ما اعتاده من جهدٍ وعرقٍ وتعب، بدا وكأنما خرج لتوه من صالة رياضية يرتدي كلسونًا بنّيًا، وسروالًا ضيّقًا قصيراً يظهر الكلسون من عند  اسفل الركبة وفانلة عليا مصفرّة من العرق. 
وهو منشغل في عمله سمع صوت شقيقته (نبيلة) تصرخ من جهة البيت التفت إليها بسرعة وقد جحظت عيناه. 
صرخ فيها من بعيد  بصوتٍ ممتزج بالضيق والاستغراب: – ما بكِ يا بهيمة؟! 
لكن صراخها ارتفع أكثر: – رضيعي.. طفلي..ابني. 
ركض اليها مسرعًا ولم يترك الفأس من يده حتى  توقف عندها  وهو  يقول مزمجراً:_ماذا حدث ؟ 
(نبيلة):_ كان معها فقالت ليس معي فهل هو معك أم معي. 
(زيدان) :_ قولي كلمة واحدة أعرف بها عمّ تتحدثين، استعجلي ما به الطفل؟ وإلا شققتُ رأسك بهذه الفأس. 
تلعثمت ثم نطقت وقد اختنق صوتها بالبكاء: – لا أجده، أعطيته لحماتي ثم ذهبت إليها لأسترجعه، فقالت إنها أعادته إليّ وأنا لا أتذكّر شيئًا! بحثت عنه في كل مكان فلم اجده والله لم أره. 
ثبت  زيدان في مكانه مذهولًا وكأن الأرض ابتلعته للحظة. رمى الفأس من يده وصرخ وقد تملّكه الغضب والخوف معًا: – هل أضعْتِ الطفل يا حمقاء؟! أقسم بالله إنني قلتُ لهم إنهم ظلموكِ حين زوّجوكِ، مثلكِ لا تصلح حتى لتنظيف روث البهائم. 
انطلق يعدو، يبحث ويقلب في كل ركن وزاوية، لحق به الفلّاحون يفتشون معه، بين أعواد القصب، وتحت الأشجار وخلف أكوام التبن. 
في حين كانت (نبيلة) لا تزال تصرخ وتبكي وتضرب صدرها إلى أن غاب الوعي عن عينيها. 
قفز الفلاحون في الترعة ظنًّا منهم أنّ الطفل قد سقط فيها. خاضوا المياه بجنون، ينقبون في الطين ويشقّون الضباب بأعين مذعورة. ولكن لا أحد وجده. 
خرج زيدان من الماء، يقلب الاحتمالات في رأسه، يحاول أن يعقل ما حدث سار بخطى متسارعة نحو أخته التي كانت تنتحب بعد أن فاقت من غيبوبتها وقال لها بخشونة: _اصمتي واخبريني بهدوء  ما الذي حدث؟ التفت الي عمته وحماة شقيقته في نفس الوقت وتابع :_ وأنتِ يا عمّتي كذلك 
قالت أخته من بين شهقاتها: 
_أعطيتُ ابني لحماتي حتى أنهي عمل المنزل وحين فرغت، ذهبت لأحضره قالت لي إنني أخذته منها بالفعل. 
ردّت العمة بثبات مُنهَك :_نعم لقد أخذته مني ثم عادت بعد قليل تسأل عنه، ولما أخبرتها أنها أخذته، صرخت في وجهي تُنكر وتتهمني. 
ثم أضافت وهي تضرب صدرها غضبًا :_إن أصاب حفيدي مكروه بسبب فعلتها، لن أسامحها أبدًا ولن أرضى إلا بطلاقها من ولدي. 
وضع زيدان يده على ذقنه ليفكر في حديثهم ليدخل بعدها  المنزل بخطًى مبللة، فتح باب غرفة نوم شقيقته  وبعينين يقظتين راح يبحث و يتنقّل بين أركان الغرفة حتى مدّ يده ورفع الناموسية عن السرير فوجد الطفل نائمًا في هدوء، كأن شيئًا لم يكن. 
ابتسم بسخريه ثم حمله بين ذراعيه  وخرج به من المنزل وما إن رأته أخته، حتى صاحت بفرح هستيري: _ابني حبيبي أين وجدته يا أخي؟ 
خطفته من بين يديه، وضمّته إلى صدرها تقبّله وتبكي كأنها عادت للحياة. 
( زيدان) بنبرة حادة :_وجدته على سريرك ألم يخطر ببالك أن تبحثي في الغرفة قبل أن تجعلي عاليها سافلها ؟ 
نظرت إليه ودموعها تهطل على خدّيها: _تذكرت لقد وضعته هناك بيدي ونسيت 
( زيدان) ساخراً :_الم أقل إنهم ظلموكِ حين زوجوكِ؟ ثم أضاف بنبرة أكثر جفافًا: ما لك تبكين الآن؟ لا تحزني، فأهل البلدة اعتادوا على أفعالك. 
ثم أشار بيده وقال: 
_احضري لي شيئًا أجفف به نفسي. 
ناولته الطفل   فمدّ يده يداعبه برفق، ثم اقترب منه وهمس في أذنه: _أعانك الله، وصبّرك على ما ابتُليتَ به، يا بني 
سمعته أخته فصاحت غاضبة: 
_ماذا تقول له؟ 
اخذ منها  قماشة بيضاء قد احضرتها له  ثم ناولها الطفل مجددا وأجاب وهو يستدير مبتعدًا :_لا شيء أوصيه ببرّ الوالدين. 
لمح زيدان من بعيد شخصًا يقترب نحوه :_كيف حالك يا زيدان؟ 
(زيدان) :_بخير يا سعد.. ما الأمر؟ 
(سعد) :_الشيخ عديل يطلب حضورك إلى مجلس الشيوخ حالًا. 
(زيدان) بقلق :_هل حدث شيء؟ 
(سعد) :وهو يخفض صوته :_غير مسموح لي أن أجيب، تعالَ معي وستعرف كل شيء. 
(زيدان) وهو ينظر إلى ملابسه المبللة بالماء والطين:_دعني أبدّل ثيابي أولًا، ألا ترى ما أنا فيه؟ 
( سعد ) بجدية :_إذن أسرع فالأمر لا يحتمل التأخير. 
(زيدان) سأسرع، ولكن اخبر كل من يبحث عن ابن اختي انني وجدته .

غاب زيدان دقائق قليلة، ثم خرج مسرعًا ولحق بسعد وما إن وصلا إلى بيت الشيخ عديل، حتى فوجئ  بجميع الرجال المختارين جالسين هناك، وأمامهم مجلس الشيوخ بكامل هيبته ووقاره. 
رحّب الشيخ (عديل) بالحاضرين بحرارة، ثم نهض وقال بصوت جهوري: 
_يا رجال العاقير، اجتمع شيوخ البلدة ليلة البارحة  وتشاورو مطوّلًا، ثم استقر الرأي على اختياركم أنتم الأربعة لحمل رسالة إلى حاكم مصر. 
ساد صمت مشحون  وراح الشيخ عديل يتنقّل بنظره بين الوجوه، يقيس وقع كلماته على ملامحهم ثم تابع: 
_هذه ليست مجرّد مهمة إنها أمانة  وربما الفرصة الأخيرة لإنقاذ قريتنا من لعنة النداهة، فأنتم أملنا في النجاة وكلنا ثقة في رجولتكم  ومن يرغب في تحمّل هذه المسؤولية فليُعلنها الآن، ومن لا يرغب، فليكن شجاعًا ويُصرّح برأيه، فلن نلومه. 
نظر الرجال الأربعة إلى بعضهم البعض وكأن بينهم اتفاق حتى وإن لم يعلموا به. 
(زيدان العبسي) أول من نطق بثبات: _يا شيخ  أتشرف بذلك  فالتضحية في سبيل نجاة قريتنا لا يُقارن وإن متُّ في الطريق، فذلك أشرف من أن أحيا وأرى أرضنا تُبتلع تحت ظلال الرعب. 
تلاه (حمزة بن غارم) :_الطريق محفوف بالمخاطر، لكنني وُلدت لذلك و سأذهب، ولن أعود إلا ومعي خلاص هذه البلدة. 
جاء دور لبيد :_لست مقاتلًا كرفاقي لكنني أجيد الحديث، والحكمة سلاحي سأتكلم وسأقنع وسأفعل ما بوسعي لنصل إلى مبتغانا. 
اتت الخاتمة لليث :_قاتلتُ إلى جوار إخوتي في أحلك الليالي، ولن أتركهم الآن أنا معهم حيًا أو محمولًا على الأكف. 
ابتسم الشيخ (عديل) ورفع يديه إلى السماء ثم قال بخشوع:_الحمد لله الذي رزقنا أمثالكم قراركم شرف لنا، وموافقتكم دليل إخلاصكم  أثبتم بها أن رجال العاقير لا يخافون الموت إن كان يتعلق الأمر بالأرض والعرض والكرامة. 
ثم أضاف بحزم:_نبدأ من الآن التحضير للمهمة أمامكم أيام قليلة لتجهزوا، نعم الطريق طويلًا ومخيفًا لكنه لا يخيف من يحمل في قلبه العزيمة مثلكم يا ابنائي 
وفي لحظة مهيبة رفع الشيوخ أيديهم بالدعاء، وانطلقت أصواتهم في المجلس: _اللهم احفظهم في طريقهم وسدّد خطاهم  واجعل النصر حليفهم. 
وبعد ثلاثة ايام  اجتمع أهل البلدة في الساحة يتابعون المصير الغامض الذي ينتظر أبناءهم المختارين كانت الشمس مشرقة، والسماء صافية، يقف في المنتصف أربعة خيول سوداء ضخمة  يشدون لجامهم المختارون 
استقام الشيخ عديل بهيبته المعهودة على منصة مرتفعة رفع يده يخاطب المختارين :_يا أبنائي هذه الخيول ليست مجرد وسيلة تنقلكم عبر الصحارى الشاسعة، بل هي رفقاء دربكم فاحرصوا عليها كما تحرصون على حياتكم..سيروا بحذر وعودوا بسلام. 
وما إن سكتت كلماته حتى اندفع رجل  أربعيني من الجهة الجنوبية  في ذقنه بعض الشعيرات ألبيضاء، وعيناه لونهما أخضر مائل للزُرقة، جسده متوسط البنية، لا هو بالنحيل ولا بالممتلئ يرتدي جلبابًا مهترئًا مرقعًا عند الكتفين والركبة، وقد لطخه الغبار وقف يلهث والعرق يتصبب من جبينه، بينما تتعلّق به أنظار الجمع. 
الشيخ (عديل) بدهشة :_ما الذي أتى بك يا مصطفى؟ هذا ليس مكانك. 
(مصطفى) :_جئتُ لأرحل مع المختارين إلى مصر. 
ازدرد الشيخ (عديل) غضبه وهو يرد بحزم :_مصطفى مجلس الشيوخ لم يخترك لهذه المهمة قرارات المجلس لا تُناقش ولا يُعترض عليها. 
(مصطفى) بغضب :_ أنتم تتحدثون عن الحق وتتركون الأحق وعدي لابنتي بثينة يمنحني كل الحق  سأذهب إلى مصر ولن يمنعني أحد حتى أنت. 
سكن الجمع بينما  تعلقت الأنظار بالشيخ عديل، الذي ابتسم بهدوء وقال: 
_مصطفى هل تدرك ما يعنيه التمرد على قرارات مجلس الشيوخ؟ العقاب معروف 
(مصطفى ) :_أعلمه جيدًا الموت لكني لا اخاف منه فقد رأيته مرارًا ولن أتراجع حتى لو كانت حياتي الثمن. 
رفع الشيخ عديل حاجبه قليلًا ثم التفت إلى أحد الرجال خلفه: _يا زهر أحضر مارق. 
لم تمضِ دقائق حتى عاد زهر يقود فرسًا أبيض فروه الكثيف يتطاير مع كل خطوة، وحجمه الضخم يجعله يبدو أسطوريًا وسط الخيول السوداء 
اقترب الشيخ عديل من مصطفى وقال :_هذه فرصتك الأخيرة لتُثبت أنك تستحق هذا الدور 
مد مصطفى يده نحو لجام الفرس، ولمعت عيناه بالامتنان والغضب معًا. (الشيخ  عديل) وهو يلوّح بيده نحو صندوق خشبي صغير وضع إلى جوار المنصة: _خذ من هذا الصندوق  زيّك الجديد مثل رفاقك. 
اتجه مصطفى ببطء نحو الصندوق، فتحه أمام أعين المئات، وخلع جلبابه المهترئ دون خجل، ليبقى بملابسه التحتية الفضفاضة، كشخص ولد من جديد، ثم اختار من الصندوق ثوبًا عتيق الطراز، كان من بقايا مقايضة قديمة مع أهل الشام عندما كانت البلدة تصدر الكتّان. قميص من نسيج كحلي، بأزرار نحاسية، وسروال قصير يصل لما تحت الركبة، وصدرية قماشية داكنة مطرزة مع وشاح أبيض يلف به خصره. 
ارتدى الثياب بخفة ووقار، وسط نظرات  تحمل الاحترام والرهبة، ثم صعد على ظهر مارق كأنما وُلد ليركبه استقام بجسده، واستدار نحو الشيخ قائلاً:_ثقتك في محلها وستعلم هذا قريبًا. 
على وقع الدعوات والأمل  انطلق المختارون الذين اصبحوا خمسة.. 
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"