حُكم يوسف - الفصل الأول
الفصل الأول
يوسف شاب في بداية العشرينات، كان يعيش حياة هادئة وعادية بين أهله، لا يطمح لأكثر من الاستقرار. لم يكن بطلاً، ولم يكن ضعيفًا… فقط شخص يحاول أن يمرّ بالحياة دون أن تصدمه. لكن القدر لم يمنحه هذا الخيار. سقوط واحد غيّر كل شيء. وجد نفسه في عالم لا يعرفه، بين وجوه لا يفهمها، في مكان لا يشبه أي شيء عرفه من قبل. الخوف كان أول ما شعر به… ثم الفضول… ثم الصراع. وفي وسط ذلك العالم الغريب، قابلها. الفتاة التي لم تكن مجرد حب عابر، بل كانت السبب الوحيد الذي جعله يشعر أن هذا المكان، رغم غرابته، قد يصبح وطنًا. لأول مرة، لم يكن يخاف من الموت… بل كان يخاف من الفقد..
عام 2025...
كنت قاعد في قصري، قصر الملك. اسندت راسي على الكرسي واخذت اسأل نفسي بعض اسألة وتجاوب عليا:
- إيه يا يوسف؟ مش هترجع لبلدك؟ وتمشي من المكان ده اللي إنت أصلًا متعرفش هو إيه، ولا تعرف جيت هنا إزاي؟ طب إيه اللي شدك ليه كده بعد ما عرفت طريق الرجوع اللي فضلت تدور عليه وقت كبير؟
يمكن علشان الناس دي اللي إنت ملزم إنك تحميهم من بعد ما ورطتهم في انقلاب من كل الممالك بعد ما كانت رمز للسلام؟ ولا علشان حبيت المكان ده؟ ولا علشان... ليارا؟
ليارا ! إنت بتقول إيه يا يوسف؟ ليارا إيه بس؟! لا لا، مش ممكن. انسَى الفكرة دي خالص... دا إنت من عالم وهي من عالم تاني... لا مينفعش."
فجأة لقيت الباب بيخبط، ولاقيت فايز دخل فجأة وهوا بيقول:
كارديزا أعلنت الحرب علينا. أخدت نفس عميق وخرجته،
وقلت في نبرة فيها طمأنة لفايز:
- ياه أخيراً، أنا استنيت الخبر دا بفارغ الصبر، تعالَ اقعد يا فايز. انا اصلا كنت عارف انهم هيعلنوا الحرب علينا.
فايز قال:
ازاي ، رديت:هبقا احكيلك بعدين،
بس قولي هل في حد متعاون معاها؟"
فكر لوهلة وقال:
- معرفش، هي الوحيدة اللي أصدرت القرار ده بس مش عارف في حد متعاون معاها ولا لا.
قلت وانا كلي حماس :
- طب جهز الجيش، وحط كل واحد في مكانه زي ما اتفقنا. وجهز صواريخ فيران، وجهز الوحدة الرابعة. وخرج لهم مفاجأتنا يا فايز، لازم ندمر كل قواعد الطائرات الي عندهم. بما إنهم جادين... فأنا جاد. ومش هسمحلهم يقربوا من المملكة مرة تانية زي ماعملوا في عهدي وخلوا الشعب في حالة من الخوف والقلق، مستنيين الصاروخ هينزل عليهم امتا.
هنحاصرهم من كل الجهات. واطلع قرار: كل السكان يلتزموا بيوتهم،وملاقيش حد خارج. وشغل صفارات الإنذار خليها تدوي في كل ارجاء المملكة.
نفذ... واسمع مني خبر تان.
هلموا إليّ.
❖ ❖ ❖
قبل عامين... عام 2023.
اسمي يوسف أيمن، عمري 24 سنة. عايش في محافظة الدقهلية مع والدي أيمن اللي عنده 55 سنة، ووالدتي.
أنا خريج كلية آثار، يعني بنقب عن آثار للدولة، وبزور معابد، وبشوف الويل... أيوه الويل.
أنا شغال مع مجموعة مكونة من 5 أفراد: أنا، وأحمد، ومحمد، وإبراهيم، وزياد. وكان شغلنا إننا نبحث عن آثار ومعابد بناها أجدادنا، وده ممكن يبقى في الصحراء، في الجبال، أو في أي مكان يقولوا لنا عليه حتي لو كان تحت بيتنا.
رحلة البحث دي بتاخد فترة طويلة، ممكن تاخد بعض شهور، وفي بعض الأوقات بتاخد سنة... أيوه سنة! سنة بعيد عن أمي وأبويا، ومع العلم إني ابنهم الوحيد. مش بقولك بشوف الويل؟! لا، ومش كده وبس... ده حتى القبض مش اللي بالك فيه... دول بينقطونا! آه، يلا ربنا يقدرنا ونخرج من الشغلانة دي على خير.
***
في يوم، كنت قاعد مع ماما وبابا، زي ما متعودين نقعد مع بعض بعد صلاة العشاء، نتفرج على التلفزيون ونتكلم في مواضيع مختلفة،عن الشغل وعن التعب الي بشوفة، ولازم كل قاعدة يتفتح فيها موضوع الزواج، امي كل مرة تقولي انا جايبالك عروسة وتذكرلي اسمها واسم ابوها واسم امها والتاريخ العائلي بتاعها، ولا كأنها هتجوز البنت للمخابرات، وانا ردي دايما علي الموضوع دا لسة بدري يماما علي الكلام دا لما اكون نفسي الاول هبقا افكر في الكلام دا. والقعدة مبتحلاش إلا بكوباية شاي من إيدي. اصل بيقولولي: إحنا مبنعرفش نشرب شاي إلا من إيدك يا يوسف. يا سلام.
في لحظة صمت، قلت لهم:
-افرضوا مثلًا... مثلًا يعني، رحت شغلي - طبعًا زي ما أنتم عارفين إني بغيب هتعملوا إيه لو ما رجعتش؟ أو اتأخرت لفترة طويلة جدا؟ قامت ماما قالت:
- بعد الشر يا يوسف! ليه بتقول كده بس يا ابني؟ قلت لها:
- ده أنا بفرض يا ماما... لو أنا مثلًا اختفيت، عاوز أعرف إيه رد فعلكم.
قالت لي:
- طب ما تعدش تقول كده. لأنها معتقدة إن لو قلت كده هيحصل. قام بابا قال بنبرة ضحك:
- هجيب توك توك، وهنده عليك، وأقول: يا ناس، حد شاف شاب أبيضاني، طويل، وليه علامة مميزة إنه يضحك من أقل حاجة؟ بس اعمل حسابك... لما نلاقيك، إنت اللي هتدفع أجرة التوك توك! قلت له: "أصيل يا حاج أيمن.
انت بتقول اي بس يا أيمن انت كمان بتقول كدا.
قال:
دا انا بضحك ياولية، وقلبناها ضحك.
وضحكنا، وخلاص...لحد ما الساعة جت 10، وده بيكون ميعاد نومنا.دخلت اوضتي، وزي ما أنا متعود، قرأت ورد القرآن بتاعي قبل ما أنام. وبعد ما خلصت، طفيت النور ونمت.
لقيت باب أوضتي بيخبط فجأة، وسمعت صوت ماما وهيا بتقولي:
قوم يا يوسف، زميلك في الشغل مستنيك بره.
بصيت للساعة، لاقيتها 2 وربع. استغربت وقلت:
هو إيه اللي جابه في الوقت المتاخر دا؟
قمت وضبت نفسي وخرجت له. لقيت زميلي زياد، اللي ساكن في نفس قريتي، كان لابس شنطتة علي ظهرة عرفت من مظهره انه جاي علي شغل. قلت له:
خير يا زياد؟ أوعي يا زياد تقول شغل... أوعي؟ جاوب وهو بيضحك:
أيوة. قلت له:
شغل إي احنا ملحقناش نأخذ اجازتنا وكمان شغل اي في الوقت ده.؟
قال: لقيت محمود بيتصل عليا وبيقولي: جالنا شغل يا زياد.
جالهم بلاغ إن في آثار في الصحراء الغربية وهما طبعا ما صدقوا يبعتونا نروح ننقب عنها والمشكلة إنهم عاوزينا نروح دلوقتي! قلت له:
دلوقتي يا زياد؟!
قال وهوا بيضحك: آه.
اتنهدت، وبعدها قلت له:اضحك ياخويا براحتك بس متجيش في نص الشغل وتقول انا تعبت وخلاص معنتش قادر، وانا هسيب الشغل دا والكلام دا.
قال :انا بقول كدا؟ عمرها ما حصلت.
رديت وانا بحاول اكتم الضحكة :
طبعا، ثم اكملت طب نصلي الفجر طيب ونروح؟
سكت لحظة وقال:
ماشي. دخلت أقول لماما وبابا، قالولي:هتمشي دلوقتي يا يوسف؟ قلت لهم: "آه، أعمل إيه بقى. طب ما تعرفش تمشي الصبح؟ قلت لهم: ده أنا أقنعته نصلي الفجر ونمشي بصعوبة.
صلينا الفجر جماعة، وجاء وقت الذهاب. حضرت حاجتي، وطبعًا زياد كان جاهز. رحنا ووقفنا قدام البيت، وحضنت ماما وبابا، بس كان جوايا إحساس أول مرة أحسه... حاجة بين الخوف والشوق.
قلبي بيخفق بشدة، ودمعتي ساخنة، لكن كبتها عشان ما أوجعش قلبهم.
قلت لهم: خلي بالكوا من نفسكم... إن شاء الله مش هتأخر.
وكان الوداع حار... أول مرة أحسه، ومع هواء الفجر البارد اللي بيلمس خدنا، واللي بيخلي الجو لو مفيهوش عياط... يبقى فيه عياط.
أول مرة أبكي وأنا ماشي.
لاقيت زياد بيقلي:
يلا يا يوسف... إنت محسسني إن ده الحضن الأخير. وقلبناها ضحك.
وقالولي: خد بالك من نفسك.
وخرجت، وبعد ما مشيت شوية، بصيت ورايا لقيت ماما وبابا لسه واقفين.
قمت شاورت لهم، وشاورولي... وبعدها كملنا طريقنا.
يتبع.....
