رمال الذئب المفقود - الفصل الأول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

رمال الذئب المفقود - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الاول

البداية

تحميل الفصول...
المؤلف

العواء ما كان برا الشباك هالمرة.  


كان جواتي، عم يهزّ قلبي زي ما يكون حيوان محبوس عم يحاول يطلع.
فتحت عيوني مرعوبة، العرق بارد على رقبتي والوسادة مبللة. الغرفة ظلمة غير ضو الشاشة اللي ناسياها شغالة على الطاولة. الساعة ٣:٤٧. الرياض نايمة برا، بس أنا جواتي عاصفة.


الحلم لسا ملتصق فيي زي ريحة دخان بخور قديم.  


كنت واقفة وسط رمال ما بتنتهي، الشمس حارقة فوق راسي، بس الرمال تحت رجليّ كانت دافية، حامية، زي ما تكون لسا تحتفظ بحرارة النهار كلو. الريح جاية من كل جهة، عم تضرب وجهي وتدخل عيوني فتحرق. حبيبات الرمل الصغيرة عم تلزق على بشرتي، تدخل بفمي، طعمها مالح ومعدني.


وبعدين سمعتو.  


العواء. مش بعيد. قريب جدًا. تحتي، فوقي، جواتي. صوت منخفض، حزين، بس فيه قوة تخلّي الجسم يرجف. رفعت راسي، شفت ظل طويل واقف على كثبان الرمل، بعيد شوي، بس عيونو واضحة: رمادية، لامعة زي فضة تحت ضو القمر. مش عيون إنسان. عيون ذئب.  


حاولت أرجع خطوة، بس رجليّ غرزت بالرمل. الرمال بدأت تتحرك تحتي، زي لو كانت حية، عم تسحبني لتحت. القلادة على صدري صارت ثقيلة فجأة، حامية، عم تحرق جلدي. حاولت أشيلها، بس أصابعي ما قدرت. الألم انتشر بصدري، زي سياط نار عم تضرب من جوا.


"يا ليان... لا تقربي من الرمال."  


صوت جدتي جاء فجأة، واضح، زي لو كانت واقفة جنبي.  


"الذئب اللي فيها مش زي اللي بالقصص. هو بيسرق الروح، وبيخلّيكِ تنسي مين إنتِ."


جدتي أم يوسف، كانت دايمًا تحكي قصص غريبة وهي قاعدة على كرسيها الهزاز في البيت القديم بدمشق قبل ما ننتقل. كانت تحط القلادة بإيدي الصغيرة وتقول:  


"هي مش مجرد حلقة فضة يا بنتي. هي مفتاح... ومفتاح خطير. إذا حسيتي بحرارتها، معناتو الرمال عم تناديكِ. ووقتها لازم تهربي."


بس جدتي ما هربت. راحت وهي ماسكة الخريطة بإيديها، وخلّفتلي إياها مع كلمة واحدة مكتوبة على الظرف: "احذري".


الظل اللي على الكثبان تحرك. خطا خطوة نحوي. الرمال تحت رجليه ما تحركت، زي لو الأرض خايفة منو. العيون الرمادية ثبتت عليّ، وفجأة حسيت بشيء يربطنا: خيط نار من صدري لصدره. الألم زاد، قلبي دق بقوة، والعواء صار داخل راسي، مش برا.


صحيت مفزوعة، ويدي على القلادة. لسا دافية، زي لو الحلم ما خلص.
نهضت، رجلي مرتجفة. مشيت للمطبخ، شغلت اللمبة الخافتة. الخريطة مفتوحة على الطاولة زي كل ليلة. خطوط الحبر البني الباهت، الرمز بالزاوية: ذئب يعوي تحت هلال، محاط بدواير من الرمال.
فتحت الثلاجة، شربت موية باردة، بس الريحة ما راحت. ريحة رمل حار، مالح، مختلط بريحة دم قديم. جلست، حدقت بالخريطة. النقطة واضحة: قلب الربع الخالي. وتحتها كلمة صغيرة: "ظل".
ظل.  
الكلمة عم تتراقص قدام عيوني.
لمست القلادة تاني. هالمرة الوخز كان أقوى، زي كهربا تمشي بالذراع. قلبي دق بسرعة غير طبيعية. وفجأة... سمعتو مرة ثانية.  
عواء.  
مش بالحلم. حقيقي. جاي من برا الشباك.
قمت بسرعة، مشيت للشباك. الشارع ساكت، مصابيح الشوارع صفرا باهتة. ما في شي. بس الريح اللي دخلت حملت معاها حبيبات رمل دقيقة، سقطت على الأرض زي غبار ذهبي.
نظرت لساعة الهاتف: ٣:٥٩.  
قررت فجأة، بدون ما أفكر أكتر.
"بكرا بروح."
فتحت الموبايل حجزت سيارة دفع رباعي وغرفة على أطراف الرياض. كل ضغطة كانت تخلي قلبي يدق أسرع، زي لو عم أوقّع ورقة ما فيها رجعة.
لما خلصت، قمت أقفل الشباك. بس قبل ما أسحب الستارة، شفت انعكاسي بالزجاج.  
عيوني... لثانية، صارت رمادية، لامعة زي عيون الظل بالحلم.
غمضت عيوني بقوة، فتحتهم. عادي. بني داكن.  
بس الرعشة بايدي ما راحت.  
والريحة... ريحة الرمال... صارت جزء من جلدي.
ورا الزجاج، بعيد جدًا بين مباني المدينة، شفت شيء يتحرك ظل طويل، واقف، عم يراقبني.
ما كان حلم.  
كان بداية.
الشمس طلعت متأخرة اليوم، زي لو كانت مترددة تشوف شو رح يصير.  
من الساعة ٦ الصبح وأنا خارجة من الرياض. السيارة الدفع الرباعي سودا، ثقيلة، ريحتها جديدة ومختلطة بريحة المطاط والجلد. حجزتها أونلاين بدون ما أفكر كتير، بس لما شفتها واقفة قدام البناية، حسيت إنها أكبر مني، زي لو كانت بتعرف إن الطريق مش مجرد رحلة.


دخلت الطريق السريع ٤٠ جنوبًا. في البداية كان كل شيء عادي سيارات تمر بسرعة، لوحات إعلانات، محطات وقود مزدحمة، ريحة قهوة وخبز من المطاعم الجانبية. شغلت الراديو، أغنية قديمة لفيروز عم تغني "بكتب اسمك يا حبيبي"، ضحكت ساخرة من نفسي. "حبيبي؟ أنا رايحة ألاقي شبح بالرمال، مش حبيب."


بس بعد ساعة، المدينة بدأت تختفي. المباني صارت أقل، الإسفلت أوسع، والرمال بدأت تطلع على الجوانب زي موج بطيء عم يقرب من الطريق. السماء صارت أكبر، زرقا فاتحة بدون غيوم، والشمس عم تحرق كل شيء تحتها.


فتحت الشباك شوي. الهوا جاف، حار، يدخل الحلق زي دخان. القلادة على صدري دافية من الصبح، مش حامية زي بالليل، بس موجودة دايمًا، زي نبض إضافي تحت جلدي. لمستها مرة، حسيت بوخز خفيف في أطراف أصابعي. سحبت إيدي بسرعة، كأني خايفة إنها تحرقني.


"شو عم أعمل يا ليان؟"  
سألت نفسي بصوت منخفض، والكلمات راحت مع الريح.


جدتي أم يوسف كانت دايمًا تقول إن الرمال بتختار مين يدخلها. "مش كل واحد بيقدر يرجع يا بنتي. اللي بيروح، لازم يكون جاهز يدفع ثمن."  
ثمن شو؟ ما قالت. بس عيونها كانت تخاف، حتى لما كانت تحكي القصص بضحكة. تذكرت ليلة من الليالي القديمة في دمشق، قبل ما ننتقل. كانت قاعدة على كرسيها الهزاز، ماسكة فنجان قهوة، والقلادة معلقة على رقبتها.  
"هالقلادة مش هدية يا ليان. هي وصية. إذا حسيتي بحرارتها، معناتو الرمال عم تناديكِ. ووقتها... لازم تهربي."  
بس هي ما هربت. راحت وهي ماسكة الخريطة بإيديها، وخلّفتلي إياها مع كلمة واحدة: "احذري".


الطريق بدأ يضيق. الإسفلت انتهى فجأة، صار ترابي، بعدين رملي. العجلات بدأت تغوص شوي، السيارة ترتج. شغلت الدفع الرباعي، بس حسيت إن الرمال عم تتحرك تحتي، زي لو كانت بتحاول تسحبني لتحت. السرعة نقصت، صارت ٤٠-٥٠ كم/ساعة، والغبار يطلع ورايي زي دخان أبيض.


وقفت مرة عند محطة وقود صغيرة على أطراف حفر الباطن. الرجل اللي ورا الكاشير لحيته بيضا ووجهه محروق من الشمس، نظرلي بنظرة غريبة لما طلبت خريطة ورقية.  
بتعرفي وين رايحة يا بنت؟ الربع الخالي مش مكان للبنات لوحدها."  
"مش لوحدي." كذبت بدون ما أفكر. "مع أصحاب."  
ما صدقني، بس ما علّق. أخدت الخريطة، دفعت، ورجعت للسيارة.


فتحت الخريطة على الكرسي الجانبي. النقطة واضحة بعد النفود الكبير، لازم أترك الطريق الرئيسي وأمشي جنوب شرقي باتجاه منطقة ما فيها إشارة GPS ظل مكتوبة تحتها بخط صغير، زي سر مخفي.


مشيت ساعات. الشمس صارت في الوسط، حارقة. شغلت المكيف، بس الهوا اللي طلع كان ساخن. العرق نزل على جبهتي، دخل عيوني. شربت موية من الزجاجة، بس الطعم كان غريب، زي لو مختلط بريحة رمل.


في راسي، أفكار عم تتصارع.  
"ليش عم أعمل هيك؟ أنا مهندسة معمارية، مش مغامرة. كان ممكن أرمي الخريطة وأرجع لحياتي الطبيعية شغل، أصحاب، قهوة الصبح
بس كل ما أفكر أرجع، القلادة تحرق صدري شوي، زي تحذير.  
"وإذا ما رحت؟ إذا كان في شيء فعلاً؟ إذا كانت جدتي محقة؟"  
الفضول أقوى من الخوف. دايمًا كان هيك. من صغري، كنت أحب أحل الألغاز، أرسم تصاميم معقدة، أبحث عن توازن في كل شيء. بس هالمرة... اللغز مش ورق وقلم. هو حي، وعم يناديني.


فجأة، حسيت بشيء.  
ألم حاد في صدري، زي سيخ سخن عم يدخل من الوسط. السيارة كادت تخرج عن السيطرة، ضغطت على الفرامل بقوة. وقفت في وسط اللا شيء. الرمال حواليي دوامة خفيفة، الشمس عم تغرب، والسماء صارت برتقالية غامقة، مختلطة بحمرة دموية.


نزلت من السيارة، رجلي غرزت بالرمل الدافي. الهوا جات فجأة، قوية، حملت رمل ناعم على وجهي، دخل شعري، عيوني. غمضت عيوني، بس الألم ما راح. بالعكس، زاد. كأن في خيط نار رفيع عم يربط صدري بشيء بعيد جدًا، وكل خطوة أقرب... يشد أكتر.


وبعدين سمعتو.  
عواء.  
مش بعيد. قريب جدًا.  


فتحت عيوني ببطء. في الأفق، على كثيب رملي عالي، واقف ظل طويل رجل؟ ذئب؟ ما قدرت أميز من هون. بس عيونه... رمادية، لامعة زي فضة تحت ضو الغروب. مثبتة عليّ مباشرة.


الألم صار أقوى، زي لو قلبي عم يتقسم نصين. خطوت خطوة لقدام، بدون ما أفكر. الرمال تحت رجلي تحركت، زي لو كانت بتساعدني أو بتحذرني في نفس الوقت.


الظل تحرك. مش نحوي... بل بعيد شوي، زي لو كان عم يتراجع. بس العيون ما انفكت عني حسيت إنه بيشوفني أكتر مما أشوفه.


وقفت مكاني، الريح عم تصفر حواليي، تحمل ريحة رمل حار وشيء تاني... ريحة معدن محروق، أو دم قديم.


"مين إنت؟"  
سألت بصوت مخنوق، بس الريح أخدت الكلمات بعيد.


ما رد.  
بس داخلي، سمعت إجابة واضحة، زي همس في راسي:  
"الشخص اللي ما كان لازم تلاقيه... واللي ما رح تقدري تهربي منو."


والألم... صار جزء من نبضي.  
ما عدت أعرف إذا كان خوف... أو شيء تاني أخطر.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"