خوفاً من نبضة | الفصل الخامس
الفصل الخامس
.........
بمجرد عبور البوابة الضخمة، شعرت غيم بقشعريرة لذيذة؛ رائحة الحجر الرطب والتاريخ المعتّق كانت بالنسبة لها أهم من أغلى عطر في باريس. أما زينة، فكانت تمشي وكأنها تسير على حبل مشدود، تلتفت يميناً ويساراً خشية أن تخرج غيم عن السيطرة.
المواجهة العظمى.. "غيم" في عرين الدكتور فوزي
في نهاية الممر العريض، خلف مكتب خشبي ضخم ينوء تحت ثقل المجلدات، كان يجلس الدكتور فوزي. رجل في الستين من عمره، يرتدي نظارة طبية سميكة جداً تجعل عينيه تبدوان كحبتي زيتون عملاقتين، وملامحه توحي بأنه لم يبتسم منذ العصر البرونزي.
تقدمت زينة بخطوات واثقة، ووضعت حقيبتها برقة على طرف المكتب.
* زينة (بصوت مخملي): "دكتور فوزي، أنا المصممة زينة، وهذا الموعد بخصوص عرض الأزياء التاريخي الذي ناقشناه في الوزارة."
* الدكتور فوزي (دون أن يرفع رأسه): "أهلاً آنسة زينة. الوزارة أعطت موافقة مبدئية، لكنني أنا المسؤول عن حماية هذا الحجر. القلعة ليست 'منصة' لعرض الفساتين، القلعة هي..."
لم يكمل جملته، لأن غيم كانت قد انبطحت أرضاً في زاوية الغرفة، وبدأت تتفحص قاعدة عمود أثري بعدستها المكبرة التي أخرجتها فجأة من جيبها!
* غيم (بصوت عالٍ): "يا إلهي! دكتور، هل تلاحظ هذا التآكل في الملاط بين الحجرين؟ هذا ليس رطوبة عادية، هذا 'فطر ملحي' من النوع النادر! إذا لم يُعالج فوراً، سنفقد الزاوية الجنوبية في غضون عامين!"
رفع الدكتور فوزي نظارته، ونظر إلى غيم الملقاة على الأرض بذهول.
* الدكتور فوزي: "من هذه؟ هل هي عاملة نظافة أم أنها فقدت شيئاً؟"
* زينة (بابتسامة صفراء وهي تقرص غيم في ذراعها): "دكتور، هذه غيم.. شريكتي، وهي خبيرة ترميم دولية.. نوعاً ما."
* غيم (تقف وتنفض الغبار عن ملابسها بهبل): "أهلاً دكتور فوزي! تشرفتُ بك. دعك من 'دولية' والآن لنركز في 'المحلية'. أنت لا تريد عرض أزياء هنا لأنك تخاف على الحجر من الكعوب العالية والضجيج، صح؟"
صمت الدكتور فوزي قليلاً، ثم هز رأسه بإعجاب خفي بذكاء غيم.
* الدكتور فوزي: "بالضبط. الحجر يتنفس، والزحام يخنقه."
* غيم (تقترب من المكتب وتتحدث بحماس): "اسمع يا دكتور، عرض زينة ليس مجرد أزياء. نحن سنستخدم 'مطاطاً' خاصاً تحت أرجل الكراسي لمنع الاحتكاك، وسأقوم أنا شخصياً بوضع مادة (شمعية) عازلة ومؤقتة فوق الممرات التي سيمشي عليها العارضات. وفوق كل هذا.. زينة ستتبرع بجزء من ريع العرض لترميم ذلك 'الفطر الملحي' الذي اكتشفتهُ الآن."
فتحت زينة عينيها بذهول؛ فهي لم تكن تنوي التبرع بشيء، لكن "دهاء" غيم وضعها أمام الأمر الواقع.
* زينة (تتدخل بسرعة): "طبعاً دكتور! هدفنا هو تسليط الضوء على جمال القلعة وحمايتها."
* الدكتور فوزي (بدأت أساريره تنفرج): "كلام منطقي.. لكن ماذا عن الإضاءة؟ الأسلاك؟"
* غيم: "سأستخدم كابلات مغطاة بكتان طبيعي ليشبه لون الحجر، ولن نثقب مسماراً واحداً. سأربط كل شيء بـ (عقد) يدوية كما كان يفعل أسلافنا. ثق بي دكتور، أنا أعرف كيف أتكلم مع الحجر، وجدي (أبو غانم) علمني أن القلعة لا تُخان."
بعد أخذ ورد، وتفقد غيم لكل ركن في الغرفة وتعليقها على "الغبار" فوق المجلدات، تنهد الدكتور فوزي ووقع على التصريح.
* الدكتور فوزي: "ماشي يا آنسة غيم.. سأعطيكم أسبوعاً للتجهيز. لكن قسماً بالله، إذا رأيتُ خدشاً واحداً في الحجر، سأقوم بـ 'ترميم' رأسكِ وإدخالكِ في السجن!"
خرجت زينة وغيم إلى ساحة القلعة الكبيرة. زينة كانت تتنفس الصعداء، وغيم كانت ترقص حول الأعمدة.
* زينة: "غيم! أنتِ عبقرية ومجنونة! كيف خطرت لكِ قصة الفطر الملحي؟"
* غيم (بضحكة هبلة): "في الحقيقة.. لم يكن فطراً ملحياً، كانت مجرد 'بقعة لبنة' سقطت من سندويشتي وأنا أفحص العمود! لكنها أدت الغرض، أليس كذلك؟"
* زينة (تصرخ): "بقعة لبنة؟ يا ويلي منكِ يا غيم! لو عرف الدكتور فوزي لشنقنا على باب القلعة!"
ضحكت الصديقتان بملء فيهما، وبدأتا برسم خريطة المنصة على الأرض بالحصى، بينما كانت الشمس تشرق فوق قلعة دمشق، معلنةً بدء أسبوع من "الجنون الفني" الذي سيجمع بين فخامة الحرير وصلابة الحجر.
في صباح اليوم التالي، تحولت ساحة القلعة إلى خلية نحل. بدأت الشاحنات الضخمة تدخل بحذر شديد. غيم كانت ترتدي ثياب الشغل، وشعرها مربوط بإهمال، وتضع "خوذة" الأمان.
غيم يا شباب! اللي بيمسك حجر يمسكه كأنه عم يمسك طفل صغير! هي القطع الخشبية لازم تتغلف بـ (لباد) سميك قبل ما تلامس القنطرة. ما بدي خدش واحد.. مفهوم؟"
كانت تتحرك في كل زاوية، تتسلق السقالات، تفحص قوة الروابط، وتراقب زوايا الإضاءة. لم تكن تسمح لأي "برغي" أن يقترب من ثنايا الحجر الأثري. كانت القلعة في تلك اللحظات تعيش حالة مخاض؛ مزيج عجيب بين غبار الترميم وبين أناقة الأقمشة التي بدأت تصل في صناديق مخملية.
في إحدى الزوايا المظلمة، كانت غيم تحاول معالجة تصدع مفاجئ ظهر أثناء تركيب المنصة. لم تكن تستخدم الاسمنت الحديث، بل كانت تصر على استخدام "الخلطة التقليدية" (كلس ورمل وفخار مطحون) لضمان أن الحجر يتنفس. كانت تعمل بيدها، تلطخت ثيابها ووجهها بالرماد الأبيض، لكن ابتسامتها كانت تتسع كلما رأت القلعة تزداد جمالاً تحت الأضواء التجريبية.
كانت القلعة تستعد لتكون "نجمة" الحفل، وغيم كانت المايسترو الذي يقود هذا الأوركسترا الصخرية بصمت وإتقان، متجاهلةً كل التعب، ومنتظرةً اللحظة التي سيفتح فيها الستار ليرى العالم عظمة دمشق.
بدأت قلعة دمشق تتحول إلى خلية نحل حقيقية؛ صراخ "زينة" وهي توجه الإضاءة لترسم ظلالاً درامية على الحجر القديم، وحركة العمال المستمرة. كانت غيم تشعر بأن ضجيج العصر الحديث يخدش هيبة الحجر، فحملت مخططاتها وانسلت نحو "الدهليز الغربي"، زاوية مهجورة لم تصلها أضواء العرض بعد، تبحث عن لحظة صدق مع القلعة.
توقفت غيم فجأة حين لمحت ظلاً طويلاً يمتد على الأرضية الحجرية الباردة. اختبأت خلف نتوء صخري ضخم وحبست أنفاسها. هناك، في تلك الزاوية الفارغة، كان يقف رجلٌ غريب، فارع الطول، منكباه العريضان يسدان الممر، يرتدي قميصاً أسوداً مشدوداً يعكس صرامة لا تلين. وأمامه، كانت تقف فتاة رقيقة بملابس فاخرة، ودموعها تنهمر بصمت يمزق القلب.
سمعت غيم صوت الغريب الرخيم، الذي خرج من حنجرته بهدوء مخيف، كأنه يقرأ حكماً بالإعدام:
الغريب: لقد كنتُ واضحاً منذ اللحظة التي أمسكتِ فيها بالقلم. في العقد الذي وقعتِ عليه، هناك بندٌ لا يقبل الجدال: لا أريد أحداً أن يطالبني بحبه، ولا أنتظر من أحد أن يهتم بتفاصيلي، ولا أسمح لأي كان أن يلاحقني بأسئلة عن يومي أو مشاعري."
* الفتاة (بشهقة مرتجفة): "أنا إنسانة . لستُ مجرد 'بند' في ورقة!"
* الغريب (بحدة معدنية): "في عالمي، أنتِ بالضبط ما يمليه الورق. الاهتمام 'ضجيج' لا أحتاجه، وكلمات الحب 'وهم' لا أملكه. جففي دموعكِ واذهبي للسيارة، أمامكِ خمس دقائق وإلا اعتُبرتِ خارج حياتي ومملكتي."
رحلت الفتاة وهي تغطي وجهها بيديها بمرارة. ساد صمت مطبق. انتظر الغريب لحظة، ثم دون أن يلتفت، قال بنبرة قطعت حبال الصمت:
* الغريب: "اللي متخبي ورا العمود.. يطلع. كفاك تمثيلاً لدور القطة الفضولية."
خرجت غيم وهي تضحك بهبلها العفوي، تنفض غبار القلعة عن قميصها وتعدل نظاراتها.
* غيم: "والله يا سيد، كنت مارقة من هون بالغلط عم دور على شقوق بالحيط، بس شكلي لقيت حالي بنص 'محاكمة عسكرية'! مو حرام تزعل الصبية هيك؟ ليش عم تعاملها كأنها برغي بآلة؟"
الغريب ينظر إليها ببرود معدني"ما لا يعنيكِ لا تسألي عنه. العالم لا يُدار بالعواطف يا آنسة."
أعطاها الغريب ظهره وبدأ بالمشي مبتعداً بخطوات واثقة ومنتظمة، وكأنه ينهي وجودها من المكان. كانت غيم واقفة، شاردة الذهن، فجأة لمعت فكرة مجنونة في رأسها، فكرة لا تخطر إلا على بال "غيم".
* غيم (تصرخ بصوت عالٍ): "يا سيد القميص الأسود!"
توقف مكانه. التفت ببطء شديد، وكانت ملامحه تعبر عن صدمة مكتومة؛ لم يجرؤ أحد من قبل على مناداته بهذا الأسلوب.
* أركان (بدهشة باردة): "نعم؟"
* غيم (تتقدم نحوه بثقة غريبة): "أنا مستعدة وقع العقد بيني وبينك!"
تجمد أركان في مكانه. رمقها بنظرة فاحصة، من أعلى رأسها حتى حذائها المليء بالغبار.
* أركان (بصوت منخفض): "عفواً؟"
* غيم (بإصرار وعينين لامعتين): "بدي وقع عقد بيني وبينك. سمعتك شو قلت للصبية.. وأنا موافقة!"
* أركان (ينظر إليها بملل واحتقار خفيف): "أنتِ هبلة شي؟ روحي يا بابا من هون، العبي بعيد."
* غيم (تقاطعه بقوة، وتقف أمامه مباشرة): "أنا ماني هبلة! أنا عم قلك موافقة. موافقة ما طالبك تحبني، ولا بدي منك كلمة حب، ولا بدي تسألني عن يومي، ولا بدي منك ذرة اهتمام. أنا موافقة على كل شروطك 'الصفرية'.. شو قلت؟"
ساد صمت ذهولي في الممر. ظل أركان يحدق في وجه غيم الفوضوي، محاولاً العثور على أثر للمزاح أو الخوف، لكنه لم يجد
لم ينطق بكلمة واحدة. نظر أركان إلى غيم نظرة مطولة، نظرة باردة وخالية من أي تعبير، وكأنه يزن جنونها في ميزان خاص به. لم يستهزئ، لم يغضب، ولم يعطِ أي رد فعل. التف ببطء ومشى بخطواته الرزينة، تاركاً إياها واقفة في وسط الممر المظلم بصحبة صدى كلماتها الجريئة. انسحب تماماً من المكان، وكأنه لم يكن موجوداً، تاركاً خلفه فراغاً غريباً ورائحة عطر خشبية عميقة بدأت تتلاشى مع نسمات الهواء الباردة في القلعة.
بعد ساعات، تبدلت ملامح القلعة تماماً. اختفت ورش العمل، وحلّت مكانها الموسيقى "التكنو-أوبرالية" التي اختارتها زينة لتدمج بين صخب العصر وعراقة الماضي. الإضاءة المسلطة على الحجر الأثري كانت تتدرج بين الأرجواني الملكي والذهبي الخافت، مما جعل القلعة تبدو كأنها تستيقظ من نوم طويل لترتدي أبهى حلتها.
بدأ العرض، وحبست الأنفاس. خرجت العارضات بخطوات متزنة فوق المنصة الخشبية التي أشرفت غيم على كل تفصيلة فيها لضمان سلامة الحجر. كانت الفساتين مزيجاً مذهلاً بين الحرير الدمشقي "البروكار" الأصيل، وبين القصات العصرية الجريئة.
* زينة: كانت خلف الكواليس كالقائد العسكري، تضبط إيقاع الحركة، وعيناها تلمعان بدموع النجاح وهي ترى تصاميمها تتمايل تحت قناطر القلعة.
* غيم: كانت تراقب من زاوية بعيدة، مختبئة خلف أحد الأعمدة، ترتدي وشاحها البنفسجي وتراقب ردود أفعال الناس. كانت تشعر بفخر لا يوصف وهي ترى أن حجارة القلعة لم تخدش، بل بدت وكأنها تعانق العارضات.
طوال فترة العرض، جالت عينا غيم بين الحضور بفضول مكتوم. بحثت عن ذلك القميص الأسود، عن تلك النظرة الحادة، لكن المقاعد المخصصة لكبار الشخصيات كانت مليئة بوجوه غريبة عنها؛ رجال أعمال، صحفيين، ومصممي أزياء. الرجل الغريب الذي عرضت عليه "عقدها المجنون" لم يظهر، ولم يترك أي أثر يدل على وجوده.
مع انتهاء العرض، ضجت القلعة بالتصفيق. اقتربت زينة من غيم وغمرتها بقوة:
* زينة: "غيم! لقد فعلناها! انظري إلى انبهار الناس.. القلعة اليوم نطقت بالجمال!"
* غيم (بابتسامة هادئة): "الحجر دائماً بينطق يا زينة، نحنا بس ساعدنا الناس تسمعه."
ورغم الفرح الذي يحيط بها، ظلّ بال غيم مشغولاً بذلك الممر المظلم. من يكون ذلك الرجل؟ ولماذا انسحب بتلك الطريقة؟ لقد انتهى العرض بنجاح باهر