من السقيفة إلى كربلاء
من السقيفة إلى كربلاء
"بين "بيعةٍ" في الظل و"مذبحةٍ" تحت الشمس.. خيطٌ رفيع من الدماء والمؤامرات والبطولات المنسية. لماذا انكسر السيف الذي لم يُهزم؟ وكيف تحولت "الشورى" إلى "ملكٍ عضوض"؟ اكتشف كواليس الفتنة الكبرى من منظور إنساني وتاريخي فريد. استمع لصرير الأقلام وهي تزوّر الرسائل، وصليل السيوف وهي تقرر مصير الخلافة. من هيبة علي وزهد أبي بكر، إلى دهاء معاوية وصمود الحسين؛ هذا العمل ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو تشريح للروح البشرية حين تضعها الأقدار بين نار المبدأ وجحيم السلطة."
الفصل الأول: السقيفة.. وصدمة الفراغ
الزمان: 12 ربيع الأول سنة 11 هـ.
المكان: المدينة المنورة، بيت الرسول وغرفة عائشة، وسقيفة بني ساعدة.
بينما كانت المدينة تغرق في دموعها، والخبر الصاعقة يزلزل الأركان: "مات رسول الله"، كان هناك مشهدان يجريان بالتوازي، وهما بداية الشرارة:
المشهد الأول (داخل البيت): علي بن أبي طالب، والعباس عم النبي، وأهل البيت، يغلقون الباب عليهم. همهم الأول هو تجهيز النبي، تغسيله، وتكفينه. بالنسبة لعلي، الأمر محسوم روحياً وعائلياً؛ هو ابن عم الرسول، وزوج ابنته، وربيبه، وصاحب "غدير خم" (من كنت مولاه فعلي مولاه). كان يرى أن الخلافة حق طبيعي له لا ينازعه فيه أحد، ولذلك انشغل بالجنازة عن السياسة.
المشهد الثاني (خارج البيت - سقيفة بني ساعدة): الأنصار (أهل المدينة) اجتمعوا فوراً. الخوف تملكهم: "إذا تولى المهاجرون (قريش) الأمر، قد يستبدون بنا". كادوا يبايعون سيدهم سعد بن عبادة. وصل الخبر لـ أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح. أدركوا الكارثة: لو بايع الأنصار رجلاً منهم، وبايع المهاجرون رجلاً منهم، انقسم الإسلام في مهده. هرع الثلاثة إلى السقيفة. دار جدال عنيف.
الأنصار: "منا أمير ومنكم أمير".
أبو بكر (بدهائه وحكمته): "يا معشر الأنصار، العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش... نحن الأمراء وأنتم الوزراء". احتدم النقاش وكادت السيوف تخرج، حتى حسم عمر الموقف بعبقريته الحاسمة، بسط يده وقال لأبي بكر: "ابسط يدك أبايعك". وبايعه، فتتابع الناس.
العقدة: تمت البيعة لأبي بكر بينما علي (وبني هاشم) غائبون يغسلون النبي. حين علم علي، شعر بمرارة "الاستبعاد". لم يكن طامعاً في سلطة، بل شعر أن حقه "الشورى" قد سُلب بليل.
بعد بيعة السقيفة، تأخر علي وبعض الصحابة (مثل الزبير وطلحة) عن البيعة، واجتمعوا في بيت فاطمة الزهراء.
رأى عمر بن الخطاب أن هذا التجمع قد يشق عصا المسلمين في وقت حرج (حروب الردة بدأت تلوح).
توجه عمر إلى بيت فاطمة. وهنا تنقل لنا المصادر التاريخية (مثل مصنف ابن أبي شيبة وتاريخ الطبري بروايات مختلفة) لحظة شديدة التوتر. وقف عمر بالباب ونادى ليخرجوا للمبايعة.
قيل إنه هدد بإحراق الباب إن لم يخرجوا (رواية تشير لشدة حرص عمر على وحدة الدولة، بينما يراها الشيعة بداية الهجوم على آل البيت).
خرج الزبير مسلطاً سيفه، فعثر وسقط، وسيطروا عليه.
حدث عتاب شديد بين فاطمة وعمر وأبي بكر.
فاطمة، ابنة الرسول، كانت ترى في علي الإمام الشرعي. ازداد الموقف تعقيداً بقصة "فدك".
الفصل الثالث: أرض فدك.. ميراث النبوة أم مال الدولة؟
ذهبت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها من أبيها (أرض فدك).
رد أبو بكر بحديث سمعه وحده (أو معه قلة): "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
كانت صدمة لفاطمة. رأت في ذلك حرمانًا لحقها الصريح بنص القرآن (وورث سليمان داود). جادلتهم بقوة وحجة، لكن أبا بكر أصر على موقفه حفاظاً على مال المسلمين (من وجهة نظره) وتطبيقاً لما سمعه.
غضبت فاطمة غضباً شديداً، وقالت: "والله لا أكلمك أبداً".
عاشت فاطمة ستة أشهر بعد وفاة أبيها في حزن وكمد، وماتت وهي واجدة (غاضبة) على أبي بكر وعمر. دفنها علي ليلاً ولم يؤذن أبا بكر بها (تنفيذاً لوصيتها).
موقف علي بعد وفاة فاطمة:
رأى علي أن العرب تنكرت له بعد وفاة سيدة نساء العالمين. وبنظرة استراتيجية ثاقبة، رأى أن الدولة الإسلامية تواجه خطر الفناء (المرتدين)، فقرر التنازل عن حقه الشخصي لصالح بقاء الإسلام. بايع أبا بكر (بعد 6 أشهر)، وانخرط في الدولة كأهم مستشار وقاضٍ، لكن "الجرح" ظل في القلب.
الفصل الرابع: عهد الشيخين.. الهدوء الذي يسبق العاصفة
عهد أبو بكر: كان قصيراً (سنتين)، وحاسماً في حروب الردة. كان علي ناصحاً أميناً، وقبل الوضع حفاظاً على الدين.
عهد عمر (الفاروق): كانت العلاقة بين عمر وعلي معقدة ومثيرة للإعجاب. عمر القوي الشديد كان يرجع لعلي في كل معضلة فقهية وقضائية، حتى قال جملته الشهيرة: "لولا علي لهلك عمر". علي، برغم ما في نفسه من السقيفة، كان يرى في عمر قوة للإسلام وعدلاً لا يبارى، فدعمه بكل إخلاص. وزوج علي ابنته "أم كلثوم" لعمر (في روايات أهل السنة، بينما ينفيها أو يؤولها الشيعة).
لكن، في الكواليس، بدأت تظهر شخصيات ستلعب أدواراً محورية:
عثمان بن عفان: كان مقرباً جداً وهادئاً، يمثل طبقة الأثرياء من قريش.
عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان: ولاهما عمر ولايات كبيرة (الشام ومصر). عمر كان يسيطر عليهم بقوته ودرته، فكانوا لا يجرؤون على التجاوز. كان عمر يدرك دهاءهم وطموحهم، لكنه استغل كفاءتهم لخدمة الدولة.
الفصل الخامس: الشورى.. وانحراف البوصلة
طعن أبو لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب. وهو يلفظ أنفاسه، جعل الأمر شورى في ستة (علي، عثمان، طلحة، الزبير، سعد، عبد الرحمن بن عوف).
انحصر الأمر في النهاية بين اثنين: علي وعثمان.
سأل عبد الرحمن بن عوف علياً: "هل تبايع على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين (أبي بكر وعمر)؟".
قال علي بوضوح وصرامة: "على كتاب الله وسنة رسوله، واجتهاد رأيي". (رفض أن يلزم نفسه بسيرة الشيخين كتشريع ملزم).
طرح نفس السؤال على عثمان.
قال عثمان: "نعم".
هنا تمت البيعة لعثمان. رأى الهاشميون أن الخلافة صُرفت عنهم للمرة الثالثة بتخطيط محكم.
الفصل السادس: عثمان.. من الرخاء إلى "الفتنة الكبرى"
حكم عثمان 12 سنة.
الست سنوات الأولى: كانت سنوات رخاء، وفتوحات هائلة، وجمع القرآن. أحبه الناس.
الست سنوات الأخيرة (بداية الانهيار): كبر سن عثمان (تجاوز الثمانين)، وكان رقيق القلب، واصل الرحم. استغل أقاربه من بني أمية هذه الصفة، وتحديداً مروان بن الحكم (ابن عمه وكاتب سره). بدأ عثمان يعزل الولاة الأقوياء ويعين أقاربه:
عزل سعد بن أبي وقاص وعين أخاه من الرضاعة (الوليد بن عقبة - الذي صلى بالناس وهو سكران لاحقاً).
عزل عمرو بن العاص عن مصر وعين أخاه في الرضاعة (عبد الله بن أبي السرح).
سيطر معاوية تماماً على الشام وبنى إمبراطورية داخل الدولة.
ظهور المعارضة:
أبو ذر الغفاري: الصحابي الزاهد، صرخ في وجه تكديس الأموال والقصور التي بناها معاوية والأمويون. نفاه عثمان إلى "الربذة"، مما أجج غضب العامة.
عبد الله بن سبأ (ابن السوداء): شخصية يهودية اعتنقت الإسلام (حقيقة تاريخية مختلف في حجم تأثيرها، لكن المؤكد وجود تيار "السبئية"). طاف في الكوفة والبصرة ومصر يروج لفكرة خطيرة: "لكل نبي وصي، وعلي هو وصي محمد". وجدت هذه الفكرة صدى عند الناقمين على ظلم ولاة عثمان.
علي بن أبي طالب كان في موقف لا يحسد عليه. كان ينتقد سياسات عثمان وتقريب بني أمية، لكنه يرفض الخروج عليه أو قتله. كان يذهب لعثمان وينصحه: "يا عثمان، لا تكن إماماً مقتولاً يفتح القتل في هذه الأمة إلى يوم القيامة". لكن مروان بن الحكم كان يفسد هذه النصائح ويوغر صدر عثمان.
الفصل السابع: الثورة.. وحصار الدار
تجمع الثوار من مصر والكوفة والبصرة. جاؤوا للمدينة بحجة الحج، لكن هدفهم عزل عثمان.
حاصروا عثمان، لكن علياً تدخل وتوسط، ووعدهم عثمان بالإصلاح وعزل الولاة الظالمين.
اقتنع الثوار وعادوا أدراجهم.
نقطة التحول (رسالة الغدر):
بينما ثوار مصر في طريق العودة، أمسكوا بغلام لعثمان يركض نحو مصر. فتشوه، فوجدوا معه رسالة مختومة بختم عثمان موجهة لوالي مصر تقول: "إذا وصلك هؤلاء القوم فاقتلهم واصلبهم".
جن جنون الثوار. عادوا للمدينة كالطوفان: "يا للغدر! يعدنا بالإصلاح ويأمر بقتلنا!".
أنكر عثمان الرسالة (والراجح تاريخياً أن مروان بن الحكم زورها بختم عثمان دون علمه ليتخلص من الثوار). لكن الثوار قالوا: "إن كنت كتبتها فقد خنت، وإن كانت كُتبت دون علمك وأنت الخليفة فأنت ضعيف لا تصلح للحكم.. في الحالتين: اعتزل".
رفض عثمان: "لا أخلع قميصاً ألبسنيه الله".
الفصل الثامن: المذبحة.. الدم على المصحف
اشتد الحصار على دار عثمان 40 يوماً. منعوا عنه الماء.
أرسل علي ابنيه الحسن والحسين ليقفا بباب عثمان ويدفعا عنه بالسيف. وقف طلحة والزبير وأرسلا أبناءهما.
كان الصحابة يريدون القتال دفاعاً عن عثمان، لكن عثمان أصدر أمراً حاسماً: "أعزم على كل من لي عليه حق ألا يريق دماً بسببي". كان يفتدي المدينة بدمه.
تسور الثوار الجدران من دار مجاورة.
دخلوا عليه وهو يقرأ القرآن.
تقدم محمد بن أبي بكر (ابن الخليفة الأول، وكان من قادة الثوار)، أمسك بلحية عثمان وهزه: "لقد أخزاك الله يا نعثل".
قال عثمان بهدوء: "لست بنعثل، ولكني أمير المؤمنين.. يا ابن أخي، لو رآك أبوك ما رضي منك هذا المقام".
ارتجف محمد بن أبي بكر، وتذكر أباه، فترك لحيته وتراجع نادماً.
لكن الغوغاء لم يتراجعوا.
ضرب أحدهم عثمان بالسيف على رأسه. سال الدم على المصحف (قيل سقط على قوله تعالى: فسيكفيكهم الله).
حاولت زوجته نائلة الدفاع عنه، فأمسكت السيف بيدها، فقطعت أصابعها.
توالت الطعنات، حتى سكنت أنفاس الخليفة الثالث.
وخرجت الروح، وخرج معها الأمان من أمة محمد.
هرب مروان بن الحكم وبني أمية.
وبقي جسد عثمان في الدار، وبقيت المدينة في رعب، والثوار يحكمون الشوارع.
المدينة تحترق بصمت
المكان: المدينة المنورة.
الزمان: الأيام التالية لمقتل الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه).
كانت المدينة المنورة تغلي كمرجل يوشك على الانفجار. دماء عثمان بن عفان لم تجف بعد على المصحف، وجثته شُيعت في جنح الظلام. القتلة "الثوار" الذين قدموا من مصر والكوفة والبصرة يسيطرون على شوارع المدينة، يرهبون الناس، والسيوف مشرعة.
في هذا الجو الخانق، اتجهت الأنظار نحو رجل واحد: علي بن أبي طالب.
كان علي (رضي الله عنه) يعتزل في داره، حزيناً، كارهاً لما آل إليه الأمر. جاءه الناس يهرعون: "إن هذا الأمر لا بد له من أمير، ولا نجد أحق منك".
رفض علي في البداية قائلاً: "لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت به". كان يرى أن الفتنة أكبر من أن تدار، وأن الموج عالٍ. لكن الضغط اشتد، وخشي الناس من فراغ السلطة الذي قد يمزق الدولة الإسلامية نهائياً. قبل علي "البيعة" كارهاً للظرف، راغباً في حقن الدماء، فبايعه المهاجرون والأنصار.
وهنا نشأت العقدة الأولى (اختلاف المنهج لا النوايا):
منهج علي: الدولة الآن مختطفة، والمدينة تحت سيطرة القتلة. الأولوية هي استتباب الأمن، وتوحيد الأقاليم، ثم بعد أن تقوى الشوكة، نقتص من قتلة عثمان. لا يمكن القصاص الآن والقتلة هم الجيش الفعلي في المدينة!
منهج المطالبين بالدم: وعلى رأسهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام (وهما من العشرة المبشرين بالجنة)، ومعهما أمهات المؤمنين. رأوا أن ترك القتلة يسرحون ويمرحون هو تعطيل لحد من حدود الله، وأن دماء عثمان ستضيع هدراً إن لم يؤخذ بالثأر فوراً.
خرج طلحة والزبير إلى مكة معتمرين، وهناك التقوا بالسيدة عائشة (رضي الله عنها) التي كانت عائدة من الحج. عندما علمت بمقتل عثمان وبيعة علي دون القصاص، غضبت وقالت كلمتها المشهورة: "والله لأطلبن بدم عثمان".
لم تكن عائشة تطمع في خلافة، ولا طلحة ولا الزبير، بل كان خروجهم تحت شعار "الإصلاح" و"القصاص".
الفصل الثاني: المسير إلى البصرة ونباح الكلاب
اجتمع في مكة جيش كبير من المطالبين بدم عثمان. اقترح البعض الذهاب للشام حيث معاوية، لكن الرأي استقر على البصرة؛ لأن فيها رجالاً وكفاءات يمكنهم دعم قضية القصاص.
خرجت السيدة عائشة في هودجها على جملها الشهير عسكر
في الطريق، وفي ليلة مظلمة، مر الجيش بماء يقال له "الحوأب". فجأة، تعالت أصوات نباح الكلاب بشكل مخيف ومريب حول هودج السيدة عائشة.
سألت عائشة بصوت مرتجف: "أي ماء هذا؟".
قالوا: "ماء الحوأب".
صرخت السيدة عائشة وضربت بيدها الأخرى: "إنا لله وإنا إليه راجعون! ما أظنني إلا راجعة!".
سألوها بدهشة: "ولم يا أم المؤمنين؟".
قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه: (أيتكن التي تنبح عليها كلاب الحوأب؟)".
كادت أن ترجع وتأمر الجيش بالعودة، لولا أن جاء بعض القادة (وفي روايات قيل إنهم شهود زور، وفي أخرى أنهم أولوا الأمر لها) وقالوا: "بل تقدمي يا أماه، لعل الله يصلح بك بين الناس". واصلت المسير بنية "الإصلاح" لا القتال، ولكن القلب كان مقبوضاً.
الفصل الثالث: البصرة.. واشتعال الفتيل
وصل جيش عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة. واليها كان عثمان بن حنيف (من طرف علي). دارت مفاوضات انتهت بصدام مسلح، وسيطر جيش "أصحاب الجمل" على البصرة، وقُتل عدد من حراس بيت المال والمسؤولين الذين اتُهموا بالمشاركة في التحريض على عثمان.
وصل الخبر إلى علي بن أبي طالب في المدينة. أدرك أن الدولة تنشق. جهز جيشه وخرج متجهاً نحو العراق، ليس لقتالهم، بل لإعادتهم للطاعة وتوحيد الكلمة.
في الكوفة، استطاع ابن علي، الحسن بن علي، ومعه عمار بن ياسر، أن يجمعوا آلاف المقاتلين للانضمام لجيش علي.
اللقاء التاريخي:
نزل جيش علي (حوالي 20 ألفاً) وجيش الجمل (حوالي 30 ألفاً) في موضع يسمى "الزاوية" بالبصرة. لم يبدأ القتال فوراً.
أرسل عليٌ رسولاً حكيماً اسمه القعقاع بن عمرو التميمي إلى عائشة وطلحة والزبير.
دخل القعقاع خيمة السيدة عائشة وقال بحكمة: "يا أماه، ما أخرجك؟".
قالت: "يا بني، الإصلاح بين الناس".
دار حوار عقلاني، شرح فيه القعقاع أن القصاص الآن مستحيل وسيؤدي لفناء الأمة، وأن الحل هو الدخول في الطاعة ثم القصاص بالقانون
اقتنع القوم
نعم، اتفقوا على الصلح
عاد القعقاع إلى علي بالبشرى. ونام الجيشان تلك الليلة وهما أسعد ما يكونان، يظنون أن الغمة قد انقشعت
الفصل الرابع: ليلة الغدر (الطرف الثالث)
هنا عزيزي القارئ تكمن الإجابة عن سؤال: كيف بدأت الشيعة وكيف تفرقت الأمة؟ والسر يكمن في "السبئية" أو قتلة عثمان المندسين في جيش علي.
أدرك قتلة عثمان (وكان عددهم يقارب الألفين في جيش علي) أن الصلح يعني نهايتهم؛ لأن علياً وطلحة والزبير سيتفرغون لهم ويقتلونهم قصاصاً.
عقدوا اجتماعاً سرياً في الظلام وقرروا: "أنشبوا الحرب ولا تدعوهما يجتمعان".
قبل الفجر، والناس نيام، تسلل فريق من هؤلاء الخونة وهاجموا معسكر طلحة والزبير. وتسلل فريق آخر وضرب معسكر علي.
استيقظ جيش الجمل على الأسهم: "غدر بنا علي! هاجمنا ليلاً!".
واستيقظ علي على الصراخ: "غدر بنا طلحة والزبير!".
حاول علي إيقاف الناس: "أيها الناس كفوا! أيها الناس تريثوا!"، لكن السيف كان قد سبق العذل. اشتعلت الحرب بغدر طرف ثالث خفي، وظن كل فريق أن الآخر قد خانه.
الفصل الخامس: المعركة التراجيدية
بزغت شمس يوم الخميس من شهر جمادى الآخرة سنة 36 هـ، لتشهد واحدة من أقسى المعارك. لم تكن معركة كفار ومسلمين، بل كانت بين صحابة وبدريين.
مصرع الكبار:
الزبير بن العوام: التقى بعلي في ساحة المعركة قبل احتدامها. ذكّره علي بحديث للرسول: "أتذكر يوم قال لك رسول الله: لتقاتلن علياً وأنت له ظالم؟". تذكر الزبير الحديث، فارتجف وانسحب من المعركة فوراً وهو يبكي. لكنه لم ينجُ، إذ تتبعه رجل يدعى عمرو بن جرموز (وهو من الغوغاء) وقتله غدراً وهو يصلي في وادٍ بعيد. (لما جاء القاتل بسيف الزبير لعلي يبشره، صرخ علي: "بشر قاتل ابن صفية بالنار!").
طلحة بن عبيد الله: كان يقاتل بشراسة، فأصابه سهم "طائش" (قيل إن مروان بن الحكم هو من رماه) في ركبته، فنزف حتى الموت. ويروى أن علياً رآه مقتولاً بعد المعركة، فمسح التراب عن وجهه وبكى قائلاً: "يعز علي يا أبا محمد أن أراك مجندلاً تحت نجوم السماء.. شكوث إلى الله عجري وبجري".
حول الجمل:
اشتد القتال حول هودج السيدة عائشة. أصبح الجمل رمزاً للصمود، ظن جيش البصرة أنهم إن تركوا الجمل فقد انهزموا.
كانت السيدة عائشة تصرخ من داخل الهودج: "الله الله يا بني في دماء المسلمين! كفوا الأيدي!" لكن صوت السيوف كان أعلى.
تدافع الفرسان لقطع خطام الجمل. كلما أمسك رجل بزمام الجمل وقُطعت يده أو قُتل، جاء آخر ليمسكه. قُتل حول الجمل سبعون رجلاً من قريش، كلهم يمسكون بالزمام دفاعاً عن "أم المؤمنين".
تحول الهودج إلى ما يشبه القنفذ من كثرة السهام المغروزة فيه، لكن السيدة عائشة لم تصب بأذى بفضل الدروع التي غطت الهودج.
أدرك علي (رضي الله عنه) بحنكته العسكرية أن المعركة لن تنتهي ما دام الجمل واقفاً، والناس يتفانون دونه.
نادى بأعلى صوته: "اعقروا الجمل! فإنه شيطان، وإن بقاءه فناء العرب".
تقدم رجل وضرب قوائم الجمل بالسيف، فخار الجمل وسقط وله رغاء (صوت) شديد. وبسقوط الجمل، انهارت معنويات جيش البصرة وتفرقوا، وتوقفت المعركة فجأة كما بدأت.
الفصل السادس: ما بعد العاصفة.. وبذور الانقسام
أسرع علي ومعه الحسن والحسين نحو الهودج. كان الهودج قد مال.
نادى علي بوقار: "كيف أنت يا أماه؟".
قالت بصوت متعب: "بخير يغفر الله لك".
قال علي: "ولي ولك".
النبل المحمدي:
لم يتعامل علي معهم كأعداء مهزومين.
أمر بجمع القتلى من الفريقين والصلاة عليهم، وقال بقلب محروق: "وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة".
سأله بعض جيشه المتعصبين (الذين سيصبحون لاحقاً نواة الخوارج): "يا أمير المؤمنين، أحلوا لنا دماءهم، فلم لا تحل لنا أموالهم وسباياهم؟".
غضب علي ورد رداً قاطعاً ألجمهم: "ومن منكم يأخذ عائشة في سهمه؟". فخجلوا وتراجعوا. قال لهم: "إنهم إخواننا بغوا علينا".
جهز علي السيدة عائشة بأحسن جهاز، وأرسل معها 40 امرأة من نساء البصرة المرموقات، وأرسل معها أخاها (محمد بن أبي بكر - وكان في جيش علي) ليوصلها إلى المدينة معززة مكرمة. ودعها علي، وقالت هي للناس: "يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لعلى الخيار". فرد علي: "صدقت والله، إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة".
تكون الفرق (بداية الشقاق العقائدي):
هنا عزيزي القارئ، بدأت ملامح الفرق تتشكل، ليس دينياً في البداية، بل سياسياً ثم تطور:
شيعة علي: في هذه المعركة تميز أهل العراق (الكوفة) بحبهم لعلي، وبدأ يظهر مصطلح "شيعة علي" أي أنصاره وحزبه. ومع الوقت، وبالأخص بعد دخول عناصر متطرفة وموالي (غير عرب) تأثروا بفلسفات قديمة، بدأ الحب يتحول إلى غلو وتقديس، وظهرت فكرة "الوصية" وأن علياً هو الأحق إلهياً، خاصة كرد فعل على ظلم الأمويين لاحقاً.
النواصب (بداية): الذين كرهوا علياً وحملوه مسؤولية الدم، وهم من بقايا جيش الجمل والمتأثرين بدعاية الشام لاحقاً.
الخوارج (النواة الأولى): هم القراء المتشددون في جيش علي الذين اعترضوا عليه لأنه لم يسبِ نساء "المغلوبين" ولم يأخذ أموالهم، واعتبروه متناقضاً. هؤلاء سينشقون عنه علناً لاحقاً في معركة صفين.
انتهت "الجمل" بحصيلة مرعبة من القتلى (تتضارب الروايات بين 2500 إلى 10000 قتيل من الطرفين). كانت صدمة نفسية عنيفة للمجتمع الإسلامي؛ لأول مرة يقتل المسلم أخاه المسلم.
عاد علي للكوفة واتخذها عاصمة، وعادت عائشة للمدينة ولزمت بيتها نادمة باكية، كلما قرأت قوله تعالى (وقرن في بيوتكن) تبل خمارها بالدموع.
هذه هي القصة بكل تجرد. لم يكن هناك "شيطان" و"ملاك" بين الصحابة، بل كان هناك اجتهاد سياسي، ودسائس خفية، وقدر محتوم.
الفصل التاسع: الشام لا تبايع.. قميص عثمان
بعد انتهاء موقعة الجمل، استقر علي بن أبي طالب في الكوفة واتخذها عاصمة له، لقربها من مراكز القوة في العراق ولقدرتها على إمداده بالمقاتلين. أرسل علي الرسل إلى كافة الأمصار لأخذ البيعة، فبايعه الجميع إلا إقليماً واحداً: الشام.
هناك كان يجلس معاوية بن أبي سفيان، الوالي القوي الذي حكم الشام 20 سنة. معاوية لم يقل "أنا الخليفة"، بل رفع شعاراً زلزل القلوب: "لا بيعة حتى يُسلم لنا قتلة عثمان".
وعلق في مسجد دمشق "قميص عثمان" الملطخ بالدماء، وأصابع زوجته نائلة المقطوعة. كان أهل الشام يبكون حول القميص، ومعاوية يغذي فيهم روح الثأر.
موقف علي: "يا معاوية، ادخل في البيعة كما دخل الناس، ثم ارفع دعواك إلى القضاء لنحكم في القتلة".
موقف معاوية: "دماؤنا قبل طاعتنا".
أدرك علي أن معاوية يستخدم دم عثمان للتمرد وتثبيت حكمه، وأدرك معاوية أن علياً لن يتركه يحكم الشام كدولة داخل الدولة. فكان لا بد من الصدام.
الفصل العاشر: صفين.. حيث توقف الزمن
الزمان: صفر سنة 37 هـ.
المكان: "صفين" على ضفاف نهر الفرات.
التقى الجيشان: جيش علي (حوالي 90 ألفاً إلى 120 ألفاً) وجيش معاوية (حوالي 70 ألفاً إلى 90 ألفاً).
لم يكن قتالاً عادياً، كان قتالاً بين "أهل العراق" و"أهل الشام". استمر القتال والمناوشات لأكثر من مائة يوم!
ليلة الهرير:
كانت ذروة المعركة. قتال استمر ليلة كاملة حتى الصباح، لم يسمع فيه إلا صليل السيوف و"هرير" الرجال من شدة التعب والوجع. في هذه الليلة، كان جيش علي قاب قوسين أو أدنى من النصر الساحق. برز الأشتر النخعي (قائد جيش علي الصاعق) وكان يكتسح صفوف معاوية.
شعر معاوية بالهزيمة، وبدأ يفكر في الفرار.
الفصل الحادي عشر: خدعة المصاحف.. انقسام الجبهة
هنا تدخل "دهاء" عمرو بن العاص، مستشار معاوية. قال لمعاوية: "ارفعوا المصاحف على أسنّة الرماح وادوهم إلى كتاب الله".
فعلها جيش الشام، وصرخوا: "هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام ومن لثغور العراق؟ من لقتال الروم والفرس إن فنينا؟".
الزلزال في جيش علي:
انقسم جيش علي إلى فريقين:
فريق البصيرة (علي والأشتر): قالوا إنها خدعة، هؤلاء لا يريدون القرآن بل يريدون النجاة من السيف. "استمروا في القتال فقد لاح النصر".
فريق القُرّاء (المتشددون): وهم الذين سيصبحون "الخوارج". قالوا لعلي بلهجة تهديد: "يا علي، أجِب إلى كتاب الله إذا دُعيت إليه، وإلا فعلنا بك كما فعلنا بعثمان أو نسلمك إليهم!".
اضطر علي، والأسى يعصر قلبه، أن يأمر الأشتر بالانسحاب وهو على بعد خطوات من خيمة معاوية. قال علي كلمته الخالدة: "كنتُ بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً".
التحكيم.. وظهور الخوارج
اتفق الطرفان على "التحكيم". علي يختار حكماً، ومعاوية يختار حكماً.
معاوية اختار: عمرو بن العاص (الثعلب الماكر).
علي أراد ابن عباس، لكن جيشه أجبره على اختيار: أبو موسى الأشعري (الصحابي الزاهد السليم الصدر).
بمجرد قبول علي بالتحكيم، خرجت فئة من جيشه (الذين أجبروه أصلاً على وقف القتال) وقالوا كلمتهم الشهيرة: "لا حكم إلا لله! كيف تحكّم الرجال في دين الله يا علي؟ لقد كفرت!".
وهكذا وُلدت فرقة "الخوارج". انسلخوا من جيش علي (حوالي 12 ألفاً) واتجهوا إلى منطقة "نهروان"، وبدأوا يكفرون علياً ومعاوية وكل من رضي بالتحكيم.
مأساة "النهروان" ونهاية الفرسان
بعد توقف القتال في صفين، اجتمع الحكمان في مكان يسمى "دومة الجندل" (أو أذرح). كان المشهد مهيباً، والأنظار كلها شاخصة نحو رجلين يقرران مصير أمة: أبو موسى الأشعري (ممثل علي) وعمرو بن العاص (ممثل معاوية).
أولاً
، يجب أن نفهم "سيكولوجية" الرجلين كما تصفهما كتب التاريخ:
أبو موسى الأشعري: رجل رباني، زاهد، سليم الصدر إلى حد البساطة، يكره الفتنة، ويرى أن الحل في العودة للبدايات، أي خلع الطرفين واختيار رجل لا شائبة فيه.
عمرو بن العاص: "أرطبون العرب"، داهية السياسة، الرجل الذي لا يبارى في الحوار، وكان يضع نصب عينيه هدفاً واحداً: تثبيت حكم معاوية والحفاظ على ولاية الشام.
كواليس المفاوضات
خلا عمرو بن العاص بأبي موسى. أظهر له عمرو من التقدير والاحترام ما جعل أبا موسى يطمئن إليه. تظاهر عمرو بأنه يوافق أبا موسى في كل ما يراه من حقن للدماء.
قال أبو موسى: "يا عمرو، إن الناس في هذه الفتنة في بلاء عظيم، فهل لك في أمر يرضي الله ويصلح الأمة؟".
قال عمرو بمكر: "وما هو؟".
قال أبو موسى: "نخلع علياً ومعاوية، ثم نجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من شاؤوا".
تظاهر عمرو بالتردد ثم قال: "والله هذا هو الرأي، وبه يحقن الله الدماء".
أراد عمرو أن يتحدث أبو موسى أولاً أمام الناس. فقال له بذكاء: "يا أبا موسى، أنت صاحب رسول الله، وأنت أسن مني (أكبر سناً)، فتقدم وتكلم". كان يريد أن يلقي أبو موسى بكلمته التي لا يمكن الرجوع عنها، ليرد هو بما يشاء.
مشهد المنبر (الخدعة الكبرى)
اجتمع الناس من الجيشين، وساد صمت رهيب. تقدم أبو موسى الأشعري، ووقف على المنبر، ونظر إلى الناس وقال بلهجة المصلح الناصح:
"أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نجد حلاً لصلاحها وحقن دمائها إلا خلع علي ومعاوية، وإني قد خلعت علياً ومعاوية كما أخلع خاتمي هذا من إصبعي" (ونزع خاتمه).
ثم نزل عن المنبر وهو يظن أنه أنقذ العالم.
جاء دور عمرو بن العاص. صعد المنبر بهدوء وثقة، والتفت إلى الناس الذين صُعقوا من كلام أبي موسى، وقال كلمته التي قلبت الموازين:
"أيها الناس، إنكم قد سمعتم ما قال هذا (يقصد أبي موسى)، فقد خلع صاحبه (عليا)، وأنا أيضاً أخلعه كما خلعه، ولكني أثبت صاحبي (معاوية) في الخلافة، فهو ولي عثمان والمطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه، كما أثبت خاتمي هذا في إصبعي!".
الانهيار والمواجهة
ساد الهرج والمرج. صُعق أبو موسى من هول الغدر السياسي. التفت إلى عمرو وصرخ فيه: "مالك؟ لا وفقك الله! غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث!".
رد عليه عمرو ببرود السياسي المنتصر: "إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً!".
تبادل الرجلان الشتائم المريرة، وانفض الاجتماع دون "صلح"، بل انفض بـ "شرخ" أعمق:
جيش علي: عادوا وهم يشعرون بالهزيمة السياسية المريرة، وأن حكمهم غُدر به.
جيش معاوية: عادوا وهم يحيون معاوية بلقب "أمير المؤمنين"، فقد منحتهم خدعة عمرو "شرعية" أمام أتباعهم.
بينما كان التحكيم يجري ، كان الخوارج يفسدون في الأرض، يقتلون المسلمين الذين لا يوافقونهم الرأي (قتلوا الصحابي عبد الله بن خباب بن الأرت وبقروا بطن زوجته).
اضطر علي لقتالهم قبل التوجه للشام ثانية. في موقعة "النهروان"، أباد علي الخوارج، ولم ينجُ منهم إلا القليل. لكن هذا النصر كان مراً؛ فقد استنزف جيش علي نفسياً، وبدأ أهل العراق يتقاعسون عن نصرته.
الضربة الأخيرة
استشهاد علي
اجتمع ثلاثة من بقايا الخوارج في مكة وتعاهدوا على قتل (علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص) في ليلة واحدة (17 رمضان سنة 40 هـ) ليريحوا الأمة منهم -بزعمهم-.
فشل قاتل معاوية (أصابه في أليته وشُفي).
فشل قاتل عمرو بن العاص (قتل رجلاً آخر ظنه هو).
نجح عبد الرحمن بن ملجم في الوصول لعلي.
في فجر ذلك اليوم، خرج علي ينادي الناس للصلاة: "الصلاة.. الصلاة".
ضربه ابن ملجم بسيف مسموم على جبهته، صرخ علي: "فزت ورب الكعبة".
حُمل الإمام إلى بيته، وفي لحظاته الأخيرة تجلت عظمته. نادى الحسن والحسين وقال: "يا بني، إن أنا مت فاقتلوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل". لم يطلب انتقاماً غوغائياً، بل عدلاً شرعياً.
تنازل الحسن.. وعام الجماعة
بايع أهل العراق الحسن بن علي. استمر في الحكم 6 أشهر، وكان جيش الشام يتجهز لغزو العراق.
نظر الحسن (الرجل الصالح السلامي) إلى الجيوش، ورأى أن الدماء ستسيل أنهاراً، وأن الأمة ستفنى. فقرر القيام بأعظم تضحية سياسية في التاريخ: التنازل عن الخلافة لمعاوية حقناً لدماء المسلمين، بشرط أن يعود الأمر شورى بعد معاوية.
سمي ذلك العام (سنة 41 هـ) بـ "عام الجماعة".
هنا انتهت "الخلافة الراشدة" وبدأ "الملك العضوض".
الأثر الباقي (التشيع والفرق):
الشيعة: بعد مقتل علي وتنازل الحسن،
حدثت المأساة مأساة كربلاء .
موت معاوية وعهد "المنكر"
الزمان: رجب سنة 60 هـ.
المكان: دمشق.
مات معاوية بن أبي سفيان، لكنه قبل رحيله فعل ما لم يفعله أحد قبله؛ كسر قاعدة "الشورى" تماماً واستخلف ابنه يزيد. كان يزيد شاباً تثار حوله الكثير من الأقاويل (شرب الخمر، الانشغال بالصيد، والبعد عن سمات الصحابة).
بعث يزيد برسالة عاجلة إلى واليه على المدينة: "خُذ الحسين بن علي بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة".
رفض الحسين. لم يكن رفضاً من أجل كرسي، بل كان يرى أن بيعة يزيد "هدم للدين". قال كلمته الخالدة لوليد بن عتبة: "يا أمير، إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة... ويزيد رجل شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله".
خرج الحسين من المدينة ليلاً متجهاً إلى مكة، وهو يقرأ: "فخرج منها خائفاً يترقب".
رسائل أهل الكوفة (الفخ)
في مكة، بدأت تصل الحسين آلاف الرسائل من أهل الكوفة في العراق: "أقدم إلينا يا بن رسول الله، فليس لنا إمام، إنما نحن جند لك، وقد بايعك من أهل الكوفة مائة ألف".
أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليتأكد. بايع أهل الكوفة مسلماً بدموعهم وحماسهم. أرسل مسلم للحسين: "أقدم، فإن الناس معك".
لكن "الدولة" كانت أسرع. أرسل يزيد رجل المهمات الصعبة عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة. بمزيج من الترهيب (القتل) والترغيب (المال)، انفض أهل الكوفة عن مسلم بن عقيل في ليلة واحدة.
تخيل المشهد يا عزيزي القارئ: كان مسلم يصلي بالناس في المسجد وخلفه الآلاف، التفت بعد الصلاة فلم يجد خلفه أحداً. قُتل مسلم بن عقيل ورُميت جثته من فوق قصر الكوفة، والحسين كان قد تحرك بالفعل نحو العراق مع أهله ونسائه وأطفاله، لا يعلم ما حدث.
الطريق إلى المذبحة
في الطريق، التقى الحسين بالشاعر الفرزدق. سأله الحسين عن حال الناس في الكوفة، فقال الفرزدق جملته التاريخية: "قلوبهم معك، وسيوفهم عليك".
أدرك الحسين أن الغدر قد وقع، لكنه أصر على المواصلة، لا طلباً للملك، بل ليلقى ربه وهو لم يداهن في الحق.
اللقاء الأول:
اعترض جيش من ألف فارس بقيادة الحر بن يزيد الرياحي طريق الحسين ومنعه من العودة لمكة أو التقدم للكوفة، واضطره للنزول في أرض قفر، لا كلأ فيها ولا ماء.
سأل الحسين: "ما اسم هذه الأرض؟".
قالوا: كربلاء.
بكى الحسين وقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء، هاهنا مناخ ركابنا، وهاهنا سفك دمائنا".
الحصار والعطش
الزمان: 2 إلى 9 محرم سنة 61 هـ.
أحاطت الجيوش بالحسين (يقدر عددهم بآلاف، بينما الحسين معه 72 رجلاً فقط من أهله وأنصاره).
أصدر ابن زياد أمراً بمنع الماء عن الحسين وأهله. تخيل صراخ الأطفال والنساء في تلك الخيام تحت شمس الصحراء الحارقة، ونهر الفرات يلمع أمام أعينهم ولا يستطيعون إليه سبيلاً.
في ليلة العاشر من محرم، جمع الحسين أصحابه، أطفأ السراج وقال لهم بنبل: "أيها الناس، هؤلاء القوم يطلبونني أنا، فمن أراد منكم الرحيل فليلتحف هذا الليل ويمضي، فأنتم في حل من بيعتي".
بكى أصحابه وقالوا: "أنبقى بعدك؟ لا والله، لا قبّح الله العيش بعدك".
ملحمة العاشر من محرم (عاشوراء)
بدأت المعركة غير المتكافئة. واحد تلو الآخر، تقدم أصحاب الحسين يقاتلون حتى الموت.
ثم جاء دور آل البيت:
علي الأكبر (ابن الحسين): كان يشبه جده رسول الله خلقاً ونطقاً، قُتل بين يدي أبيه.
العباس بن علي (أخو الحسين): "ساقي عطاشى كربلاء". حاول الوصول للنهر ليجلب الماء للأطفال، قُطعت يداه وهو يحمل القربة، وسقط شهيداً.
مشهد الطفل الرضيع:
خرج الحسين يحمل ابنه الرضيع "عبد الله" وهو يتلظى من العطش، يطلبه جرعة ماء من القوم. وبينما هو يخاطبهم، رماه "حرملة" بسهم ذبح الرضيع في حجر أبيه. مسح الحسين الدم بوجهه ورفعه للسماء وقال: "هون ما نزل بي أنه بعين الله".
الساعات الأخيرة (مقتل الحسين)
بقي الحسين وحيداً. كان يصول ويجول كأنه الأسد، والجيش يرتعد من مواجهته منفرداً، فما زالوا يذكرون شجاعة أبيه علي.
صرخ فيهم شمر بن ذي الجوشن: "ويحكم! ماذا تنتظرون؟ أحيطوا به من كل جانب".
توالت السهام والضربات. سقط الحسين عن جواده مثخناً بالجراح (قيل وجدوا به 33 طعنة و34 ضربة سيف).
وفي لحظة سواد في تاريخ البشرية، تقدم "شمر" وقام بقطع رأس الحسين بن علي.. الرأس التي طالما قبلها رسول الله!
ما بعد المذبحة (السبي)
لم يكتفوا بالقتل، بل داسوا جثمان الحسين بخيولهم، وحرقوا الخيام، وساقوا النساء والأطفال سبايا إلى الكوفة ثم إلى دمشق.
في قصر ابن زياد، دخلت زينب بنت علي (بطلة كربلاء) بوقارها الهاشمي. حاول ابن زياد الشماتة بها قائلاً: "كيف رأيت صنع الله بأخيك؟".
ردت عليه بلسان كأنه لسان أبيها علي: "ما رأيت إلا جميلاً! هؤلاء قوم كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم".
كربلاء لم تكن نهاية الحسين، بل كانت ميلاده الحقيقي في ضمير الأمة.
بالنسبة للشيعة: أصبحت كربلاء هي المحرك العاطفي والوقود الذي لا ينطفئ للثورات ضد الأمويين (ثورة التوابين، ثورة المختار الثقفي).
بني أمية: سقطت شرعيتهم الأخلاقية تماماً، وبدأت الدولة الأموية تترنح حتى سقطت بعد 70 عاماً تحت شعار "يا لثارات الحسين".
الوجدان الإسلامي: بقيت قصة الحسين رمزاً للمظلوم الذي يواجه الظالم، والمبدأ الذي لا ينحني للسيف.
بعد مأساة كربلاء، غطت سحابة سوداء من الندم سماء الكوفة. هؤلاء الذين أرسلوا الرسائل للحسين ثم خذلوه، استيقظوا على هول الجريمة. نشأت أولاً حركة "التوابين" الذين قتلوا في معركة "عين الوردة" بحثاً عن التطهر بالدم، لكن الغضب لم ينطفئ، وكان يحتاج إلى رجل يمتلك ذكاءً سياسياً وقدرة تنظيمية هائلة وروحاً ثأرية لا تهدأ.
هنا يبرز المختار بن أبي عبيد الثقفي.
“ ظهور "المنتقم"
المكان: الكوفة.
الزمان: سنة 64 - 66 هـ.
خرج المختار من سجن ابن زياد بوساطة (بسبب صهر له)، وكان قلبه يغلي. كان المختار رجلاً فصيحاً، يمتلك كاريزما طاغية، وكان يعرف من أين تؤكل الكتف. رفع شعاراً زلزل أركان الكوفة: "يا لثارات الحسين".
لم يدّعِ المختار الخلافة لنفسه، بل قال إنه "وزير" لـ محمد بن الحنفية (ابن علي بن أبي طالب من غير فاطمة). كان يدرك أن الناس لن تجتمع إلا تحت راية هاشمية. استطاع المختار أن يجمع حوله "الموالي" (المسلمين من غير العرب كالفرس والروم) الذين كانوا يعانون من تهميش الأمويين، فأعطاهم حقوقهم وجعلهم قوة ضاربة.
ليلة القبض على الكوفة
في ليلة مظلمة من سنة 66 هـ، أعلن المختار الثورة. اشتبك مع والي الكوفة (التابع لابن الزبير حينها) وسيطر على المدينة. وبدلاً من أن يبدأ بالحكم والإدارة، فتح السجلات السوداء.
نادى المختار في الناس: "والله لا يسوغ لي طعام ولا شراب حتى أطهر الأرض من قتلة الحسين وآل بيت رسول الله".
بدأت هنا سلسلة من الملاحم التي تشبه "دراما الانتقام" القصوى. كان المختار يرسل قائده العسكري الأسطوري إبراهيم بن الأشتر النخعي (ابن الأشتر قائد جيش علي) لتتبع القتلة.
يوم الحساب (قصص الانتقام)
سأذكر لك أيها القارئ العزيز كيف انتهى الجبابرة الذين ذكرناهم في سطورنا السابقة:
عمر بن سعد (قائد جيش كربلاء):
كان يظن أن قرابته من قريش ستحميه. أرسل المختار إليه من يأتيه برأسه في فراشه. دخلوا عليه وقتلوه، ثم قتلوا ابنه "حفص"، وقال المختار: "هذا بالحسين، وهذا بعلي بن الحسين (الأكبر)، ولا سواء!".
شمر بن ذي الجوشن (الذي باشر قتل الحسين):
هرب شمر نحو البصرة، لكن خيل المختار تتبعته. حاصروه في قرية، واشتبكوا معه وقتلوه، ثم ألقوا جثته للكلاب لتنهشها، وأرسلوا رأسه للمختار.
حرملة بن كاهل (قاتل الطفل الرضيع):
قبض عليه رجال المختار. نظر إليه المختار بغضب لا يوصف وتذكر سهم الرضيع. أمر بقطع يديه ورجليه وهو حي، ثم أُلقي في النار.
عبيد الله بن زياد (العقل المدبر):
كان هذا هو الصيد الأكبر. التقى جيش المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر مع جيش ابن زياد عند "نهر الخازر" بالقرب من الموصل. كانت معركة طاحنة، استبسل فيها أصحاب المختار وهم ينادون "يا لثارات الحسين". قُتل ابن زياد في المعركة، وقطع إبراهيم بن الأشتر رأسه وأرسلها للمختار.
المفارقة الدرامية:
حين وصلت رأس ابن زياد للمختار، كان المختار يتغدى. نظر إلى الرأس وقال: "الحمد لله الذي أدرك لي ثأري". ويُروى أن الرأس وُضعت في نفس المكان الذي وُضعت فيه رأس الحسين أمام ابن زياد قبل سنوات، ودخلت حية صغيرة من منخر ابن زياد وخرجت من فمه، في مشهد رآه الناس آية من آيات الانتقام الإلهي.
، تحول "حب علي" من موقف سياسي إلى عقيدة متكاملة. رأى الشيعة أن ما حدث هو سلسلة من المظلوميات بدأت بالسقيفة وانتهت بكربلاء، فبدأوا يؤصلون لإمامة آل البيت كأصل من أصول الدين.
أهل السنة: تمسكوا بسيرة الصحابة جميعاً، ورأوا أن ما حدث "فتنة" أصاب فيها من أصاب وأخطأ فيها من أخطأ، معتبرين أن الخلافة حق لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بترتيبهم، دون تقديس أو تكفير.
الخوارج: استمروا كحركات تمرد وقتال ضد الأمويين والعباسيين، يرفضون أي حكم لا يوافق هواهم المتشدد.
عزيزي القارئ، لقد طوينا صفحة من أعقد صفحات التاريخ. هذه الأحداث هي التي شكلت العقل العربي والإسلامي الذي نعيشه اليوم.