الفصل الخامس - رواية ملوك الظلال
الفصل الخامس
كانت مشيته بخطوات الهويناء تحرق أعصاب روحه، فتمنى في أعماقه لو يسرع الخطى لعل سرعة الحركة تخفف وطأة الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل بحيرة مريرة تفتك به: - هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا، قد لا تستمع لي أبدا، بل ربما ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو طريق ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟
عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل بحيرة: - هل كان هذا وخز الذنب لأنه يقودها بيده نحو خطر قد يسحق روحها الرقيقة، أم أنها مرارة الخيانة لثقة منحتها له؟ كانت مشيته بخطوات الهويناء تحرق أعصاب روحه، فتمنى في أعماقه لو يسرع الخطى لعل سرعة الحركة تخفف وطأة الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل بحيرة مريرة تفتك به: - هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا، قد لا تستمع لي أبدا، بل ربما ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو طريق ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟ واصل سديم معاتبة نفسه بمرارة لاذعة، وشعر بضيق في تنفسه كأن هواء الغابة قد نضب، فحدث نفسه بصوت بمرارة مكتومة: - كيف لي أن أخدع نفسا تؤمن يقينا بأني ملاذها وصديقها الصدوق؟ كيف تسير خلفي بهذا الهدوء وهي لا تدري أن كل خطوة تخطوها تقربها من فخ نصبته لها بيدي؟ كانت ملامح وجهه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح بصرة بعيدا نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء ذلك الصراع الذي يعصف بكيانه، بينما كان قلبه يرتجف خلف ضلوعه كعصفور سجين، يدرك أن حريته ثمنها غدر لا يغتفر لصديق. بينما كان سديم يغرق في عمق تساؤلاته التي لا تنتهي، كانت الغابة تخلع عنها رداء النهار لتكتسي بوحشة قاتمة، ومضى الأفق يبتلع آخر خيوط الشمس حتى استسلم المكان لظلمة مهيبة. وفي قلب ذلك السواد، بدأت الفراشات المضيئة تنبثق من بين الشجيرات بكثافة مذهلة، فاستحالت العتمة لوحة منقوشة بنقاط النور الراقصة، مما جعل لينا تتسمر في مكانها بذهول صامت، وهي تتابع تلك الكائنات الساحرة بأعين ملتمعة بالدهشة. كان سديم يسرق النظرات نحوها، يراقب انعكاس الضوء الضئيل في محجريها وتلك الفرحة الطفولية التي ارتسمت على محياها، فغرس ذلك المشهد في صدره حسرة مريرة؛ إذ كان ضميره يوبخه كلما التفت ليطمئن عليها، مدركا أن هذه الأحراش تخفي في جوفها قسوة لا ترحم، غير أن تصميمه كان يتصلب داخل أعماقه كالصخر، مقسما على نفسه أن يبلغ بها وجهتها المنشودة مهما كانت الأثمان التي سيقبضها الغموض منه. وفجأة، تمزق سكون الغابة الرخيم تحت وطأة خطوات سريعة ومضطربة، كان وقعها على الأرض اليابسة يوحي بقدوم خطر وشيك. تجمد سديم في مكانه لثوان، قبل أن يندفع بجسده ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيار كهربائي، همس بصوت خفيض مثقل بالحماية: "لا تقلقي.. أنا معك، ولن يطال جسدك أي مكروه ما دمت حيا." تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباح مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فانتفضت أعصابه وتشنجت عضلات كتفيه وهو يحدق في المجهول القادم. كان سديم يعلم يقينا أن هذه الغابة المضطربة قد تقذف في وجه المرء أهوالا لا يستسيغها العقل البشري، فدار في خلده نداء حار وهو يشعر بضعفه: "ليت القادم يكون من أبناء مملكتنا، فجسدي الإنسي الهالك هذا لن يقوى على مجابهة جني أو ردع بطش غيبي، سأكون عاجزا تماما عن حماية نفسي أو حمايتها." برز ظلان من بين الشجيرات الكثيفة، يتهاديان كطيفين غامضين تحت الضوء الشحيح الذي تذرفه الفراشات، وفي تلك اللحظة التي بلغ فيها اضطراب قلبه ذروته، شق سديم الصمت بصوت حاد، نبرته تحمل مزيجا من التوجس والتحدي: "من أنتما؟!" حين دنا الظلان وبرزت ملامحهما تحت ضوء الفراشات المتراقص، انفرجت أسارير سديم الذي كان يتأهب لأسوأ الاحتمالات، فزفر زفرة ارتياح طويلة بددت بعضا من تشنج عضلات صدره، ثم قال بنبرة معاتبة خالطها صدى التوتر الباقي في حنجرته: "أنتما؟!" كان صديقاه يبتسمان بريبة غامضة حين وقعت أنظارهما على لينا القابعة خلفه، وتقدم "جارح" بخطواته الثقيلة التي كانت تهز السكون الرخيم، وسأل مستفهما بنبرة حملت في طياتها تساؤلا لم يكتمل: "إذا.. هل وجدت.." قاطعه سديم بحدة مباغتة، مغلقا عليه طريق الكلام قبل أن يفضح سره المدفون الذي يخشى اهتزازه أمامها، وقال بلهجة حاسمة: "نعم، لقد وجدت من أوصى الشيخ بضرورة مساعدتها." تبادل الصديقان نظرة ذات مغزى، صمتت فيها الكلمات وتحدثت فيها العيون بلغة لم تفهمها لينا، قبل أن تستدرك "سارلا" الموقف بذكاء فطري، قائلة برقة مصطنعة وهي تميل برأسها قليلا: "آه.. فهمت، أنت إذا الفتاة التي أمرنا الشيخ بحمايتها." بحثت لينا في ملامحهما برعب لم يتبدد تماما، وكان ضياء الفراشات المنسكب فوقهما يتلاعب بتفاصيل الوجوه، يظهرها تارة بوضوح ويخفيها تارة أخرى خلف ستائر من ظلال متأرجحة، لكنها استنتجت من هيئتهما الخارجية أنهما ينتميان لعالم البشر، فسمحت لنفسها أن تتنفس الصعداء قليلا وهي تحدث نفسها بصوت داخلي خافت: "ربما كنت مخطئة في هواجسي السوداوية، لابد أنهم صادقون في رغبتهم بمد يد العون لي." كان "جارح" رجلا ضخم البنية، عريض المنكبين كأنه قطعة من صخر الغابة، يتميز بأنف طويل وعينين بنيتين عميقتين تشبهان بئرا مهجورا لا يدرك أحد قاعه. أما "سارلا"، فكانت تبدو رقيقة الملامح، بخصلات شعرها الفاحم الذي ينسدل كموج الليل، وعينيها السوداوين اللتين تماثلان في عتمتهما ليل الغابة الدامس. مدت سارلا يدها وأمسكت بيد لينا بلطف هادئ، وأكد كلاهما بكلمات قاطعة ونظرات واثقة أنهما سيظلان بجانبها ويحفظان أمنها من غدر الطريق، وفي تلك اللحظة بدأت أسوار الشك العالية لدى لينا تنهار لبنة تلو أخرى، رغم وجود ذلك الصوت الضئيل الذي لا يزال يطن في أعماق روحها، هامسا بوجل: "أهذا الذي يحدث حقيقة ملموسة، أم مجرد كذبة منسوجة بإتقان لجر القادم نحو الهاوية؟"