نوفلو | Novloo: QGSeOQZy3QNF32pVryBwHlsOBJv2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

وتبقى أنت الحب

هي سجى، التي اتُهمت ظلمًا وخسرت حياتها في ليلة واحدة. وهو باسل الشريف، الرجل الذي مدّ لها يد الأمان حين تخلى عنها الجميع .بين الجرح والإنصاف يولد حب صادق، حبّ يثبت أن بعض القلوب خُلقت لتبقى... مهما قاومها القدر .نوفيلا وتبقى أنتَ الحب .

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

رواية ملوك الظلال - الفصل السادس

جاري التحميل...

الفصل السادس

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

                       كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات ونار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.


لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة  التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، حركتها دبلت واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.


ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.


التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال،  كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.


شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة، فهي لا تجرؤ على المضيّ أبعد من ذلك.


ووسط هذا السكون الخام، صار لكل شيء صوت مضاعف، كان وقع أقدامهم على أوراق الشجر اليابسة يبدو صاخبا، كانت تلك الأصوات البسيطة ترتطم بالجذوع الضخمة، فترتد أصداء متضاعفة، تحول المشهد إلى ضجيجٍ داخلي وسط الغابة.


لم تعد "لينا" تقوى على اخفاء ذلك الخوف والقلق الذي حاصرها؛ كان ينخر صدرها بإلحاحٍ، كدبّورٍ ينهش الخشب، فتوقفت فجأة، بعد أن شعرت بدوارٍ خفيف يغزوها، فلم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء الكثيف المشبع برائحة العفن والتراب المبلل.
 لذلك خرج صوتها واهنا، وهي تنادي "سديم" الذي كان قد ابتعد عنها بضع خطوات:
- سديم! لم أعد أحتمل... أرجوك، توقف قليلا.


ضغطت بأصابعها على صدرها، وكأنها تحاول توقيف خفقات قلبها التي تمردت على أضلعها، ثم أردفت متوسلة النجاة:


- أنا أخاف الظلام، سديم لا تتركني وحدي، سديم. لم أعد أقوى الحراك، هناك ثقل يضغط على صدري.


لم يأتِها رد؛ بل لمحت في قلب العتمة ظلالا داكنة تخطو للأمام دون النظر إليها، قبل أن ينطفئ وعيها تماما،  وينهار جسدها فوق الأرض الرطبة، تمنت أن يلتفت سديم لها وينقذها.




تسمّر "سديم" في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم خلفه، اضطربت ملامحه، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوةٍ آلمت صدغه، همس بصوت خافت:
- لينا!


تحسس الفراغ خلفه، فلم يجدها، لم يأتِ صوتها، ولم يسمع حتى حفيف ثيابها، هنا انتفض جسده برعشة هستيرية، وصاح مناديا بصوتٍ شرخ صمت الغابة:


- لينا! أين أنتِ؟ أجيبيني!


 ارتجفت أطرافه وهو يتخبط في العتمة، يمد يديه كغريق يبحث عن قشة، ويصرخ بذعر:
- لينا، ردي عليّ، أين اختفيتِ؟ توقفي عن العبث...هذا ليس وقتا للمزاح!


كانت الغابة تبتلع صرخاته، وظلُّ "لينا" الملقى على الأرض قد صار جزءا من سواد التربة، بعيدا عن متناول يديه المرتعشتين.


تجمّد "جارج" و"سارلا" مكانهما، والصدى المذعور لصوت "سديم" يشقّ هدوء المكان، في هذه الأثناء، أشعل مشهد سديم و بحثه المستميت عن "لينا" فتيل الذاكرة في عقل سارلا، فارتجفت يداها وهي تضرب كفا بكف، وتمتمت بصوت مخنوق: 


- يا لغفلتي! كيف فاتني هذا؟ البشر لا يملكون عيونا تبصر في هذا السواد، وحتى 'سديم' المسكين، بجسده هذا، لا يرى.


 استلت من جيبها الداخلي غصنا خشبيا قصيرا وغليظا، رفعته بكلتا يديها أمام وجهها، ثم بدأت تتمتم بكلماتٍ غامضة، حروفها متشابكة ومبهمة، انزاحت معها ملامح "جارج" الواقف بجانبها إلى دهشة صامتة وهو يراقب غرابة الموقف.


وفجأة، انشق رداء الليل عن وهجٍ ساطع؛ اشتعل رأس الغصن بلهبٍ ذهبيّ، فأضاءت الطريق لبضع خطوات أمامهم.


  أبصر سديم "لينا" ملقاة وسط الدرب، فسرت قشعريرة باردة في أوصاله جمدت دمه للحظة، قبل أن يركض نحوها كالمجنون، متمزقا بين الخوف والذهول، جثا على ركبتيه بجانبها، واحتضن وجهها الشاحب بين كفيه المرتجفتين، لم يدرك في غمرة ذعره أنه كان يمسد شعرها بحنوٍّ يائس، بينما بدأت أنفاسه تتقطع وعيناه تترقرقان بالدموع، كان يهمس قائلا: 


- يا رب، أرجوك، لا تدع مكروها يمسّها.


تحت وطأة لمساته الدافئة، بدأت أجفان "لينا" تتحرك، ثم انفتحت عيناها ببطء لتستقبل ضوء الشعلة، فخرج صوتها واهنا،  بالكاد يُسمع:


- سديم، لم أعد أقوى على خطوة أخرى، جسدي.. جسدي  صار ثقيلا.


قاطعها "سديم" بنبرةٍ يغلبها الخوف والحنان، وهو يشد على يدها كأنه يحاول منحها من روحه قوة:
- لا عليكِ يا لينا، لا تتحدثي الآن، سنرتاح هنا قليلا، وأعدكِ.. أعدكِ أننا سنخرج من هذا المكان معا.
                       

صراع الأجيال - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

تعمق النقاش، وكل منهم تمسك برأيه كما تمسك الأشجار القوية بجذورها في وجه الرياح العاتية، وفي خضم هذه العواصف الفكرية، دخل والدهم، وكانت هيبته تتجلى كحكمة موروثة، استمع إليهم بعمق، ثم قال بهدوء:

تحميل الفصول...
المؤلف

الجد: رسالة إلى حفيدي


كانت الساعة الثالثة فجرًا عندما انبثق هذا الإلهام من أعماق ذاكرتي، موقظًا شغفا لم أعد أملك منه إلا القليل، شيئا أدركته متأخرا.


قد عرفت ذلك الوعي، وذلك الانكسار الداخلي، عندما اختلفت مع والدك، كان طموحه يسكنه كقوة دافعة تدفعه نحو المدينة، بينما كنتُ قد عشتُ تلك الحياة، وعرفتُ أثقالها، كل شيء كان سريعًا، كل شيء كان مُعقَّدًا، ومليئًا بالضغوط، لكنني عدت إلى الريف حيث زرت أرضي، ورأيت النور يسقط على وجهها وكأنما يعيد لي الأمل، زرعتُها، وربيّتُ حيواناتي، وكونتُ ثروة من جهد يدي، هنا وجدت معنى حقيقيًا للحياة.


لكن والدك لم يرَ ذلك، بالنسبة له كانت تلك الأعمال البسيطة مجرد تكرار ممل، كان ينظر إلى الأفق، حيث تطل عليه أحلام أكبر، فسألت نفسي حائرا:
لماذا يُثقل نفسه بمثل هذه الأعمال المُتعبة، بينما يمكن أن يطمح إلى شيء أعظم؟!
 هنا كان صدام الأفكار، صراع بين ماضٍ عشته وتجربة أغتنيت بها، وبين مستقبل يُبشِّر بأمل أكبر، ودار صراع أيضا حول مفهوم الحياة، أخبرته بأن الحياة ليست مجرد سعي وراء النجاح، ورد علي وأخبرني:
- بأنها ليست مجرد علاقة عميقة مع الأرض، ومع ما تقدمه لنا. بل يجب أن نبحر في الحياة ونبحث عما يناسبنا ويناسب طموحنا.


أحيانًا يأتي الوعي من تلك الأوقات الصعبة، لذلك أريدك أن تعرف أن كل واحد منا يمتلك نوافذه الخاصة التي تطل على العالم، بعض النوافذ تفتح على آفاق واسعة، بينما أخرى قد تكون ضيقة، لكنها مليئة بالضوء.


لكنني فكرت بيني وبين نفسي، هل من الممكن أن أترك لك إرثًا آخر، إرثًا لا يمكن أن يتلاشى مع الزمن؟! إرثًا فكريًا، قصة تتجاوز جدران هذا البيت، وتُضيء لك الطرق.


وأنا هنا، في هذا البيت المتهالك، أترك لك هذه القصة كإرث لا يزول، لعلها تساعدك على فهم العالم وتقبل ما لا يمكن تغييره، بينما تسعى لتحقيق ما تستطيع.


*****


في قرية هادئة، كان لجلال منزل يحتوي على أربع غرف، وكل غرفة تعكس عالمًا مختلفًا لأبنائه، وكانت نوافذ هذه الغرف تطل على بيت جارهم الكبير، نافذة الابن الأول كانت صافية، وتعكس أشعة الشمس كما تعكس روح التفاؤل في قلبه، بينما نافذة الابن الثاني تميزت ببقع بسيطة من الأوساخ، أما الابن الثالث، فقد كانت غرفته بلا نافذة، ويعيش في ظلام عزلته، بينما نافذة الابن الرابع كانت مغطاة بالظلال، وكأنها تخفي عالماً من اليأس.


اجتمع الإخوة الأربعة في صالة الجلوس كالعادة، وبدأوا الحديث حول جارهم، فقال الابن الأول بنبرة حماسية، كأنه يطلق طيور الفرح:


- هل رأيتم غسيل جارتنا؟! إنه ناصع البياض، كأنه يرقص تحت ضوء الشمس! أراه يرفرف كالأمل.


أجابه الابن الثاني عابسًا، وكأن الأوساخ التي تراكمت على نافذته قد استوطنت قلبه:


- لا أرى ما تراه، بل أرى بقعًا وعلامات تدل على الإهمال، ما تراه ناصعًا، أنا أراه ناقصًا. 


في تلك اللحظة، نظر الابن الثالث، الذي لم تكن لديه نافذة إلى إخوته، وكأنّ صوته جاء من أعماق الوجود:


- أنتم تتحدثون عما شاهدتموه، وأنا لا أستطيع الحكم، إذ إنني محاصر في عتمة غرفتي، فكيف لي أن أتخيل ما تخبرونني به؟....هل سألتم أنفسكم كيف أعيش؟!


أما الابن الرابع، فكان صوته عاصفًا، مفعمًا بالتشاؤم:


- كيف يمكنكم الحديث عن ناصع البياض أو حتى بقع خفيفة؟ ما أراه هو زبدة متعفنة، وشديد الاتساخ.


تعمق النقاش، وكل منهم تمسك برأيه كما تمسك الأشجار القوية بجذورها في وجه الرياح العاتية، وفي خضم هذه العواصف الفكرية، دخل والدهم، وكانت هيبته تتجلى كحكمة موروثة، استمع إليهم بعمق، ثم قال بهدوء:


- ليس بالضرورة أن تعكس رؤيتكم الحقيقة الكاملة، وإن كل منكم ينظر من نافذته الخاصة، وكل نافذة تحكي قصة مختلفة. 


الحقيقة ليست مجرد صورة ثابتة، بل هي تجربة متغيرة، تتجلى في أبعاد متعددة، لتدركوا عمق الحياة يجب أن تخرجوا من غرفكم، وأن تخطوا خطوات نحو المجهول.


شعر الإخوة بدفء كلمات والدهم، وكأنها شعاع شمس يخترق غيومهم، فقرروا الخروج إلى الحديقة.


هناك اكتشفوا أن الغسيل بالفعل ناصع البياض، ويلمع كالأمل الذي يبعث في النفوس الحية، ورأوا كيف بدت الحقول خلف حديقة الجار، كانت كلوحة فنية تتجلى فيها ألوان الحياة، الأخضر، والأصفر، والأزرق، تداخلت الألوان كما تداخلت أفكارهم، واكتشفوا أن كل لون يحمل قصته الخاصة.


وهكذا أدركوا أن الحقيقة كانت أكبر بكثير مما رأوه من نوافذهم، وتعلموا أن الرؤية ليست مجرد نظرة سطحية، بل هي رحلة نحو الفهم، وتتطلب شجاعة للخروج من المناطق المريحة، لتلامس جماليات وتعقيدات الحياة، وأدركوا أن الاختلاف هو جزء من الوجود، وأن التفاهم والتعاطف يمكن أن يفتحا أمامهم آفاقًا جديدة.


يا بني الغالي لقد تشكلت هذه القصة في ذهني عندما رأيت أطفال الحي يلعبون لعبة الأرقام، حيث كانت ريم الكبرى بينهم، تتأمل الرقم الذي كتبته على الأرض، أما خالد وعلي يقفان متقابلين، وكأنما يجسدان صراع الأفكار، فقال خالد بحماسة، وهو يشير إلى الرقم كأنه يسلط الضوء على اكتشافه:


- إنه الرقم ستة! انظر.


رد علي باستغراب، كأنما يتحدى واقعًا مألوفًا:


- لا، إنه تسعة! أستطيع رؤية الشكل بالكامل.


مع تزايد الضحك الذي تحول إلى جدال، ارتفعت أصواتهم، حيث اعتبر كل منهما الآخر جاهلًا في نظره، وكان الأمر وكأنهما يحاولان أن يفرض كل منهما رؤيته الخاصة على الآخر، فقال خالد، وهو يلوح بيديه تعبيرًا عن عدم فهم علي:


- كيف يمكنك أن ترى تسعة؟! الأمر واضح كالشمس في السماء!


رد علي بانفعال، وكأن غضبه يسحب معه كل الشكوك:
- لكنني أرى تسعة! ... أنت المخطئ!


وقفت ريم بجانب خالد، مدافعة عن رأيه، مما جعل علي يشعر بالخذلان، فقال بوجه عابس:


- أنتما لا تفهمان! وإنكما غبيان.


للحق لو كنت بجانب علي سترى الرقم تسعة، وإذا كنت بجانب خالد سترى الرقم ستة، وريم كانت ترى خالد هو الفائز لأن رغبتها كانت في الرقم ستة، وكل منهما يتهم الآخر بالجهل، والغباء، والتحيز، فجعلتهم يتبادلون الأدوار، ويخرجون من نوافذهم الفكرية، فوجدوا أن الرقم يحمل وجهين.


ندرك من خلال هذه القصص أن الفهم الكامل يتطلب نظرة أوسع، فلو تمكن الجميع من تجاوز أنانيتهم، والتواصل مع بعضهم، لاستطاعوا اكتشاف جوهر الحقيقة معًا، حيث تصبح التعددية مصدر غنى وليس مصدراً للصراع.


لو أنني أدركت هذه الحقيقة قبل رحيل والدك إلى المدينة، لما نشأ الخلاف حول العمل في الريف أو المدينة، لو فهمت مبكرًا أن ما أراه ليس بالضرورة ما يراه الآخرون، لتمكنا من خلق مساحة للتفاهم. 


نصيحتي لك يا حفيدي، هي أن تتحلى بالقدرة على قبول اختلاف الآراء؛ لأن الحقيقة ليست ثابتة، بل تتغير بتغير الزوايا التي ينظر منها الأشخاص، لذا لا يجب أن تقتصر نظرتك إلى العالم على ما تراه من نافذتك الخاصة، بل من المهم أن تنظر إلى الوجود كما هو، وأن تتأمل في تنوع التجارب، والمشاعر التي تشكل حياة الآخرين، فكل منظور هو عالم بحد ذاته، وكل إنسان يحمل قصة تستحق الاستماع.


وإن هذا التفاعل الغني بيننا هو ما يتيح لنا اكتشاف عمق الإنسانية، حيث يدفعنا التلاقي إلى تجاوز حدود أنفسنا، والانفتاح على آفاق جديدة كانت تخفى عنا، حينها ندرك أن الحياة ليست مجرد مشهد واحد، بل هي سمفونية متنوعة تتداخل فيها النغمات.


فلسفة الحياة تتطلب منا التواضع أمام تنوع الآراء، حيث تحمل كل فكرة في طياتها فرصة لإعادة تشكيل نظرتنا؛ وكل حوار يمثل دعوة لاستكشاف أعماق الذات والآخر، مما يجعلنا نكتشف الجوانب المخبأة في وجودنا، لهذا دعنا نتحلى بالشجاعة لنواجه اختلافاتنا، ونجعل من تلك الاختلافات نقطة انطلاق نحو عالم أكثر فهمًا وتواصلًا.


في هذا السياق، تتحول المحبة إلى قيمة سائدة، وتصبح نافذة تضيء لنا معاني جديدة تُغني تجربتنا الإنسانية، فعندما نتقبل تنوع الآراء ونتفاعل مع الآخرين بعمق؛ نُعيد تشكيل عالمنا، ونغرس بذور الفهم والتعاطف، مما يجعل الحياة تجربة غنية وملهمة، مليئة بالدروس، والأفكار التي تعكس جمال الإنسانية.


########
الابن


تحت أضواء المدينة التي لا تنام، وفي ظلام غرفتي المخصص للكتابة، اندلعت حوارات داخل عقلي، وكأنني أستمع إلى صدى أفكاري تتردد بين شغف الذكريات، واستشراف المستقبل.


كان الشوق يعصر قلبي، كلما تذكرت رائحة التراب تحت الأمطار في قريتي، تلك المساحة التي لطالما احتضنتني، تركتها معتقدًا أن أحلامي ستزدهر في المدينة، حيث الفرص تتلألأ في كل زاوية، ولقد صدق حدسي، وحققت نجاحات باهرة، ولكنني خسرت ما لا يُقدّر بثمن، أصدقاء الطفولة، بساطة الحياة، ووالدي الذي كانت أفكاره تعصف بأحلامي.


كان أبي بصرامته المعهودة، يصر على أهمية الزراعة، وسقي الأرض، وفي خضم ضغوط الحياة، كنت أراها جهدًا بلا قيمة، روتينًا يفتقر إلى السحر.


في قلب الصراع، كان أبي قد عاش تجربة المدينة، وعاد منها محملًا بخساراته، لا بل بألم عميق يجعله يرفض فكرتي، كان يخشى أن أكرر تجربته الفاشلة، وعندما حاولت أن أشرح له أن لكل منا نظرته الخاصة، كان يرد بكلمات ثقيلة، تتدفق من قلب مُجَرح، شعرت كأنما أصطدم بجدار صلب.


كنت بعد ذلك الصراع سأفقد الأمل، ولكن شعرت بقلبي يتمزق عندما رأيت ابني الصغير، كأنما ألقيتُ بظلال ماضيّ عليه...لقد سألت نفسي، هل سأدع هذا الإرث من القلق والتعب يلاحقه؟! 


لقد تركت القرية، وذهبت إلى المدينة بقلبي المليء بالأحلام، عملت أولا في محل صغير، فرحت أقسم راتبي وكأنما أُوازن بين الحلم والواقع، وأخفي جزءًا منه ككنزٍ سرّي، ثم استثمرت في شركة ناشئة التي بفضل الحظ والإرادة نجحت، وسرعان ما تحولت الأموال القليلة إلى أموال تتيح لي شراء الأراضي والشاحنات، ولكن في خضم هذا النجاح، كانت هناك ثغرة عميقة في نفسي، شعور بفقدان الروح، فنما بداخلي رغبة قوية في مساعدة أبي، ولكن كبرياؤه كان أقوى من حنيني، أدركت من أخي أنه يشتاق لي، لكنه كان يكابر، وفي عمق قلبي كنت أبحث عن مصالحة.


عندما مرض أبي، كان قلبي يصرخ في حزن لم أشعر به من قبل، ركضت إلى قريتي حيث استقبلني التراب كعناق دافئ، كنت أستشعر الطمأنينة، وأدركت أن ما فقدته في المدينة لا يُعوّض، وعندما زرته في المستشفى، جاءني صوت الحقيقة، يعبر عن اعترافه بفشله في إدراك مزايا الحياة في المدينة، رددت عليه بأن الحياة في القرية رغم مشقتها، تحمل سحرًا يتجاوز النجاح المادي.


أما عن ابني، فلما أعطاه أبي إرثًا فكريا، منحته نصائح إضافية تفيده؛ لأنه أراد أن يبدأ مشروعًا جديدًا في القرية، عملا يجمع بين عبق الماضي ورؤية المستقبل.


فعندما دعمته، شعرت أنني أشارك في رسم لوحات جديدة في مشهد الحياة، وكأننا نعيد بناء ما تهدم في أعماقنا، ونخلق مساحات جديدة من الأمل والنور، أدركت أن الصراع بين الأجيال يتجاوز مجرد الاختلافات السطحية بل يتعمق في صميم المفاهيم التي تحدد ما نحتاج إليه وما نتوق إليه، بينما يجسد ابني الروح التي عايشتها في الماضي، تجلّت أمامي حقيقة عميقة: أن الحياة ليست مجرد سعي وراء النجاح المادي، بل هي رحلة معقدة تتطلب فهمًا عميقًا للذات، وتوازنًا دقيقًا بين الطموحات العريضة، وواقع الحياة المتقلب، فكل خطوة نخطوها، وكل تجربة نمر بها تضيف عمقًا إلى فهمنا لوجودنا، وتعزز من إعادة تشكيل رؤيتنا للمستقبل.


####
الحفيد


تنفست الصعداء عندما استطعت الجمع بين ماضي الأجداد، وحاضرنا المتجدد، في لحظة من التأمل أدركت أنني أصبحت الجسر الذي يربط بين الكثير من المتناقضات، وكان قراري هذا نتيجة قراءة متمعنة لما كتبه جدي وقاله أبي لي، حيث تجسدت فيهما الحكمة والتجربة.


دعوني أروي لكم باختصار قصة جدي وأبي.


في شبابه، عاش جدي تجربة مؤلمة تركت في نفسه أثرًا عميقًا، حيث واجه خسارة فادحة في المدينة. تلك المحنة لم تكن مجرد نقطة تحول، بل كانت دعوة للعودة إلى قريته، حيث استجمع قواه واستعاد رابطته بالأرض، وبدأ رحلة شاقة نحو تحقيق النجاح. 
ومع ذلك لم يكن هدفه مجرد تحقيق الثراء، بل كان يسعى لتوريث هذا العمل لأبنائه، ليعكس قيم الكد والجد.


ثم جاء أبي، يحمل نظرة جديدة تتطلع إلى الأمام، معارضًا أفكار جدي الثابتة، وفي رؤيته كان التجديد سبيلاً للثراء، وكانت المدينة تمثل له أفقًا بلا حدود.


ترك القرية وراءه، غارقًا في أحلام الفرص اللامتناهية، ونجح في تحقيق ما لم يكن جدي يتخيله. 


لكن هذا النجاح جاء مع ثمن، فبينما استطاع أبي أن يحقق إنجازات مادية، كانت جذوره تنفصل عن تلك الأرض التي أسس عليها جدي أحلامه، وفي هذا التوتر بين الأجيال، يتجلى السؤال الأعمق، هل يمكن للنجاح المادي أن يعوض عن الفقدان الروحي؟! وهل نحتاج حقًا إلى أن نفقد أنفسنا في سعي مستمر نحو الجديد، أم أن العودة إلى الجذور هي ما يمنحنا المعنى الحقيقي للحياة؟!


إن رحلة الأجيال تجسد صراعًا بين الثبات والتجديد، بين الحنين للماضي والطموح للمستقبل، وما بين تلك الفلسفات المختلفة، تكمن حقيقة الحياة: أن كل تجربة، مهما كانت مؤلمة، هي جزء من إرثٍ يتجاوز الأفراد، وينسج تاريخًا يتطلب منا أن نعيد التفكير في معاني النجاح والثراء.


عندما قررت البدء بمشروع في القرية، لم أواجه معارضة صريحة من أبي، لكن نظراته كانت تحمل الكثير من الشك، ولأنه يعرف كيف يمكن لأفكار الرفض أن تخنق الشغف، لم يقف أمام عملي، وكان داعما كبيرا لي.


في هذه الأثناء جهزت مصانع متعددة، بما في ذلك مصنع للعصائر الطبيعية والمنتجات الغذائية، وحرصت على استخدام أحدث المعدات، فنجحت في توفير فرص عمل لشباب القرية، وأسهمت في جلب منتجات نظيفة ولذيذة إلى المدينة، ولكن هل كانت نجاحاتي تعني أن أبي لم يكن قادراً على تحقيق ذلك في القرية، وخاصة لو توفر المال الذي عندي لديه؟! ... وهل كان جدي سيفشل في زمن تتوفر فيه الفرص؟! في الحقيقة نحن جميعا نتاج أفكارنا وتجاربنا، وتختلف الظروف بين الأجيال، مما ينعكس على رؤيتنا للحياة.


ما توصلت إليه هو أن الأفكار تتجدد، وأننا نعيش في عالم متغير باستمرار، إن الزوايا التي ننظر منها إلى الحياة تتشكل بناءً على تجاربنا، لذا أؤمن بأن الحل يكمن في التعلم من الماضي مع الانفتاح على الجديد.


وأخيرا النجاح هو مفهوم يتجاوز مجرد تحقيق الأهداف المرسومة، فهو تجسيد لتجاربنا ونموّنا الشخصي في سياق الحياة، إن التكيف مع التحديات والقدرة على الابتكار يعكسان عمق فهمنا لذاتنا وللعالم من حولنا، في هذا الإطار تصبح الرحلة ذاتها أداة للتطور، حيث تُساهم كل خطوة نخطوها في تشكيل هويتنا وقيمتنا.
		       

رواية صراع الأجيال

صراع الأجيال
8.0

صراع الأجيال

مشاهدة

قصة الرواية

بين جدران الزمن، تتدفق حكاياتنا لتنسج جسر يصل الماضي بالمستقبل. هذه ليست مجرد قصة عن جد وأب وحفيد، بل هي رحلة في أعماق "المنظور الإنساني"؛ تساؤل دائم حول كيف نرى العالم، ومن أي نافذة نطل عليه؟ في هذه الصفحات، ستجد صراع الطموح مع الانتماء، واصطدام الأحلام بالواقع، ولكنك ستكتشف قبل كل شيء أن الحقيقة لا تملك وجه واحد، بل هي لوحة كبرى نتشاطر جميعنا رسم ألوانها. هي دعوة لنبذ الخلاف، والبحث عن المساحات المشتركة التي تولد من رحم الاختلاف.

تفاصيل العمل

التصنيف: اجتماعية
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
الجد الأب الحفيد
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

الفصل الخامس - رواية ملوك الظلال

جاري التحميل...

الفصل الخامس

كانت مشيته بخطوات الهويناء تحرق أعصاب روحه، فتمنى في أعماقه لو يسرع الخطى لعل سرعة الحركة تخفف وطأة الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل بحيرة مريرة تفتك به: - هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا، قد لا تستمع لي أبدا، بل ربما ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو طريق ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟

تحميل الفصول...
المؤلف

عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل بحيرة: 
- هل كان هذا وخز الذنب لأنه يقودها بيده نحو خطر قد يسحق روحها الرقيقة، أم أنها مرارة الخيانة لثقة  منحتها له؟
كانت مشيته بخطوات الهويناء تحرق أعصاب روحه، فتمنى في أعماقه لو يسرع الخطى لعل سرعة الحركة تخفف وطأة الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل بحيرة مريرة تفتك به:
- هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا، قد لا تستمع لي أبدا، بل ربما ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. 
كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو طريق ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟


واصل سديم معاتبة نفسه بمرارة لاذعة، وشعر بضيق في تنفسه كأن هواء الغابة قد نضب، فحدث نفسه بصوت بمرارة مكتومة:
- كيف لي أن أخدع نفسا تؤمن يقينا بأني ملاذها وصديقها الصدوق؟ كيف تسير خلفي بهذا الهدوء وهي لا تدري أن كل خطوة تخطوها تقربها من فخ نصبته لها بيدي؟


كانت ملامح وجهه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح بصرة بعيدا نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء ذلك الصراع الذي يعصف بكيانه، بينما كان قلبه يرتجف خلف ضلوعه كعصفور سجين، يدرك أن حريته ثمنها غدر لا يغتفر لصديق.


بينما كان سديم يغرق في عمق تساؤلاته التي لا تنتهي، كانت الغابة تخلع عنها رداء النهار لتكتسي بوحشة قاتمة، ومضى الأفق يبتلع آخر خيوط الشمس حتى استسلم المكان لظلمة مهيبة. وفي قلب ذلك السواد، بدأت الفراشات المضيئة تنبثق من بين الشجيرات بكثافة مذهلة، فاستحالت العتمة لوحة منقوشة بنقاط النور الراقصة، مما جعل لينا تتسمر في مكانها بذهول صامت، وهي تتابع تلك الكائنات الساحرة بأعين ملتمعة بالدهشة.
كان سديم يسرق النظرات نحوها، يراقب انعكاس الضوء الضئيل في محجريها وتلك الفرحة الطفولية التي ارتسمت على محياها، فغرس ذلك المشهد في صدره حسرة مريرة؛ إذ كان ضميره يوبخه كلما التفت ليطمئن عليها، مدركا أن هذه الأحراش تخفي في جوفها قسوة لا ترحم، غير أن تصميمه كان يتصلب داخل أعماقه كالصخر، مقسما على نفسه أن يبلغ بها وجهتها المنشودة مهما كانت الأثمان التي سيقبضها الغموض منه.
وفجأة، تمزق سكون الغابة الرخيم تحت وطأة خطوات سريعة ومضطربة، كان وقعها على الأرض اليابسة يوحي بقدوم خطر وشيك. تجمد سديم في مكانه لثوان، قبل أن يندفع بجسده ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيار كهربائي، همس بصوت خفيض مثقل بالحماية:
"لا تقلقي.. أنا معك، ولن يطال جسدك أي مكروه ما دمت حيا."
تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباح مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فانتفضت أعصابه وتشنجت عضلات كتفيه وهو يحدق في المجهول القادم. كان سديم يعلم يقينا أن هذه الغابة المضطربة قد تقذف في وجه المرء أهوالا لا يستسيغها العقل البشري، فدار في خلده نداء حار وهو يشعر بضعفه: "ليت القادم يكون من أبناء مملكتنا، فجسدي الإنسي الهالك هذا لن يقوى على مجابهة جني أو ردع بطش غيبي، سأكون عاجزا تماما عن حماية نفسي أو حمايتها."
برز ظلان من بين الشجيرات الكثيفة، يتهاديان كطيفين غامضين تحت الضوء الشحيح الذي تذرفه الفراشات، وفي تلك اللحظة التي بلغ فيها اضطراب قلبه ذروته، شق سديم الصمت بصوت حاد، نبرته تحمل مزيجا من التوجس والتحدي:
"من أنتما؟!"


حين دنا الظلان وبرزت ملامحهما تحت ضوء الفراشات المتراقص، انفرجت أسارير سديم الذي كان يتأهب لأسوأ الاحتمالات، فزفر زفرة ارتياح طويلة بددت بعضا من تشنج عضلات صدره، ثم قال بنبرة معاتبة خالطها صدى التوتر الباقي في حنجرته:
"أنتما؟!"
كان صديقاه يبتسمان بريبة غامضة حين وقعت أنظارهما على لينا القابعة خلفه، وتقدم "جارح" بخطواته الثقيلة التي كانت تهز السكون الرخيم، وسأل مستفهما بنبرة حملت في طياتها تساؤلا لم يكتمل:
"إذا.. هل وجدت.."
قاطعه سديم بحدة مباغتة، مغلقا عليه طريق الكلام قبل أن يفضح سره المدفون الذي يخشى اهتزازه أمامها، وقال بلهجة حاسمة:
"نعم، لقد وجدت من أوصى الشيخ بضرورة مساعدتها."
تبادل الصديقان نظرة ذات مغزى، صمتت فيها الكلمات وتحدثت فيها العيون بلغة لم تفهمها لينا، قبل أن تستدرك "سارلا" الموقف بذكاء فطري، قائلة برقة مصطنعة وهي تميل برأسها قليلا:
"آه.. فهمت، أنت إذا الفتاة التي أمرنا الشيخ بحمايتها."
بحثت لينا في ملامحهما برعب لم يتبدد تماما، وكان ضياء الفراشات المنسكب فوقهما يتلاعب بتفاصيل الوجوه، يظهرها تارة بوضوح ويخفيها تارة أخرى خلف ستائر من ظلال متأرجحة، لكنها استنتجت من هيئتهما الخارجية أنهما ينتميان لعالم البشر، فسمحت لنفسها أن تتنفس الصعداء قليلا وهي تحدث نفسها بصوت داخلي خافت: "ربما كنت مخطئة في هواجسي السوداوية، لابد أنهم صادقون في رغبتهم بمد يد العون لي."
كان "جارح" رجلا ضخم البنية، عريض المنكبين كأنه قطعة من صخر الغابة، يتميز بأنف طويل وعينين بنيتين عميقتين تشبهان بئرا مهجورا لا يدرك أحد قاعه. أما "سارلا"، فكانت تبدو رقيقة الملامح، بخصلات شعرها الفاحم الذي ينسدل كموج الليل، وعينيها السوداوين اللتين تماثلان في عتمتهما ليل الغابة الدامس.
مدت سارلا يدها وأمسكت بيد لينا بلطف هادئ، وأكد كلاهما بكلمات قاطعة ونظرات واثقة أنهما سيظلان بجانبها ويحفظان أمنها من غدر الطريق، وفي تلك اللحظة بدأت أسوار الشك العالية لدى لينا تنهار لبنة تلو أخرى، رغم وجود ذلك الصوت الضئيل الذي لا يزال يطن في أعماق روحها، هامسا بوجل: "أهذا الذي يحدث حقيقة ملموسة، أم مجرد كذبة منسوجة بإتقان لجر القادم نحو الهاوية؟"
		       

ملوك الظلال - الفصل الرابع

جاري التحميل...

الفصل الرابع

هناك، تجسد الكابوس أمام ناظريها في أبشع صوره؛ حيث انبعثت من العتمة ظلالٌ شديدة السواد، تفوق بظلمتها قتامة الغابة، ممتدة بطولٍ مرعب وهيئات مشوهة تحاكي وحوشاً ضارية، لم تكن ملامحها واضحة، باستثناء أعينٍ حمراء كانت تطفو في الفراغ كجمراتٍ مشتعلة، تخبو وتتوهج مع كل شهيق وزفير صامت، وكأنها تتربص بها في قلب ذلك السكون الموحش. تجمدت ملامح وجهها، ويبس لسانها في فمها، وشعرت بجسدها يتحول إلى قطعة من الجليد لا تقوى على الحركة.

تحميل الفصول...
المؤلف

دون وعي منها، وبفعل غريزة البقاء، تمسكت لينا بطرف ردائه، غارت أصابعها في القماش الخشن وكأنها تتشبث بآخر حبل للنجاة، وسألته بهمس متهدج بالكاد يخرج من حلقها الذي جف تماما:


- سديم، عن أي ظلال تتحدث؟


التفت سديم بكامل جسده نحوها، ،ثم أشار بيده ببطء إلى يمينها حيث الظلام خلف الجذوع الملتوية.


وهناك، تجسد الكابوس أمام ناظريها في أبشع صوره؛ حيث انبعثت من العتمة ظلالٌ شديدة السواد، تفوق بظلمتها قتامة الغابة، ممتدة بطولٍ مرعب وهيئات مشوهة تحاكي وحوشاً ضارية، لم تكن ملامحها واضحة، باستثناء أعينٍ حمراء كانت تطفو في الفراغ كجمراتٍ مشتعلة، تخبو وتتوهج مع كل شهيق وزفير صامت، وكأنها تتربص بها في قلب ذلك السكون الموحش.
تجمدت ملامح وجهها، ويبس لسانها في فمها، وشعرت بجسدها يتحول إلى قطعة من الجليد لا تقوى على الحركة.


شعر سديم بارتجاف كتفيها العنيف، فوضع يديه الغلظتين عليهما ليثبتها، ملقيا بشيء من هدوئه الخارق في روعها، وقال بصوت ينساب هادئا لكنه حازم:


-لا تخافي، لن يؤذوكِ فهم مجرد حراس للغابة، ولكن لو نظرتِ طويلا إليهم سيتبعونكِ إلى أينما ذهبتِ، حتى يجدوا الفرصة، وينقضوا عليكِ لجعلكِ ظلاً مثلهم.


قالت لينا بتلعثم: هل هم من الجن؟


أجاب سديم قائلا: لا، هي فقط أرواح تحرس الغابة من اقتلاع أشجارها.


انتفضت لينا والتفتت نحو سديم بسرعة خاطفة، محاولة الهروب بعينيها من تلك الومضات الحمراء التي كانت ترمقها بفضول مفترس، وقالت بنبرة يملؤها الذعر والتوسل:


- يعني لو نظرتُ أمامي.. لن يتبعوني أبدا؟


هز سديم رأسه ببطء، وظل ممسكا بكتفيها كأنه يحيطها بدرع من القوة، وأجابها وعيناه تلمعان بجدية:
- نعم، إلى الأمام فقط.


رغم طمأنته، ظلت لينا ترتعش وتسترق النظر بين الفينة والأخرى، لترى تلك الظلال التي كانت تتقافز خلف الأشجار،  فرأت أطيافا قصيرة تتدحرج وأخرى طويلة تتسلق الجذوع بصمت مطبق، انكمشت كتفاها نحو الداخل، وكأنها تحاول تصغير حجم جسدها لتتوارى عن تلك الأعين المشتعلة، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تواصل الشد على طرف رداء سديم، استجمعت شجاعتها المتبقية من بين أنقاض رعبها، ورفعت رأسها بصعوبة لتنظر حولها بحذر، ثم خرج صوتها متقطعا يغلفه الخوف:


- قلتَ أن شكلكم مختلف، هل سأرى أحدا منهم الآن بهيئته؟ أم أننا وحدنا في هذا الظلام مع هذه الأشباح؟


  نظر سديم إلى الأعلى، حيث كانت الأغصان تتشابك في تعقيد هندسي غريب، مشكلة قبة طبيعية ثقيلة حجبت ما تبقى من ضياء الشمس، وكتمت الأنفاس في صدورهما، لم يلتفت إليها هذه المرة، بل ظل بصره معلقا بتلك المتاهة الخضراء، وقال بنبرة هامسة، جعلت القشعريرة تسري في جسدها كتيار كهربائي بارد:


-نحن لسنا وحدنا أبدا يا لينا.


في هذه اللحظة، اضطربت دقات قلبها حتى خُيل إليها أن صدى النبض يرتطم بجدران حنجرتها، مما جعل التنفس بحد ذاته جهدا شاقا، فبدأت تمشي خلفه بخطوات حذرة للغاية، وكأنها تطأ على حافة الهواء أو تمشي فوق نسيج عنكبوت واهن؛ كانت تخشى أن يكسر حذاؤها غصنا يابسا، فيوقظ صوته ما يتربص بهما في تلك الزوايا المعتمة.


استمروا في التوغل بوتيرة هادئة، لكن السكون لم يكن مريحا؛ فقد أصبح الهواء من حولهم مشحونا بالترقب، وكأن الأشجار نفسها قد تحولت إلى كائنات حية تحبس أنفاسها، وتراقب عبورهم بفضول صامت.


كانت عينا لينا تتسعان وتضيقان مع كل حركة بسيطة لورقة شجر أو سقطة حشرة، محاولة فك رموز هذا الغموض، بينما ظل وجه سديم كالقناع الرخامي، خاليا من أي تعبير بشري مألوف، سوى من تلك النظرة الغامضة التي كانت تشع من عينيه، نظرة توحي بيقين تام بأنه يرى في هذا الصمت المطبق تفاصيل تعجز فيها لينا  حواسها البشرية عن إدراكها.


كان كل شبر يقطعانه داخل الغابة يزيد من شعور لينا، بأنها تبتعد عن عالم المنطق، وتغرق في لجة عالمٍ محكومٍ بقوانين لا تفهمها.
		       

ملوك الظلال | الفصل الثالث

جاري التحميل...

الفصل الثالث

خفتت الأصوات من حولهما، وبدت الغابة وكأنها تحبس أنفاسها بانتظار إجابته، بينما كانت نظرات لينا معلقة بظهره، تخشى وتترقب اللحظة التي قد يسقط فيها القناع البشري تماما.

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يعد سديم في عينيها ذلك الصديق الغامض، بل تحول إلى لغزٍ مخيف؛ كائن يملك القدرة على تطويع الحقيقة، وربما كان هو الداء والدواء في آن واحد، يمسك بخيوط اللعبة ويحركها ببراعة جنيٍّ أتقن فن الصبر البشري.

 انكمشت على نفسها أكثر، وزاد الفراغ بينها وبينه، فكل كلمة ينطق بها عن "أممهم وقبائلهم" أصبحت في مسمعها مجرد ترانيم تهدف لتخدير حذرها قبل أن يبتلعها عالم لا ينتمي إليها.

 ارتسمت الحيرة والقلق على ارتعاشة شفتيها وهي تسأل سديم  بتوجس بعد أن تذكرت جزء من حديثه:

 - الشكل؟ هل أشكالكم مخيفة إلى حد مرعب؟!


خفتت الأصوات من حولهما، وبدت الغابة وكأنها تحبس أنفاسها بانتظار إجابته، بينما كانت نظرات لينا معلقة بظهره، تخشى وتترقب اللحظة التي قد يسقط فيها القناع البشري تماما.
 
توقف سديم تماما، والتفت إليها بجسده الفارع، بينما غدت عيناه الخضراوان تحت ضوء الغسق المتسلل بين السحب أكثر عمقا واتساعا، وكأنها تمتص ما تبقى من الضياء، انخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر حدة، وهو يقول بصدق جارح:

 - نحن نرى أنفسنا طبيعيين، لكن العقل البشري لن يتحمل، لا أدري كيف ستستقبل عيناكِ حقيقتنا، فما ترينه الآن ليس سوى ثوب أرتديه لأناسب حدود عقلك، أما الحقيقة، فهي أبعد مما يتخيله بصرك.

عند سماع هذه الكلمات، ارتعدت فرائص لينا، وبهت وجهها حتى صار بلون الرماد، وأخذت تنظر إلى كفيه وشكله البشري الذي ألفته، محاولة بشتى الطرق طرد الصور البشعة والخيالات المشوهة التي بدأت تتشكل في عقلها، فكانت تتشبث بصورته الحالية كغريق، رافضة تخيل أي هيئة مخيفة قد يكون عليها صديقها الوحيد في هذا المكان الموحش.

لم تدرِ لينا متى اجتازت تلك الحدود الفاصلة؛ فحديثها مع سديم وغرقها في لجج أفكارها أنساها رهبة الدخول، لكن بمجرد إدراكها لمحيطها، شعرت وكأنها اخترقت غشاء غير مرئي يفصل بين واقعين متنافرين. 

سكنت الحرارة فجأة، وحل محله هواء رطب بارد يحمل رائحة عتيقة وغريبة، مزيجا من المسك ولحاء الشجر المبتل، ونسمة غامضة تشبه رائحة لحم محروق تظهر وتختفي مع الريح.

أما الأوراق  من حولها فكانت تهتز بإيقاع خفي، تنبض وكأنها صدور كائنات حية تتنفس بصمت في عتمة المكان.
 اختفى صرير الرمال تماما، وحل محله همس مبهم يشبه ضحكات بعيدة أو تمتمات بلغة غير مفهومة، مما جعل لينا تسمع دقات قلبها بوضوح مخيف، وكأن الغابة تعمل كمكبر صوت لكل نبضة ذعر تصدر عنها، وتحولت الجذوع من حولها إلى أشكال ملتوية، وقشورها تلمع ببريق معدني خافت كجلد الأفاعي، بينما تراقصت كائنات صغيرة تشبه الفراشات بأجنحة شفافة، تترك خلفها خيوطا من الضوء تتلاشى في الهواء كالدخان الراحل.

وسط هذا الذهول، توقف سديم فجأة أمام جذع ضخم، شجرة عملاقة تبدو كحارس أزلي يقف على أعتاب سرٍّ عظيم، وساد صمتٌ مطبق جعل لينا تشعر بأن الغابة بأكملها تنتظر خطوتهما القادمة.


التفت سديم إلى لينا التي كانت تقف مأخوذة بين ذهولها ورعبها، وعيناها المتسعتين تلاحقان كل حركة وتذبذب في الهواء، ومال برأسه قليلا نحوها، وقال بنبرة متهدجة تحمل تحذيرا مبطنا يسري كالقشعريرة في جسدها:

 - لينا، لا تنظري إلى الظلال طويلا، فالظلال هنا تملك فضولا خاصا، وقد تتبعكِ إن هي أحست بخوفكِ وترددكِ.

دون وعي منها، وبفعل غريزة البقاء، تمسكت لينا بطرف ردائه، غارت أصابعها في القماش الخشن وكأنها تتشبث بآخر حبل للنجاة، وسألته بهمس متهدج بالكاد يخرج من حلقها الذي جف تماما:

 - سديم، عن أي ظلال تتحدث؟

التفت سديم بكامل جسده نحوها، ،ثم أشار بيده ببطء إلى يمينها حيث الظلام خلف الجذوع الملتوية.

وهناك، تجسد الكابوس أمام ناظريها في أبشع صوره؛ حيث انبعثت من العتمة ظلالٌ شديدة السواد، تفوق بظلمتها قتامة الغابة، ممتدة بطولٍ مرعب وهيئات مشوهة تحاكي وحوشاً ضارية، لم تكن ملامحها واضحة، باستثناء أعينٍ حمراء كانت تطفو في الفراغ كجمراتٍ مشتعلة، تخبو وتتوهج مع كل شهيق وزفير صامت، وكأنها تتربص بها في قلب ذلك السكون الموحش.
تجمدت ملامح وجهها، ويبس لسانها في فمها، وشعرت بجسدها يتحول إلى قطعة من الجليد لا تقوى على الحركة.

شعر سديم بارتجاف كتفيها العنيف، فوضع يديه الغلظتين عليهما ليثبتها، ملقيا بشيء من هدوئه الخارق في روعها، وقال بصوت ينساب هادئا لكنه حازم:

 -لا تخافي، لن يؤذوكِ فهم مجرد حراس للغابة، ولكن لو نظرتِ طويلا إليهم سيتبعونكِ إلى أينما ذهبتِ، حتى يجدوا الفرصة، وينقضوا عليكِ لجعلكِ ظلاً مثلهم.

قالت لينا بتلعثم: هل هم من الجن؟

أجاب سديم قائلا: لا، هي فقط أرواح تحرس الغابة من اقتلاع أشجارها.

انتفضت لينا والتفتت نحو سديم بسرعة خاطفة، محاولة الهروب بعينيها من تلك الومضات الحمراء التي كانت ترمقها بفضول مفترس، وقالت بنبرة يملؤها الذعر والتوسل:

 - يعني لو نظرتُ أمامي.. لن يتبعوني أبدا؟

هز سديم رأسه ببطء، وظل ممسكا بكتفيها كأنه يحيطها بدرع من القوة، وأجابها وعيناه تلمعان بجدية:
 - نعم، إلى الأمام فقط.

رغم طمأنته، ظلت لينا ترتعش وتسترق النظر بين الفينة والأخرى، لترى تلك الظلال التي كانت تتقافز خلف الأشجار،  فرأت أطيافا قصيرة تتدحرج وأخرى طويلة تتسلق الجذوع بصمت مطبق، انكمشت كتفاها نحو الداخل، وكأنها تحاول تصغير حجم جسدها لتتوارى عن تلك الأعين المشتعلة، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تواصل الشد على طرف رداء سديم، استجمعت شجاعتها المتبقية من بين أنقاض رعبها، ورفعت رأسها بصعوبة لتنظر حولها بحذر، ثم خرج صوتها متقطعا يغلفه الخوف:

 - قلتَ أن شكلكم مختلف، هل سأرى أحدا منهم الآن بهيئته؟ أم أننا وحدنا في هذا الظلام مع هذه الأشباح؟

  نظر سديم إلى الأعلى، حيث كانت الأغصان تتشابك في تعقيد هندسي غريب، مشكلة قبة طبيعية ثقيلة حجبت ما تبقى من ضياء الشمس، وكتمت الأنفاس في صدورهما، لم يلتفت إليها هذه المرة، بل ظل بصره معلقا بتلك المتاهة الخضراء، وقال بنبرة هامسة، جعلت القشعريرة تسري في جسدها كتيار كهربائي بارد:

 -نحن لسنا وحدنا أبدا يا لينا.

في هذه اللحظة، اضطربت دقات قلبها حتى خُيل إليها أن صدى النبض يرتطم بجدران حنجرتها، مما جعل التنفس بحد ذاته جهدا شاقا، فبدأت تمشي خلفه بخطوات حذرة للغاية، وكأنها تطأ على حافة الهواء أو تمشي فوق نسيج عنكبوت واهن؛ كانت تخشى أن يكسر حذاؤها غصنا يابسا، فيوقظ صوته ما يتربص بهما في تلك الزوايا المعتمة.

استمروا في التوغل بوتيرة هادئة، لكن السكون لم يكن مريحا؛ فقد أصبح الهواء من حولهم مشحونا بالترقب، وكأن الأشجار نفسها قد تحولت إلى كائنات حية تحبس أنفاسها، وتراقب عبورهم بفضول صامت.

 كانت عينا لينا تتسعان وتضيقان مع كل حركة بسيطة لورقة شجر أو سقطة حشرة، محاولة فك رموز هذا الغموض، بينما ظل وجه سديم كالقناع الرخامي، خاليا من أي تعبير بشري مألوف، سوى من تلك النظرة الغامضة التي كانت تشع من عينيه، نظرة توحي بيقين تام بأنه يرى في هذا الصمت المطبق تفاصيل تعجز فيها لينا  حواسها البشرية عن إدراكها.

كان كل شبر يقطعانه داخل الغابة يزيد من شعور لينا، بأنها تبتعد عن عالم المنطق، وتغرق في لجة عالمٍ محكومٍ بقوانين لا تفهمها.
		       

ملوك الظلال - الفصل الثاني

جاري التحميل...

الفصل الثاني

ساد صمت ثقيل، وتجمد الهواء بينهما بينما شردت نظرات "سديم" نحو الأفق البعيد، ثم أعاد بصره إليها، وكانت عيناه تحملان حزنا غائرا، ثم أجاب بنبرة هادئة:

تحميل الفصول...
المؤلف

فتحت لينا جفنيها ببطء، فباغتها وهج الشمس وهو ينسكب فوق الكثبان الرملية التي لا تنتهي، كأنها بحر ذهبي يمتد ليذوب في أفق السماء الباهت. 
ساد الصمت من حولها، ولم يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتجفة، حاولت أن تستعيد ما جرى، لكن آخر ما تتذكره كان وجه صديقها، ثم ظلامًا يبتلع كل شيء. 

وقفت لينا ونفضت عنها رمال الصحراء،  ثم شعرت بوخزٍ غريب سرى في عمودها الفقري؛ كأنَّ نسمة جليدية لامست عنقها،  التفتت بذعر، فتجمدت ملامحها وتيبست الكلمات على شفتيها المرتجفتين أمام ذاك الوجه الذي تعرفه جيدا.

كان سديم يقف هناك، بذات الهدوء الذي اعتادته، وابتسامته التي كانت يوما مرفأ أمانها، يلوح بيده بتمهل وكأنه كان ينتظر قدومها منذ فترة:
- لينا.. أهلا بكِ.

خرجت حروفها مخنوقة، تتصارع مع دهشتها: 

- سديم؟ ما الذي تفعله هنا؟ كيف... كيف لحقت بي؟ هل أنت فعلا.

توقفت الكلمات عند طرف لسانها، وتلاشت الحروف التي كانت توشك على النطق بها لتترك خلفها صمتا مفاجئا ومطبقا.
 شعرت ببرودة تسري في أطراف أصابعها، وفي تلك الفجوة من الصمت، دوت كلمات الشيخ العجوز داخل رأسها،  كأجراس ضخمة يتردد صداها في أروقة وعيها، هازّة كيانها من الداخل:

- سيكون لي أعوان وأصدقاء، يتشكلون بهيئة البشر، ينتظرونك هناك ليشدوا عضدك ويساعدوك.

كان وقع هذه الكلمات كافيا ليجعل نبضات قلبها تتسارع في إيقاع مضطرب خلف أضلاعها، اتسعت حدقتا عينيها وثبتت نظرتها في الفراغ، بينما بدأ عقلها ينسج خيوطا مضطربة بين الماضي والحاضر.

 وفجأة، غامت الرؤية أمامها حين ترقرقت الدموع في عينيها،  وتمنت لو أن الرمال تنشق وتبتلعها، لتختفي عن هذا العالم قبل أن تواجه الحقيقة المريرة التي بدأت تتشكل ملامحها أمامها.

سكنت حركتها تماما، وأطبقت شفتيها محاولة استجماع شتات نفسها، لكن فضولها لمعرفة الحقيقة، كان أقوى من قدرتها على الكتمان، فرفعت بصرها نحوه، وسألته بصوت واهن يرتجف بشدة:

 - أجبني بصدق.. هل أنت منهم؟ هل أنت جني؟


ساد صمت ثقيل، وتجمد الهواء بينهما بينما شردت نظرات "سديم" نحو الأفق البعيد، ثم أعاد بصره إليها، وكانت عيناه تحملان حزنا غائرا، ثم أجاب بنبرة هادئة:
 - نعم، يا لينا.

 شعرت لينا وكأن الأرض قد مالت من تحت قدميها؛ اختل توازنها فجأة وترنحت إلى الخلف، وكأن الكلمات من دفعتها، فتقدم سديم نحوها بخطوة سريعة، مدفوعا برغبة في إسنادها، لكنها انتفضت بذعر لم يعهده فيها من قبل، رفعت يدها في وجهه بحركة دفاعية متشنجة، كمن يصد هجوما من كائن مفترس، وصرخت بنبرة مخنوقة:

 - لا تلمسني!

توقف مكانه فورا، وتصلبت أطرافه، بينما كانت هي تحدق في كفه الممدودة برعبٍ جديد، لم تعد ترى فيها اليد التي كانت تساعدها في حمل الكتب بالجامعة، بل رأت مخالب خفية تتربص بها خلف قناع الجلد البشري.

 تراجعت خطوة أخرى، وهي تشهق بأنفاس متلاحقة، وقالت بصوت يملؤه الارتياب:

 - كيف لي أن أعرف أنك لا تكذب الآن أيضا؟ الجامعة، المحاضرات، كل تلك الشهور كانت مسرحية؟
ما الذي تريده بالضبط؟ هل تريد أن تؤذيني؟!

 أجاب سديم، وقد لبس وجهه برودا أخفى خلفه عاصفة من الانزعاج والحزن الذي يعتصر قلبه، وقال:

 - لو كنتُ أريد بكِ  شرا،  لما انتظرت كل هذا الوقت يا لينا، أنا هنا لأنقلك مباشرة للملك ولأساعدك.

ثم أردف بهدوء، كمن يحاول تهدئة عاصفة هبّت فجأة:

 - أنا لم أخدعك يوما، هل تذكرين ذلك المساء في المكتبة حين أخبرتك بحقيقتي؟ لقد ضحكتِ طويلا ونعتني بالمجنون، لم أخفِ شيئا، لكن عقلك البشري هو من اختار التكذيب بدل التصديق.

وقعت كلماته عليها كالصدمات المتتالية، فشعرت بغصة تخنق صوتها، وقاطعته بحرقة بينما انهمرت دموعها  بغزارة فوق وجنتيها الشاحبتين، تاركة خلفها مسارات من الانكسار المرير:

 - بالتأكيد سأفعل! من قد يصدق أنكم تعيشون بيننا وتخاطبوننا كل يوم بملامحنا؟ لقد انتحلت هيئتنا البشرية، ومن الطبيعي أن أرفض تصديقك وأكذب حواسي، فأنا لم أشهد في حياتي أمرا يتجاوز حدود العقل كهذا.

اجتاحتها رعدة قوية وهي تدرك أن الحقيقة لم تكن مواراة خلف الجدران، بل كانت قائمة أمامها بوضوح طوال الوقت، لكنها اختارت أن تغلفها بإنكارها.
ومع هذا الإدراك المباغت، نظرت إليه وكأن ملامحه التي طالما ألفتها بدأت تذوب وتتلاشى خلف ضباب كثيف من الذعر والارتباك؛ إذ تحولت فجأة كل ذكرى جمعتهما في الجامعة إلى مجرد مشهد من مسرحية أتقن هو أداء دورها ببراعة، بينما بقيت هي المشاهد الوحيد الذي فاتته خيوط الحبكة، ولم يدرك حقيقة ما يدور.

أما سديم، فقد طرأ على ملامحه تحولٌ مباغت؛ إذ ضاقت عيناه اللوزيتان وبرزت عقدة حاجبيه الكثيفين في تعبيرٍ يشي بصراعٍ داخلي مرير، ورغم ذلك الانزعاج الذي فاضت به ملامحه، فإنه لم يكسر هدوءه الرصين، بل تشبث به كغلاف أخير يحميه من انهيار أعصابه.

 وفي اللحظة التي كان جسده يستشعر فيها تلاشي حرارة الصحراء أمام برودة المساء الزاحفة، كان عقله يتقد نشاطا، محاولا رسم خطة للهرب ببراعة قبل أن يبتلعه الليل وظلامه الدامس.

أراد أن يقطع سيل أسئلة لينا التي كانت تنخر في صبره كقطرات ماء فوق صخر صلد، ضيق عينيه وظهرت ابتسامة خاطفة على ثغره، ثم أشار بيده نحو الأفق، حيث بدأت الشمس تجر أذيالها الذهبية المنهكة نحو المغيب، وقال بصوت خفيض يحمل نبرة تحذير هزت سكون المكان:
 - لينا، الوقت ليس في صالحنا، إنه يهرب منا.

 إن استمر هذا الجدال شيماء ستموت، إما أن نتحرك الآن أو ننسى أمر إنقاذها؛ الخيار لكِ

سكنت ثورة لينا فجأة، وانطفأت حدة غضبها تحت وطأة ذعر جديد؛ شعرت ببرودة تسري في عروقها رغم حرارة الجو المتبقية في الرمال، فصورة شيماء وهي تنازع الجن في جسدها، كانت كفيلة بتجميد كل خلافاتها مع سديم وتبديد دهشتها من حقيقته.

 تنفست بعمق، محاولة طرد الغصة من حلقها، ورمت بنظرها نحو المدى اللامتناهي، مدركة في لحظة تجلٍّ مرعبة أن الرحلة التي بدأتها كانت من أجل صديقتها، ويجب أن تنهيها مهما كلف الأمر.

سألت بصوت مخنوق بالوجل، وعيناها معلقتان بوجهه الذي صار غريبا ومألوفا في آن واحد:

 - ما الخطوة التالية؟

أجابها وعيناه مثبتتان عليها بنظرة ثاقبة، ثم أشار بيده ببطء نحو ما يقع خلفه، قائلا:

 -أن نعبر إلى تلك الغابة، هناك حيث يربض الملك.

نظرت لينا خلف سديم، واتسعت عيناها بذهول ألجم لسانها؛ فخلف ظهره مباشرة، انبعثت من قلب العدم غابةٌ من الأشجار الخضراء المورقة، أغصانها متشابكة كأصابع عمالقة تتعانق في عنفوانٍ مهيب، كان المشهد مرعبا وسرياليا؛ صحراء قاحلة يقطع صمتها فجأة جدار من الخضرة الكثيفة.

ابتلعت ريقها بصعوبة وقد بدأ شعورٌ بالغرابة ينهش طمأنينة قلبها:
 فكيف لصحراء قاحلة أن تحتضن في جوفها غابة بهذا الكثافة؟

ثم  تلاحقت الظنون في رأسها: 

-هل الغابة هي موطنهم الفعلي، أم أن هذه الأشجار ليست سوى بوابة لعالمهم الحقيقي الأشد غموضا ورعبا؟

 ورغم محاولتها المستميتة للوثوق به، كان ثمة تردد في أعماقها، حدسٌ خافت يشبه وخزة إبرة، يهمس لها بأن الدرب الذي توشك على سلوكه ليس طريقا لنجاة صديقتها، بل هو مسار لا رجعة فيه، سيحتجزها هناك للأبد، وبأنفاسٍ مضطربة، التفتت إليه وسألته:

 -أين تعيشون؟ هل هذا هو عالمكم....مجرد صحراء وغابة؟

ارتسمت على شفتي سديم ابتسامة باهتة، امتزج فيها الوقار بمسحة من الحزن، ثم بدأ يخطو خطواته الأولى نحو  الغابة الكثيفة وهو يقول بنبرة حازمة:

 -سأجيبكِ عن كل شيء، لكن دعينا نتحرك الآن، وإياكِ والتوقف.

مشت لينا خلفه، تراقب تارة الطريق المتعرج تحت قدميها، وتارة أخرى ظهر سديم الذي كان يمشي بثقة غريبة، فبدأت تستعيد ذكرياتها معه؛ تذكرت كلماته، وتشجيعه، وطيبته ومساعدته للآخرين.

وتذكرت ذلك اليوم البعيد في أروقة المكتبة حين باح لها بهويته الحقيقية، فضحكت يومها من قلبها واعتبرتها مزحة ثقيلة. 
الآن، وسط هذا الصمت المهيب الذي يبتلع الأصوات، اعترفت لنفسها بمرارة:

- لم يكن يكذب أبدا، بل أنا من لم يصدقه حينها لغرابة الحديث.

قطع سديم حبل أفكارها، والتفت بنصف وجه نحوها، وكأن ضياء الغابة الخافت يبرز حدة ملامحه:

 -يا لينا، هذه الغابة هي جزء من عالمي، وأكثر بقاعه غرابة، ستجدين هنا الجمال في أبهى صوره، والجنون في أقسى تجلياته. 

لا تخافي، طالما أن ظلي يلامس ظلك، فلن يجرؤ شيء على مساسك.

ابتسمت لينا رغما عنها، وشعرت بدفء غريب يسري في أوصالها من كلماته، رغم البرودة المفاجئة التي بدأت تتسلل من بين أوراق الشجر، تابع سديم حديثه بنبرة هادئة، وعيناه تجولان في أرجاء الغابة بنظرة غامضة:

 - نحن أمم أمثالكم، لنا حكام وقبائل، مدن عامرة وقرى منسية، فينا المثقف والجاهل، والشيطان والطيب، لا نختلف عنكم في الجوهر، إنما في القدرة والشكل.

هنا، انتفض قلب لينا بين ضلوعها، وتوقفت للحظة عن السير، لم تكن  تسمع الكلمات بقدر ما كانت تراقب حركة شفتيه بارتيابٍ محموم. 

وفجأة، لمع في ذهنها خاطرٌ خفي، تسلل كأفعى بين شقوق أفكارها: 
- ماذا لو كان كل هذا فخا؟

توقفت دقات قلبها للحظة وهي تحدق في ظهره؛ ماذا لو أن سديم هو نفسه الكيان الذي تلبّس شيماء؟ ماذا لو كان اتفاقا سريا ومظلما عقده مع ذلك الشيخ العجوز ليقوداني إلى هنا بمحض إرادتي؟

حاولت الدفاع عنه، فهزت رأسها بعنف كأنها تطرد ذبابة مزعجة، وهمست لنفسها: 

- لا، سديم الذي أعرفه، لا يمكن أن يملك هذا القدر من الخبث.

لكن هذا الدفاع الضعيف انهار أمام حقيقة صلبة نبتت كالشوك في عقلها؛ فندت فكرتها بمرارة وقالت بصوت داخلي يقطر وجعا:
- سديم الذي تعرفينه؟ أي سديم؟ أنتِ لا تعرفين سوى قناع جلدي بشري، ما الذي أعرفه أنا عن عالمهم وقوانينهم؟

عادت تنظر إلى مشيته الرزينة، وشعرت بالغثيان من فكرة أن هذا الهدوء قد يكون غلافا لآلة خداع محكمة، ثم تابعت تحدث نفسها بمرارة:

-  لقد أخفى حقيقته الكبرى لشهور، فما الذي يمنعه من تمثيل دور المنقذ الآن؟ هل يضطر لخداعي ليسوقني إلى مملكته؟
		       

ملوك الظلال - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

كانت لينا في تلك اللحظة تعيش صراعا داخليا، ففكرة مواجهة كائنات غير مرئية في عقر دارها- إن كانت القصة حقيقة - تثير الرعب في نفسها، وقالت في ذهنها إن هذا الكلام يبدو مستحيلا ولا يمكن لعقل أن يصدقه.

تحميل الفصول...
المؤلف

امتلأت السماء بسحب رمادية كثيفة ثقيلة، حجبت ضوء الشمس تماما ومنعته من المرور إلى الأرض، فصار الجو كئيبا وجامدا، ولا يبشر بخير أبدا.
كانت تهب رياح باردة قوية تضرب أغصان الأشجار الجافة، وتجعلها تتمايل بعنف يمينا وشمالا، وكان الجو في مجمله ينذر بهطول مطر غزير لا يتوقف، لذلك آثرت لينا البقاء في غرفتها اليوم، وقررت ألا تذهب للجامعة.

استلقت لينا على فراشها تراقب النافذة في صمت، بينما كانت تغرق في تفكير عميق بشان الأحداث الأخيرة التي قلبت موازين حياتها رأسا على عقب، وكان أول ما تناهى إلى مسامعها هو صوت زخات المطر وهي تتساقط برتابة وتصطدم بزجاج النافذة، مما أعاد إلى مخيلتها صورة ذلك الصديق الغريب الذي ظهر في حياتها خلال الآونة الأخيرة.
لقد كان طبعه يثير في نفسها حيرة لا تنتهي، ففي بعض الأحيان كان يجلس بجانبها على مقاعد القاعة الجامعية، ويبدأ في شرح أفكار فلسفية غامضة ومعقدة لا تبدو لها أي صلة بالعالم الواقعي الذي تعيشه، وفي لحظات أخرى كان يغير نبرته تماما ويطلب منها بصدق وتواضع أن تعلمه المزيد عن طباع البشر وكيفية تفاعل أحاسيسهم، وكأنه يكتشف هذا العالم لأول مرة.
ورغم تلك الغرابة الشديدة التي كانت تشعر بها في حضرته، إلا أنه كان دائما صريحا في حديثه، محبا في تعامله ومساعدا لها في أدق تفاصيل حياتها، بل كان الشخص الوحيد الذي استطاع بكلماته الساحرة أن ينتشلها من همومها وينسيها أحزانها، لكن هذا الصديق انقطع عنها فجأة وغاب لسنة كاملة دون سابق إنذار، قبل أن يظهر من جديد بشكل مفاجئ منذ أيام قليلة.

غير أن الظروف لم تسمح لها باللحاق به أو سؤاله عن حاله وسبب غيابه الطويل، فقد توارى عن الأنظار بسرعة بين الأزقة الضيقة، واختفى تماما وكأنه تبخر في الهواء.

كانت لينا تتقلب في فراشها والقلق ينهش روحها، وضربات قلبها تتسارع كلما فكرت في كيفية مواجهة شيماء وشرح الحقيقة المرة لها، فقد كانت تقسم في سرها أنها لم تكن تملك أدنى فكرة عن هوية الخاطب، ولم تتخيل يوما أن الصدفة ستقود الرجل الذي سكن قلب صديقتها سرا ليكون هو نفسه الشخص الذي فرضته عليها إرادة والدها القاسية، وكانت تتساءل بمرارة عن سبب صد شيماء لها، ورفضها الاستماع لأي تبرير، وكيف استطاعت سنوات الصداقة الطويلة أن تنهار في لحظة ظن وتخوين، وشعرت بدموعها الساخنة تحرق وجنتيها وهي تنحدر بغزارة، فمسحتها بكف مرتعشة وحاولت الغوص تحت غطائها هربا من واقعها الذي بات يضيق عليها.

وفي هذه اللحظة، رن هاتفها فجأة ليقطع سكون الليل وحبل أفكارها المشتتة.

ولما أبصرت اسم شيماء يضيء شاشة هاتفها، قفز قلبها بين ضلوعها فرحا، وظنت أن ساعة الصلح قد حانت أخيرا، فتحت الخط بلهفة وسرعة، وقالت بصوت يرتجف بالأمل:

- شيماء، عزيزتي هل أنت بخير؟

ساد صمت ثقيل للحظة على الطرف الآخر، لم تسمع فيه لينا سوى أنفاس مضطربة، ثم جاءها صوت الخالة سوزان متهدجا ومخنوقا بالبكاء، ليقطع خيط الفرح الذي نسجته في خيالها، فاستغربت لينا وتغيرت ملامح وجهها، وهي تسأل بنبرة يملؤها الارتياب والقلق:

- خالتي سوزان، كيف حالك؟ هل شيماء بخير؟ ما الذي حدث؟ أرجوك أخبرني، ما بك؟

أجابت سوزان بكلمات متقطعة وهي تطلب منها الحضور فورا، لأنهم يحتاجون إليها بشدة من أجل شيماء، فارتبكت لينا وشحب وجهها تماما، وتلعثمت الكلمات في حلقها وهي تحاول الاستفسار عما أصاب صديقتها، لكن سوزان لم تزد على أن طلبت منها المجيء لترى بعينها وتكتشف الأمر بنفسها.

لم تحتمل لينا الانتظار، فقفزت من فراشها وارتدت ثيابها بعجالة شديدة، واستأذنت والديها بكلمات سريعة، وخرجت تركض في الشوارع التي لفها البرد والسكون، وكان وقع أقدامها على الأرض المبللة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الليل وهي متوجهة نحو بيت صديقتها.
عند وصولها، استقبلتها الخالة سوزان بوجوم واضح، وأخذتها مباشرة إلى غرفة شيماء، لكنها استوقفتها عند العتبة فجأة، ووضعت يدها على كتف لينا وطلبت منها بهدوء مريب أن تستعد نفسيا، وألا تسمح للخوف بأن يتملكها مهما رأت بالداخل، وهذا التحذير جعل الرعب يتغلغل في أوصال لينا أكثر، غير أن شعورها بالذنب وحبها الكبير لشيماء دفعاها لفتح الباب،  
وببطء شديد، تقدمت نحو سرير صديقتها التي كانت تبدو  مستسلمة لنوم عميق، فبلعت ريقها بصعوبة وسألت بصوت واهن وخافت:
- شيماء، هل أنت بخير؟

وفي تلك اللحظة، انتفض جسد شيماء بعنف وراح يتخبط فوق السرير بقوة غير معهودة، وفتحت عينيها بنظرة غريبة وجامدة، ثم نطقت بصوت خشن وغليظ لا يشبه نبرتها الرقيقة أبدا قائلة:
- ابتعدي من هنا أيتها الحمقاء.

سرت قشعريرة باردة في جسد لينا شلت حركتها ولسانها، وارتعشت أطرافها وهي تتراجع للخلف بذعر، قبل أن تفر خارج الغرفة وهي تحاول بصعوبة بالغة أن تلتقط أنفاسها التي ضاقت في صدرها.

سحبت الخالة سوزان لينا إلى غرفة مجاورة وهي تحاول تهدئة روعها، وقدمت لها كوبا من الماء كانت يداها ترتجفان وهي تمسكه، فتناولته لينا وشربته دفعة واحدة وكأنها تطفئ نارا في جوفها، ثم رفعت عينيها التي امتلأت بالدموع ونظرت إلى سوزان متسائلة عن سر الحالة التي وصلت إليها شيماء. 

أطرقت سوزان برأسها نحو الأرض وراحت تبكي بحرقة غطت على ملامح وجهها، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة متهدجة يملؤها الانكسار إن ابنتها وقعت ضحية لجني عنيد استغل لحظة غضبها الشديد عند عودتها من الجامعة قبل يومين، وتلبس بها بعد أن داست عليه دون قصد، وأوضحت أن الشيخ أكد لهم استحالة خروجه إلا بشرط واحد وقفوا أمامه عاجزين.

حينها ضيقت لينا عينيها باستغراب شديد وسألت بصوت منخفض:
- شرط! ما هذا الشرط الذي يتحدث عنه الشيخ؟

ترقرقت الدموع في عيني سوزان من جديد، وتقدمت نحو لينا لتضع يديها المرتعشتين فوق يدي لينا الدافئتين، وحدقت في عينيها بنظرة توسل عميقة وقالت:
- يطلب الشيخ أن يدخل شخص منا إلى مكانه ليرجوه أن يترك ابنتي، وهذا الأمر يتطلب شخصا خفيف الحركة وصغير السن لتنجح عملية النقل التي سيقوم بها، وأنت تعلمين يا عزيزتي أنني وزوجي المقعد لا نملك القوة، وابني غائب في سفره، ولم يعد لنا أحد نثق به غيرك.

سحبت لينا يديها ببطء وهدوء، وشعرت بذهول يتملك كيانها وهي تتساءل في سرها عن منطقية هذا الكلام، وكيف يمكن لبشر أن يطأ عالما لا يراه، ثم سألت بصوت مسموع وهي تحاول استيعاب الموقف:
- هل يعقل أن يكون لهم عالم منفصل تماما عن عالمنا؟

أومأت سوزان برأسها مؤكدة، وأوضحت أن لهم بعدا خاصا بهم يمكن من خلاله رؤيتهم بوضوح والشعور بوجودهم، ثم عادت لتطلب منها بلهفة أن تتطوع لهذه المهمة من أجل إنقاذ حياة شيماء. 
كانت لينا في تلك اللحظة تعيش صراعا داخليا، ففكرة مواجهة كائنات غير مرئية في عقر دارها- إن كانت القصة حقيقة - تثير الرعب في نفسها، وقالت في ذهنها إن هذا الكلام يبدو مستحيلا ولا يمكن لعقل أن يصدقه.

لكن سوزان لم تترك لها مساحة للانسحاب، بل طلبت منها البقاء بضع دقائق ريثما يحضر الشيخ ليشرح لها التفاصيل، وبالفعل لم تمر دقائق حتى وصل رجل يرتدي ثيابا قديمة وبالية، وكان منظره مريبا لا يبعث الطمأنينة في القلوب، لكنه شرع في الحديث فور جلوسه، وبدأ يفسر الموقف بنبرة هادئة وجادة قائلا:

- إن الجني يرفض ترك الفريسة لأنه تعرض للأذى حين داست عليه وهي غاضبة، ولا بد من تقديم اعتذار مباشر له في عالمه ليقبل الرحيل.

نظرت إليه لينا باستغراب وعقدت حاجبيها وسألت:

- ولماذا لا نقدم له هذا الاعتذار هنا في عالمنا وبيننا الآن؟

حرك الشيخ رأسه ببطء، ونظر إليها بنظرة غامضة من تحت حاجبيه الكثيفين وقال بصوت عميق:
- لأن القائد الذي يملك قرار الخروج ليس موجودا هنا في غرفتها، بل يرسل أتباعه فقط لينفذوا أوامره، والاعتذار لا بد أن يصل لصاحب الشأن في مكانه الأصيل حتى يقبل الصفح.

ثم أكد للينا بيقين تام أنها لن تجد ما يرعبها في ذلك البعد الآخر إذا ما قررت الذهاب، مفسرا ذلك بأن أتباعه وأصدقائه الذين  وصفهم بالطيبين والمحبين للبشر سيكونون في انتظارها، حيث سيظهرون لها بهيئة بشرية مألوفة ليقوموا بحمايتها وإرشادها بسرعة نحو القائد لتقديم الاعتذار المطلوب.
رغم أن القصة بدت في أذني لينا كخرافة بعيدة عن المنطق، إلا أن الحيرة دفعتها لسؤال الشيخ وهي تعقد حاجبيها:

-لماذا لا تجلبون شخصا آخر للقيام بهذه المهمة؟ شخصا قويا يمتلك رباطة جأش، ولا يعرف الخوف أو التوتر، أليس ذلك أضمن لنجاح المهمة وعودة شيماء لسابق عهدها؟

في تلك اللحظة ساد ارتباك مفاجئ، فتلعثمت سوزان وحركت يديها بتوتر، بينما انشغل الشيخ بتعديل عمامته بضع مرات وهو يتبادل نظرات سريعة مع الأم، ثم قالا في صوت واحد:

- نحن نحتاج لشخص مخلص، شخص تربطه بالفتاة علاقة روحية وقرب شديد، ويجب أن يكون طيب القلب ونقيا، وهذه الصفات لا نجدها مجتمعة إلا فيك أنت.

وتابع الشيخ وهو يميل بجسده نحوها، وقد اكتست نبرة صوته بحدة التحذير:

- لا وقت لدينا للبحث عن بديل، فالحالة تزداد سوءا مع مرور الدقائق، وشيماء قد تفارق الحياة الليلة إذا لم يتم الاعتذار قبل الفجر.

هنا رق قلب لينا، واختلطت في صدرها مشاعر الأسى على صديقتها الملقاة في الغرفة المجاورة مع مشاعر القلق من هذا الغموض، وبينما كان عقلها يتأرجح بين تصديق هذه القصة الغريبة وبين الشك في صدقها، وقفت لينا وسحبت نفسها ببطء، ثم نظرت إلى سوزان والشيخ بعينين يملؤهما التعب والقرار الصعب، ولم تزد على كلمتين فقط نطقت بهما قبل أن تغادر الباب:
- سأعود الليلة.

لم تكن لينا قد حسمت أمرها بكلمات صريحة أمامهم، لكن عواصف التردد كانت تضرب أعماقها بعنف وهي تغادر المنزل، فمن جهة كان تأنيب الضمير ينهش قلبها ويصور لها أن هذه المخاطرة هي فرصتها الوحيدة لتكفير ذنبها تجاه شيماء ومحو أثر قصة الخطبة التي فرقت بينهما، وقررت في سرها أنها مستعدة لمد يد العون لصديقتها حتى لو كلفها الأمر حياتها لو ضاعت في دهاليز ذلك العالم الغريب، ومن جهة أخرى كان يساورها شك عميق يهمس في أذنها بأن القصة قد تكون ملفقة بالكامل، وأن كل هذا العرض المسرحي ربما ليس إلا فخا لسحرها وجعلها تنسى خطيبها أو تتركه رغماً عنها، ومع ذلك لم تشعر بالخوف من هذا الاحتمال، بل قالت في نفسها بمرارة إن كان الغرض هو سحري لأنساه أو أتركه فليكن لهم ذلك، فأنا في كل الأحوال لا أريد هذا الزواج ولا أريد ذلك الرجل الذي فرق بيني وبين أعز صديقاتي.

عادت لينا إلى بيتها والوجوم يكسو وجهها، وتوقفت عند عتبة باب غرفتها،  وأصابعها كانت ترتجف بوضوح وهي تضغط على مقبض الباب لتغلقه وراءها.

كان السكون يلف المكان إلا من صوت دقات قلبها التي بدت مرتفعة في أذنيها، فجلست على السرير، وسألت نفسها بهمس إن كانت لا تزال تحتفظ بعقلها، فكل ما سمعته الليلة كان يتجاوز حدود المنطق؛ جني عنيد، وعالم آخر، وعملية نقل بين الأبعاد. 

بدت لها هذه الكلمات كأنها محض سخافة لا يقبلها الوعي، فلو كان الأمر حقيقيا ومتاحا بهذا الشكل، لامتلأت الدنيا بأخبار تلك العوالم، ولو كان ممكنا، لما احتاجوا فتاة خائفة مثلها للقيام بهذه المهمة.

أغمضت عينيها بقوة محاولة ترتيب شتات أفكارها، وبدأ حوار داخلي مرير يعتصر ذهنها:

- ربما هو مجرد تمثيل مدبر، مسرحية أعدوها بدقة، لجعلي أنسى أو  أعترض على الخطبة.

ولكن، أيهما سيكون أسوأ علي؟ أن أتعرض للخداع في هذه الليلة الغريبة؟ أم أن أقضي عمرا كاملا مع رجل لا أريده ولا أشعر تجاهه بشيء؟

فتحت عينا لينا ببطء، ولكن الشك لم يغادرها تماما، فثمة صوت آخر في أعماقها كان يهمس باحتمالات أكثر رعبا:
- ماذا لو لم يكن الأمر خداعا؟ ماذا لو كانت شيماء تحتضر فعلا تحت وطأة ذلك المس المجهول؟ وماذا لو كانت هذه هي فرصتي الأخيرة والوحيدة لأثبت لها ولنفسي أنني لم أخنها يوما؟

شعرت بوخزة حادة في صدرها كأنها نصل بارد، وتخيلت للحظة نهايتها في ذلك الطريق المجهول، فسألت نفسها بمرارة:
-إن حدث مكروه هناك، هل سأندم لأنني وافقت على الذهاب؟ أم سأندم طوال  حياتي، لأنني  بقيت مكاني، ولم أحاول إنقاد صديقتي؟

رفعت رأسها نحو السقف، واستنشقت الهواء البارد بعمق لتستمد بعض القوة، ثم حسمت أمرها وقالت بكلمة واحدة خرجت ثابتة رغم كل شيء:
- سأذهب.

لم يكن قرارها نابعا من شجاعة خالصة أو إيمان مطلق بما قاله الشيخ، بل كان مزيجا معقدا من شعور ثقيل بالذنب، ورغبة عارمة في التمرد على واقعها، وهربا من حياة رسمت لها ولم تختر منها شيئا. 

بدأت تجمع أغراضها الضرورية في حقيبة صغيرة، ثم توجهت بعد أن انتهت نحو والديها لتودعهما، وأخبرتهما بصوت متحشرج أن شيماء مريضة جدا وتحتاج لوجودها بجانبها طوال الليل، فوافق والداها على ذهابها تقديرا لظرف صديقتها.

  ترقرقت الدموع في عيني لينا وهي تنظر إلى والديها نظرة وداع طويلة، فقد استبد بها شعور مفاجئ وقاسٍ بأنها قد لا تلتقي بهما مجددا، وأن هذه الخطوة التي ستقدم عليها قد تكون بلا عودة، وجعلتها فكرة العدول عن قرار الدخول إلى ذلك العالم المجهول تراودها مرارا وتكرارا وهي تقف على عتبة الدار، فكل غريزة بداخلها كانت تدفعها للتراجع والهرب، لكن صورة شيماء وهي تتخبط في غرفتها كانت أقوى من خوفها، فحملت حقيبتها ومضت بخطى ثقيلة نحو مصيرها المجهول الذي ينتظرها في بيت صديقتها.

عندما وصلت لينا، كانت الأجواء في المنزل قد ازدادت ثقلا وغموضا، وكان الصمت هو سيد الموقف إلا من همسات خافتة تصدر من غرفة المعيشة حيث يجلس الشيخ مع سوزان، ولم تكن الإضاءة في الرواق قوية كعادتها، بل بدت خافتة ومائلة للصفرة مما زاد من انقباض صدرها.

استقبلتها سوزان بنظرة تجمع بين الامتنان والقلق،
بينما الشيخ كان يجهز بعض المباخر والأوراق التي لم تفهم لينا محتواها، شعرت أن الهواء في المكان صار غليظا يصعب استنشاقه، لكنها لم تنطق بكلمة، بل اكتفت بهز رأسها إيذانا بالاستعداد، مدركة أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، وأن عليها الآن أن تعبر تلك الفجوة بين الواقع وما وراءه لتنقذ ما يمكن إنقاذه من شتات صداقتهما الضائعة.
بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة في أرجاء الغرفة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى المكان، ثم طلب من لينا الجلوس على مقعد خشبي في المنتصف، ونظر إليها بعينين حادتين قائلا:

- يجب أن تغمضي عينيك الآن، ولا تفتحيهما مهما شعرت بحركة من حولك، الأتباع سيتولون نقلك، تذكري أنهم يشبهوننا تماما، وطيبين، فلا تذعري.

أغمضت لينا عينيها وهي تشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافها وتتغلغل في جسدها، رغم حرارة الدخان المنبعث من مباخر الشيخ الذي كان يملأ الغرفة، وفجأة أحست بأن الأرض من تحتها تتلاشى وتنسحب، وصار جسدها خفيفا لدرجة أنها لم تعد تشعر بوزنها أو بملامستها للمقعد الخشبي، وفي تلك اللحظة التي اختلط فيها الواقع بالخيال، سمعت صوتا مألوفا جدا يهمس في أذنها بنبرة هادئة ودافئة بعثت في نفسها قشعريرة من نوع آخر وهو يقول:
- لا تخافي يا لينا، أنا هنا بجانبك، كما كنت دائما.

فتحت لينا عينيها رغما عنها من شدة الصدمة ومن وقع الصوت الذي تعرفه جيدا، لتجد نفسها قد غادرت غرفة شيماء تماما، واستيقظت في مكان يشبه زقاقا طويلا ضيقا لا نهاية له، كان الضوء فيه باهتا يميل للزرقة الباردة، وكأن المكان غارق تحت ماء عميق، وكان يقف أمامها تماما صديقها الغريب الذي اختفى منذ سنة كاملة، يرتدي ثيابه ذاتها التي اعتادها، ويواجهها بذات الابتسامة الغامضة الهادئة التي كانت تثير حيرتها في ردهات الجامعة.

لم تستطع لينا استيعاب وجوده في هذا المكان أو فهم كيف انتقلت إلى هنا، وشعرت برأسها يدور بقوة بينما تلاشت ملامح الصديق أمام عينيها تدريجيا، ولم تمر ثوان قليلة حتى خانتها قواها تماما، وارتخت أطرافها لتسقط في هوة عميقة من الظلام، وغابت عن الوعي قبل أن تنطق بكلمة واحدة.
		       

رواية ملوك الظلال

رواية ملوك الظلال
8.0

ملوك الظلال

مشاهدة
1.4 ساعات

قصة الرواية

في ليلة باردة سكنتها السحب الرمادية، وجدت "لينا" نفسها أمام خيار مستحيل؛ فبينما كانت غارقة في تأنيب الضمير لخطبتها من الرجل الذي تحبه صديقتها "شيماء" سرا، تدهورت حالة الأخيرة لتسقط في قبضة مسّ جني عنيد. ولم يكن الخلاص ممكنا إلا بمغامرة انتحارية، حيث طُلب من لينا العبور إلى البعد الآخر، لتقديم اعتذار مباشر لملك من ملوك الجن. وسط صراع بين العقل الذي يشكك في أن يكون الأمر كله مكيدة، والقلب الذي يدفعه الندم، تخطو لينا نحو المجهول، لتستيقظ في زقاق أزرق غامض تجد فيه صديقها القديم كان قد اختفى من حياتها الجامعية في ظروف غامضة. هناك، تكتشف لينا أن الأمر لا يتوقف عند مجرد اعتذار، بل تجد نفسها طرفا في صراعات عظمى بين ملوك الجن وأقوامهم، وتخوض تجارب مشوقة تتأرجح بين الموت والحياة، والحب والصداقة. في هذا العالم الموازي، ستواجه لينا مكائد القصور، وحروب الأبعاد، وتحالفات الأرواح، لتدرك أن مهمتها لم تعد تقتصر على إنقاذ صديقتها فحسب، بل أصبحت تتعلق بفهم حقيقة وجودها، ومواجهة قوى لا ترحم، في رحلة ستغير مفهومها عن البشر والجن إلى الأبد.

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
لينا، سديم
تجمع لينا بين ملامح هادئة وبنية رقيقة تجعلها تبدو كغصن يميل مع الريح، لكنها تحمل في أعماقها روحا متمردة، وقلبا مليئا بوفاء نادر يدفعها لخوض أهوال غيبية لتكفير ذنب لم ترتكبه. سديم بطل، وحضور طاغٍ يمزج بين الشجاعة والقوة التي لا تلين، فهو كائن فضولي يعشق اقتحام المجهول، ويهوى خوض المغامرات التي تحبس الأنفاس، بابتسامة غامضة لا تفارق وجهه، وكلمات ساحرة تمنح من حوله الأمان وسط أشد الصراعات.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"