ريموندا | الفصل الأول (رواية نيڤاريم)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ريموندا | الفصل الأول (رواية نيڤاريم)

جاري التحميل...

ريموندا

بين بريق الأحلام وقسوة الواقع، تعيش ريموندا يومًا مضنيًا يبدأ بالصبر وينتهي بالانكسار؛ فبينما تحاول لم شتات نفسها ورعاية أخيها الصغير وسط حطام بيتٍ يسحقه فقر الأب وظلمه، تُنتزع منها أغلى أمانيها البسيطة حين يمزق والدها كراستها الوحيدة، ليتركها غارقة في دموعها فوق بقايا ورق وتفاح ذابل."

تحميل الفصول...
المؤلف

أشرقت الشمس  شمس الشتاء الباهته تتراقص على كوخهم الصغير.
استيقظت ريموندا، تثاءبت، وقامت على عجل.
طوت الأغطية ورتّبت فراشها البسيط المفروش على الأرض، 

ثم حملت كتابها الذي كان  ملقا على الأرض مفتوحا وقالت بخفّة:
"يا ويلي! غابَ عن ذهنيّ  طيّ الكتاب قبل النوم."

انتبَهت إلى الشمعة المطفأة وقد احترقت حتى نهايتها.
ضربت جبهتها بكفها:
"غبية، ريموندا! نسيتِ الشمعة مشتعلة... كانت قد تُسبّبت حريقاً !" ،وضعت الشمعة جانبًا وتلفّتت إلى أخيها، الذي كان قد تدحرج أثناء نومه حتى وصل عند باب الغرفة.

ابتسمت برفق، ثم اقتربت من رأسه وهمست بخبث:
"يا الهي ! صرصور!"
استيقظ على الفور يتلفّت بذعر: "أين؟ أين الصرصور؟!"
ضحكت قائلة :"كنت أمزح!"

قال وهو يعقد ذراعيه: "حرام عليكِ..."
ردّت بدفعات خفيفة على ظهره:
"هيا، هيا! اغسل وجهك وتجهّز."

خرجت إلى فناء الكوخ، فرأت والدها — وكالعادة — رائحة الكحول تفوح منه، وجسده مطروح نائمًا عند الباب، يبدو أنه لم يحتمل سُكره.

مرّت بجانبه بهدوء دون تعليق.
دخلت المطبخ، حضرت فطورهم الرتيب على عجل، ثم صاحت:"هيا للفطور، يا رين!"
جاء أخوها يتثاءب:
"حسنًا، حسنًا..."

ألقى نظرة خاطفة على والده ثم تجاهله، وبدأ بالإفطار.
أما ريموندا، فدخلت مسرعة، ارتدت رداءً طويلًا، "انسدل الرداء ليغطي خصلات الشعر المتموجة الكثيفة ذات اللون الأسود." وأخذت سلّتها ، اخذت نظرة خاطفة لإطلالتها على مرآتها المكسورة ، ثم خرجت مسرعة الى اخيها 
ألبسته معطفه، وأمسكت بيده.

عند الباب، قفزا  فوق جسد أبيهما بخفة، لأنه كان يغطّي العتبة، وخرجا مسرعين إلى يومهما سارت ريموندا بخطوات خفيفة وهي تمسك بيد أخيها بيد، وتضع السلة تحت إبطهابيد الاخرى. 
قطعا الطريق معًا حتى وصلا إلى مبنى التعليم، حيث يتلقّى الأطفال دروس القراءة والكتابة وبعض الحرف اليدوية.

أشار رين وهو يبتعد:
— "إلى اللقاء!"
أجابت وهي تلوّح له:
— "إلى اللقاء، رين!"

ثم تابعت سيرها على عجل. مرّت على مخبز الحي، وكان صاحبه العجوز البدين ما يزال يفتح الأبواب.

قالت مبتسمة:
— "صباح الخير، عمّ  براد !"
التفت العجوز، وابتسم لها:
— "صباح النور، ريموندا! ذاهبة إلى العمل؟"
ردّت وهي تبتعد:
— "نعم!"

وصلت أخيرًا إلى المكتبة، دخلت مسرعة وسلّمت على موظف المكتبة .  الذي. ما إن رآها حتى شرد في جمالها الهادئ البريء.

قالت وهي تضحك بخفة:
— "جاك؟"
انتبه فجأة وقال مرتبكًا:
— "ري... ريموندا! مرحبًا!"
أخرجت من سلّتها كتابًا وقالت:
— "أردت إرجاع هذا... لقد استمتعت جدًا بقراءته، شكرًا لك."
أجاب بخجل:
— "لا... لا عليكِ. أنا سعيد أنه أعجبك."

ساد صمت قصير، ثم قالت وهي تهمّ بالمغادرة:
— "يجب أن أسرع، البستان لن يقطف نفسه كما تعلم!"
بينما تمسك بمقبض السلة بكلتا يديها.

قال فجأة:
— "انتظري!"
تلفّتت باستغراب:
— "نعم؟"
خرج من خلف مكتبه وأشار بلطف نحو رفوف الكُتب : "لمَ لا تستعيرين كتابًا آخر؟"

ضحكت بخفة:
— "أنا خجلة منك، لا أدفع حتى تصريح الدخول، رغم أنه أرخص ما يكون... لا أريد أن أُثقل عليك."

لوّح بيده نافيًا:
— "لا لا، لا بأس. خذي ما تريدين."
ثم  حك مؤخرة رأسه بخجل.
صمتت، ثم أخذت كتابًا سريعًا، ثم قالت وهي تبتعد:
— "شكرًا!"
ظلّ يلوّح حتى اختفت. بل ظلّ يلوّح في الهواء بعد غيابها
.
دخل صديقه أليكس، نظر إليه ثم إلى حيث كان يلوّح وسأله مازحًا:
— "ما بك، أيها الأحمق؟ فيم أنت شارد؟"
فزع جاك وقال:
— "متى أتيت؟ ولمَ تفاجئني هكذا؟!"

قال أليكس مبتسمًا:
— "منذ دقائق. رأيت ريموندا أثناء خروجي من المكتبة... أظنها سبب ارتباكك، أليس كذلك؟"

قال جاك وهو يتصبب عرقًا:
— "ماذا؟! لا... أيها الأحمق... ليس كما تظن."

ضحك أليكس ووضع كوعه على كتف صديقه:
— "جاك، جاك... لا تكن معتوهاً. الخجل للنساء، لا للرجال. إن لم تبادر، فلن تفهمك."

خفض جاك رأسه، ثم عدّل نظارته وقال:
— "لكن... ماذا لو لم تكن لديها أي مشاعر نحوي؟"

زمّ أليكس شفتيه بتفكير مصطنع:
— "ربما... لكنك لن تعرف ما لم تحاول!"

نظر جاك إلى الطريق حيث مضت ريموندا، ثم تمتم:
— "معك حق..."

وصلت ريموندا إلى البستان.
— "مرحبًا، فتيات!"
ردّت الفتيات بصوت واحد:
— "مرحبًا، ريموندا!"

خلعت رداءها، حيث كانت تربط  البندانة على شعرها الأسود الكثيف، وبدأت بقطف التفاح ووضعه في سلتها.

قالت فتاة بجوارها:
— "مرحبًا يا فتاة."

كانت الفتاة ذات شعر  اشقر   اللون يصل حتى الكتف  وقوام متوسط  ذات ملامح تنبض بالحياة وابتسامة مرحة لا تفارق وجهها .

ردّت ريموندا بابتسامة لطيفة:
— "مرحبًا "آنا."

قالت الأخرى بحماس:
— "يقولون إن الأمير سيمرّ من هنا غدًا! متحمّسة لرؤيته!"
ابتسمت ريموندا ابتسامة خفيفة:
— "كم هذا رائع... لكن، لماذا سيشرفنا بمروره؟"

رفعت أنا كتفيها بلا مبالاة:
— "لا أعرف، لكن من يهتم؟ أودّ فقط رؤيته! أكيد سيكون وســيماً!"  واضعة كفيها على خديها بسرحان.

ضحكت ريموندا:
— "أكيد سيكون كذلك، فهو أمير... سيبدو وسيمًا في أعينكن على كل حال."
ثم تناولت تفاحة أخرى ووضعتها في السلة.

سمعن صوت المسؤولة تنادي:
— "من منكن ستوصل سلال التفاح؟ عدّوا أنفسكن!" 

رفعت آنا  يدها بسرعة، ثم رفعت يد ريموندا معها:
— "نحن الاثنتان!"

قالت ريموندا هامسة:
— "ماذا تظنين نفسك فاعلة؟"

لكن آنا وضعت إصبعها على شفتيها تطلب منها الصمت.
ثم دوى صوت المسؤولة وهي تقول:
— "حسنًا، ريموندا وأنا، أنتما ستقومان بذلك."

ثم بدأت تسجّل أسماء الأخريات، بينما تلفّتت ريموندا إلى آنا  بعتاب:
— "ماذا تظنين نفسك فاعلة، يا أنا؟!

قالت آنا وهي تمسك بسلتها وتغمز:
— "أيتها الغبية، ألا تعلمين إلى أين ستُرسَل السلال غدًا؟"
نظرت ريموندا إليها للحظة، ثم عادت تقطف بصمت:
— "إلى أين يا ترى؟"

قالت آنا بحماس وقد فتحت عينيها على اتساعهما:
— "تخيّلي! إلى قصر الملك! هل تصدقين؟"

نظرت ريموندا قليلاً، ثم لم تقل شيئًا.

تفاجأت آنا من برودها:
— "يالَكِ من حمقاء! لا تقولين شيئًا؟ إلى القصر، ولا تهتمين!"

أجابت ريموندا بصوتها الهادئ وهي تتابع عملها:
— "ليس أنني لا أهتم... ربما فقط لا أجد سببًا لحماسك. لا أراه مبررًا."

استدارت آنا بغضب ووضعت يدها على خصرها:
— "كيف لا ترين سببًا؟ ها؟ تخيّلي!"

شبكت أصابعها وبدأت تدور بحركات مسرحية:
— "قد  يرى الأمير إحدانا... ثم يقع في حبها... وتتغير حياتها تمامًا! مثل سندريلا!"

ضحكت ريموندا:
— "يالَك من غبية... الأمير خاطب فعلًا، من أميرة المملكة المجاورة. برأيك سيترك أميرة ويتزوج فلاحة؟"

عقدت آنا يديها أمام صدرها وقالت بحدة:
— "ما مشكلتكِ أنتِ؟! ألم تسمعي بالمعجزات والأحلام؟ ألستِ قارئة روايات؟ كيف لا يكون لديكِ خيال؟!"

ضحكت ريموندا بخفة:
— "لست ضد الأحلام، ولكن... يجب أن نكون واقعيين. الأحلام مثل البحر، إن غطسنا  فيها كثيرًا،  قد نغرق، وعندها ستصبح  السباحة والعودة إلى أرض الواقع  امرا مؤلمًا ومتعبًا. لذلك... لا نغطس كثيرًا."

أشارت آنا بكفها باستهزاء:
— "أنتِ مملّة!"

ردت ريموندا بابتسامة:
— "وأنتِ غير واقعية."

قالت آنا:
— "بل أنتِ المملّة!"

أجابت ريموندا:
— "وأنتِ الحالمة الزائدة!"

تبادلت الفتاتان نظرات حادة، ثم أشاحتا بوجهيهما... لكنهما لم تتحمّلا طويلًا، فانفجرتا بالضحك من ابتذال نقاشهما.

فجأة، جاء الصوت المعروف... صوت السيدة مولان، صاحبة البستان، امرأة بدينة ذات وجه صارم، صاحت بحدة:
— "هل أنتما تلعبان أثناء العمل، أيتها الساذجتان؟!"

ارتبكتا بسرعة، وعادتا إلى قطف التفاح، بينما تراقبهما بنظرة صارمة، ثم أدارت ظهرها وتوجهت لتفقد بقية الفتيات 

أكملت الفتيات عملهن اخيرا، وكل واحدة بدأت تملأ سلتها ببقايا التفاح الذابل، كأنه غنيمة صغيرة تعود بها إلى أسرتها؛ فهي أشبه بجائزة لا تُمنح إلا في نهاية يومٍ طويل.
خرجْنَ من البستان وتفرقن في الطرقات، تبادلْنَ الوداع، وكل واحدة منهن اتجهت إلى وجهتها المعتادة.

وصلت ريموندا أخيرًا إلى منزل السيدة ميرندا، وهي تلهث وقد أحاطت السلة بكلتا يديها.
و عند الباب، اصطدمت بالسيدة التي كانت تهم بالخروج، 

فنظرت إليها بحدة:
— "تأخرتِ اليوم يا ريموندا!"
قالت ريموندا معتذرة، بصوت خفيض متعب:
— "أنا آسفة، يا سيدة ميرندا...."
أجابت السيدة بصوتها الحاد المعتاد:
— "لا يهم... ادخلي بسرعة وابدئي العمل."
— "حاضر."

دخلت ريموندا، ثم  خلعت رداءها،  وباشرت العمل،بدات بمسح الأرضيات وهي تهمهم وتغني بخفوت... تحاول تخفيف وطأة التعب.

وفجأة، دوّى صوت مزعج من الطابق العلوي... كان صوت صوفيا، ابنة السيدة ميرندا، التي لم تعرف يومًا الكلمة الطيبة. فتاة متعجرفة، مدللة، تملك من الغرور ما يكفي لإزعاج قرية بأكملها.

خرجت صوفيا من غرفتها وهي تتثاءب بتكاسل، مدت ذراعيها ثم نظرت إلى ريموندا بمكر، وعقدت ذراعيها:

— "وصلتِ أخيرًا... أيتها الخادمة."
توقفت ريموندا عن التنظيف، ورفعت رأسها بهدوء:
— "هل تحتاجين شيئًا، يا صوفيا؟"

أمالت صوفيا رأسها بتصنع وكأنها تفكر:
— "دعيني أفكّر... آه، نعم، أريد فطورًا. ألا ترين أنني استيقظت تَوًّا؟"

أجابتها ريموندا بلطفها المعتاد:
— "ثوانٍ... وسيكون جاهزًا."

رمقتها صوفيا بازدراء، ثم التفتت وعادت لغرفتها.

بينما كانت ريموندا تحضّر الفطور، تسللت صوفيا نحو السلة الموضوعة جانب الباب، وراحت تعبث فيها بفضول.

فتحت السلة، وما إن رأت التفاح حتى عبست باشمئزاز:
— "يا إلهي! من يأكل تفاحًا ذابلًا؟ انظري إلى هذه المتسولة القذرة!"
أمسكت السلة وسكبت محتواها في القمامة دون تردد، ثم ألقتها بجانب سلة المهملات ، وعادت إلى الداخل وكأن شيئًا لم يكن.

دخلت ريموندا وهي تحمل الفطور بابتسامتها اللطيفة المعتادة، وقالت:
— "الفطور جاهز، يا آنسة صوفيا."

ردّت صوفيا ببرود:
— "حسنًا... دعيه هنا."

وضعت ريموندا الطعام بأدب، ثم غادرت بهدوء لتكمل عملها
وأخيرًا، انتهت ريموندا من تنظيف الأرضية، مسحت جبينها بطرف كفّها، ثم حملت سطل الماء استعدادًا لإرجاعه.

في تلك اللحظة، نزلت صوفيا من الطابق العلوي، وما إن رأت الأرضية تلمع، حتى ابتسمت بخبث، ثم راحت تلوّثها عمدًا ببقايا الحساء المتبقي في صحنها.

عادت ريموندا لتتفاجأ بالمشهد. نظرت إلى صوفيا بوجه حائر:
— "لكن... لماذا يا صوفيا؟ لقد أنهيت تنظيفها  تواََ ."

رفعت صوفيا كتفيها بلا مبالاة:
— "انزلق من يدي... كفِ عن التذمر، نظفيه مجددًا. عليّ الذهاب إلى السوق."

تناولت معطفها المعلق عند الباب، وخرجت بخطوات سريعة .
في طريقها، تصادمت بوالدها عند المدخل. ألقت عليه تحية سريعة بلا اهتمام، وتجاوزته إلى الخارج.

دخل ويليم إلى المنزل، ليجد ريموندا منحنية، تمسح الأرض مجددًا، مختنقة بالدموع.

— "ريموندا؟"
استدارت على عجل، ومسحت دموعها بطرف كُمّها، ثم وقفت تضم يديها أمامها باحترام:
— "مرحبًا، سيد ويليم."

تلفّت في الأرجاء، وحدّق فيها:
— "ما بالك؟ هل كنتِ تبكين؟"

هزّت رأسها نفيًا:

— "لا..."

قال وهو ينزع معطفه ويعلّقه:
— "حسنًا... أنا في الأعلى، إذا أنهيتِ تنظيف المنزل، حضّري لي كوب قهوة وأحضريه لي."

هزّت رأسها بصمت:
— "حسنًا، سيد ويليم."

صعد إلى الطابق العلوي، بينما أكملت هي تنظيف الأرض.
ما إن أنهت، حتى أعدّت القهوة، وصعدت بها إلى ويليم، ثم انطلقت  إلى السوق.

لكن، وهي خارجة عند  الباب، وجدت سلتها ملقاة بجانب سلة المهملات، والتفاح مبعثر داخل سلة المهملات .
ركعت بسرعة، وبدأت تجمع الثمار، تمسحها بثوبها وعينها دامعة:
— "لكن... لماذا؟ من الذي فعل هذا؟"
أعادت التفاح إلى السلة واحدة تلو الأخرى، تنفض عنها 
الغبار وتكتم حزنها، حين مرّ بها أحد المارة، نظر إليها 
باشمئزاز، وقال:

— "يأكلون من القمامة، ثم يمرضون وينشرون لنا الأمراض... تبا!"

تجمدت ريموندا في مكانها لثوانٍ، وكأن كلماته أوجعتها أكثر من أي سكين.
لكنها لم ترد، بل خفضت رأسها، وأكملت ما تفعله بصمت، ثم حملت سلتها واتجهت إلى السوق.
تسوّقت ريموندا كعادتها، وأكملت يومًا آخر من الروتين القاسي. كانت عائدة إلى البيت، تحمل سلةً تحتوي بقايا الطعام  من عند السيدة ميرندا والتفاح الذابل   —ذاك ما اعتادت عليه من أجل العشاء.

عند باب المنزل، تفاجأت برؤية خالها السيد هنري واقفًا، يرتدي معطفا اسود طويلا وقبعه سوداء دائرية حادة الحواف يبتسم ابتسامةً دافئة غمرت وجهه:
— "يا إلهي، ما هذا الجمال؟ إنها ابنة أختي الصغيرة!"

ابتسمت له ريموندا بلطف:
— "مرحبًا بك يا خالي."
كان يخفي شيئًا خلف ظهره، ثم سألها بمرح:
— "أتدرين ما الذي أخفيه؟"

هزت رأسها بخجل:
— "لا أدري، يا خالي."

ضحك وقال:
— "انظروا إلى هذه الخجولة..."

ثم أخرج من خلف ظهره كُرّاسًا ضخمًا ذو غلاف مزخرف وقلمًا أنيقًا.

تفجّر وجه ريموندا بالسعادة، وضعت السلة جانبًا وأخذت الكرّاس بكلتا يديها، ثم ضمّته إلى صدرها بقوة:
— "يا خالي... لقد أسعدتني حقًا! لا تصدق كم كنت أتمنى هذا!"

ضحك وهو يضع يديه خلف ظهره:
— "ابنة أختي تريد أن تصبح كاتبة... أتُحرَم من القلم والورق؟!"

ضحكت مجددًا، واحتضنت الكرّاس وكأنه كنز.
صمت هنري لوهلة، وكأن شيئًا ثقيلًا مرّ في ذهنه، ثم 
سألها:

— "ألم تتواصل معكِ والدتكِ مؤخرًا؟"
خفضت رأسها ببطء، وهزّته نفيًا، بعينين حزينتين.
وفجأة، انقطع المشهد بصوت والدها السيد جيمس، يصرخ من بعيد:
— "ماذا يفعل أخو تلك الساقطة أمام بيتي؟!"
كان آت  مترنّحًا من أثر الكحول، يتمايل يمينًا ويسارًا.

هنري ابتسم لها بحنان:
— "حسنًا، صغيرتي... إلى اللقاء."

ثم مرّ بجوار جيمس الذي لم يكف عن شتمه ولعنه، لكن هنري تجاهله، ومضى.

ريموندا لم تجرؤ على التحديق أكثر، التقطت سلتها بسرعة ودخلت إلى البيت، خبّأت الكرّاس والكتاب في غرفتها، ثم خرجت وهي ترتجف.

دخل جيمس وهو يترنّح ويستند على الباب، ثم صاح بصوت غليظ:

— "أيتها البغيضة الصغيرة... هل تشتاقين إلى أمك؟! تلك التي تخلّت عنكِ؟! تتواصلين مع أخيها، أيتها الحقيرة؟!"

تلفّت في المكان، ثم التقط عصًا:
— "سأُريكِ الآن!"

كان رين يلعب مع بقية الاطفال في الشارع  لكنه هرع،  إلى الداخل بعد أن رأى المشهد  فقال صارخا :
— "أبي! أرجوك لا تضرب أختي! أرجوك!"

لكن الأب استدار نحوه بعينين مخمورَتين:
— "أتعترضني أيها الحثالة؟!"

ثم بدأ ينهال عليه بالضرب. ريموندا قالت وهي تصرخ:
— "لا! أرجوك، لا تضربه يا أبي!"

أسرعت نحو رين، واحتضنته بقوة تحميه بجسدها الصغير، بينما استمر جيمس بضربهما معًا. كان رين يبكي:
وهو يتمتم  "أرجوك... توقّف!"

لكن جيمس لم يتوقف إلا بعد أن أنهكه الغضب والإعياء. ركل السلة عند الباب، فتناثر التفاح وبقايا الطعام على الأرض.

تابع الى الداخل مترنّحًا، يلعن كل شيء... يلعن أم ريموندا، ويلعن حياته..

بعد كل ما تلقّته من ضرب، وبعد أن انتهى عشاءهم بتناول التفاح الذابل الملقى أرضًا، نام رين في حضن ريموندا وهو يشهق ببكاء مكبوت.

نظرت إليه بعطف، وراحت تمرّر يدها على شعره بلين. كان صغيرًا لا ذنب له، مجرد طفل بريء شاءت الأقدار أن يولد في بيتٍ مليء بالكسر والغياب.
فبعد أن هجرت والدة ريموندا والدها، تزوّج بأخرى بعد فترة قصيرة، وأنجب منها رين. لكن الأم الجديدة لم تمكث طويلًا، إذ غادرت هي الأخرى، لتجد ريموندا نفسها أماً لطفلٍ لم تلده، وهي الان  لم تتجاوز السابعة عشرة.

ربّته على قدر قلبها، لا على قدر عمرها.
بهدوء، حرّكت جسدها لتسحب نفسها من تحته دون أن توقظه، ثم جلست وأخرجت ورقة صغيرة من تحت وسادتها. كانت تلك الورقة جدولًا بعنوانين: الأحلام والواجبات.
تحت عنوان الأحلام، كانت هناك قائمة بأمنياتها البسيطة:
    •    مرآة جديدة
    •    كتاب "الملك" (وليس بالإعارة)
    •    فستان جديد
    •    تفاح طازج
    •    إكسسوارات
    •    بندانة جديدة
    •    حذاء
    •    كرّاس
    •    جمع المال للسفر إلى منطقة والدتها

تناولت القلم، وأشارت بعلامة (✔) بجانب الكراس.
ثم أمعنت النظر إلى رين النائم، وقد بدا أن ملابسه كلها مرقعة. تنهدت، ثم كتبت تحت عنوان الواجبات:
    •    ملبس  جديد لـ رين

أعادت الورقة إلى مكانها تحت الوسادة، ثم أنزلت رأس رين على الوسادة بلطف، وتسللت بهدوء إلى زاوية الغرفة حيث تخبئ حصالتها الصغيرة بعيدًا عن عين والدها.

فتحتها برفق، وأخذت تعدّ ما ادخرته، تتمتم لنفسها:
— "غدًا... أحتاج فستانًا جديدًا من أجل الحفل في الحي."
نظرت إلى فستانها الوحيد المعلّق، كان مرقعًا بشكل واضح. فتحت خزانتها، تفقدت ما تملك: ثلاثة فساتين، وكلها رقع فوق رقع.

تنهدت ببطء... ثم ابتسمت.
— "يجب أن أشتري فستانًا جديدًا... ولو مرة واحدة فقط.

 ********
فتحت عينيها على صياح وضجيج. كان والدها يقلب أغراضها بعشوائية، يفتش بعنف، يتنفس كمن يلهث من الجنون.

نهضت بسرعة.
— "أبي؟! ما الذي تفعله؟! توقف!"

حاولت إيقافه، لكن عبثًا... دفعها بعنف فارتطم جسدها بالحائط.

صرخ، وعيناه تقدحان شررًا:
— "أين أخفيتِ المال؟ تحدثي!"
ردّت وهي ترتجف، بالكاد تقدر على الوقوف:
— "أبي... أنا لا أملك أي مال... فـ-فقط..."
قاطعها بصراخ مجنون، تهجم عليها، فغطّت رأسها بذراعيها تدافع عن نفسها.

— "لا تملكين أي مال؟! إذًا لماذا تعملين؟ كيف أصدّق هذا؟!"
بصوت مختنق وهي تحاول شرح ما لا يُفهم:
— "أنا... أنا أدفع ثمن الطعام، والشراب... وتعليم رين..."
صفعها بقوة:

— "تعليم؟! ومن طلب منك أن تعلّميه، أيتها اللعينة؟!"
فتح رين عينيه على مشهدٍ صار له روتينًا... بلا نهاية.
ركض بسرعة، احتضن ريموندا من خصرها وهو يبكي بشهقات صغيرة:

— "دعها... لا تضرب أختي!"
ضمّته ريموندا بقوة، تحتضنه وكأنها تحاول أن تحميه من العالم بأكمله.

أما الأب، فاستمر في البحث كالمجنون... حتى وقعت عينه على الكرّاس.
أمسكه بغلّ، رفعه أمامها:
— "هاه! تضعين المال هنا، في هذه التفاهات؟!"
ركضت إليه محاولة منعه:
— "لا! أرجوك... أبي، لا تفعل!"
لكن كان الأوان قد فات، مزّق الورقات الواحدة تلو الأخرى أمام ناظريها.
— "أبي... أرجوك... لا، هذا الكرّاس... أرجوك!"

كان صوتها يختنق بالبكاء، حتى سقطت على الأرض تجمع قصاصات الورق الممزقة، تحتضنها بصدرها المرتعش.

همست لنفسها وسط دموعها:
— "أبي... لم يكتفِ بأنه لم يحقق لي أي حلم... بل حتى ما حققه لي غيره، مزّقه بيديه."

اقترب رين منها، واحتضنها من الخلف باكيًا:
— "أنا آسف، ريموندا... آسف جدًا."
بقي الاثنان على الأرض... يبكيان****
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"