أوّلُ كائنٍ يخطو على الهَرم \_/ (مذكرات كائن)
جاري التحميل...
أوّلُ كائنٍ يخطو على الهَرم \_/
بداية الجزء الثّاني
ولمْ أخطُ على الهَرمِ! لدواعي أمانةِ نقل المعلومة، واحتراماً لعقول القرّاء الأعزّاء، (أعرف أنّكم تلتقطونها وهي طائرة ^^) أعترف أنا الكائن أنّني لستُ أوّلَ كائنٍ يخطو على الهَرمِ... ○~○ (كان حيواناً ربّما... كلباً؟ تلكَ كانتْ واقعةً مَشهورةً طريفةً) اعترافٌ آخر: أنا لمْ أخطُ على الهَرمِ حقاً أصلاً، طبعاً... أمّا العنوان... فلأغراضِ المَجازِ والتّشويق وكذا ومذا... ^_^ > وداعٌ - بيت الجدّة - أواخر 2014 قبيل السّفر إلى مصر لا أنسى ولا أقدر أنْ أنسى، ولا تفارق ذاكرتي تلكَ الصّورة ولا تروح، مُتجذّرةً في خلايا دماغي، تَطرد كلَّ المعلوماتِ المُهمّةِ (خاصةً الدّراسية منها) بعجزٍ، وتَذر هذهِ الذّكرى الثّمينة بحِرصٍ مَرَضيٍّ. رؤيا ذكرايَ الأخيرة غير راضيةٍ بأنْ تنخلعَ من رأسي، أو تفارق قلبي. (أكاد أقول أنَّ التصاقَ تفاصيلها في داخلي، يُضاهي بشراسةٍ عناد بقعِ الطّعام في المَلابس عند الغسيل، والذي لا يحلّها إلا ذاكَ المُنظّف الشّهير... تعرفون اسمهُ طبعاً.) تتساءلونَ، ما هي هذهِ الذّكرى المُهمة؟ وأجيب وأنا أستحضرها حيّةً أمام عينيّ، هي ذكرى وداعي الأخير لأحبابي، لأهلي. ما رسّخَ هذهِ الذّكرى أكثر وأكثر، إضافةً إلى كونها مِفصلاً مِحوريّاً في الحياة، بالبعد عن وطن المَنشأ، وتركِ سندِ الخطواتِ الأولى والدّعم العائليّ... ما رسّخ ذكراي هذهِ محفورةً في لبّي، هو تتالي الصّدماتْ التي انهمرتْ مطراً على رأسي الخفيف الورقيّ، فذوّبتهُ، وطمستْ كلَّ تفكيرٍ عقلانيّ عندي -إنْ وُجد طبعاً- فذهبَ مع الرّيح، عندما فهمتُ أخيراً أنَّ نيّة السّفر جِديّة هذهِ المرّة. (وستّية.. هاها) أُمّي الخبيثة استشارتْ جدّتي، أخفَت عنّا مباحثاتِها مع والدي، وما عرفتُ إلا صُدفةً. (كما رأينا طبعاً سابقاً، احذروا أنْ تقولوا لي نحن لا نتذكر يا كائن أنتِ، فقد طالتْ مدةُ غيبتكِ! أشير بإصبعي وأنفث أنفاسي وأقول في وجوهكم... نعم، معكم حقٌ في هذهِ! ~.~ الاعتراف بالخطأ فضيلة. راجعوا، يا أحبائي الحبّابينَ المَحبوبينَ، العام الحادي عشر- قصّة اتّصالٍ غير موفّق. ولا تتوقفوا عن لَومي :"") بالعودةِ إلى ذكرى الوداعِ الأخير، أتذكّر تماماً كيف اصطفّت العيون الحزينة في نصف دائرةٍ مفتوحةَ الذراعينِ نحونا، نحن الثلاثة المغادرونَ، أُمّي وسليم وأنا، ملوّحةَ الرموش قبل اليدينِ، وهناكَ، خلف العيون القويّة ظاهِراً، تتجمّع بوادر عَبراتٍ تتبيّنُ مع حركة الحدقات وتلاعبها مع انعكاساتِ الضّوء. ومن بينِ النّواح الذي انفجر في صوت خالتي العاطفيّة، وأمّي تحاول تهدأتها وتواسيها، برزتْ أحضانها وعناقها الحارّ لجميعنا. أمّا زوج خالتي، فكان يبتسم ابتسامةً صافية -نعم، لقد كان معنا وقتها، لأوّل مرةٍ!-، بينما كانتْ ابتسامة جدتي راضيةً دامِعةً، إلى جانب طبعاً نظراتُ خالي الحانية، والحزينة. أمّا الأولاد، فلمْ نُطلق ذات النّواح، فقط نور ذرفتْ بعض الدموع، وكرمش نبيل وجههُ ببكاءٍ يشهق، وودّعنا أمجد بحرارةٍ. وأمّا أنا، فاجتذبتْ دموع الجميع -على تفاوتِ درجاتها- دموعي، فأخذتْ تنبع إلى عينيَّ، لا تكاد تبلغ الجفون حتّى تتراجع ثانيةً... لمْ تسِل دموعي حقاً خارج عينيَّ وقتها، لمْ أبكِ، فقط أدمعتُ، وأحسستُ بذنبٍ ثقيلٍ لذلكَ. كيف لمْ أبكِ وقتها، وتحاوطني شلالاتُ أحزانٍ من كلِّ حدب؟ ما أدركتهُ بعد ذلكَ، بعدما حُفرتْ هذهِ اللحظات عميقاً داخل ثنايا عقلي، أنَّ عدم بكائي صراحةً لا يعني أنّني لستُ حزينة على الفراق، أو أنّني لنْ أصير مُشتاقة، تمزقني اللوعة فُتاتاً، لأنَّ هذا ما حصل بالضبط لاحقاً. ****** > الوحش الحديديُّ يُحلّق في السّماء - الطّائرة كما هو واضح - أواخر 2014 الطّائرة وما أدراكَ ما أهوال الطّائرة! عندكَ رُهاب المُرتفعات؟ أم أنتَ من جماعة رُهاب الأماكن الضيّقة؟ رُهاب الزّحام؟ رُهاب الأصوات المُستمرة والضّجيج؟ أيُّ رُهابٍ آخر موجود أو غير موجود، اكتشَفوهُ أو لمْ يفعلوا؟ هُنا، الحلُّ التّمام، في العرض الخاص! تحصل في طائرتنا هذهِ، والآن، على رُهاب المُرتفعات، مع كلِّ ذلكَ الذي ذُكِر... مجااااناااً ناً ناً. تحسبونني أمزح؟ هذهِ هي الحقيقة. هذهِ أوّل تجربة طائرةٍ لي، وأيٍّ كان ما تتوقعونهُ عن فظاعة التّجارب الأولى، فما سيأتي سيفوق توقعاتكم حقاً! خلال الإقلاع، حاولتُ مُقاومة الإعصار الذي اعتمل في معدتي المسكينة في كلِّ الاتجاهات، وكبتُّ -بحزمٍ وصعوبةٍ- رغبةً عارمةً في الصراخ... مع أصواتِ هدير الطائرة، والضجيج، ومع صوت الإقلاع الخشن. (في الواقع، أمّي هي من أسكتتني حتّى لا أصرخ، أعترف.) كانَ سليم يجلس بلا عناء وكأنّهُ قضى حياتهُ بأكملها في الطّائرات، جيئةً وذهاباً، أمّا أنا، الكائن المُسكين، كنتُ أتشبّثُ في كرسييّ، وكأنّ الأخير يملك في بطانتهِ المُبقّعة النّجاة، بينما أنتصب كبطريقٍ يتمّسكُ بعمودٍ شاب، إنْ كان لذلكَ معنىً أصلاً. أنظر إلى أمّي، تُخرج "عدّة السّفر" كما تقول، الكثير من طبقات البطّانيّات، والأطنان من علب اللبان، وأقنعة النّوم التي لا تدعُ أحداً ينام في الحقيقة. تنظر إليّ -فيما بينَ خوفي وضغوطي- وتلمس يدي المُتشبثة وهي تقول بين الفينة والفينة: "ميس! خذي هذهِ البطانية، سوف تمرضينَ هكذا من التكييف." أختطفها بسرعة وأعود لوضعيتي الجامدة ذاتها، وكأنّني إذا تحركتُ ستبتلعني هذهِ الطائرة الجائرة، بل أنا أمكث في بطنها أصلاً... وبإرادتي! (يا للهول!) تُكلِّم أمّي أخي، ثم تعاود لمس يدي، وتوجيه كلامها لي قائلةً: "ميس، يا ميس، خذي هذهِ اللبان، ضعيها في فمكِ كي تخففي الضغط عن أذنيكِ." قلتُ وأنا أثبّتُ عينيَّ على أفقي إلى الأمام: "أمّي، لا أريد شيئاً، أرجوكِ، دعيني كما أنا." تتأفف وتقول: "ألا تؤلمكِ أذناكِ؟ خذي..." فتفتح فمي عُنوةً، لكنْ برفقٍ، وترمي اللبان. تمنّيتُ وقتها أنْ تبقى أمّي مشغولةً لفترة مع سليم، لأبقى أنا مع قلبي النّابض، وعقلي المُشوّش، وأذناي اللتان تطنّانِ وتطقطقانِ من فرط الضغط. (وأتمنى الآن يا كائن أنْ تفهمي مفهوم الإلهاء التي كانتْ تحاول اتّباعهُ معي، أمّي المسكينة!) هالني اضطرار المرء -أو الكائن- لأنْ يدع هذا الوحش يبتلعهُ طواعيةً في كلِّ مرةٍ يرغب في السفر، لكنّني تذكّرتُ أبي، وعينيهِ المُبتسمتينِ وأصوات ضحكاتهِ، فنبض قلبي شوقاً، وتناسيتُ كلَّ خوفي، أو أجبرتُ نفسي على ذلكَ، كلُّ شيءٍ يهون لأجلهِ. بضعةَ خطواتٍ إلى المستقبل، وقبل أنْ ألحظ، عبر السنين لمْ تعد الطائرة مُشكلةً لي من كثرة ما تقاربنا وتطورتْ علاقتنا، الكائن والطائرة الوحش. لمْ يعد الوحش الحديديّ يخيفني، لكنّني لا أزال أسترجع ذكراي وأنا أكاد أُخرج ما في جوفي أثناء الهبوط في المرّة الأولى، وأضحك، وأستذكرني، كيف أنجو بصعوبةٍ من إغراقِ مُحيطي ب... إحم، ببقايا جوفي، بينما لا أصبر نصف ساعةٍ بعدها، لأفعلها بالفعل، لأفعل ذلكَ مُباشرةً في مطار القاهرة... ****** > الوحش الحديديُّ يُحلّق في السّماء 2 - مطار القاهرة - أواخر 2014 حطّتْ الطائرة أخيراً بسلامٍ، الحمد لله. نزلتُ منها أبحث بنهمٍ عن شيئين توقعتُ رؤيتهما فور أنْ تخطو قدمايّ على أرض مدينة القاهرة العريقة، أوّلهما كانَ وجه أبي طبعاً، والذي أخذ قلبي ينبض بعنفٍ عندما تواردتْ طلتهُ الجميلة إلى بالي، مع علمي طبعاً أنّنا سنراهُ في الصّالة الخارجية بعد هنيهة. والشيءُ الآخر، كان الأهراماتِ طبعاً، والتي حفرتُ صورها في موسوعتي الغالية من شدّةِ ما حدّقتُ بها، لساعاتٍ بلا مُبالغة! لكنْ، يا للعجب! ويا للمفاجأة! بلا عجبٍ وبلا مُفاجأةٍ أو مُبالغةٍ، لمْ يحصل ذلكَ طبعاً، بل دخلنا إلى بناءٍ كبيرٍ نُقلنا إليهِ عبر حافلة، يحاوطهُ الزُجاج من عدّةِ اتجاهاتٍ خارجية، أمّا الدّاخل، فوهّاج الأضواء، عالي السّقف، ومُنظّم التّرتيب بدقّةٍ مُتناهيةٍ، وبمساراتٍ عمليّةٍ فائقة. هذا مطارُ القاهرة، وهو لا يقع على الأهراماتِ للأسف. وقفنا في طوابير ختمِ جوازاتِ السّفر، ولا أعرف أذاكَ كان بسبب الهرولةِ السّريعة أم ماذا، لكنَّ معدتي، ويا للأسف، قررتْ أنْ تعاود الشقلباتِ الشّقية، الحاصلة لسوائلها سابقاً في الطائرة، كما توقّعتم تماماً. (وكما أنتم تقرفونَ الآن، قرفتُ من الأمر ومن نفسي جداً، يا للأسف! أشعر أنّني لا أفعل شيئاً في هذا الفصل إلا أنْ أتأسّف. :"") مِلتُ على أمّي وقلتُ لها بصوتٍ خفيضٍ جداً، همسَاً بالأحرى: "أمّي، بطني يؤلمني جداً." هتفتْ بأعلى صوتٍ لديها، نقيضاً -وكنتُ سأظنّهُ مُتعمّداً لو لمْ أعرفها جيداً- لمُحاولتي الفاشلة لإخفاء الأمر: "بطنكِ يؤلمكِ؟ إذا كنتِ ستتقيأينَ يا ميس فسارعي لفعل هذا في الحمام، انظري، هو هناكَ، بسرعةٍ قبل أنْ..." سارعتُ أقول بإحراجٍ غمرني من ذروة رأسي إلى أخمص إصبع قدمي الصغير: "لا، لا يا أمّي ما عاد يؤلمني حقاً، شُكراً، فرَّ الألم من هتافكِ." عبستْ أمّي وهي تقول: "لا أريد أنْ أسمع حرفاً من تظرّفكِ هذا يا ميس، مفهوم؟ ولا أنتَ يا سليم، هل تسمعاني؟" (لسان حال سليم كان يقول حتماً: وأنا ما لي؟×2) سكتُّ بعدها وصمتُّ مُحاولةً تناسي هذا الألم والتخبّط في معدتي المسكينة، وبالفعل، عندما هدأتُ واقفةً مكاني، هدأ الألم قليلاً. جاء دورنا، فأخذتُ أنوء بنفسي لأرى ما خلف المَكتب الصّغير للضّابط المسؤول عن ختم الجوازاتِ، ولمحتُ خلال ذلكَ بطاقة اسم الضّابط تقول اسمهُ، خالد... آه، هذا سيء. ربّما خادعتني معدتي، فهدأتْ مؤقتاً، ثمّ عاودتْ الهيجان مع اشرّئبابي الأحمق لأعلى. أشحتُ بوجهي إلى الخلف، حيث الطّوابير، عندما شعرتُ بتلكَ الحركات، في مُحاولةٍ منّي لإلهاء معدتي عمّا تنوي فعلهُ. وبينما أسرح وأفكّر بمُصيبتي، وأتحسّر نوعاً ما لعدم الأخذ بنصيحة أمّي بأنْ أهرع إلى الحمام، تناهى إلى مسامعي صوتٌ رجاليٌّ يقول: "...أمّ وليد." بحثتُ بعينيّ -ورأسي ثابتٌ على استدارةٍ 167 درجة إلى الخلف- في الحشود عن المدعوةِ أمّ وليد، بينما لا أزال أُصارع بطني، وعقلي، الذي استغرب النّداء وأحسّ الخطر... لا أحد تقدّم. عاود صوتُ الرّجل يقول بنبرةٍ أحدّ وأعلى: "ميسيام وليد." ميسيام؟ من تكون ميسيام؟ شعرتُ بنكزةٍ عنيفةٍ في خصري، صدرتْ عن أمّي الواقفةِ بجانبي طبعاً. التفتُّ إليها بسرعةٍ، أكُشّر انزعاجاً أو ألماً من تمرّد معدتي الذي بلغ الذّروة، وبينما هي تقول لي: "الضابط يناديكِ يا ابنتي، ما بالكِ لا تردّينَ؟" وبينما تلتفتُ للضابط العابس فتقول: "سمعها ضَعُفَ من ضغط الطائرة، وهي مصابةٌ بالدّوار، فهذهِ مرتها الأ..." كانتْ معدتي تهتف: "أعطيني حرّيتي وأطلقي محتوياتي!" فصدر صوتٌ خافتٌ من فمي، وصدرَتْ معهُ أسوأ كوابيسي. ****** > هدوءُ الهزّ - شوارع القاهرة - أواخر 2014 لمْ أصدّق أنّني أراهُ أمام عينيَّ مُباشرةً. ما إنْ وقع بصري على ابتسامتهِ الفَرِحة اللّطيفة، حتّى نسيتُ المشاكل كافّةً، حتّى نسيتُ مَشقّةَ الرّحلةِ وتعبها. لمْ تتمالكني نفسي، فهرعتُ إلى يديهِ الممدودةِ السّخية، طرتُ إليهِ طيراناً حتّى ما كادتْ الأرض تلامس قدميَّ. وارتميتُ في أحضان أبي، وعانقتهُ بشدّةٍ حتّى استحال عِناقي عَصراً لجسد والدي، نتج عنهُ تعرّق كلينا من شدّةِ العِناق، في جوِّ القاهرة الحارِّ حتّى ليلاً. إلى جانب أنّني لمْ أر والدي منذُ فترةٍ طويلةٍ، إلّا أنَّ فكرة العيش معهُ، ورؤيتهِ كلَّ يومٍ صباحاً ومساءً دون حاجز، هي من أراحتني وأنا في أحضانهِ، فيستحيل النّبض في قلبي الخفّاق بلسماً بلمساتهِ، وتنقلب نظرتي المليئة بفرحةٍ عارمةٍ، إلى استرخاء اغرورقتْ بهِ مُقلتاي، دموعاً بسيطة. أقحم سليم نفسهُ في عناقنا الطّويل، وشعرتُ بأبي يحتويهِ فوراً في صدرهِ، إلى جانبي بالضّبط... بل ويمدُّ يدهُ ليشمل أمّي، كعائلةٍ مُتحابّةٍ لا تفترق. وهذهِ كانتْ أقصى أُمنياتي وقتها. من ثَمَّ، ركبنا جميعاً سيّارة أبي الجميلة، شغّلها، وتعالى هدير صوتِ التّكييف الجميل، وسِرنا، أعني سَارتْ السّيارة بنا، على الطّريق الجميل، وصورٌ لهذهِ المدينة الجديدة تتابعُ على نوافذ السّيّارة، تحمل معها أنوار خافتة جميلة، وتبينُ بها مشاهد جميلة لشوارعٍ عريضة جميلة. رغبتُ بأنْ أحكي لوالدي كلَّ شيءٍ، من بداية ذكرياتي الأوليّة إلى حدِّ الآن، رغبتُ أنْ أفعل في التّو واللّحظة، لكنَّ ارتجاج السّيّارة جعلني أتراجع، خصوصاً أنّني لمْ أكن على أتمّ ما يُرام بعد. كانتْ أصواتُ الجميع تتحدّث بخفوتٍ لكنْ بامتنانٍ، صوت أمّي بالذّات، يُعقّب بعدها أبي وأحياناً سليم. أسندتُ ظهري على ظهر المِقعد الخلفيّ، فحضنتُ شُبّاك السّيّارةِ برأسي، ونمتُ، وأنا أسمع، فيمَ يسمع النّائم غائم الصّوت، صوت أبي الشّجيِّ يسألني شيئاً، وينادي باسمي بلحنٍ خافت جميل. لكنّني كنتُ قد غرقتُ تحت تأثير ذاكَ السّلطان بالفعل، فنمتُ نوماً عميقاً كما لمْ أنم من قبل، نوماً هادئاً هانئاً، رغم كلِّ حركاتِ السّيّارة... بلا كوابيس ولا أحلام. ****** > جلابيبُ السّعادة - بيت العائلة - أواخر 2014 البيتُ، بيتنا، أخيراً. وصلنا بعد مدّةٍ طالتْ قليلاً، لمْ أشعر بها طبعاً لأنّني كنتُ نائمة، لكنْ ذاكَ الادّعاء كان بزعم أمّي وسليم. كانتْ الشوارع مزدحمةً جدّاً حول عمارتنا، رغم أنَّ المساء كان قد حلَّ منذُ زمنٍ طويل. قرأتُ كثيراً عن "مدن الأضواء"، و"المدن التي لا تنام"، لكنَّ أوصافاً كهذهِ لا تكفي فقط بحقِّ مدينة القاهرة، هي تفوق كلَّ ذلكَ وإنْ لمْ تنل تلكَ الألقاب. فالقاهرة، كما رأيناها جميعاً منذُ اللّحظة الأولى والمساء الأوّل، هي مدينة حياةٍ... بل هي مدينةٌ حيّةٌ، تتحرّكُ في استمراريّةٍ حيويّة لا تتوقّف ولا تَجمد. مدينةٌ تأخذُ أنوارها وحركاتها، بزحامها وضجيجها، وبدفءها ورحابتها، من أهلها الطيبين مُباشرةً. هذا واضحٌ كوضوح هذهِ الأضواء، وهذهٍ الأصوات. فتح أبي باب شقّتنا، فأبصرنا صالوناً مُناراً جيّداً، يمتدُّ أمامنا بشكلٍ مستطيلٍ طويلٍ، فيُقابلنا في الواجهة إلى اليسار قليلاً طاولةٌ مربّعة صغيرة مُحاطة بكراسٍ، وخلفها بالضّبط، تتناثر كنباتٌ متباينة الأحجام، إلى جانب التلفزيون، في زوايا الغرفة وجنباتها، بينما يتخذ باب الشّرفة الخشبيّ صدر الصالون، ويتربّع في وسط الجدار المُواجه لعتبةِ الباب. وإلى اليمين، يمتدُّ رواقٌ طويل يُحاذي اتجاه الصّالون، ويفصلهُ عنهُ جدار، حيث يفضي إلى المطبخ والحمّامِ أوّلاً، وإلى غرف النّوم الثّلاثة داخليّاً. أحببتُ البيت، كان هذا هو انطباعي وقراري الأوّل هنا. أحببتُ دفء أثاث الصّالون المُلاصق لبعضهِ، حتّى غُرفتي، وقعتُ في حبّها من النّظرةِ الأولى، في حبِّ حجمها الصّغير، وبساطتها، وجمال أثاثها ولمساتِ والدي فيها، والتي ظهرتْ مُحاولاتهُ وضوحاً، أنْ يجعل الغُرفة "بنّوتاتيّة" قدر الإمكان. أدخلنا الحقائب وجلسنا جميعاً في راحةٍ، مُتوزّعينَ على كلِّ كنباتِ الصّالون، وسأل أبي بابتسامةٍ: "ما رأيكم في البيت؟ هل أعجبكم؟" قلتُ بسرعةٍ: "أعجبني جداً يا بابا." ردَّ بابا والابتسامة لا تُفارق وجههُ: "حمداً لله يا ميس يا حبيبتي، أنا سعيدٌ جداً لأنّهُ أعجبكِ يا أمّورتي." ضحكتُ خَجِلةً وهو يربّتُ على يدي. (أتدلّل على والدي يعني، وهكذا.. ><) قالتْ أمّي: "أي والله، سلِمتْ يداكَ يا حبيبي، البيت جميلٌ، لكنّهُ يبدو صغيراً علينا قليلاً... أليس كذلكَ؟ هل استأجرتهُ مفروشاً؟" ندّتْ عن رأسهِ حركة نفيٍ بسيطة وقال: "غير مفروش. وبالفعل هو صغيرٌ، لكنْ هذا أفضل المُتاح في الوقت الحاليّ، ننتقل لأكبر عندما يحين الوقت إن شاء الله." (ها، لهذا أعجبني الأثاث باللاوعي، هذا ذوق والدي! ولا، لا أريد أن أنتقل.~.~) قالتْ أمّي بامتنانٍ ظاهر على مُحياها: "إن شاء الله، أعطاكَ الله العافية يا حبيبي على كلِّ حال، وسَلِمتْ يداكَ." ابتسم أبي وهو يقول: "لا شيء عندي أفضل من رؤيتكم حولي هكذا، يا حبيبتي." ثمّ التفتَ مُوجّهاً كلامهُ لسليم: "وأنتَ، أستاذ سليم، أليس لديكَ أيّ رأي أو اعتراضٍ تُدليهِ؟" نظر سليم إلى بابا بحماسٍ، ثمَّ قال وهو يشير نحو الشّاشة: "هل نستطيع تشغيل "البلاي ستيشن" على هذا التّلفزيون؟" (يا لهُ من أحمق! يبدو من مدمني الألعاب هؤلاء! متى صار هكذا؟ لكنّني كتمتُ خواطري وقتها لأنّني لمْ أرِد التشاجر مع سليم أمام بابا، وفي أوّلِ لقاءٍ أيضاً.) ضحك بابا، بالطبع، وقال: "إنّهُ يُشغّل كلَّ ما تريدهُ، حتّى النّسخ الحديثة إذا كنتَ تريد." هتف سليم: "بالطّبع أُريد!" ابتسم بابا، ثمَّ التفتَ إلينا وقال: "ألستم جائعين؟ هل نطلبُ طعاماً؟" وضعتُ يدي على بطني بلا إدراك، فوجدتُ بابا ينظر إليّ بقلقٍ ويقول: "ما بالكِ يا ميسم؟ هل بطنكِ يؤلمكِ؟" حاولتُ الإسراع بالإجابة منعاً للحرج، لكنَّ أمّي سبقتني بقولها: "لقد تقيأتْ في المطار، وأمام ضابط الجوازات مُباشرةً." قال سليم: "استغربتُ أنّهُ لمْ يُطلق كلاماً كـ "قدمتِ كلَّ هذا الطّريق لتتقيأي أمامي؟ تقيأي في أيِّ مكانٍ آخر يا فتاة." (أف، هو مستفزٌ لكنّهُ يصيبُ كبِد الحقيقة.) شعرتُ بوجهي يشتعل -لا أدري أغضباً أم حرجاً- وقلتُ: "كان بطني يؤلمني!" قالتْ أمّي: "اسكتْ يا سليم، لا أُريد سماع حسّكَ في هذا الأمر، على أساس أنتَ أنظم منها، كلاكما أتعبتماني! وتوجّتِها أنتِ يا ميس بفعلكِ الأخير هذا، فقد أخبرتكِ بأنْ تذهبي إلى الحمّام قبل أنْ يحصل ما حصل." كدتُ أردُّ، إلا أنَّ بابا قال: "حبيبتي، ربّما ميس لمْ تعرف مكان الحمّام، لا بأس، فهذا يحدث كثيراً." ثمَّ استطرد سريعاً بصوتٍ خافتٍ لمْ يظنّهُ يطالني، وأنا أنظر بالاتّجاه الآخر: "سلمى، أعانكِ الله وسَلّمكِ، هوّني عليها قليلاً..." قلتُ بحنقٍ أُغير الموضوع وأنا أُدير وجهي: "كتبوا اسمي بشكلٍ خاطئٍ في جواز السّفر باللغة الإنجليزية، كتبوهُ Messiam! تخيّل يا بابا! حتّى عندما ناداني الضّابط لمْ أعرف بأنّهُ يناديني! لقد سمعتهُ ينادي السّيدة أم وليد!" ضحك بابا بشدّةٍ بينما ابتسم سليم ساخِراً وقال: "من سيُنادى بلقبِ أمِّ وليد في العلن هكذا، وفي المطار تحديداً؟" نظرتُ لهُ نظرةً بمعنى: اسكتْ أنتَ واضحك على نصتكَ! فأشاح بوجههِ غير مُبالٍ. فقالتْ أمّي ثانيةً: "ماذا قلتُ أنا؟" وصمتنا جميعاً. طلبنا طعاماً بعدها، جلبناهُ من مطعمٍ مشهورٍ لمْ نتذوّقهُ -أنا وسليم- قط، فوصل بعد نحوِ ساعة، ثمَّ تناولنا الطّعام، وشغّل بابا في تلكَ الأثناء التلفزيون، أثير سليم. هتفتُ بسرعةٍ عندما وقع نظري على المسرحية المعروضة أمامي: "أعرف هذهِ المَسرحيّة! كانتْ تُشاهدها جدتي أحياناً." ابتسم بابا وقال: "نعم، مسرحية "العيال كَبُرتْ" قالتْ أمّي: "ليستْ جدتكِ فحسب، العائلة بأكملها تعشق هذهِ المسرحية، بما فيهم أنا وأبوكِ، أليس كذلكَ يا حبيبي؟" ضحك بابا وهو يشاهد المسرحية، كانتْ تُظهِر أربعة أشخاصٍ، مُمثلين، يرتدونَ جلابيب بيضاء غير مفهومة الشّكل أو المضمون... قال بصوتٍ حالم: "بلى، لقد كانتْ هذهِ طفولتي." سرحتُ مع صمتِ بابا الحالم، ومُراقبتهُ للمسرحيّة، والتي لمْ تكن شديدة التركيز عليها... يا تُرى، ماذا تمثّل لهُ؟ عاودتُ المُشاهدة لأفهم ما يجري، العبث الذي يجري بالأحرى... (انظروا من يتحدث عن العبث!) سأل سليم: "ألوان العرض باهتةً جداً، أكانتْ هكذا بالأصل؟ أم هذهِ ألوان الشاشة؟" (انظروا إليّ، أنا مُحنّك.) أجابتْ أُمّي: "لا، يا "فزلوك"، هذا العرض هكذا، واحمد ربّك أنَّها تُعرض بهذهِ الجودة الآن، المسرحياتُ قبلها لمْ تَكُن مُلوّنةً أصلاً." قال أبي فجأة وكأنّهُ استفاق من حلمٍ وتذكّر شيئاً: "صحيح، على سيرة "شمس الشّمّوسة"، لقد جلبتُ لكما هدايا، إنّها مفاجأة!" (شرح مُصطلحات الكائن: "شمس الشّمّوسة" هو تركيب يَتردد في أغنيةٍ في المسرحية الهزلية المصرية "العيال كَبُرتْ"، والتي تُذكر في الموقف هنا... نصيحتي، اذهبوا وشاهدوها، خارقة العبثية.) سألتُ وصوتي يتذبذبُ ويرتجُّ في أمواج لهفةٍ تكاد تغرقني: "ما هي؟" لكنّني مع كلِّ ذلكَ، لمْ أعرف ماهيّتها يومها، إذ آثرا -أمّي وأبي- تأجيل أمر الهدايا للغد، فلا يزداد البيت زِحاماً أكثر مع حقائب السّفر المُبعثرة في كلِّ مكان، وحتّى يتسنّى لأمّي -ولنا بدرجةٍ أقل- أن نُقعِد البيت مُرتّباً فلا يقوم. (بيتنا كان قائماً قاعداً يومها، أي، كما هو معروف، تستوطنهُ فوضى الأغراض الجائرة.) وماذا تظنّونَ كانتْ هديّة بابا في اليوم التّالي لنا؟ أشياء بيضاء تبرق هكذا، وحفيف قماشها الخفيف يرقص على أنغام أغنية "شمس الشّمّوسة"، ماذا؟ هل عرفتموها؟ نعم، إنّها تلكَ التي فكّرتم بها بالضبط... انتظروني وأنا لتلكَ الهديّة "سلطان". ****** عُدنا مع الجزء الثّاني والعَودُ أحمد.♡ أعزائي، اشتقتُ لكم○^_^○ أراكم هناكَ الذينَ تقولونَ: "وهل تعرف حقاً كيف تشتاق، أيّها الكائن البارد؟" -_- آه، حسناً، سأسامحكم لسببينَ... الأوّل، معكم حق○.○ والثّاني، معكم حق... لا، أمزح، لكن ليس لي مزاجٌ للغضب الآن... أنا مُسالمة. :)