نوفلو | Novloo: 5bIizHCgEzPazb8NK95eFgOxo4X2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

وتبقى أنت الحب

هي سجى، التي اتُهمت ظلمًا وخسرت حياتها في ليلة واحدة. وهو باسل الشريف، الرجل الذي مدّ لها يد الأمان حين تخلى عنها الجميع .بين الجرح والإنصاف يولد حب صادق، حبّ يثبت أن بعض القلوب خُلقت لتبقى... مهما قاومها القدر .نوفيلا وتبقى أنتَ الحب .

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

مذكرات كائن - زَنقةُ كِلابٍ

جاري التحميل...

زَنقةُ كِلابٍ ♤■♤

كائنات؟؟؟!

تحميل الفصول...
المؤلف

في خضمِّ حِبالِ الخرّوب المُلتفّةِ، تنمو وريقةُ شجرٍ، قد لا تعرف طريقها نحوَ قمم المزن، لكنّها ستقتفي أثرَ الحياة على أيِّ حالٍ.


> في بيتنا رجلٌ غنيٌّ - ليس في بيتنا حقّاً


فورَ وصولنا، توارد ذكر شخصٍ مُعيّن على لسان أبي، رجلٍ يُذكر بكلِّ هيبةٍ ووقار -حتّى في الذّكر فحسب- ولا يلبثُ أنْ يتردّدَ اسمهُ ونسمعهُ، حتّى يُعاود الورود مرّةً أُخرى.


(حتّى بالنّسبة لنا نحن الأطفال، في وقتها أعني، فقد سمعناهُ كثيراً أنا وسليم، ونحن، أو أنا، الذي لا يتردد أمامها الحديث عن العمل كثيراً.)


إنّهُ السيد كريم زَعتَراوي بالطبع.
السيد زعتراوي ليس مالكاً لمطعم فطورٍ عربي "على كيفك" كما يُوحي اسمهُ، ولا صاحباً لمحلِّ بِقالة مُتخصص في الزعتر والزيت وما شابه، بل هو، يا أعزائي طيبي القلب، من أكبر التّجّار ها هنا.


كان بابا يقول عن هذا الرجل أنّهُ بالغ الأهمية، بالغ اللطف، لا يُكاد يحدّثكَ تارةً حتى يخترق قلبكَ مُباشرةً كسيفٍ سَهّام.


أثق في حُكم بابا على النّاس رغم تساهلهُ الشّديد في هذهِ الأمور -الأمر الذي عرفتهُ لاحقاً طبعاً- لكنّني مُستعدةٌ ومُتحرّقةٌ أكثر لسماع انطباع أمّي عن السيد زعتراوي هذا أيضاً، فقد أصرّ الرجل على مقابلةِ عائلة بابا الموقّرة، كما يقول على لسانهِ، والتي جاءتْ مؤخراً كما فهم.


بعد تشاورٍ مديد، وحكم اتُخذ رشيد، قرّر رأسا العائلة،
(بابا وماما لكنّني أتفلسف كما العادة)
أنْ يقابلانهُ بمفردهما لأوّل مرّةٍ ولا أدري لماذا...


(هل عدم ذهابنا، أنا وسليم، هو تقديمٌ صالحٌ للعائلة أمام الرجل المُهم، أمْ سوء ظنٍّ بأطفالهم الملائكة الذين لا يُؤذونَ نملةً؟ لمْ أفهم حدَّ اللحظة.)


على أيِّ حالٍ، لمْ نمانع نحن ذلكَ، فاهتمامي -شخصياً- بمقابلة الرجل وقتها، لمْ يضاهِ اهتمامي بطريقة صنع الغسّالات، حقاً... 


وتقررتْ المُقابلة في مطعم لمْ أحفظ اسمهُ، في تلكَ الليلة ذاتها، والتي اطلعتم بالفعل، معشر القرّاء العظيم، على نبذاتٍ عنها، وعن حالي فيها.


(أعتذر للرجل المُحترم جداً، الأخ الزعتراوي، فأنا لمْ أقصد سوءاً بذلكَ القول، أو عدم الاهتمام، إنّما هي أضغاث مُراهقة خرقاء، وكائن، فحسب.)♡


تهندمتْ أمّي وتأنّقتْ، بملابس بسيطة صيفية، قميص أبيض وتنورة طويلة، أمّا بابا فقد ارتدى بذلة كُحليّة جميلة، وبينما روائح عطر ثقيل تتعشّق داخل الأنوف، وبينما يسري التجهيز للمُغادرة على قدمٍ وساق، كان غثياني يُثار على إثر كلِّ تلكَ الحركة والعطر الفوّاح...


(هذهِ المرة لا شأن للطائرات في ذلكَ، إنّما هي مجرد ظروفٍ قهريّةٍ.)


ابتلعتُ بعض الدواء ودخلتُ لأستلقي، وخلفي تتردد بصوت أمّي الغائم بعض التّعليمات، لا بأس، إنْ كان هناكَ أمر مُهم فلنْ يتوانى سليم عن إخباري.


لأنمْ... طويلاً.


> الإنسانُ الزّنّاق 2 - بيت العائلة - أواخر صيف 2014


انتفضتُ في سريري والباب يُفتح، ووجه سليم العَكر -بالطبع- يظهر أمامي...
أما زلتُ أحلم بالكوابيس؟


قال باستغرابٍ: "أنائمة؟"


قلتُ: "لا، أنا أُحاول تدريب جفوني على الإغماض والفتح، يا فهيم."


كرمش وجههُ وقبل أنْ يتفوّه بحرفٍ قلتُ:
"أين بابا وماما؟"
-"ما هذا؟ أين كنتِ؟ في عالم البطيخ السعيد؟ ألمْ تسمعي أنّهم رحلوا لمقابلة هذا العم، هذا... كريم الأزعراوي أو شيء كهذا..."
-"كريم زعتراوي، وكما قلتَ، كنتُ نائمةً."


(نعتذر حقاً للعم كريم، من أعماق قلوبنا على هذهِ الإهانات في حقّكَ.>*_>*)
-"أجل... هذا."


تنهد ودفع الباب على مصراعيهِ وهو يقول:
"هل أنتِ بخير؟"


قلتُ مُتذمّرةً: "لماذا تفتح باب فتاةٍ هكذا؟"
-"لقد طرقتُ ولمْ تستجيبي!"


ساد صمتٌ، فنهضتُ بتثاقلٍ وهو لا ينفكُّ واقفاً على وضعهِ، قلتُ بضيق:
"لماذا تراقبني هكذا، هل أبدو لكَ كمزحةٍ؟ أو مسلسل ترفيهي؟"
-"هاهاهاهاااي، هذا ظريفٌ جدّاً...
دعكِ من هذا، هل ستأتينَ؟"


دققتُ نظري في وجهِ سليم، الذي بات مُشعراً نوعاً ما، لستُ فاهمةً وقلتُ:
"متى...
متى أصبحتَ هذا القرد؟"
-"ماذا؟ أيّتها..."


قاطعتهُ سريعاً: "أعني، كنتُ أريد أنْ أسأل، متى ذكرتَ أيَّ شيءٍ عن الذهاب؟ لأنّني لمْ أسمع شيئاً ولا أعرف أين سنذهب..."
-"ما بكِ؟ هل كنتِ نائمة حقاً؟"
-"يابن الحلال، نعم، والله نائمة، بكسر الهاء كنتُ نائمةً، وخلّصنا، ماذا حدث؟"


حكى سليم، على مضض، كيف أمرتهُ أمّي بشراء بعض الأشياء العاجِلة لهذا المنزل في مخاضهِ العائليِّ الأول...


قال أخيراً: "هل تأتينَ معي؟"


تحسستُ بطني وكأنّني أستأذنهُ، ثمَّ رمقتُ شبّاكي قليلاً، أطّلع إلى الشارع المُزين بالأضواء في الخارج، وقلتُ مُتمهلةً:
"حسناً... انتظرني قليلاً."


بعد بضعةِ دقائق، نزلنا أنا وسليم إلى هذا الشّارع، ونفسي التوّاقة تتنفس صعوداً ونزولاً.


مشيتُ خلف سليم صامتةً، ثمَّ رأيتهُ يتلفّتُ، فتلفّتُّ...
رأيتهُ يُبطئ، فأبطأتُ...
رأيتهُ يضمُّ شفتيهِ ويضيّق عينيهِ، فضممتُ شفتيَّ...


توتر سليم، لمْ أنتظر عندها ولمْ أتوتر...
بل هجمتُ عليهِ -تقريباً- وهتفتُ:
"سليم! لا تخبرني يا أخي أنّكَ لا تعرف أيَّ المحلات يجب أنْ ندخل؟"


امتقع سليم، وقال سريعاً:
"لا، لا أعرف بالطبع، أعني، أعرف، أعرف، انتظري لحظة..."


(عدم وضع الفاصلة في مكان مُعين ليس خطأً، أو سهواً مني، كي تعلموا فقط يا أعزائي القُرّاء. □-□)


تنهّدتُ، ولمْ أعرف ما أقول، فراقبتُ مُحيطي، ووجدتُ الزّحام قلَّ نسبياً بينما نمشي.


فجأةً، انقطع مرأى البشر حولنا، والمحال الموجودة تضاءل وجودها، فما عدتُ أرى إلا مَحلّين أو ثلاثة، بدلاً من المحال التي فاقتْ عدد أصابع اليدينِ مجتمعتينِ، والتي كانتْ تتفشّى حول المباني خنّاقةً.


وعندها، لمْ أرَ إلا شيئاً واحداً، كائناتٍ بالأحرى، حيةً ولمْ تكن أشياء بالمعنى الحرفي، ولمْ تكن بشراً أيضاً.
******


> نداءٌ لا يَصلُ 


مشاغل الحياة جرفتنا، كان لا بدَّ أنْ تجرفنا في النهاية. 
ومع ذلكَ، ظللنا على تواصلٍ مع العائلة أجمع هناكَ، مع عالمنا المُتجمّد، ولربما تجمّدَتْ الحياة هناكَ من منظورنا البعيد، لكنّها، في الحقيقة، تتقدّم مُهرولةً غير مُكترثةً بإحساس العائش فيها، إنْ تضاءل أو تمسّك، وإنْ تواجد هنا، أو هناكَ.


ظللتُ على تواصلٍ مع ريم أيضاً، ونور التي تكاثرتْ صداقاتها وحكاياتها، ونبيل الذي فاجأنا جميعاً، حتّى أمّهُ وأباهُ، ووضع نظارةً طبيّةً أخيراً، أملاً في حلِّ مشكلاتهُ التي لا تنتهي في المدرسة، ومع الدراسة.


أمّا أمجد، فخطى أخيراً أولى خطواتهِ لعالمٍ جديد فسيح، حيث الصداقات الرّاشدة، والتّصرفات الحكيمة، وتعقيدات حياة البالغينَ المشهورة، في عالم الجامعة.


كانتْ جدتي كما هي، مُتذمّرةً تتأرجح بين الطيبة والعصبية، وبين الجدِّ والهزل، كذلكَ خالتي وخالي، لمْ يتغيرا وبقيا على حالهما.


ومضتْ الأشهر ومضتْ، وتباعدتْ مسافات التّواصل، وتقلّصتْ أُمسيات الأحاديث اللّاهبة، وقلَّ الشوق، أو ربما كَثُر، فضيّق خناق الكلمات حول جوفنا، وزنقها في حلوقنا، فلمْ تعد تنساب كما اعتادتْ، ولمْ تعد تنهّدات الآلام تتواصل كما اتّفق.


في مرحلةٍ ما، كانَ الكلام ضئيلاً، يكاد يكون مُتلاشياً حتّى، كنداءٍ بعيدٍ لا يصل، يصدح من كلِّ الأطراف في ذاتِ الوقت، فلا يُسمِع أحداً.


أهذهِ الرّتابة هي التي خنقتْ الحديث؟ أم شيءٌ أكبر وأفظع؟


هل هناكَ ما يُخفى بحرصٍ تحت الحنين الذي لا يُحكى، ويُغطّى بعنايةٍ بروتين الحياة وانشغالاتها؟


هل هناكَ ما يُخفى... عَمداً؟ يُخبّأ تحت الألسنة، ويُعضُّ عليهِ بآلامٍ لا تتجرأ أنْ تَرقى للسطح؟


هل هم... يُخفونَ شيئاً؟
******


> الإنسانُ الزنّاق 3 - شارعُ الضّوءِ والضّوضاء - أواخر صيف 2014


لقد رأيتهم.
كُتلةٌ مُتكتلّةٌ من الكلاب، كأنّهم قبيلة.


هوهوتْ الكلاب وركّزتْ أنظارها علينا، نحن البشر الوحيدونَ -والتّائهونَ- في المنطقة.


قلتْ لأخي: "هيّا، اتّصل بأمّي وأصلح هذا "الهباب" الذي تسببتَ بهِ، اسأ..."


قاطعني أخي هامساً، مُمسِكاً بكتفي وناظراً لي كجروٍ صغير سلبوا منهُ عظمتهُ المُفضلة:
"أتّصل؟ ألا ترينَ الموقف الذي نحن بهِ؟"


قلتُ والاستغراب يغشى ملامحي:
"أيُّ موقفٍ؟ ما بالك؟"


أخذ يؤدّي حركاتٍ بهلوانية برأسهِ، ويأرجحها كيعسوبٍ أصيب بارتجاج دماغ، يحاول أنْ يشير لشيءٍ ما، الكلاب الواقفة هناكَ والتي بدأتْ تتحرك نحونا مثلاً؟


ثمَّ قلتُ فجأةً بصوتٍ عالٍ:
"آه، هل أنتَ خائف؟"


نظر إليّ بعينينِ مُحمرة -غضباً أو... رُعباً؟- وقال:
"صصصصه، لنَعد."


قلتُ بضيقٍ: "لماذا؟ فلنشترِ المطلوب، هيا، فلتكلم ماما أوّلاً وتسألها عن اسم المحل، ما بكَ يا جبان؟"


أفلتني، وهرول قائلاً وصوتهُ يتناهى إلى حيث أقف:
"جبان؟ جبان... لا أهتم. ابقِ أنتِ إذا كنتِ شجاعةً حقاً، أنا سأهرب، فالهروبُ نصف "الجَدعَنة"... بل كلُّها كما تعرفينَ."


(فقرة شرح مفردات الكائن: "الجدعنة" هي الرّجولة أو المروءة في اللّهجة المَحليّة...
ومصطلح "الهروب نصف الجدعنة" يستخدم لتبرير جُبن الرّجال، على غِرار الأخ سليم هنا.)


قلتُ ولمْ أتزحزح، سامعةً كلماتهُ تتلاشى، مع صوتٍ غريبٍ خاطٍ يتردد أمامي:
"هاهاهاهاااي، سأخبر أمجد عن هذا يا سليم، صدّقني، فور أنْ نتحدث معهم، سأخبر أمجد ونو..."


لمسة في ساقي، ووجه كلبٍ يكاد يقفز على صدري مُباشرةً.


صرختُ بأعلى صوتٍ قد أسمعهُ في حياتي:
"عاااااااااااااااااااااااااااا..."


وبدأتُ أركض في اتجاهِ المنزل لا ألوي على شيءٍ، وربما تجاوزتُ سليم حيث يمشي، والبيت حيث يقف، والشارع النّوار المُضاء، والبلاد بأكملها من شدّة الخضّة...


أأسخر من أخي لجُبنهِ وخوفهِ؟
ها هو العالم أجمع قد دري بخوفي وصراخي لدى رؤية كلب السّواقي ذاكَ...


قد سمع صراخي كصراخ غرابٍ نعق قبل تفتيت ريشهِ بقليل، بل، لا!
عذراً للغراب فسيكون صوتهُ غنّاءً أمام صراخي، وعذراً للكلب، فلا ذنب لجُبني الذي كان يتندّر أمام سليم بشجاعةٍ زائفة، فأحرج نفسهُ أسوأ من أيِّ كلبٍ يغني في ساقية!


(المُتكبر مصيرهُ الهُزء، وأنا، الكائن، أعرف ذاكَ كيف يكون بالضبط، حقاً.:""""")


توقفتُ ألهث، ولمْ أجد سليم حولي، حمدتُ الله على هذا -فلنْ أسمع سخريتهُ من فعلي هذا، على الأقل الآن- وعدتُ أجرُّ أذيال خيبةِ الهُزء هذا خلفي، خارجةً من زنقة كلابٍ (حرفياً) مُشعثّة، ومُهانة.


وصلتُ باب شقتنا مُمتَقعةً أحدق في الأرض، فلمْ أجرؤ أنْ أرفع رأسي وأبحث -نظرياً حتّى- عن أخي، أو عن أيِّ شخصٍ أو شيءٍ في هذهِ الحياة.


وفي خضمِّ حرجي وخيبتي، نسيتُ شيئاً مُهماً جداً.
أنا... أنا لا أملك مُفتاح الشقة!


حدثتُ نفسي بصوتٍ عالٍ وتساءلتُ بيأس:
"هل أتصل بسليم وأذهب فآخذ المفتاح منهُ؟ لكنّهُ سيغرقني سخريةً وأسئلةً، وسيجعلني أعترف بجُبني -وحقهُ- بدل المرة ألفاً، إذاً ماذا أفعل؟
هل أتصل وليحدث ما يحدث؟
ربما، ربما، واحتمال ضئيل، لكنْ ربما لمْ يراني، لمْ يُلاحظ هروبي المُخزي و..."


وصمتُّ، لأنّني أتفوه بالهراء، فهو لاحظ مروري بجانبهِ بالتأكيد، حتّى إنْ لمْ ألحظهُ أنا.


ثم بدأ غضبٌ يتصاعد في داخلي.
انبريتُ أقول بغضبٍ وبصوتٍ عالٍ -ثانيةً-:
"كيف لاحظني ولمْ يحمني؟ أليس هو أخي؟ كيف لمْ يفعل؟ هههه، على من أضحك، هو لمْ يستطع، ولا يستطيع حماية نفسهِ على أيِّ حالٍ، وغد جبان."
-"من؟"
انبعث صوتٌ.


تراجعتُ -أو لنقل قفزتُ، حرفياً- إلى الوراء وأنا أبحث عن مصدر الصوت مَذعورةً.


تلفتُّ جيداً أبحث، فرأيتُ زوجاً من النظارات السّميكة يُطلُّ من فتحةٍ صغيرةٍ بين الجدار وباب الجيران الهادئ، عادةً...


خلف النّظارات، كانتْ هناكَ عينان ترمقني... وتَنحني مُقوسةً ضاحكةً.


هل ربما كُشفتُ بجُبني، ببَليَّتِي أمام شخصٍ مُريب، يضحك على مصائب النّاس، كالمثلِ القائل:
"شرُّ البَليَّةِ ما يُضحِك."


هكذا فقط؟
أهذا مصيري؟
******


(هُناكَ أيضاً "مَصائبُ قومٍ عِندَ قومٍ فَوائدُ" لكنّني لنْ أتفلسف أكثر...
أوبس! ربّما فعلتُ!
أسمعكم تقولونَ: "لكنّ، يا كائن، هذا المثل ليس لهُ علاق..."
فأقول: "صهه، أعرف، أعرف، لكنْ، هي فلسفةٌ وأيَّة فلسفة! تعرفونني أحبّها.) ^×^
               

العينُ السّحريّةُ | مذكرات كائن

جاري التحميل...

العينُ السّحريّةُ ◇

حياة جديدة

تحميل الفصول...
المؤلف

ويشيرُ الحكيمُ إلى القمر، والأحمق ينظر إلى إصبعهِ!


(أنا الأحمق.)


> عبثيّات عائليّة - عن بعد


جاء صوتُ نور هاتِفاً بصوتٍ عالٍ:
"هل زرتِ الأهرامات يا ميس؟"


كادتْ الدّمعة تفِرُّ من عينيَّ، وقلتُ بأداءٍ دراميٍّ لا بأس بهِ أبداً:
"إنَّها تَبعد عن بيتنا مسافةً تقدّر بقرابةِ السّاعة! قلبي يتحطّم لهذا، شوقاً وبُعداً!"


(إنّهُ مجّرد تمثيل، لا داعٍ لإتقانهِ لهذهِ الدرجة يا ميس، ملكة الدراما!)


بهتَ تعبير نور بسأمٍ، نعم، كان ذاكَ واضحاً لي، وضوح كاميرا بدقّةٍ خطيرة (Full HD)، حتّى من بين ارتجاجاتِ شاشة الموبايل، وتداخل بكسلات (Pixels) مكالمة الفيديو السّلسة بغزارة. 


(لسانُ حال الكائن الآن:
OMG I am a creature, talk only english, you see, I feel so english like... Oh yeah)


قالتْ بوجهِ استقامتْ فيهِ كلُّ الخطوط، فبات الحاجبان للشفاهِ توأماً: (للتوضيح: -_-)
"هذا أسخف "شبيه تمثيل" أراهُ في حياتي!"


ظهر وجه خالتي في الخلفيّة يقتحم المَشهد، وقالتْ لنور بسرعةٍ:
"توقفي عن إزعاج ابنة خالتكِ! هي الآن مُسافرة، فلنُعاملها مُعاملة المُسافرين."


(مُعاملة المُسافرين؟ خالتي تفهم السّفر بشكلٍ خاطئٍ على ما يبدو.)


ارتسمتْ على وجهي ابتسامة تشفٍّ، مُوجّهةً لنور خصيصاً، بينما كانتْ ابتسامة أمّي حنونةً توّاقة، وقالتْ:
"مرحباً ولاء."


قلتُ بدوري: "أهلاً بخالتي، مُنصفتي وناصرتي، ولا عزاء للحاقدينَ."


عبستْ نور، وكاد ينفجر بركان صداقتنا اللئيم، إلا أنَّ أمّي سألتْ:
"أنتما في منزلنا؟ من معكما؟"


وجّهتْ نور الكاميرا إلى نبيل، الذي يعبث بشيءٍ ما في الخلفية، وأمجد إلى جانبهِ، وهو غارقٌ لرأسهِ... بل رأسهُ شخصياً غارقٌ في الموبايل في يدهِ.


قالتْ خالتي: "من المفترض أنَّ هذا فريقُ المُساعدة في التنظيف والترتيب، لكنْ كما ترينَ..." 
وأخذتْ تنادي نبيل كي يسلم علينا.


نهرتْ أمّي أمجد بصوتٍ عالٍ قائلةً: "أمجد! حرّك نفسكَ قليلاً، وساعد..."


رد أمجد بأنْ لوح لها، وقلتُ أنا بصوتٍ خافت: "لدينا ها هنا توأمهُ اللّاصق اللّزج... لا بدَّ أنّهُ يتحدّث معهُ، مع سليم."


قالتْ خالتي وقد ابتعدتْ قليلاً إلى الخلف، واقفةً إلى جانب شبّاك صالوننا، بينما تعبث في يديها بشيءٍ ما:
"على سيرةِ اللّاصق، أسمعتِ آخر ما ارتأى الناس فعلهُ في بيوتهم؟"


(صوتي كان مُنخفضاً حقاً!
سمع خالتي ليس 100/10
بل مليون على عشرة، ما شاء الله.)


أمالتْ أمّي رأسها مُستَفهمةً، فتناهى صوت نور شارِحاً من خلف الكاميرا:
"أمّي تقصد موضوع وشم زجاج الشّبابيك بلاصقٍ شفاف، جميع صديقاتي بادرنَ إلى وضع اللّاصق هذا على الشبابيك بشكل حرفِ X كبير، احتياطي يعني في حال القصف المُفاجئ، لا سمح الله، حتّى لا يتكسّر الزّجاج."


ارتسم على وجه أمّي -وربما وجهي- القلق، وقالتْ أمّي:
"خير إن شاء الله، هل حدث قصف قريب ربّما أم..."


قالتْ خالتي: "لا، لا تقلقي يا سلمى، الأمر فقط إجراءٌ احتياطيٌّ، فعلناهُ في منزل أمّي وقلنا نفعلهُ في منزلكم أيضاً...
بالمُناسبة، (تشششققق، صوت اللّاصق يرتفع جَاهِراً) سمعتُ أنَّ عندكم لاصقاً أفضلَ في مصر، فلتجلبي لنا البعض يا سلمى..."


ضحكتْ أمّي بينما قلتُ: "لاصق يا خالتي؟! اطلبي شيئاً عليهِ القيمة."


قالتْ بثقةٍ فاخرة: "لا تقلقي يا ميس، كفّيتُ ووفّيتُ، وطلبتُ ما يخطر ولا يخطر على البال."


قالتْ أمّي: "لمْ تَدع مجالاً لي لأختار هدايا لها، حتّى تلكَ اختارتها بنفسها."


قلتُ: "من أين تفكّرينَ، وتنكُشينَ كلَّ هذي الأشياء يا خالتي؟"


وضعتْ إصبعها على شفتيها وقالتْ بخبثٍ (فاشل طبعاً، وجهها السّمِح عاجزٌ عن رسم هذهِ التعبيرات):
"مصادري الخاصة... من على النت."
وضحكنا جميعاً.


كنا مُمتنّينَ بحقٍّ لخالتي التي تقوم بحِمل بيتينِ وحدها، ومع أنَّ أمّي حاولتْ إثناءها عن العناية بمنزلنا المَهجور، إلا أنَّها أصّرتْ كجبلٍ لا يهزّهُ ريح، وكأنَّ حياتها كاملةً تتوقف على هذا الأمر.


قالتْ خالتي بعد هُنيهةٍ (تُذكّرني بأبشع مسؤولياتي في الحياة):
"ماذا ستفعلينَ في المدرسة يا ميس؟ متى ستبدأينَ ذلكَ؟ أنتِ الآن في المَرحلة الثانوية، عليكِ أنْ تبدأي الأمر بجدٍّ، لا تفعلي مثل نور، ها هي، كما ترينها، قد وصلتْ لشهادتها الثانوية دونَ كثيرٍ من الاهتما..."


اخترق صوت نور صوتَ أمّها من خلف الكاميرا:
"ماذا تقولينَ عنّي يا أمّي؟ أنا أقتل نفسي دراسةً!"


تنهّدتْ أمّي وقالتْ: "الأمر عندنا سيان هنا يا ولاء، لديَّ سليم أيضاً، لا يملك ذرّةَ اهتمامٍ وكأنّهُ ليس لديهِ شهادة ثانوية أيضاً هذهِ السنة!"


صاح سليم بدورهِ: "سجّلونني في المدرسة أولاً قبل أنْ يفوتَ وقت التسجيل، وبعدها نتكلّم!"


وبدأتْ مُحاضرةٌ طويلةٌ عريضةٌ عن أهمية التّحضير لهذهِ السنة المُهمة، قبل التسجيل حتّى، مُقدّمةً بواسطة الأستاذة الد. ولاء والأستاذة الد. سلمى، مُتناولةً مخاطر أنْ تصير طالباً مُهملاً، كأمثال نور وسليم.


(الحمد لله، فارقني حديثهم وابتعد التّقريع عني، نجوتُ هذهِ المرّة!)


لكنّني، لمحتُ قلقاً خافياً في عينيَّ أمّي بالفعل، فأخذ عقلي ينبض بالأسئلة.


هل.. هل سنلحق التّسجيل في المَدرسة هذهِ السّنة؟
هل سنقدر على تتبّعِ نَسَق الطّلّاب هنا؟
******


> جلابيبُ السّعادة 2 - شارع الضّوء والضّوضاء


افترشتْ جلابيب بيضاء كنبات صالوننا، بلونٍ ناصعٍ وضّاء، واخترق أعيننا -أنا وسليم- شعاعاً انعكس دهشةً، وربّما امتناناً عميقين.


وعلى خلافنا، كانتْ أمّي تحدّق بتلكَ الملابس المُستلقيةِ براحةٍ، ولكن بحذر، تغشى نظراتها دهشة مائلة إلى الاستنكار، وكأنّها تحسد الجمادات على راحتها.


(آه لشدّةِ ما أتعبنا أمّي! أعترف.)
قالتْ أمّي بصوتٍ يبثّ تلكَ الدهشة ذاتها:
"ما هذا يا وليد؟ أهذهِ هي المُفاجأة؟"


هتف والدي بحماسٍ: "نعم!"


اعترضتْ أمّي بتؤدة: "أنا لا أفهم ما تحاول فع..."


إلا أنَّ تقدّم سليم المُفاجئ، وسؤالهُ التالي، حالا دون إكمالها لكلامها:
"أيّة واحدةٍ خاصتي؟ أريد الأفضل."


قلتُ مُحتجّةً: "يا لأنانيتكَ يا... أعني، اترك لي شيئاً جميلاً يا أخي، يا أععظمم أخخ في الدّنيااا."


ضحك بابا وهو يقول: "لكن، يا أولاد، جميعهنَّ مُتشابهات!"
(بابا يقول الحقائق.)


ثمَّ اندفع كأنّما تذكّر شيئاً، والتقط واحدةً مَركونةً في الطرف البعيد، تبدو مُختلفةً بالفعل، وقال:
"آه، مهلاً! هذهِ لماما خصيصاً."
(لمْ تَعد حقائق.)


دققتُ أحاول أن ألاحظ الاختلاف، فوجدتُ خيوط غُرزٍ خفيفة تتعرّق عبر الثّوب بأكلمهِ بلونٍ فاتح، يكاد لا يظهر، ويتماهى مع اللّون العام الأبيض.


تمتمتْ أمّي: "من أين حصلتَ على هؤلاء؟"


امتدّتْ ابتسامة أبي من شحمة إذنهِ حتّى الأخرى وقال:
"جلبتهم حتّى نرتدي ملابس متشابهة جميعاً..."
-"أجل، من أين؟"


سارعتُ أختطف واحدةً منهم -ليستْ خاصّةَ أمّي بالطبع- قبل أنْ يفعل سليم، وذهبتُ أجرّبها في الحال.


شعرتُ أنّنا نرتدي ملابس متشابهة لسببٍ، فالعائلة حقيقيّة لا تحتاج دليل وصالٍ فيما بينها، بل تفعل ذلكَ مُتعةً وهَزراً.


نظرتُ إلى نفسي في مرآتي الصّغيرة، لا يظهر إلا وجهي للأسف بحجابي الأبيض، كشّرتُ فكشّرتْ صورتي، اشرأبّيتُ فظهرتْ صورتي تحاول الوصول إلى سقف إطار المِرآة الصغير بيأسٍ وسذاجة.


تراجعتُ إلى الوراء قليلاً، أراقب وجهي يتقلّص حجمهُ، (حمداً لله) ذاكَ حتّى يتسنّى لصورتي أنْ تُؤطّر كاملةً في مرآتي، فيبين شكل الملابس الكامل.


لأشرح لكم الآن، أعزائي القرّاء، ما يُطلُّ أمامي تماماً، ناظِراً بحذرٍ مُترقّب.


لدينا هنا جلباب جميل أبيض، لكنّهُ فسيحٌ جداً، حيث أستطيع الشعور بأطرافي تتخبّط مع جسدي السّابح في الداخل.


تمازج لون حجابي وجلبابي، وتماهيا على رقعةِ مرآتي إلى كتلةٍ واحدةٍ مُستدركة لبعضها، إلا أنّها تنقطع خِتاماً عند قدميَّ بخطٍّ مُتعرّجٍ مُلتوٍ، وكأنّني شبحٌ عائمٌ.


(لا أرتدي ملابسي إلا من براندات، كما تعلمون، خزانتي تنضح بأسماء كـ "لا جلباب"، و"كوكو الشّبح".)


وقفتُ أنظر لوهلةٍ، وسرح خيالي بعيداً...
واجهتُ صورتي كشبحٍ منطوٍ تلاشت من حولهِ الأبعاد، يطفو إلى سقفٍ لا أراهُ، يُفارق أرضاً لا أحسّها، وعالماً يتهاوى، وغرفتي الصغّيرة التي حضّرها أبي من أجلي تختفي...


لتعاود غرفتي القديمة التّشكّل، تحاوطني من كلِّ النّواحي، كقمقمٍ يتغلّق رويداً رويداً على جسدي الشّبحيّ.


ورغم التّسمية الفازِعة، والمظهر الشفّاف المُترائي أمامي، تظلُّ صورتي عاجزةً عن تجاوز حدود هذا الفضاء المُتشكّل حولي، أنساهُ فينبثقُ، فأتناساهُ فيتسرّب، ولا أنا أعرف كيف أنسلُّ عبر الجدران كالأشباح التي تحترم نفسها، ولا كيف أجتاز قيد مكانٍ حُفر عميقاً في مكانٍ ما من نفسي، ولا المكان يرضى أنْ يَمِيزني...


رمشتُ وسارعتُ إلى خارج الغرفة هرعاً أهرب من أفكارٍ تتلاحق، فإذ بسليم ينطُّ في طريقي.


(هو طبعاً المُخطئ، لأنّني لستُ كذلكَ.
فتاة وتجري، تفاداها يا أخي! جيل هذا الزمان!)


قال سليم بعد أن حدثتْ الصدمة الكُبرى:
"ما بالكِ يا مجنونة؟ لماذا تَجرينَ هكذا؟"


وقفتُ أنظر إليهِ بجلبابهِ المُطابق لجلبابي، وقلتُ بصوتٍ أشمٍّ:
"حمداً لله أنّهُ أُتيحتْ الفرصة أخيراً، عبر هذهِ الملابس ذاتها، أن يبين جمالي أمامكَ بإنصاف!"


عبس ثمَّ ضحك ساخِراً وقال:
"هذا إنْ كانتْ تُصنّف حبّة اللّوبياء من الجميلات."
-"ماذا؟"
-"تبدينَ كحبّةِ لوبياء، وغبية أيضاً."


لا داعٍ لذكر ما فعلتهُ حفاظاً على مشاعر القرّاء.
(لمْ أفعل شيئاً، فقد ظهر أبي في اللحظة المُناسبة -لسليم، ابن المحظوظة- ولمْ يتسنَّ لي الردُّ بشكلٍ غير لائق... أعني لائق أمام أبي...
لكنَّ سليم الظريف أضاف براند جديد لمجموعة برانداتي، والاسم، لوبيان فيتون.) *<*


نزلنا نحنُ الثلاثة فقط، أنا وأبي وأخي، إلى الشّارع بـ"منظرنا هذا" كما نعتتهُ أمّي.


تعلّقتُ بيد أبي الكبيرة مُتعربشةً تقريباً، صامتةً أُنقّل بصري بين الشّارع الهادئ نسبياً في هذا الوقت القائظ، وبين وجه أبي، الذي فاق الأشعّة المُنبعثةِ من مِحراب الضّياءِ إنارةً.


في المُقابل، فم سليم لمْ تتأنّى فيهِ الكلمات لحظةً أو تتردّد، فقام بوَصلةٍ كلاميّةٍ لا مثيل لها، تنافس في أعتى سِباقات أميال الحروف المُتتابعة، إنْ كان لشيءٍ كهذا وجود.


ومع ذلكَ، اتّصالي المُباشر بدفء أبي، إلى جانب استعراضات أخي الثرثارة النّادرة، والتي لمْ تزعجني إطلاقاً، حقاً هذهِ المرّة، منحتْ مشاعري المُتلاطمةِ منذُ وهلةٍ فقط، نسماتِ راحةٍ هادئة، تواصلتْ وتوصّلتْ مع رابطتي الحميمة التي تجمع العائلة بأكملها لأوّل مرةٍ.


(بغضِّ النّظر عن امتناع أمّي عن مُرافقتنا يومها.)


إلى جانب أبي، وبينما لا أذر يدهُ، أخذتُ أراقب المحلّات والشارع عن كثبٍ.


أناس يجيئونَ ويغادرونَ، يتمشّونَ ويركبونَ سياراتهم، يتحدثونَ بصوتٍ عالٍ جامحٍ، ويهمسُونَ في مُلتقى الفك بالرأس سراً.


أناسٌ كثر يحدقونَ بنا بغرابةٍ، كانوا عدداً كبيراً حقاً، ولمْ يكونوا بالقليلين... حسناً، ربما معهم حق.


(أستطيع رؤية أفكار أولئك المُحدّقينَ، والتي على الأرجح تتساءل حول مجموعة الجلابيب هذهِ، من أين جاءت؟ ولماذا تسير مُحاذيةً لبعضها هكذا، يداً بيدٍ، وبكلِّ تلكَ الثقة، كفرقةِ استعراضٍ تائهة؟
لكن دون أنْ تعترف بذلكَ.)


هنا، سنعيش نحن كما يعيش النّاس، لن نهرب، لن نهلع، ولن نخاف.


سوف نروح ونجيء، نتمهّل في مشيتنا، نتأمل، أو نتعب فنركب شيئاً، نصدح بأصواتنا أو نتناقل حسيس كلماتٍ في الآذان.


هنا، نحن سنحيا...
فليتهُ يُتاح للآخرينَ أنْ يفعلوا أيضاً، في مكانٍ قريبٍ بعيدٍ.
******


> مُناجاةُ الرّيم - صيف 2014


لمْ أتحدث بعد السّفر مع لينا إطلاقاً، كنتُ فقط على تواصل مع ريم، والتي ودّعتني بكثيرٍ من الدموع -أعلم تمام العلم أنّها صادقة- وبشهقاتٍ كادتْ تضجُّ في ساحاتِ المَدرسة انفجاراتٍ، في يوم الامتحان الأخير، ويومي الأخير شخصياً، لو لمْ أهدّئها وأخفف من حزنها، الذي يُثقلني كثيرٌ من الذنب تجاههُ.


كرّرتُ كثيراً أنّني سأشتاق لها، وأنَّني سأتمزّق حنيناً لرفقتها، وحياتي هنا إلى جانبها، في المدرسة، حيث جدران ترعرتُ بينها، وصفوفٍ ومقاعد شَهِدتْ ما ندَّ عن قلبي من آلامِ وأحزانٍ، وذكرياتٍ وأفراح.


رغم أنّني ردّدتُ ذاكَ كثيراً أملاً في أنْ يتسلّل حزنٌ وشوقٌ حقيقي، من كلماتي الظّاهرة أمامها، إلى ثنايا قلبي، لمْ أعرف وقتها ما تخبّئ لي هذهِ الثّنايا المُخادعة من آلامٍ تفوق تلكَ التي ألبستُ كلامي مرّةً، وأنَّ الزيف الحقيقي كان في فرحٍ يتلبّس قلبي كلّما أتظاهر بالحزن.


تبادلنا الوعود بالبقاء الأبديّ على اتصال، وبالفعل، لا يكاد اسمها يتدنّى في محادثاتي على تطبيق الرسائل (واتساب)، إلا ليعود وينبثقَ في الأعلى من جديد، من رسالةٍ واردةٍ منها، أو رسالةٍ مَبعوثةٍ منّي.


زادتْ الأحاديث بيننا في فراغ الوقت القاتل، وزاد إدراكي لريم، وتثميني لصداقتنا، فاكتسبتْ قدراً كبيراً في فؤادي، خصوصاً بعد أنْ فقدتُ -مُرغمةً أو مُتحكّمةً- لكلِّ صداقاتي المدرسية القديمة، إضافةً إلى إيمانٍ رسخ داخلي في وقتٍ ما لا أحدّدهُ، بأنَّ الصداقات لا تُبنى إلا من طوبٍ صعبِ الإمالة.


لمْ يبقَ لي إلا ريم، فزاد تمسّكي بها، وزاد تعلّقي بمواضيع العبث التي نتبادلها.


لمْ أدرك كم كانتْ شخصيتها مرحة ومُتسامحة، ولمْ أتقرب منها صادِقةً إلا الآن وقَسراً.


وكانتْ هذهِ من أجمل "الأوِنة" التي صادفتها في حياتي حتّى هذهِ اللحظة! 
فهي لمْ تُكسبني صداقة جديدة حقيقية، فحسب، بل علّمتني أنَّ الصداقة لا تأتي بالإرادة والعَزيمة، هي تحتاج ذاكَ طبعاَ، لكن ما يبدأها قد يكون ظَرفاً ما أو صدفةً تظنها غير سارّة.


حسناً، هذهِ هي صديقتي الوحيدة في الحياة.
هذا ما ظننتهُ وقتها صحيحاً (على غبائهِ)، لكنّهُ لمْ يكن كذلكَ طبعاً، فالحياة تسحب منكَ فرصاً، لتُبرز لكَ أخرى تِباعاً...
عوضاً من الله.
******


> الإنسانُ الزّنّاق - بيت العائلة - أواخر صيف 2014


استلقيتُ مُغمضةَ العينين، أنام في شبهِ عتمة، مع نورٍ وحيدٍ واهنٍ ينبعثُ في غرفتي الضئيلة، فينير أغلبها ولا يترك للسوّاد مطرحاً يسود فيهِ، هذا النور كان من بطتي المُستلقية من فرط الإرهاق ذاتها من غرفتي القديمة، جاءتْ معي إلى هنا.


لا أذكر ما حلمتُ من أحلام، أو ربّما كوابيس، لكنّني أستطيع أنْ أسترجع نومي المُضطرب بوضوحٍ، في ظلِّ صمتٍ مشدودٍ مُترقّب، مُقيّدةً ببراثن البرزخ الواقع بين عالم الحلم والحقيقة، مُتذبذةً لا أرسو على ضفّةٍ، بل أغرق على الأرجح، أنا أغرق.


أسمع فيمَ يسمع النّائم أصوات قلاقل هنا وهناكَ، أصوات أبوابٍ تُفتح وتُقفل، وخطواتٍ تقطع مسافاتٍ بِلا هوادة...


وما إنْ تكاد زوبعة الأصوات تنتهي، حتّى تُكرر نفسها بنمطٍ مُنتَظم كدقاتِ السّاعة.


تيك تاك توك...


الخطواتُ تقترب، والأبواب تُصرُّ عند الغلق العنيف، فتتلاقى جنباتُ الأبواب بتصادمٍ، ولا تزال الخطواتُ تقترب بإصرار، مع تخبّط الضوضاء بين الحقيقة والخيال.


أين عائلتي؟ هل اختفتْ؟
من غادر؟
أمّي؟ أبي؟ أين أبي؟ هل... هل رحل وتركني؟


هذا بالذات... صوت فراق أبي.


استيقظتُ بفَزعٍ على صوت طرقٍ على باب غرفتي، وعرقي يُقطّر من جسدي بأكملهِ.


توقف الطرق، حاولتُ أنْ أرفع صوتي الواهن لأتساءل عن ماهية الطّارق، لكنَّ الباب كان يُفتحُ بالفعل.
******
		       

أوّلُ كائنٍ يخطو على الهَرم \_/ (مذكرات كائن)

جاري التحميل...

أوّلُ كائنٍ يخطو على الهَرم \_/

بداية الجزء الثّاني

تحميل الفصول...
المؤلف

ولمْ أخطُ على الهَرمِ!

لدواعي أمانةِ نقل المعلومة، واحتراماً لعقول القرّاء الأعزّاء، (أعرف أنّكم تلتقطونها وهي طائرة ^^)
أعترف أنا الكائن أنّني لستُ أوّلَ كائنٍ يخطو على الهَرمِ... ○~○
(كان حيواناً ربّما... كلباً؟ تلكَ كانتْ واقعةً مَشهورةً طريفةً)
اعترافٌ آخر: أنا لمْ أخطُ على الهَرمِ حقاً أصلاً، طبعاً... أمّا العنوان... فلأغراضِ المَجازِ والتّشويق وكذا ومذا... ^_^

> وداعٌ - بيت الجدّة - أواخر 2014 قبيل السّفر إلى مصر

لا أنسى ولا أقدر أنْ أنسى، ولا تفارق ذاكرتي تلكَ الصّورة ولا تروح، مُتجذّرةً في خلايا دماغي، تَطرد كلَّ المعلوماتِ المُهمّةِ (خاصةً الدّراسية منها) بعجزٍ، وتَذر هذهِ الذّكرى الثّمينة بحِرصٍ مَرَضيٍّ. 
رؤيا ذكرايَ الأخيرة غير راضيةٍ بأنْ تنخلعَ من رأسي، أو تفارق قلبي.

(أكاد أقول أنَّ التصاقَ تفاصيلها في داخلي، يُضاهي بشراسةٍ عناد بقعِ الطّعام في المَلابس عند الغسيل، والذي لا يحلّها إلا ذاكَ المُنظّف الشّهير... تعرفون اسمهُ طبعاً.)

تتساءلونَ، ما هي هذهِ الذّكرى المُهمة؟
وأجيب وأنا أستحضرها حيّةً أمام عينيّ، هي ذكرى وداعي الأخير لأحبابي، لأهلي.

ما رسّخَ هذهِ الذّكرى أكثر وأكثر، إضافةً إلى كونها مِفصلاً مِحوريّاً في الحياة، بالبعد عن وطن المَنشأ، وتركِ سندِ الخطواتِ الأولى والدّعم العائليّ...
ما رسّخ ذكراي هذهِ محفورةً في لبّي، هو تتالي الصّدماتْ التي انهمرتْ مطراً على رأسي الخفيف الورقيّ، فذوّبتهُ، وطمستْ كلَّ تفكيرٍ عقلانيّ عندي -إنْ وُجد طبعاً- فذهبَ مع الرّيح، عندما فهمتُ أخيراً أنَّ نيّة السّفر جِديّة هذهِ المرّة. 
(وستّية.. هاها)

أُمّي الخبيثة استشارتْ جدّتي، أخفَت عنّا مباحثاتِها مع والدي، وما عرفتُ إلا صُدفةً.

(كما رأينا طبعاً سابقاً، احذروا أنْ تقولوا لي نحن لا نتذكر يا كائن أنتِ، فقد طالتْ مدةُ غيبتكِ!
أشير بإصبعي وأنفث أنفاسي وأقول في وجوهكم...
نعم، معكم حقٌ في هذهِ! ~.~
الاعتراف بالخطأ فضيلة.
راجعوا، يا أحبائي الحبّابينَ المَحبوبينَ، العام الحادي عشر- قصّة اتّصالٍ غير موفّق.
ولا تتوقفوا عن لَومي :"")

بالعودةِ إلى ذكرى الوداعِ الأخير، أتذكّر تماماً كيف اصطفّت العيون الحزينة في نصف دائرةٍ مفتوحةَ الذراعينِ نحونا، نحن الثلاثة المغادرونَ، أُمّي وسليم وأنا، ملوّحةَ الرموش قبل اليدينِ، وهناكَ، خلف العيون القويّة ظاهِراً، تتجمّع بوادر عَبراتٍ تتبيّنُ مع حركة الحدقات وتلاعبها مع انعكاساتِ الضّوء.

ومن بينِ النّواح الذي انفجر في صوت خالتي العاطفيّة، وأمّي تحاول تهدأتها وتواسيها، برزتْ أحضانها وعناقها الحارّ لجميعنا.
أمّا زوج خالتي، فكان يبتسم ابتسامةً صافية -نعم، لقد كان معنا وقتها، لأوّل مرةٍ!-، بينما كانتْ ابتسامة جدتي راضيةً دامِعةً، إلى جانب طبعاً نظراتُ خالي الحانية، والحزينة.

أمّا الأولاد، فلمْ نُطلق ذات النّواح، فقط نور ذرفتْ بعض الدموع، وكرمش نبيل وجههُ ببكاءٍ يشهق، وودّعنا أمجد بحرارةٍ.

وأمّا أنا، فاجتذبتْ دموع الجميع -على تفاوتِ درجاتها- دموعي، فأخذتْ تنبع إلى عينيَّ، لا تكاد تبلغ الجفون حتّى تتراجع ثانيةً...
لمْ تسِل دموعي حقاً خارج عينيَّ وقتها، لمْ أبكِ، فقط أدمعتُ، وأحسستُ بذنبٍ ثقيلٍ لذلكَ.

كيف لمْ أبكِ وقتها، وتحاوطني شلالاتُ أحزانٍ من كلِّ حدب؟

ما أدركتهُ بعد ذلكَ، بعدما حُفرتْ هذهِ اللحظات عميقاً داخل ثنايا عقلي، أنَّ عدم بكائي صراحةً لا يعني أنّني لستُ حزينة على الفراق، أو أنّني لنْ أصير مُشتاقة، تمزقني اللوعة فُتاتاً، لأنَّ هذا ما حصل بالضبط لاحقاً.
******

> الوحش الحديديُّ يُحلّق في السّماء - الطّائرة كما هو واضح - أواخر 2014

الطّائرة وما أدراكَ ما أهوال الطّائرة!

عندكَ رُهاب المُرتفعات؟ أم أنتَ من جماعة رُهاب الأماكن الضيّقة؟ رُهاب الزّحام؟ رُهاب الأصوات المُستمرة والضّجيج؟ أيُّ رُهابٍ آخر موجود أو غير موجود، اكتشَفوهُ أو لمْ يفعلوا؟
هُنا، الحلُّ التّمام، في العرض الخاص!
تحصل في طائرتنا هذهِ، والآن، على رُهاب المُرتفعات، مع كلِّ ذلكَ الذي ذُكِر...
مجااااناااً ناً ناً.

تحسبونني أمزح؟ هذهِ هي الحقيقة.
هذهِ أوّل تجربة طائرةٍ لي، وأيٍّ كان ما تتوقعونهُ عن فظاعة التّجارب الأولى، فما سيأتي سيفوق توقعاتكم حقاً!

خلال الإقلاع، حاولتُ مُقاومة الإعصار الذي اعتمل في معدتي المسكينة في كلِّ الاتجاهات، وكبتُّ -بحزمٍ وصعوبةٍ- رغبةً عارمةً في الصراخ... مع أصواتِ هدير الطائرة، والضجيج، ومع صوت الإقلاع الخشن.

(في الواقع، أمّي هي من أسكتتني حتّى لا أصرخ، أعترف.)

كانَ سليم يجلس بلا عناء وكأنّهُ قضى حياتهُ بأكملها في الطّائرات، جيئةً وذهاباً، أمّا أنا، الكائن المُسكين، كنتُ أتشبّثُ في كرسييّ، وكأنّ الأخير يملك في بطانتهِ المُبقّعة النّجاة، بينما أنتصب كبطريقٍ يتمّسكُ بعمودٍ شاب، إنْ كان لذلكَ معنىً أصلاً.

أنظر إلى أمّي، تُخرج "عدّة السّفر" كما تقول، الكثير من طبقات البطّانيّات، والأطنان من علب اللبان، وأقنعة النّوم التي لا تدعُ أحداً ينام في الحقيقة.

تنظر إليّ -فيما بينَ خوفي وضغوطي- وتلمس يدي المُتشبثة وهي تقول بين الفينة والفينة:
"ميس! خذي هذهِ البطانية، سوف تمرضينَ هكذا من التكييف."

أختطفها بسرعة وأعود لوضعيتي الجامدة ذاتها، وكأنّني إذا تحركتُ ستبتلعني هذهِ الطائرة الجائرة، بل أنا أمكث في بطنها أصلاً... وبإرادتي! (يا للهول!)

تُكلِّم أمّي أخي، ثم تعاود لمس يدي، وتوجيه كلامها لي قائلةً:
"ميس، يا ميس، خذي هذهِ اللبان، ضعيها في فمكِ كي تخففي الضغط عن أذنيكِ."

قلتُ وأنا أثبّتُ عينيَّ على أفقي إلى الأمام:
"أمّي، لا أريد شيئاً، أرجوكِ، دعيني كما أنا."

تتأفف وتقول: "ألا تؤلمكِ أذناكِ؟ خذي..."

فتفتح فمي عُنوةً، لكنْ برفقٍ، وترمي اللبان. 
تمنّيتُ وقتها أنْ تبقى أمّي مشغولةً لفترة مع سليم، لأبقى أنا مع قلبي النّابض، وعقلي المُشوّش، وأذناي اللتان تطنّانِ وتطقطقانِ من فرط الضغط.

(وأتمنى الآن يا كائن أنْ تفهمي مفهوم الإلهاء التي كانتْ تحاول اتّباعهُ معي، أمّي المسكينة!)

هالني اضطرار المرء -أو الكائن- لأنْ يدع هذا الوحش يبتلعهُ طواعيةً في كلِّ مرةٍ يرغب في السفر، لكنّني تذكّرتُ أبي، وعينيهِ المُبتسمتينِ وأصوات ضحكاتهِ، فنبض قلبي شوقاً، وتناسيتُ كلَّ خوفي، أو أجبرتُ نفسي على ذلكَ، كلُّ شيءٍ يهون لأجلهِ.

بضعةَ خطواتٍ إلى المستقبل، وقبل أنْ ألحظ، عبر السنين لمْ تعد الطائرة مُشكلةً لي من كثرة ما تقاربنا وتطورتْ علاقتنا، الكائن والطائرة الوحش.

لمْ يعد الوحش الحديديّ يخيفني، لكنّني لا أزال أسترجع ذكراي وأنا أكاد أُخرج ما في جوفي أثناء الهبوط في المرّة الأولى، وأضحك، وأستذكرني، كيف أنجو بصعوبةٍ من إغراقِ مُحيطي ب... إحم، ببقايا جوفي، بينما لا أصبر نصف ساعةٍ بعدها، لأفعلها بالفعل، لأفعل ذلكَ مُباشرةً في مطار القاهرة...
******

> الوحش الحديديُّ يُحلّق في السّماء 2 - مطار القاهرة - أواخر 2014

حطّتْ الطائرة أخيراً بسلامٍ، الحمد لله.
نزلتُ منها أبحث بنهمٍ عن شيئين توقعتُ رؤيتهما فور أنْ تخطو قدمايّ على أرض مدينة القاهرة العريقة، أوّلهما كانَ وجه أبي طبعاً، والذي أخذ قلبي ينبض بعنفٍ عندما تواردتْ طلتهُ الجميلة إلى بالي، مع علمي طبعاً أنّنا سنراهُ في الصّالة الخارجية بعد هنيهة.

والشيءُ الآخر، كان الأهراماتِ طبعاً، والتي حفرتُ صورها في موسوعتي الغالية من شدّةِ ما حدّقتُ بها، لساعاتٍ بلا مُبالغة!

لكنْ، يا للعجب! ويا للمفاجأة!
بلا عجبٍ وبلا مُفاجأةٍ أو مُبالغةٍ، لمْ يحصل ذلكَ طبعاً، بل دخلنا إلى بناءٍ كبيرٍ نُقلنا إليهِ عبر حافلة، يحاوطهُ الزُجاج من عدّةِ اتجاهاتٍ خارجية، أمّا الدّاخل، فوهّاج الأضواء، عالي السّقف، ومُنظّم التّرتيب بدقّةٍ مُتناهيةٍ، وبمساراتٍ عمليّةٍ فائقة.

هذا مطارُ القاهرة، وهو لا يقع على الأهراماتِ للأسف.

وقفنا في طوابير ختمِ جوازاتِ السّفر، ولا أعرف أذاكَ كان بسبب الهرولةِ السّريعة أم ماذا، لكنَّ معدتي، ويا للأسف، قررتْ أنْ تعاود الشقلباتِ الشّقية، الحاصلة لسوائلها سابقاً في الطائرة، كما توقّعتم تماماً.

(وكما أنتم تقرفونَ الآن، قرفتُ من الأمر ومن نفسي جداً، يا للأسف!
أشعر أنّني لا أفعل شيئاً في هذا الفصل إلا أنْ أتأسّف. :"")

مِلتُ على أمّي وقلتُ لها بصوتٍ خفيضٍ جداً، همسَاً بالأحرى:
"أمّي، بطني يؤلمني جداً."

هتفتْ بأعلى صوتٍ لديها، نقيضاً -وكنتُ سأظنّهُ مُتعمّداً لو لمْ أعرفها جيداً- لمُحاولتي الفاشلة لإخفاء الأمر:
"بطنكِ يؤلمكِ؟ إذا كنتِ ستتقيأينَ يا ميس فسارعي لفعل هذا في الحمام، انظري، هو هناكَ، بسرعةٍ قبل أنْ..."

سارعتُ أقول بإحراجٍ غمرني من ذروة رأسي إلى أخمص إصبع قدمي الصغير:
"لا، لا يا أمّي ما عاد يؤلمني حقاً، شُكراً، فرَّ الألم من هتافكِ."

عبستْ أمّي وهي تقول:
"لا أريد أنْ أسمع حرفاً من تظرّفكِ هذا يا ميس، مفهوم؟ ولا أنتَ يا سليم، هل تسمعاني؟"

(لسان حال سليم كان يقول حتماً: وأنا ما لي؟×2)

سكتُّ بعدها وصمتُّ مُحاولةً تناسي هذا الألم والتخبّط في معدتي المسكينة، وبالفعل، عندما هدأتُ واقفةً مكاني، هدأ الألم قليلاً.

جاء دورنا، فأخذتُ أنوء بنفسي لأرى ما خلف المَكتب الصّغير للضّابط المسؤول عن ختم الجوازاتِ، ولمحتُ خلال ذلكَ بطاقة اسم الضّابط تقول اسمهُ، خالد... آه، هذا سيء. 
ربّما خادعتني معدتي، فهدأتْ مؤقتاً، ثمّ عاودتْ الهيجان مع اشرّئبابي الأحمق لأعلى.

أشحتُ بوجهي إلى الخلف، حيث الطّوابير، عندما شعرتُ بتلكَ الحركات، في مُحاولةٍ منّي لإلهاء معدتي عمّا تنوي فعلهُ.

وبينما أسرح وأفكّر بمُصيبتي، وأتحسّر نوعاً ما لعدم الأخذ بنصيحة أمّي بأنْ أهرع إلى الحمام، تناهى إلى مسامعي صوتٌ رجاليٌّ يقول:
"...أمّ وليد."

بحثتُ بعينيّ -ورأسي ثابتٌ على استدارةٍ 167 درجة إلى الخلف- في الحشود عن المدعوةِ أمّ وليد، بينما لا أزال أُصارع بطني، وعقلي، الذي استغرب النّداء وأحسّ الخطر... لا أحد تقدّم.

عاود صوتُ الرّجل يقول بنبرةٍ أحدّ وأعلى:
"ميسيام وليد."

ميسيام؟ من تكون ميسيام؟
شعرتُ بنكزةٍ عنيفةٍ في خصري، صدرتْ عن أمّي الواقفةِ بجانبي طبعاً.

التفتُّ إليها بسرعةٍ، أكُشّر انزعاجاً أو ألماً من تمرّد معدتي الذي بلغ الذّروة، وبينما هي تقول لي:
"الضابط يناديكِ يا ابنتي، ما بالكِ لا تردّينَ؟"

وبينما تلتفتُ للضابط العابس فتقول:
"سمعها ضَعُفَ من ضغط الطائرة، وهي مصابةٌ بالدّوار، فهذهِ مرتها الأ..."

كانتْ معدتي تهتف:
"أعطيني حرّيتي وأطلقي محتوياتي!"

فصدر صوتٌ خافتٌ من فمي، وصدرَتْ معهُ أسوأ كوابيسي.
******

> هدوءُ الهزّ - شوارع القاهرة - أواخر 2014

لمْ أصدّق أنّني أراهُ أمام عينيَّ مُباشرةً.
ما إنْ وقع بصري على ابتسامتهِ الفَرِحة اللّطيفة، حتّى نسيتُ المشاكل كافّةً، حتّى نسيتُ مَشقّةَ الرّحلةِ وتعبها.

لمْ تتمالكني نفسي، فهرعتُ إلى يديهِ الممدودةِ السّخية، طرتُ إليهِ طيراناً حتّى ما كادتْ الأرض تلامس قدميَّ.

وارتميتُ في أحضان أبي، وعانقتهُ بشدّةٍ حتّى استحال عِناقي عَصراً لجسد والدي، نتج عنهُ تعرّق كلينا من شدّةِ العِناق، في جوِّ القاهرة الحارِّ حتّى ليلاً.

إلى جانب أنّني لمْ أر والدي منذُ فترةٍ طويلةٍ، إلّا أنَّ فكرة العيش معهُ، ورؤيتهِ كلَّ يومٍ صباحاً ومساءً دون حاجز، هي من أراحتني وأنا في أحضانهِ، فيستحيل النّبض في قلبي الخفّاق بلسماً بلمساتهِ، وتنقلب نظرتي المليئة بفرحةٍ عارمةٍ، إلى استرخاء اغرورقتْ بهِ مُقلتاي، دموعاً بسيطة.

أقحم سليم نفسهُ في عناقنا الطّويل، وشعرتُ بأبي يحتويهِ فوراً في صدرهِ، إلى جانبي بالضّبط...

بل ويمدُّ يدهُ ليشمل أمّي، كعائلةٍ مُتحابّةٍ لا تفترق.
وهذهِ كانتْ أقصى أُمنياتي وقتها.

من ثَمَّ، ركبنا جميعاً سيّارة أبي الجميلة، شغّلها، وتعالى هدير صوتِ التّكييف الجميل، وسِرنا، أعني سَارتْ السّيارة بنا، على الطّريق الجميل، وصورٌ لهذهِ المدينة الجديدة تتابعُ على نوافذ السّيّارة، تحمل معها أنوار خافتة جميلة، وتبينُ بها مشاهد جميلة لشوارعٍ عريضة جميلة.

رغبتُ بأنْ أحكي لوالدي كلَّ شيءٍ، من بداية ذكرياتي الأوليّة إلى حدِّ الآن، رغبتُ أنْ أفعل في التّو واللّحظة، لكنَّ ارتجاج السّيّارة جعلني أتراجع، خصوصاً أنّني لمْ أكن على أتمّ ما يُرام بعد.

كانتْ أصواتُ الجميع تتحدّث بخفوتٍ لكنْ بامتنانٍ، صوت أمّي بالذّات، يُعقّب بعدها أبي وأحياناً سليم.

أسندتُ ظهري على ظهر المِقعد الخلفيّ، فحضنتُ شُبّاك السّيّارةِ برأسي، ونمتُ، وأنا أسمع، فيمَ يسمع النّائم غائم الصّوت، صوت أبي الشّجيِّ يسألني شيئاً، وينادي باسمي بلحنٍ خافت جميل.

لكنّني كنتُ قد غرقتُ تحت تأثير ذاكَ السّلطان بالفعل، فنمتُ نوماً عميقاً كما لمْ أنم من قبل، نوماً هادئاً هانئاً، رغم كلِّ حركاتِ السّيّارة... بلا كوابيس ولا أحلام.
******

> جلابيبُ السّعادة - بيت العائلة - أواخر 2014

البيتُ، بيتنا، أخيراً.
وصلنا بعد مدّةٍ طالتْ قليلاً، لمْ أشعر بها طبعاً لأنّني كنتُ نائمة، لكنْ ذاكَ الادّعاء كان بزعم أمّي وسليم.

كانتْ الشوارع مزدحمةً جدّاً حول عمارتنا، رغم أنَّ المساء كان قد حلَّ منذُ زمنٍ طويل.

قرأتُ كثيراً عن "مدن الأضواء"، و"المدن التي لا تنام"، لكنَّ أوصافاً كهذهِ لا تكفي فقط بحقِّ مدينة القاهرة، هي تفوق كلَّ ذلكَ وإنْ لمْ تنل تلكَ الألقاب.

فالقاهرة، كما رأيناها جميعاً منذُ اللّحظة الأولى والمساء الأوّل، هي مدينة حياةٍ... بل هي مدينةٌ حيّةٌ، تتحرّكُ في استمراريّةٍ حيويّة لا تتوقّف ولا تَجمد.

مدينةٌ تأخذُ أنوارها وحركاتها، بزحامها وضجيجها، وبدفءها ورحابتها، من أهلها الطيبين مُباشرةً.
هذا واضحٌ كوضوح هذهِ الأضواء، وهذهٍ الأصوات.

فتح أبي باب شقّتنا، فأبصرنا صالوناً مُناراً جيّداً، يمتدُّ أمامنا بشكلٍ مستطيلٍ طويلٍ، فيُقابلنا في الواجهة إلى اليسار قليلاً طاولةٌ مربّعة صغيرة مُحاطة بكراسٍ، وخلفها بالضّبط، تتناثر كنباتٌ متباينة الأحجام، إلى جانب التلفزيون، في زوايا الغرفة وجنباتها، بينما يتخذ باب الشّرفة الخشبيّ صدر الصالون، ويتربّع في وسط الجدار المُواجه لعتبةِ الباب.

وإلى اليمين، يمتدُّ رواقٌ طويل يُحاذي اتجاه الصّالون، ويفصلهُ عنهُ جدار، حيث يفضي إلى المطبخ والحمّامِ أوّلاً، وإلى غرف النّوم الثّلاثة داخليّاً.

أحببتُ البيت، كان هذا هو انطباعي وقراري الأوّل هنا.

أحببتُ دفء أثاث الصّالون المُلاصق لبعضهِ، حتّى غُرفتي، وقعتُ في حبّها من النّظرةِ الأولى، في حبِّ حجمها الصّغير، وبساطتها، وجمال أثاثها ولمساتِ والدي فيها، والتي ظهرتْ مُحاولاتهُ وضوحاً، أنْ يجعل الغُرفة "بنّوتاتيّة" قدر الإمكان.

أدخلنا الحقائب وجلسنا جميعاً في راحةٍ، مُتوزّعينَ على كلِّ كنباتِ الصّالون، وسأل أبي بابتسامةٍ:
"ما رأيكم في البيت؟ هل أعجبكم؟"

قلتُ بسرعةٍ: "أعجبني جداً يا بابا."

ردَّ بابا والابتسامة لا تُفارق وجههُ:
"حمداً لله يا ميس يا حبيبتي، أنا سعيدٌ جداً لأنّهُ أعجبكِ يا أمّورتي."

ضحكتُ خَجِلةً وهو يربّتُ على يدي.
(أتدلّل على والدي يعني، وهكذا.. ><)

قالتْ أمّي: "أي والله، سلِمتْ يداكَ يا حبيبي، البيت جميلٌ، لكنّهُ يبدو صغيراً علينا قليلاً... أليس كذلكَ؟ هل استأجرتهُ مفروشاً؟"

ندّتْ عن رأسهِ حركة نفيٍ بسيطة وقال:
"غير مفروش. وبالفعل هو صغيرٌ، لكنْ هذا أفضل المُتاح في الوقت الحاليّ، ننتقل لأكبر عندما يحين الوقت إن شاء الله."

(ها، لهذا أعجبني الأثاث باللاوعي، هذا ذوق والدي!
ولا، لا أريد أن أنتقل.~.~)

قالتْ أمّي بامتنانٍ ظاهر على مُحياها:
"إن شاء الله، أعطاكَ الله العافية يا حبيبي على كلِّ حال، وسَلِمتْ يداكَ."

ابتسم أبي وهو يقول:
"لا شيء عندي أفضل من رؤيتكم حولي هكذا، يا حبيبتي."

ثمّ التفتَ مُوجّهاً كلامهُ لسليم:
"وأنتَ، أستاذ سليم، أليس لديكَ أيّ رأي أو اعتراضٍ تُدليهِ؟"

نظر سليم إلى بابا بحماسٍ، ثمَّ قال وهو يشير نحو الشّاشة:
"هل نستطيع تشغيل "البلاي ستيشن" على هذا التّلفزيون؟"

(يا لهُ من أحمق! يبدو من مدمني الألعاب هؤلاء! متى صار هكذا؟
لكنّني كتمتُ خواطري وقتها لأنّني لمْ أرِد التشاجر مع سليم أمام بابا، وفي أوّلِ لقاءٍ أيضاً.)

ضحك بابا، بالطبع، وقال:
"إنّهُ يُشغّل كلَّ ما تريدهُ، حتّى النّسخ الحديثة إذا كنتَ تريد."

هتف سليم: "بالطّبع أُريد!"

ابتسم بابا، ثمَّ التفتَ إلينا وقال:
"ألستم جائعين؟ هل نطلبُ طعاماً؟"

وضعتُ يدي على بطني بلا إدراك، فوجدتُ بابا ينظر إليّ بقلقٍ ويقول:
"ما بالكِ يا ميسم؟ هل بطنكِ يؤلمكِ؟"

حاولتُ الإسراع بالإجابة منعاً للحرج، لكنَّ أمّي سبقتني بقولها:
"لقد تقيأتْ في المطار، وأمام ضابط الجوازات مُباشرةً."
قال سليم: "استغربتُ أنّهُ لمْ يُطلق كلاماً كـ "قدمتِ كلَّ هذا الطّريق لتتقيأي أمامي؟ تقيأي في أيِّ مكانٍ آخر يا فتاة."

(أف، هو مستفزٌ لكنّهُ يصيبُ كبِد الحقيقة.)

شعرتُ بوجهي يشتعل -لا أدري أغضباً أم حرجاً- وقلتُ:
"كان بطني يؤلمني!"

قالتْ أمّي: "اسكتْ يا سليم، لا أُريد سماع حسّكَ في هذا الأمر، على أساس أنتَ أنظم منها، كلاكما أتعبتماني! وتوجّتِها أنتِ يا ميس بفعلكِ الأخير هذا، فقد أخبرتكِ بأنْ تذهبي إلى الحمّام قبل أنْ يحصل ما حصل."

كدتُ أردُّ، إلا أنَّ بابا قال:
"حبيبتي، ربّما ميس لمْ تعرف مكان الحمّام، لا بأس، فهذا يحدث كثيراً."

ثمَّ استطرد سريعاً بصوتٍ خافتٍ لمْ يظنّهُ يطالني، وأنا أنظر بالاتّجاه الآخر:
"سلمى، أعانكِ الله وسَلّمكِ، هوّني عليها قليلاً..."

قلتُ بحنقٍ أُغير الموضوع وأنا أُدير وجهي:
"كتبوا اسمي بشكلٍ خاطئٍ في جواز السّفر باللغة الإنجليزية، كتبوهُ Messiam! تخيّل يا بابا! حتّى عندما ناداني الضّابط لمْ أعرف بأنّهُ يناديني! لقد سمعتهُ ينادي السّيدة أم وليد!"

ضحك بابا بشدّةٍ بينما ابتسم سليم ساخِراً وقال:
"من سيُنادى بلقبِ أمِّ وليد في العلن هكذا، وفي المطار تحديداً؟"

نظرتُ لهُ نظرةً بمعنى: اسكتْ أنتَ واضحك على نصتكَ! فأشاح بوجههِ غير مُبالٍ.

فقالتْ أمّي ثانيةً: "ماذا قلتُ أنا؟"

وصمتنا جميعاً.
طلبنا طعاماً بعدها، جلبناهُ من مطعمٍ مشهورٍ لمْ نتذوّقهُ -أنا وسليم- قط، فوصل بعد نحوِ ساعة، ثمَّ تناولنا الطّعام، وشغّل بابا في تلكَ الأثناء التلفزيون، أثير سليم.

هتفتُ بسرعةٍ عندما وقع نظري على المسرحية المعروضة أمامي:
"أعرف هذهِ المَسرحيّة! كانتْ تُشاهدها جدتي أحياناً."

ابتسم بابا وقال: "نعم، مسرحية "العيال كَبُرتْ"

قالتْ أمّي: "ليستْ جدتكِ فحسب، العائلة بأكملها تعشق هذهِ المسرحية، بما فيهم أنا وأبوكِ، أليس كذلكَ يا حبيبي؟"

ضحك بابا وهو يشاهد المسرحية، كانتْ تُظهِر أربعة أشخاصٍ، مُمثلين، يرتدونَ جلابيب بيضاء غير مفهومة الشّكل أو المضمون...

قال بصوتٍ حالم: "بلى، لقد كانتْ هذهِ طفولتي."

سرحتُ مع صمتِ بابا الحالم، ومُراقبتهُ للمسرحيّة، والتي لمْ تكن شديدة التركيز عليها...

يا تُرى، ماذا تمثّل لهُ؟
عاودتُ المُشاهدة لأفهم ما يجري، العبث الذي يجري بالأحرى... (انظروا من يتحدث عن العبث!)

سأل سليم: "ألوان العرض باهتةً جداً، أكانتْ هكذا بالأصل؟ أم هذهِ ألوان الشاشة؟"

(انظروا إليّ، أنا مُحنّك.)

أجابتْ أُمّي: "لا، يا "فزلوك"، هذا العرض هكذا، واحمد ربّك أنَّها تُعرض بهذهِ الجودة الآن، المسرحياتُ قبلها لمْ تَكُن مُلوّنةً أصلاً."

قال أبي فجأة وكأنّهُ استفاق من حلمٍ وتذكّر شيئاً:
"صحيح، على سيرة "شمس الشّمّوسة"، لقد جلبتُ لكما هدايا، إنّها مفاجأة!"

(شرح مُصطلحات الكائن: "شمس الشّمّوسة" هو تركيب يَتردد في أغنيةٍ في المسرحية الهزلية المصرية "العيال كَبُرتْ"، والتي تُذكر في الموقف هنا...
نصيحتي، اذهبوا وشاهدوها، خارقة العبثية.)

سألتُ وصوتي يتذبذبُ ويرتجُّ في أمواج لهفةٍ تكاد تغرقني: "ما هي؟"

لكنّني مع كلِّ ذلكَ، لمْ أعرف ماهيّتها يومها، إذ آثرا -أمّي وأبي- تأجيل أمر الهدايا للغد، فلا يزداد البيت زِحاماً أكثر مع حقائب السّفر المُبعثرة في كلِّ مكان، وحتّى يتسنّى لأمّي -ولنا بدرجةٍ أقل- أن نُقعِد البيت مُرتّباً فلا يقوم.

(بيتنا كان قائماً قاعداً يومها، أي، كما هو معروف، تستوطنهُ فوضى الأغراض الجائرة.)

وماذا تظنّونَ كانتْ هديّة بابا في اليوم التّالي لنا؟

أشياء بيضاء تبرق هكذا، وحفيف قماشها الخفيف يرقص على أنغام أغنية "شمس الشّمّوسة"، ماذا؟ هل عرفتموها؟

نعم، إنّها تلكَ التي فكّرتم بها بالضبط...
انتظروني وأنا لتلكَ الهديّة "سلطان".
******

عُدنا مع الجزء الثّاني والعَودُ أحمد.♡
أعزائي، اشتقتُ لكم○^_^○

أراكم هناكَ الذينَ تقولونَ:
"وهل تعرف حقاً كيف تشتاق، أيّها الكائن البارد؟"
-_-
آه، حسناً، سأسامحكم لسببينَ...
الأوّل، معكم حق○.○
والثّاني، معكم حق...
لا، أمزح، لكن ليس لي مزاجٌ للغضب الآن... أنا مُسالمة.
:)
		       

عامٌ كبيسٌ- قصة جانبية 2 | مذكرات كائن

جاري التحميل...

عامٌ كبيسٌ- قصة جانبية 2

كلاشينكوف- الجزء الثاني من القصة الجانبية

تحميل الفصول...
المؤلف

                                              أول عامٍ كبيسٍ- كلاشينكوف

تنويه*: القصة هذهِ رومانسية، استثناءً من الرواية الأصلية، ولا تؤثر مباشرةً في مسار القصة الأصلية، فلا فارق إنْ قرأتموها أو لمْ تقرأوها، لكنْ الأفضل أنْ تفعلوا طبعاً حتّى تزدردوا الفراشات ازدراداً، وحتّى لا أغضب.

******

لمْ تتوقّع أنْ يأتي وليد لمُقابلتها في المَكتبةِ ثانيةً، لكنْ، ها هو ذا أمامها، في ذاتِ الوضع، يعيقها عن تحضير دروسها.

زفرتْ عميقاً وتجاهلتهُ، لكنّهُ بادر وقال بقلقٍ:
"هل تحسنتِ اليوم؟ كنتِ مُتعبةً جداً البارحة."

قررتْ أنْ تنتهج الصراحة في ردها، فقالتْ:
"ألمْ تفهم يا هذا؟ هذهِ كانتْ مُحاولةً لطَردكَ على خفيف، ولربّما لاحظتْ السيدة رُقية ذلكَ."

قال بابتسامةٍ: "لمْ تلحظْ أُمّي أيَّ شيءٍ مما قلتِهِ، هي قلقتْ عليكِ فقط."

يا لهذا اللسان المعسول الكذّاب الأشِر!

قالتْ وهي تغلق الكتاب مرةً ثانية -يبدو أنَّ هذا دأبها في كلِّ مرةٍ-:
"اسمع، أدفع كامل عُمري لأعِرف كيف عثَرتَ على رقم أهلي وعنواني."

قال بهدوءٍ: "لا داعٍ لدفع كامل عُمركِ في سبيل شيءٍ كهذا، أنا فقط رأيتُ اسمكِ في ورقةِ إخراج القيد التي كانتْ معكِ، وسألتُ أُمّي، وأُمّي استفسرتْ وبحثتْ، وهكذا وصلنا إليكم عبر معارف مشتركين، المدينة غرفة وصالة كما يقولونَ."

ثمّ انحنى إلى الأمام وقال:
"أمّا عن عمركِ، فإنّني أدفع حياتي في مقابل منحكِ إياه، لي."

قالتْ بغضبٍ ظاهرٍ هذهِ المرةِ وبصوتٍ أقرب للتهديد:
"سوف ترى ما سأفعل إذا جئتَ ثانيةً، سوف أعلو بسقف أفعالي هذهِ بشدةٍ."

قال وهي تنهض: "وأنا أترقب ما لديكِ من مقالب، وأنتظر." 
******
في المرةِ التّاليةِ، قامتْ سلمى بحركةٍ جارحةٍ وشريرةٍ، جارحةٍ للسان... لا، هذا ليس مجازاً، كانتْ جارحةً للسان وليد حرفياً.

كانَ وليد يشربُ القهوةَ بملعقتينِ من السكر، هي تعرف ذلكَ من خلال تقديمها المستمر للقهوة في المراتِ السّابقة.

هذهِ المرّة، أضمرتْ أمراً.

فتحتْ عُلبة الملح، وألقتْ بملعقتين كاملتين في قهوته المسكينة، أو هو المسكين.

تقدّمتْ وقدّمتْ القدح السادة، الخالي من الملح، للسيدة رُقية، وهي في كامل تركيزها حتّى لا تُبدل بين القدحين وتصبح الفضيحة أكبر، وبينما هي تُركّز، وتعطي القدح الثاني لوليد، قلبتْ يداها المرتجفة صحفةَ الأقداح، ووقعتْ كلُّها على الأرض.

توترتْ العائلة أجمع، ووليد ورُقية يهدئانِ الوضع، فشِلتْ خطتها، لكنْ من يدري، ربّما هذا لأفضل، ولن يأتوا ثانيةً لطلب مثل هذهِ الفتاة الخرقاء؟

تكرر التوبيخ ذاتهُ، بل أكثر، بعد أنْ رحلوا، وشعورها المزيف بالنصر ذاتهُ اجتاحها.

لكنَّ رُقية اتصلتْ ثانيةً، وطلبتْ موعداً جديداً، على أنْ يُتاح للعريسين الجلوس وحدهما قليلاً.

جاؤوا كما العادة، وسلمى لمْ تتعظ أو تتراجع، فقررتْ أن تُطبق خطتها السابقة بعد أنْ طفح كيلها، وكي تحول بينها وبين الجلوس وحدها مع هذا الكائن.

جاءتْ بالقهوة المُملحة، وحرصتْ على أنْ تُثبتَ يدها قدرَ ما تستطيع لكيلا تقع الكارثة ثانيةً، وبالفعل، ابتلعَ الفرخ الطعم.

ارتشف وليد القهوة وهو يبتسم ناحيةَ والدتها، وسلمى تراقب وجهه.

فجأةً، ولوهلةٍ خاطفةٍ لا تتعدى الثانية، تغير لون وجههِ وانقلب، فما لبث أنْ عاد إلى طبيعتهِ، يُكمل -يا للعجب!- شرب القهوة غير المعقولة، وبذاتِ الابتسامة.

شكّتْ في نفسها، راجعتها كثيراً، راقبتْ وجه رُقية لتتأكد من عدم خلطها للأقداح وتبديلهم، راقبتْ وجوه الجميع، لا شيء.

اضطُرتْ في النهاية لتمثيل التعب كيلا تجلس وحيدةً معهُ، أمّا عن مشاعرها بعد أنْ رحلوا، فأخذتْ أمواجٌ منها تتلاطم داخلها، تأخذها وتجلبها.

امتنعتْ عن الذهاب للجامعة لفترةٍ حتّى مع حاجتها المُلحّةِ لذلكَ بسبب الأوراق، وذاكَ خَوفاً من أنْ تلقاهُ هُناك، علَّهُ لا يجدها لفترةٍ، فيمل، ولا يراها، ولا يدوس بيتها ثانيةً.
******
يا إلهي! غابتْ كلَّ هذهِ المدةِ، وما زال وجههُ يطِلُّ عندما تخطو داخل المَكتبة، وها هو يتجهُ إليها خصيصاً.

همس وليد: "السلام عليكم."

كتمتْ سلمى غيظها وسكتتْ، فقال يجيب نفسهُ:
"وعليكم السلام، تفضل."

نظرتْ إليهِ بغضبٍ وقالتْ:
"لا، لا تتفضل."

جلس براحةٍ، ثم غمزها وقال:
"أنا أعرف ما تفعلينهُ، خصوصاً في المرّةِ الأخيرة."

لمعتْ بارقة أملٍ في صدرها وقالتْ وهي تتعلق بآخر قشةٍ:
"ماذا أفعل؟ أخبرني بالتفصيل." 
-"أنتِ تختبرينَ إعجابي الصادق! سمعتُ عن هذهِ الطريقة التركية في الاختبار في فترةِ الخُطبة، وعرفتُها فور ملامسةِ الملح لحُليماتِ لساني." 
 قالتْ ذاهلةً: "ماذا؟" 
-"أنتِ خبيثةٌ، واختباركِ لإعجابي -عن طريق تمليح القهوة- لن ينفع، لأنَّهُ حتّى خبثكِ هذا، يعجبني، وبشدّةٍ." 
-"هل أنتَ ربما... أحمق؟" 
قال وهو يستند براحةٍ: "ربما... ستكتشفينَ مع الزمن." 
-"أيُّ زمن؟" 
صمت، وكانتْ إجابتهُ واحدةً من تلكَ النظرات... الحانية الخاصة بهِ.

تنهدتْ وقالتْ: "إذاً لن تنفع القهوة المالحة؟"

رفع حاجبيهِ وقال: "لا." 
هتفتْ بعصبية بعد أنْ تذكّرتْ شيئاً:
"ما بالكَ؟ أصادفكَ هُنا كلَّ مرةٍ، كل هذا لتقابلني؟ أنتَ تترصدني رسمياً! هل أتيتَ في أيام غيابي أيضاً؟ ها؟" 
-"أنْ أسعى لأُقابلكِ في كلِّ مُناسبةٍ وبغير أيِّ حرام، أنا لا أُنكِر هذا، بل أصدح بهِ بقوّةٍ، وأمام العالم أجمع، فهذهِ اللحظات هي أفضل لحظات حياتي، حقاً."

سكت قليلاً، لاحتْ على وجهها حُمرةٌ خفيفة وكادتْ تندفع وتقول شيئاً، لكنّه سبقها بابتسامةٍ خفيفة:
"لكنّني، يا آنسة سلمى، لمْ آتِ هُنا لأغراضٍ دنيئة لا سمح الله، أنا لديَّ مآرب هُنا مثلكِ بالضبط. أنا أسعى لأُسجل في تخصص ثانٍ بعد تخرجي، لهذا آتي بأوراقي وأجيء، وأسير في ممراتِ البيروقراطية الورقية مثلكِ بالضبط."

قالتْ بتهكّم: "أهذا شغلكَ الشاغل؟ على علمي أنتَ مُهندس عظيم، وتعمل حالياً."

قال برقةٍ: "لستُ عظيم، العظمة لله، أمّا التخصص الثاني الذي أسعى إليهِ، فهو في صميم عملي ولأجلهِ، وأنا أوازن بين جداول مشاغلي على أساس هذا، فهُناكَ الكثير مما يشغلني ويملأ بالي، مثلكِ بالضبط." 
-"مثلي؟" 
-"أنتِ تملأينَ بالي."

انتهى المشهد بذاتِ الغضب الصادر من سلمى، وبذاتِ الوعيد لتزيد ثقل مقالبها، مع شيء -إذا تحدثنا صراحةً- من الخجل الطفيف في نفسها.

أمّا عن وليد، فقد شعر بنفس الهدوء وبمزيدٍ من الثقة. 
****** 
واستمر الحال على هذا، يتأرجح بينَ مقالب ليلة الخطبة الخفيفة والمُستفزة من ناحية سلمى، والمحادثات الهادئة والمُستفزة من ناحية وليد في اليوم التالي في مَكتبة الجامعة.

ذاتَ يوم، قررتْ سلمى أنْ تُقحِم إخوَتها في مقالبها بخبثٍ، اتجهتْ إلى مجد وعرضتْ عليهِ الأمر، فقال مُتنصلاً بوجهٍ جاد:
"اسمعي، أختي، هذا شأنكِ فقط، بينكِ وبينهُ، عريسكِ، أنا لن أتدخل سَلباً أو إيجاباً، دعيني في دراستي فحسب."

قالتْ تسخر منهُ: "لا تقل عريسي، وأنتَ جبان! أهذا أخي الكبير الذي أستند عليهِ؟ الناقص فقط أنْ أستعين بأمجودة الصغير ذي السنتين بدلاً منكَ!"
-"لا تستعيني بي ولا أستعين بكِ في هذا، أخبريهم فحسب أنّكِ غير موافقة."

قالتْ مُتباكيةً: "هذا لا ينفع، لا ينفع! فعلتُ، فعلتُ مئات المرات، لكنْ لا أحد يستمع إليَّ!" 
-"ربّما عليكَ أن تفكري ثانيةً وتوازني الأمور!" 
سكتَ أمام امتعاضها ثمَّ استطرد:
"ولن يحدث أيُّ شيء في النهاية إلا بموافقتكِ، فالكلمة الأخيرة لكِ يا سلمى، ولكِ فقط."

بعد تفكيرٍ طويل عقب هذا الكلام، قررتْ سلمى أنْ تفكر أكثر، أي والله.

لكنّها هُنا ستفكر بجديةٍ في الأمر، وستتناول الرجل -وليد- بعقلانية ما دام يريدُها حقّاً، على أنْ تستمر في مناوشاتها المُعتادة، عاملةً بالمبدأ الأحمق الذي يقول:
"إذا جاءكَ شيءٌ في هذهِ الحياة، ارمِهِ بقسوةٍ، فإنْ عاد لكَ فهو إليك، وإنْ لمْ يعد، فهو إليكَ في هذهِ الحالة أيضاً!"

بعيداً عن ذلكَ الهراء، السبب الحقيقيّ لذلكَ، هو أنّها أحبتْ نفسها المُشاغبة التي تبيّنتْ الآن فقط، ومع هذا الرجل المسكين وحدهُ، حتّى أنّهُ ربّما لن يعلم عن نفسِها السابقة الأصلية، الحازمة والجادة، والحادة أيضاً.

هكذا، وعلى هذا المنوال، قررتْ لأمجودة الصغير -أخيها- أنْ ينخرط معها أيضاً، بأمرها.

ذاتَ مرةٍ، أمسكتْ أُذن أخيها ووشوشتْ فيها:
"أمجودة، أمجودتي، يا أحلى أمجودة، أنتَ تعلم كم تُحبكَ أختكَ، صحيح؟"

أومأ الطفل البريء قائلاً: "بلى."

قالتْ بخبثٍ مُغلفٍ بالملائكية: "ما رأيكُ بحلوىً مُقدمةٍ مني، هدية لكَ فقط "خص نص" (خصيصاً يعني لهُ وحدهُ)؟ دليل على أني أُحبكَ." 
اقتربتُ منهُ أكثر وهمستْ بهسهسةٍ:
"على أنْ تتقدم من العمو هذا، الذي يأتي كلَّ يومين، ويقرفنا، وتقول لهُ: تف. ابصق على عمو يا أمجودة، حسناً؟"

قال بحماسٍ: "حسناً." 
خلال زيارتهم التي لا تعرف عددها لأنّها لم تعد تعدّ، جاؤوا مع أختهِ هذهِ المرةِ.

راقبتْ سلمى الوضع بعينين لا تهدآن، وشفتين ملآتان بابتسامةٍ تكاد تفضح خطتها من كثرة الاستمتاع والحماس، والشماتة ربّما.

كانتْ عينا وليد مُتركّزةً عليها، بحياءٍ وحِشمةٍ شديدين كما هي العادة، وبابتسامةٍ، لكنْ، هذهِ المرّة، كانْ هُناكَ داخل حدقتيهِ تفاجؤٌ خفيف، وربما فرحٌ.

هل هذا الأحمق فرحان لأنّني أبتسم وأضحك في سري شماتةً بما سيحدث لهُ؟

جاءتْ اللحظة المُنتظرة، وفي خضمِّ زحمة توزيع "الضيافة"، حلوى البقلاوة والألماسية وشتّى أنواع الحلوى العربية، تقدّم أمجد بثقةٍ وقال أمام وليد:
"أريد أنْ أقول لكَ شيئاً يا عمو." 
ابتسم وقال: "ماهو يا حبيبي؟" 
قال بالحرف: "ابصق على عمو!" ولمْ يتف أو يبصق فعلياً كما هو مطلوب.

امتقعتْ سلمى، وندّتْ عن وليد ضحكةٌ وهو ينقّل نظرهُ بين أمجد وسلمى ويمسّد رأس الأول، وحال الهرج والمرج بين كلمات أمجودة، وآذان أغلب بقية الحضور.

في اليوم التالي، كانَ اللقاء المُعتاد بينهما في المَكتبة.

قالتْ سلمى بضيقٍ وكأنّها تُحدث نفسها:
"مقلب البارحة كانَ فشلاً ذريعاً، حتّى أمّكَ لمْ تنتبه لكلماتِ أمجد إطلاقاً! هذا جزاء من يعلق آمالهُ بأطفال!"

قال وليد وهو يصارع رغبةً مُلحّةً في الضحك:
"أتفق معكِ، لكنّ أمجد كان لطيفاً حقاً، لطيفاً جداً جداً، ليس هناك ألطف منهُ في هذا العالم، إلا شخصاً واحداً، فتاة بالأصح، تعرفينها أنتِ."

عبستْ ثانيةً وأشاحتْ بوجهها -المُحمر، بعارٍ كبيرٍ- وهي تقول:
"أمتنع عن إجابتكَ، بل عن الحديث معكَ أصلاً، فلتغادر، هيا." 
-"لكن أتعلمينَ يا سلمى ما أراهُ فقط في كلِّ محاولاتكِ ومقالبكِ هذهِ؟" 
-"ماذا ترى؟" 
-"أنتِ." 
زاد احمرار وجهها، وهتفتْ بسرعةٍ وهي تنكبُّ على كتابها:
"هيا، هيا غادر واتركني أحضّر درسي، ولا تضيع وقتي! اذهب إلى أعمالكَ، فالفراغ الذي أنتَ فيهِ هذا أتمنى نصفهُ، طبعاً! فأنتَ لا تعرف صعوبة الدروس ولا التدريس."

ضحك وليد بصوتٍ عالٍ، ثمَّ انسحب وهو يُراقب توهّج وجهها الداكن ويقول:
"حسناً، حسناً، سأرحمكِ اليوم، آنسة سلمى، وإلى لقاءٍ قريبٍ إن شاء الله." 
****** 
استمر الأمرُ على حالهِ فترةً ليستْ بقصيرة، كلَّ يومين، هُناكَ مناوشاتٌ ومقالب في المساء، ليتبعهُ حديث مُقتضب طريف في الصباح التالي.

فجأةً، حُلتْ أمور سلمى أجمع، أوراقها تسيّرتْ وتيسّرتْ، تمّ تسجيل اسمها في الماجستير أخيراً، وأُعلِمتْ أنّها تقدر على البدء مُباشرةً مع الدكتور المسؤول.

حمدتْ ربها كثيراً، وارتاحتْ نفسها، وفي ذلكَ اليوم، قررتْ التوجهَ إلى المَكتبة بعد غياب يومين.

دخلتْ تمشي ببطءٍ، تبحث بعينيها عن أمرٍ ما...
جالتْ بعينيها سبعة مرات حتّى بعد أنْ جلستْ، لاشيء، لا أثر.

أقنعتْ نفسَها بأنّها لا تهتم، وأنّ نعم الله اليوم غمرتها بكرمٍ وفضل، فلن تُعكّر هذا المزاج بأمرٍ لا يستحق أصلاً، ولا تشغل بالها بهِ.

لكنّها، للأسف، عادتْ تدور بنظرها، تمسح أرجاء القاعة كافةً، ولا تجدهُ. ربما ملَّ وما عاد يأتي.

بعد قليلٍ، سمعتْ خطواتٍ خلفها، اقترب ظلهُ وتمدد أمامها وهو يركز في أوراقها بين يديها ويسألها:
"ألن تحضّري الدروس اليوم؟"

انتفضتْ قليلاً، وتمعنتْ في وجههِ وسألتْ:
"أين كنتَ؟ هذهِ أول مرةٍ لا أجدكَ."

حاولتْ أنْ تبدو مَرِحةً ضاحكة.

قال وهو يجلس في مقابلها:
"هذا سرٌّ، كان لدي بعض الأشياء."

امتعضتْ وقالتْ: "سر؟ أيُّ سرّ؟ إذا كنتَ لن تُخبرني فأنا لا أريد إخباركَ بما استجدّ."

سأل باهتمامٍ: "أخبريني." 
-"لن أفعل إذا لمْ تفعل." 
-"وإذا رفضتُ؟" 
-أُغادر، هكذا ببساطة." 
بدأتْ تجمعُ حاجياتها وهي مُكشّرة، لكنْ ببرود.

امتثل أخيراً فقال بندمٍ: "حسناً، حسناً، لا تُغادري... كنتُ أُسدي معروفاً لشخصٍ عزيز جداً."

جلستْ وقالتْ: "همم، لن أسأل أكثر إذاً، أمّا أنا، فقد تيسّرتْ أموري فجأةً بقُدرة قادرٍ الحمد لله."

تورّد وجههُ وابتسم ابتسامة العارف، وهنأها وهي تفكر بمعنى ابتسامتهُ.

قالتْ مُباشرةً: "أكان أنتَ؟"

سألها: "ماذا تعنين؟" 
-"أأنتَ من فعلتَ ذلكَ؟"
صمتٌ... عاودتْ تسأل: "لكنْ كيف؟ لقد جربتُ شتّى الأمور حتّى أُسجل وما نجحتُ!"

قال بتسليمٍ: "أعرف أحداً ثقيلاً، لكنّني لمْ أقصد التأخر عليكِ يا سلمى لا والله، فقط تمّ الأمر عندما استطعتُ التواصل معهُ أخيراً."

صمتتْ لحظةً، ثمَّ نظرتْ إليهِ بامتنانٍ شديدٍ على غير عادتها وقالتْ:
"شكراً لكَ يا وليد، هذا حقاً أكثر مما أستحقّ." 
-"هذا أقل ما تستحقينَ يا سلمى، لا تُشكريني، منّي عليَّ فقط بوجودكِ، وحديثكِ وضحكاتكِ." 
تورّد وجهها، ثمّ ضحكتْ وقالتْ فجأةً:
"ألا تلاحظ أنّ هذهِ ثاني مرة أشكركَ بها؟ المرةُ الأولى كانتْ تلكَ المشؤومة!" 
اعتدل وقال: "بمناسبة الحديث عن تلكَ المشؤومة، أود تقديم اعتذارٍ أيضاً." 
تنحنح ثم أخذ نفساً وقال:
"حقكِ كل الحق أن تصديني طوال هذهِ الفترة، فأول مرةٍ لمْ تكن أفضل لقاءٍ بيننا، وأنا لمْ أتصرف بشكلٍ جيدٍ... في الواقع، لخبطتُ وأفسدتُ كلَّ شيءٍ، لكنني كنتُ متوتراً حقاً، وهذا ليس عُذراً، أنا آسف."

سألتْ باهتمامٍ:
لكنْ ما جعلكَ تُصر هذا الإصرار كلهُ على فتاةٍ لا تُبدي لكَ إلا الوقاحة والرعونة والغلظة؟" 
ضحك وقال: "سلمى، لا تقولي ذلكَ، وحتّى غِلظتكِ هذهِ على قلبي بلسمٌ، أمّا عن سؤالكِ، فأنا لدي اعترافٌ بسيط."

صمت قليلاً ثم استطرد: "أنا سمعتُ عنكِ ورأيتكِ كذا مرةٍ في معهدكِ ذاتهُ، حيث كنتُ أدرس وأحضّر لدخولي هذا التخصص، بالطبع، الكلاشينكوف المعروفة.

عندما سألتُ عنكِ، فحضرتُ لكِ بضعة دروسٍ، كثيرةً في الواقع، أضمرتُ أمراً وقررتُ، لكنّكِ ترفضينَ الكثير من العرسان بشهادةِ أطرافٍ عدة، لذا..." 
 قالتْ وهي تضحك صراحةً، ولأول مرةٍ أمامهُ:
"أطراف؟ هاهاهاها...
فقررتَ أنْ تتقدّم بهذهِ الطريقة الغبية." 
 قال بحرجٍ: "نعم، وحقكِ قول هذا وأي شيءٍ آخر." 
-"سماحاً يا وليد، سماح...
لا تكررها ثانيةً، هل تسمع؟" 
-"لن أكررها، ولا شيء آخر، إلا رغبتي بقربكِ، والبقاء معكِ، وجديتي فيكِ، وفي إعجابي بكِ." 
****** 
 بعد فترةٍ، وما إنْ كادتْ تتم الخطبة، حتّى تُوفيَّ والد سلمى، الحاج عبد الحميد، بطريقةٍ مُريبةٍ ومثيرةٍ للشبهات، خصوصاً بعد عودة أخبار إحالتهِ للتقاعد قسراً إلى سطح القيل والقال المُتداول بين الجيران، بسبب ثبوت إدانتهِ سابقاً في بضعةِ أمور.

انتشرتْ الشائعات، لكنْ بخفوتٍ شديد بسبب ماضيهِ العسكري وملابساتهِ...

تُوفّي عبد الحميد مَقتولاً في زقاقٍ عشوائي، مضروباً على خلفيةِ رأسهِ بأداةٍ ثقيلة لمْ يُعثر عليها، ولمْ يُعرف القاتل، ولمْ تظهر ملامح أيِّ مُشتبه بهم، فقيّدتْ القضية ضد مجهولٍ، وأُغلقتْ إلى الأبد لعدم كفاية الأدلة.

بسبب ذلكَ، لمْ يحضر إلا القليل -منهم وليد وعائلتهِ- جنازتهُ، والصلاة عليهِ، ودفنتهُ، رحمهُ الله.

عاش بغموضٍ وهدوءٍ، ومات بذاتِ الغموض والهدوء.

هذا الذي حدث، حفر شوكة قهر في روح سلمى، وغرز آلاماً في فؤادها، وفي أفئدةِ العائلة بأكملها، وتوقفتْ أمور الخطبة والأفراح، إلى أجلٍ. 
****** 
 رحل السّند الأكبر، ورحل العود الهادئ، ورحل أعمق أجزاء قلبها، انتُزع انتزاعاً، وانسحبتْ عروقها من بطينات فؤادتها وفجواتهِ، فهو العروق والقلب والبطينات جميعاً معاً.

ساد السواد حياتها، توقفتْ دراستها، وطاردها طيفهُ الهادئ الحكيم.
وصّاها بالصبر والاحتساب، وائتمانِ أحزانها، آهاتها، وفواجعها عندهُ وحدهُ، ربنا، جلَّ وعلا.

تواردتْ وصاياهُ إليها بأنْ تستمر، أنْ تُحارب وتدرس، وتُثبت نفسها، هي استمرارهُ، وهو جذورها.

يعتصر قلبها الشوق، بل لا يفارقهُ لا والله، وكيفَ يفعل وهو المحفور في صدرها هياماً وحباً، وجوداً وحياةً؟

كيف يفعل، كيف تنسى، كيف يغيبُ عن بالها، وهو الذي لمْ يغب عن حياتها، ولمْ تُفارقهُ إلا اشتاقت إلى لُقياه، وما ابتعدتْ إلا تعطّشتْ إلى رؤيتهِ؟

ولولا وصاياهُ ذاتها، وإيمانها الراسخ، ورجاءها لهُ برحمةٍ وراحةٍ في الجنة هناكَ، في غياهبِ الرحمة، إلى جوار الرحمن، لما ثابرتْ، ولا استمرتْ، ولا فارقتْ أحلامها المُريحة في الليالي الحالكة، والتي لا ترى فيها إلا إياه!
****** 
 جلستْ سلمى في المَكتبة بعد فترةٍ طويلةٍ، انقطعتْ فيها عنها، وعن الدراسة، وعن الخطبة، وعن وليد...
عن كلِّ شيءٍ.

كانتْ تتشح بالسواد، كلُّ شيء أسود فيها، ملابسها، حجابها، حتّى حذاءها.

وجهها مُتعب، وتحدّق بنظراتٍ شبه غائمة في كتابها القديم.

اقترب هو منها وجلس بهدوء وقال بصوتٍ خافت:
"السلام عليكم."

همستْ بهدوء: "وعليكم السلام، تفضل." 
 نظر إليها غير مصدقٍ، وبادلتهُ هي النظر بينما أرغمتْ شفتيها على الابتسام.

قال بحزن: "عظم الله أجركم، رحمهُ الله، رجل بألف واحد." 
 قالتْ: "شكر الله سعيكم يا وليد، لقد أحبّكَ بحق." 
 طأطأ وليد وقال بصوتٍ خافت:
"رحمهُ الله، هو فقط من فعل؟" 
 نظرتْ إليهِ في صمت لهُنيهة، ثم قالتْ بشجن:
"أمازلتَ تريد الزواج بي بعد كل هذا الذي حدث؟"

فكر قليلاً يحسب كلماتهُ، ثمّ سأل:
"ولماذا لا أرغب؟" 
-"أعني كلَّ هذهِ الشائعات والاتهامات..." 
-"الشائعات الأشِرة الحاقدة، تعنينَ؟" 
 قالتْ بهدوءٍ: "وإنْ يَكن، السمعة سمعة، تكونُ فاسدة حتّى لو برِأتْ، وتكونُ معطرة حتّى لو بعطرٍ فاسد."

قال وليد بتؤدةٍ:
"اسمعي يا سلمى، تخيلي لو هذا الفساد كلهُ الذي في العالم ينبع منكِ أنتِ، ينبع منكِ بحقٍّ، منكِ أنتِ فقط وأمام عينيَّ، فقط تخيلي، أتعرفينَ ما أفعل؟ أفصِلكِ عن جذر الفساد هذا وأحظى بكِ." 
 هتفتْ مُتعبةً: "يا سلام!" 
-"أقول لكِ أيضاً، لو عُرض عليّ فساد العالم كلّهُ مجاناً، لاخترتُ فسادكِ ألف مرةٍ، وأصلحتهُ وأصلحتُ نفسي بهِ، بكِ ولا أختار غيركِ." 
 أشاحتْ بوجهها واحمرّتْ، رغم كلِّ شيءٍ، هي تعاتب نفسها على تفشّي هذهِ المشاعر في صدرها ثانيةً بعد كلِّ الذي حدث. 
 قالتْ مُتلعثمةً:
"كلامكَ غريبٌ جداً." 
 ابتسم وقال بلُطفٍ:
"نعم، لأنني أتحدث عن الحب وأنتِ لا تفقهينَ فيهِ شيئاً!" 
 استفزها، دوماً يفعل هذا، هو الوحيد الذي يُخرجها من نفسِها هكذا، ويجبرها على ردِّ الصاع صاعين. 
 قالتْ بتهكّم: "لا يا ظريف، أعني تشبيهاتكَ خارج النطاق وخارج كل صناديق العالم، مُبتكرة وغير مألوفة." 
 -"نعم، أنا مُبتكر، وإبداعي يكمن خصيصاً في اختياراتي، ولهذا وبسبب هذا، اخترتكِ مباشرةً!" 
 سكتتْ سلمى وحدقتْ إليهِ، لمْ ترد ولمْ تعرف أهذه سخرية أم نوع جديد من الغزل.

لكنّها عرفتْ شيئاً واحداً أخيراً.
هذا رجلها وهي امرأتهُ.

وأنتم تعرفونَ الباقي، أعزائي القراء.
****** 
 تمّتْ
                       

عامٌ كبيسٌ، قصة جانبية ١ - مذكرات كائن

جاري التحميل...

عامٌ كبيسٌ، قصة جانبية ١

لقاء غير متوقع- الجزء الأول من القصة الجانبية

تحميل الفصول...
المؤلف

أوّل عامٍ كبيسٍ- لقاءٌ غير متوقع
-متوقع في الواقع وكثيراً لكن لزوم التشويق-

"مساء الخيرات يا أعزائي القراء
معكم الكائن ^^

اليوم، سأتوقف قليلاً مع مذكراتي وأنسحب -مضطرةً ومؤقتاً فقط، ركزوا- من أمامكم يا أعزائي -أعرف أنكم آسفون-

وتعالوا معي لنلقي نظرة على "تناول الفراشات" الذي سيفيض علينا الآن... إحم، أعني لنقرأ الآن قصة الآنسة سلمى والشاب وليد..."

تنويه*: القصة هذهِ رومانسية، استثناءً من الرواية الأصلية، ولا تؤثر مباشرةً في مسار القصة الأصلية، فلا فارق إنْ قرأتموها أو لمْ تقرأوها، لكنْ الأفضل أنْ تفعلوا طبعاً حتّى تزدردوا الفراشات ازدراداً، وحتّى لا أغضب.

******

عكس الحبِّ الطّرديّ هو الحبُّ العكسيّ، وعكس حركةِ المشاعر هو سكونُ المشاعر، وعكس طلب الزّواج هو عرض الزّواج...
أمّا عن عكس الشّدُّ، فلا عكس لهُ، هو الجذب في كلِّ حالةٍ.


ذاتَ عامٍ كبيس، كانتْ الآنسةُ سلمى قد فقدتْ كلَّ آمالها في التسجيل لنيل هذهِ الشّهادةِ العنيدةِ، التي لا شغل لها إلا أنْ تُرازيها وتتملص من يديها.

عملتْ بجهدٍ جهيد، راحتْ وجاءتْ، بذلتْ كلَّ العروق، تلكَ التي تتسرّبُ من جبينها حتّى التي تتسرّبُ من أطراف أناملها، في سبيل التسجيل ولقاء شهادتها المُنتَظرة، والمرجوّة بشدّةٍ.

ما هي هذهِ الشهادة؟ ليس مُهماً، لكنّني سأخبركُم على كلِّ حال، فأُرضي فضولكم الزائد...

شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.

في عالمنا، عالمي، أنا الكائن، الشهادات العُليا صَعبة المنال نوعاً ما، ليس لأنّها تحب جذب الانتباه والتدلل، وإنْ بانَ ذلكَ، بل لأنّها محصورةٌ في فئةٍ مُعينةٍ من النّاس، ولأنّها صعبة بشكل عام.

سلمى الشّابة الحالمة تراكضتْ لتسجّل في هذهِ الشهادة فورَ تخرجها، وكأنّها ستطير مالمْ تفعل حالاً...

وها هي، لن تطير ولن تسبح، هي لن تلمحها تزحف حتّى على ما يبدو.

خرجتْ من مبنى الكُلية غاضبةً، زيّنتْ عينيها بنظراتٍ حادة، وحواجبها الرفيعة بعُقدة أرفع كالسيف.

وبينما هي تهبط على الدرج الخارجي أمام باب الكُلية الخارجي، تاركةً كنز الشهادة المفقود، وحلم التّسجيل الموعود، خلف ظهرها مُباشرةً في لوحةٍ فنية قد تُسمى ببساطةٍ "الندم لكنْ مع العودة"، كانتْ سلمى تُصارع حقيبة يدها، وتُصارع الأغراض في داخلها، وأوراقها، وأقلامها، وحياتها وأحلامها.

وفي خضمِّ هذا الصّراع، تسلّل أحد أقلامها الملوّنة من يدها صارخاً:
"الحريّة!"

وطار في الهواء، فوقع على بعد بضعة درجات.
زفرتْ سلمى من أعماقها، ما تفعل أقلامها الملونة أصلاً في يدها خلال هذا الوضع؟

كانتْ تبغي ورقة إخراج القيد، فما جلب أقلامها الملونة إلى يدها حتّى يخرجوا من المِقلمة فالحقيبة؟

لمْ تدرِ، لكنّها وضعتْ بقيّة أقلامها في حقيبتها -خشيةً عليهم من ذاتِ المصير- وهبطت بضعة درجاتٍ لتجلب القلم المسكين.

ما إنْ كادتْ تفعل، حتّى أبصرتْ ذروة رأس شاب في مرمى بصرها، بل هو أمامها تماماً، راكعاً على الدرج، يتودد إليهِ -أي الدرج- ربما؟

لا، بديهياً، كانَ يلتقط شيئاً... قلماً...
مهلاً، هذا قلمها ذاتهِ!

اقتربتْ سلمى منهُ أكثر وهي تعقد حاجبيها، بينما هو يستقيم ويحدق فيها.

قال على مهلٍ: "مرحباً."
قالتْ سلمى بسرعةٍ: "هذا قلمي."
-" أعرف، لهذا أعطيهِ لكِ، فقد رأيتهُ يسقط منكِ."

انتبهتْ سلمى عندها ليدهِ الممدودةِ بالقلم، اختطفتهِ -إذا صحَّ التعبير- سريعاً بحرجٍ طفيف، وتمتمتْ:
"آه، شكراً."

نظر إليها وهي تهمُّ بالابتعاد، عيناهُ خضراء بارزة، ولديهِ نمشٌ كثيف على وجهه، حتّى وصل حدَّ ذقنهِ الحليق تماماً.

قال لها بسرعةٍ: "لحظةً يا آنسة! دعيني أساعدكِ في حمل الأشياء، أراكِ مُرتبكة و..."

قاطعتهُ بحزم: "لا، شكراً."

همّتْ أنْ تُغادر ثانيةً وهي تُرتِّب الأوراق في يدها لتوضعهم حقيبتها أيضاً، وشعورٌ بالندم يعتريها لأنَّها ذرتْ ارتباكها يطفو على سطح وجهها، فيتبيّنهُ غريبٌ!

جاء صوتهُ ثانيةً -أو ثالثةً-: "إذاً، إحم، إذا كانَ مُمكناً، أعني، أنا أطلب هذا جادّاً، من فضلكِ، هل يمكنكِ منحي رقم أهلكِ ربّما..."

تفرّستْ فيهِ لوهلةٍ، بينما أخذ يقول ووجههُ يحمرُّ:
"اسمي... اسمي وليد، وليد تركماني، وأنا حقاً جاد في مطلبي هذا، لذلكَ..."

قاطعتهُ غير فاهمة: "أيُّ مطلب؟"
-"الرقم."

قالتْ بعدم فهم -ثانيةً، ونعتذر على التكرار لكن قلة الخبرة لها أحكامها-: "ماذا؟"

تنهد وقال: "سأقول الأمر مُباشرةً، أنا أُريد رقم أهلكِ لأخطبكِ."

استغرقتْ سلمى بضعة ثوانٍ لتستوعب، ثم قالتْ ببرود:
"هل تعرف؟"

أردفتْ سريعاً قبل أنْ يتفوه بحرف:
"الكلاشينكوف؟"

ردَّ باستغرابٍ: "بالطبع أعرفهُ، سلاحٌ جميلٌ و..."

قاطعتهُ: "هذا لقبي السابق في الكلية، أتعرف لماذا؟ لأنّني أضرب في صميم الفاسقين من المترصدينَ والمتلصصينَ وأمثالكَ من المُغازلين الفشلاء، أقذفهم بما يعطيهم قدرهم كما الرصاصة."

قال وهو يكبتُ ضحكةً -وضوحاً- ويميل برأسهِ: "لكنّني أرى أنّكِ صيّادة مذهلة."
-"ماذا؟"
-"هذا لأنّكِ اقتنصتِ قلبي من أول مرةٍ."

غضبتْ سلمى بشدةٍ وهتفتْ وهي ترتجف:
"أُقسم يا هذا، أنّني سوف أطلق صراخاً لن تنسهُ في حياتكَ، وسوف أمزقكَ إرباً، وأُقدمكَ إلى عميد الكلية قطعاً مُقطعة، ولن تحلم بوضع قدمكَ في الجامعة لأيٍّ كان السبب الذي جئتَ من أجلهِ، معطوباً كنتَ أم سليماً، فأنا أستبعد خروجكَ من بين يديَّ سليماً أصلاً..."

قال بسرعةٍ وهو يلوح بيديهِ ووجههُ يزداد احمراراً:
"كنتُ أمزح، أنا آسف، مزحة غير موفقة على الإطلاق، اعذريني."
-"إذاً اذهب، انقلع من وجهي أنتَ ومزاحكَ التافه."

وغادرتْ، هكذا فقط.
******

ظنّتْ سلمى أنّها لن ترى الصبيّ التافه هذا ثانيةً، هي معتادة على هذهِ الأشياء من هذا النوع من الأشخاص.

لكنَّ الذي فاجأها حقاً، هو اتصالٌ جاء بعد بضعة أيام، اتصالٌ بطلب الوصل وخطب الودِّ.

قالتْ سلمى لأمِّها: "لكنّكِ تعرفين موقفي من مسألة الزواج حالياً، وقد اتفق كلانا، يا أُمّي، على عدم استقبال خطّابين في الوقت الراهن."

قالتْ إيمان (والدتها): "أعلم يا ابنتي، أمر دراستكِ الآن والتسجيل، وعملكِ في المعهد لتسديد مصاريفكِ، أعلم كلَّ ذلكَ، لكنْ جربي، ما الضير من التجربة؟ ثم إنَّ السيدة على الهاتف سألتْ عنكِ، باسمكِ الكامل وطلبتكِ، يبدو أنَّها تعرفكِ جيداً."

-"هذا سببٌ أدعى لأُرفض، وهاهي ولاء مخطوبة ما شاء الله حولها، لدينا فرح واحد في العائلة بالفعل."

-"وما الضير أنْ تكونا لي فرحتين؟ جربي، جربي واسمعي كلامي، كفى عناداً، أنتِ وأختكِ، أنتما لديكما نفس هذا العناد القميء!"

كانَ والدها أيضاً موافق على استقبالهم، فتقرّر الأمر، سوف تخرج سلمى أمام الخطّابين غداً.
******

سمعتْ سلمى أصواتاً شتّى في الخارج، هذا وترها جداً لذا أخذتْ تُكرر لنفسِها:
"هذهِ تجربةٌ فحسب، لا داعٍ للتوتر، هذهِ تجربةٌ ولاشيء جاد، افهمي يا نفسي، قلتُ لا تتوتري!"

خرجتْ من غرفتها وتقدمتْ، كانتْ أمها في مرمى نظرها، تتوسط الكنبة المركزية في الصالون، وإلى جانبها كان يجلس أخوها، يدردشُ مع الجماعة بلطفٍ وسماحة.

اقتربتْ أكثر، فبدأتْ تتبيّن ملامح سيدةٍ في مُنتصف العمر، لابد أنَّها والدة العريس، تجلس بثقةٍ وتبتسم بهدوء، تبدو من طرازٍ رفيع وأصلٍ نبيل.

اقتربتْ أكثر فأكثر، فإذا بوجه والدها والعريس يطلانِ في ذاتِ اللحظة.

وجهُ والدها الوسيم متألقاً كالعادة رغم حفر نوازل الزمن لأعتى الأخاديد في وجههِ وجلدهِ المُهترئ، حتّى بدا أكبر من سنّهِ الحقيقي.

أمّا وجهُ العريس إلى جانبهِ، فقد أضاء بعينين خضراوتين واضحتين تطلّان... مهلاً، هذا وجهُ الشاب الكَلح ذاتهُ من حادثة الجامعة!

تراجعتْ سلمى بصدمةٍ شديدةٍ، ولولا العيب والحياء، ونظرات المجتمع الصارمة في هذهِ الأمور، لما دخلتْ!

اتجهتْ إلى مكانٍ فارغٍ في أقصى أقاصي الغرفة وهي تعوج رقبتها حتّى كادتْ تُفك، فقط كي لا تلتقي عيناهما.

وحصل الذي حصل، ونظرتْ إليهِ بالخطأ في مرةٍ، فوجدتْ على وجههِ المُستفز نظرةً من طراز:
"نعم، أنا هُنا كما وعدتُ."
وليتهُ ما وعد ولا وفى.

تصرفتْ بطريقةٍ طبيعية، وأجابتْ على أسئلتهم ولمْ تسأل، وبعد أنْ غادروا قالتْ لوالدتها بثقةٍ مُرتاحةٍ:
"لا يا أُمّي، لا نصيب في هذهِ الزيجة، إذا اتصلوا أخبريهم بذلكَ."
******

مرّتْ أيام سلمى بعدها رتيبةً مملةً كما العادة، تقضيها بين محاولاتها البائسة المُستميتة في التسجيل، والأوراق التعجيزية التي تُطلب فجأةً من جهاتٍ عديدةٍ في سبيل ذلكَ، وعملها كمدرسة مُخضرمة في المعهد، وخطبة أختها ولاء اللزجة، وأخيها الطفل أمجد ذي السنتين.

وأخيراً، جاء اتصال الجماعة برغبةٍ بزيارةٍ أُخرى، بالطبع.

دخلتْ إيمان الصالون ووجهها مُمتقع، فهتفتْ ولاء:
"مابكِ يا أُمّي؟"

قالتْ بتردد: "سوف تغضب سلمى."

رنَّ اسمها في أذنيها مُشكّلاً طنيناً خافتاً، فهرعتْ سلمى إليهم وهي تقول:
"ما الأمر يا أُمّي الحبيبة؟ اسمي يتردد بسوءٍ، وللعلم، أنا لن أغضب أبداً منكِ."
-"لقد أصروا."

سألتْ ولاء :"من أصرَّ؟ وعلى ماذا؟"
-"الجماعة... الجماعة الخطّابون أصروا على القدوم ثانيةً، السيدة رُقية، والدة العريس، أخذتْ تتحايل وتقنعني حتّى يأتوا ثانيةً."

قالتْ سلمى: "وهل وافقتِ؟"
-"نعم، حاولتُ الرفض في البداية، لكنْ..."
-"آه، لقد غضبتُ بالفعل... لماذا وافقتِ؟ ألم أخبركِ بأنْ ترفضي! قلتُ أنّهُ أمرٌ مفروغٌ منهُ!"

-"لماذا أنتِ ترفضينَ؟ عائلتهُ كبيرة ومُحترمة، والشاب مُتدين ومُثقف، ومهندس، ما عذركِ للرفض؟"
-"حسناً؟ سأقول لكِ."

وحكتْ لأُمّها ما حدث في الجامعة بالتفصيل.

في هذهِ اللحظة، تدخّل والد سلمى قائلاً:
"لمْ يرتكب الشاب أيَّ عاطل، لقد طلب رقم أهلكِ ليدخل البيت من بابهِ، أنتِ أخذتِ وأعطيتِ، ثمَّ انهلتِ بالإهانة عليهِ، ومما رأيتُ وعاينتُ، وسمعتُ الآن منكِ، هو شابٌ جيد، لنعطهِ فُرصةً أُخرى."

وما عاد كلام بعد هذا الكلام.
لكنْ سلمى لن ولمْ تسكتْ، كما هو متوقعٌ بالطبع.
******

جلستْ سلمى في المَكتبة بعد يومٍ طويلٍ من السعي بين هذا المَكتب وذاكَ، وأوراق تُؤخذ وأوراق تُطلب، وتروح وتجيء وتُنسى.

انكّبتْ على كتابها وكراريسها تُحضر الدرس القادم في المَعهد، فسمعتْ صوتاً رجولياً في غمرة تركيزها يهتف:
"السلام عليكم."

ردتْ: "وعليكم السلام."

ثم لبثتْ هُنيهة هكذا، فانبرتْ ترفع رأسها وتنظر نحو القادم.

إنّهُ هو، بشحمهِ الزفر ولحمهِ، يجلس أمامها وعلى طاولتها ذاتها، المَدعو وليد.

أغلقتْ كتابها بعنفٍ وهي تعبِس ناظرةً إليهِ وقالتْ:
"ماذا تريد؟"

قال وهو يشير إلى الكتاب: "سوف تفقدينَ الصفحة هكذا، إذا أغلقتهِ بلا رحمة ولا علامة قراءة."

زفرتْ وقالتْ: "لا شأن لكَ أضعتُ الصفحة أمْ وجدتها، فقط آمل بأنْ تضيعني في مرةٍ وتنساني، في أقرب فرصة ربّما."

انحنى إلى الأمام وقال: "أبداً."

لحظة صمت متوتر، أو لنقل غاضب من ناحية سلمى، قطعها وليد قائلاً بهدوء:
"متى ستحددينَ الموعد القادم؟ أنتِ تُماطلين نوعاً ما، وأنا أعرف ذلكَ ولا أملك إلا أنْ أنتظر."

أشاحتْ سلمى بوجهها وهي تقول:
"أف، ألمْ تؤكد أُمّي تحديدنا لهُ قريباً رغم رفضنا الأوليّ؟ إذاً سنفعل. 
وماذا تفعل هُنا؟ لا تُقل لي أنَّ هذهِ صدفة، هل تترصدني؟"

قال وليد بابتسامة هادئة: "أنا آتي إلى الجامعة -والمَكتبة تقريباً- كلَّ يوم، يبدو أنَّكِ أنتِ المُترصدة في هذهِ الحالة."

بلغ غضب سلمى ذروتهُ، فاقتربتْ قليلاً والشرُّ يتلاعب أمام عينيها تطايراً وغِلَّاً، وقالتْ:
"سوف ترى ما سأفعل المرّةَ القادمة، سوف ترى العجبَ العجاب يا هذا."

ثم أخذتْ تجمع أغراضها على عجلٍ لتغادر ووليد يقول:
"لا تغادري، ابقي، إذا انزعجتِ أُغادر أنا."

لكنّها كانتْ قد تحركتْ بعيداً، فنظر نحوها وليد وقال:
"أنا أنتظر، أياً كانَ ما ستفعلينهُ."
******

اضطُرتْ سلمى إلى تحديد موعدٍ في النهاية، وقد عزِمتْ ببساطةٍ أنْ تتحجج بشيءٍ ما حتّى يغادروا سريعاً، ربّما تمثلُ النّعاس أو حتّى الغباء والبلاهة.

جلستْ ليلاً في غرفتها -هي وولاء- وبدأتْ، كما كلَّ يوم، تسمع سيمفونية الشخير تصدر من أخيها مجد -الدّحيح والطالب المثالي- ومن والدها أيضاً.

وهُنا، وفي هذهِ اللحظةِ بالذات، جاءتها الفكرة الشيطانية.

في اليوم التالي، أعدتْ سلمى العدّةَ لتنفذ خطتها، جلستْ في مكانٍ لا يراها منهُ والدها مباشرةٌ، وفي واجهةِ هذا الوليد تماماً، وبدأتْ العمل حالاً.

بدأتْ تُثاقِل جفونها، وكأنَّ النعاس يغالبها قسراً، فتدع هذهِ الجفون تدلى طواعيةً تارةً، وتفتحها سريعاً تارةً بفزعٍ مصطنع.

بعدها، أخذ رأسها يتأرجح بين الأمام والوراء، وكأنَّ سلطان النوم استوى على رأسها عرشاً فلن يفارقهُ حتّى تسقط في براثنهِ، أي النوم.

كلُّ ذلكَ كانَ تحت أنظار وليد مُباشرةً، يُحدق بها، وهي تتحققُ منهُ كلَّ دقيقةٍ وأُخرى، ترى تأثير ما تفعلهُ في عينيهِ.

عينا وليد الخضراء كانتْ مثبتةً عليها مُباشرةً، نعم، فلينظر شزراً كما يشاء فهذا هو المطلوب.

مهلاً، لحظةً، هذهِ النّظرة... نظرتهُ، إنَّها حانيةٌ بطريقةٍ غريبة وكأنّها لا تعرف الغضب بتاتاً، هو يشفق عليها لا يغضب من حالتها.

غضبتْ بشدّةٍ، غضباً داخلياً، طبعاً لمْ تجرؤ على إبدائهِ، فتحفزتْ لتزيد العيار قليلاً، وليحدث ما يحدث.

أسقطتْ رأسها إلى الخلف قليلاً، وبدأتْ تُصدِر أصواتاً خافتةً لا تُسمع، صوت كزٍّ ربّما... أو شخيرٍ لكنْ على خفيف.

"خخخخمممم..."

فتحتْ عينيها  تنظر إلى وليد، كانَ على حالهِ، الفارِقُ فقط كانَ ابتسامةٌ ارتسمتْ على محياهُ، موجهةً إليها مُباشرةً، بدل الغضب المتوقع.

غضبتْ أكثر فأغلقتْ عينيها نهائياً، مُنتَصبةً، ورفعتْ صوتَ شخيرها...

"خخخخخخخخخخمممممممممممممممم"

مازال وليد على حالهِ، بذاتِ الابتسامة المائلة إلى الضحكِ حتّى، الضحكِ المكبوت، لكنّها ربّما جذبَتْ انتباه الأناس الخطأ، فشعرتْ بنكشٍ خفيٍّ من يد والدتها الجالسة بجانبها، وهي تلتمس لها الأعذار أمامهم بطريقةٍ غير مُباشرةٍ، بتعبها وعملها وجهدها الذين أنقضدوا رِقادها، ونظرة استغراب ترتسم على وجه والدة وليد، لاحظتها سلمى مُتأخراً.

جيد، ربما تقتلع السيدة أمر خطبة هذهِ الفتاة المعتوهة لابنها من رأسها أخيراً.

انهال عليها غضب إيمان بعد أنْ غادروا، وقالتْ:
"فتاةٌ محترمة تفعل ذلكَ، ها؟ ماذا سُيقال عنكِ في أرجاء المُجتمع؟"

قالتْ بهدوءٍ: "فليُقال ما يُقال، كنتُ مُتعبةً كما أوضحتِ لهم، هكذا فقط."

تدخّلَ والدها قائلاً بصوتٍ حازمٍ:
"المرةَ القادمة تنامينَ مُبكّراً، هل فهمتِ؟"

أومأتْ مُمتثلةً، ولسان حالها يقول:
"هذا إذا كانَ هناكَ مرةً ثانيةً... لكنْ إذا اعتبروا هذهِ فضيحةً فما كانوا يفعلونَ لو نفذتُ ما برأسي تفصيلاً؟"

والأفضل ألا نعرف ما برأسها، أو ربّما نعرف قريباً.
******

يُتبع
		       

مذكرات كائن - مخاضٌ في انفجارٍ

جاري التحميل...

مخاضٌ في انفجارٍ

نهاية الجزء الأول

تحميل الفصول...
المؤلف

لنصعد جميعاً فوق ذروة الجبل، وندع ضوضاء قلوبنا تتحرر، حرّروا الصوتَ في الفضاء، ليطير عالياً...

عااااالياً، عاااااااااالياً، عااااااااااااااااا...


> اتصالٌ غير موفّق - بيتي البيتوتي - 2014

الكهرباء مقطوعةٌ...

أسمعكم تقولون متسرعينَ: "وما الجديد؟؟!! بعد كل هذا لا تقنعينا أنّكِ متفاجئةٌ بحدثٍ كهذا يا سيادةَ الكائن؟؟؟"

أقول بصبرٍ صبّار مُصبّر:
"فلنهدأ فضلاً، دعوني أُكمِل فقط، أُكمِل ما سأنبري أقولهُ الآن..."

الكهرباء مقطوعةٌ منذ زمنٍ، لا أراها في المدرسة، ولا أصادفها في البيت...

ركّبنا بالطّبع المصادر التقليدية الاحتياطية للكهرباء كالمولّدة وغيرها -بمساعدة خالي، وتحت شلالات جدّتي الفياضة من القلق، وتلكَ الخاصة بأُمّي وخالتي أيضاً- لكنّهم، لسببٍ ما، ما عادوا يعملون، ربّما يزاولونني قاصدين، لكنّني، كالصقر المُنتصب الأشبّ، لا أُزاوَل ولا أُستَفزّ.

لذا، بهدوءٍ تكتيكيٍّ عتيد، أخذتُ أخبط قدميَّ على درج عمارتنا وأنا عائدةٌ من المدرسة، ليس غضباً، إنّما أُمرّن قدميّ بالقفز الدرجيّ التبادليّ، 
(رياضة اخترعتُها حالاً الآن لأنّني لا أغضب.)

وأكرمِشُ وجهي بأعتى لوحةٍ من التمازج البينيّ بين ملامحي المتعانقة،
(أنا فنانة كما ترونَ، لا أغضب، هذا مُستحيل.)

ولأنّني مسترخيةٌ جداً في ذلكَ الوقت، لم أحرّك يديّ حتّى من شدّةِ الاسترخاء والحُلُم، وأخذتُ أطرق الباب ب... إحم، بقدمي، ليس غضباً، إنّما استرخاء، كما تعلمونَ.

فتح سليم لي الباب بوجهٍ باهت، وقال ببرود:
"مابكِ؟ هل هناكَ إنسانٌ طبيعيّ يدقّ الباب بهذهِ الطريقة؟"

فارَ الاسترخاء داخلي وغلى، وأنا أقول ببطء:
"فلتحذر الحليم إذا غضب، يا سليم."

نظر إليّ نظرة تفيض بالذعر، وارتعد هارباً إلى غرفتهِ.
(لمْ يحدث، هو فقط تجاهلني...
ماذا؟ هل أسمعكم تقولونَ: توقعنا هذا؟ 
عيب، عيب عليكم يا قرّائي!!)

دخلتُ ببطء وأنزلتُ حقيبتي المدرسية الخفيفة جدّاً، فدوّى صوتُها خارقاً غطاء الصمت في الظلام البرتقاليّ، المُشوّبِ بلونٍ ذهبيّ خفيف يتسلل من الشمس على غيرِ هدىً.

كما الظلام -مهما كان كاحلاً وعميقاً- لا يستمرّ طغيانهُ أبداً، حيث تخترقهُ حتماً أنوار دافئةٌ تنتشر رويداً لتصنع حديقةً مِضياءةً غنّاء، الصمتُ أيضاً لا ينفكُّ ينكسر.

وهذا ما حدث في هذهِ اللحظة، فالصّمت الذي سادَ عقبَ دخول سليم إلى غرفتهُ، لمْ تذرهُ أُمّي هادئاً كما هو.

كنتُ أسمع كلماتٍ خافتةٍ متواردة، بينهما فاصلٌ وجيز لا يُذكر، كانتْ تترددّ بصوت أُمّي القويّ والهادئ.

ترددتُ للحظة، ووقفتُ أُرهف السمع وأتتبع مصدر الصوت، ماذا تقول؟ هل تتحدث مع والدي؟
أيعقل أنّهما... يتشاجران؟

شدّني الصوت -وربّما الفضول، أو الشوق حتّى- نحو مصدرهِ في الصالون، خطوتُ نحوهُ مُتهاديةً، وحاولتُ جعل خطواتي مَلحوظةً قدرَ الإمكان حتّى تُدركُ أُمّي قدومي، فلا تغدو رغبتي بملء أذنيَّ من صوتِ أبي تلصصاً.

ارتفعَ الصّوتُ، ورغم أنّهُ كان مُلِحّاً جدّاً، إلا أنّهُ كان مُرتاحاً وربّما... مُغبَطاً.

أنا أعرف طريقة حديث أُمّي بالضبط كيف تكون وهي غاضبةٌ، وهذهِ ليستِ الحالة هنا.

اقتربتُ أكثر، ولاح لي محياها، مع موجاتِ اهتزازٍ طفيفٍ في صوتها وهي تتمتمُ برتابةٍ: (أجل، كانَ صوتها يجمع كلَّ ذلكَ معاً، أُمّي الخارقة):
"آااالوو... آااالوو... آالوو... آلو."

فجأةً، اتضحتْ لي الصورة كاملة.

كانتْ تجلس -بل ترتمي بالأصحّ- على كنبةٍ في طرف الصالون، ظهرها مستندٌ إلى الخلف مُلتصقٌ بمسند الكنبة، ورأسها يميلُ إلى اليمين قليلاً، وعينها اليسرى ترفُّ بلا هوادةٍ، بشكلٍ يثير الرّعب في أعتى القلوب.

كانتْ عين أُمّي الحوراء الحادّة تُشعُّ بياضاً تامّاً تحت جفنها الرّاجف، فأخذتُ أدققّ في منظرها وأرتعد، أدققّ وأرتعد، وأدققُّ وأرتعد...

حتّى انتبهتْ هي إلى وجهي المُمتقع رُعباً، فأشفقتْ عليَّ ربّما لذا اعتدلتْ وقالتْ بابتسامةٍ:
"أهلاً بابنتي، والدكِ على الخطِّ، لكنّ الشبكة تضاهي عفنِ الطعام الفاسد في ثلاجتنا (لقلة الكهرباء) في السّوء، لا أكاد أسمع منهُ كلمتين على بعض."

قلتُ مشدوهَةً قليلاً: "أهلاً، أُمّي، أنتِ تبدينَ غريبةً، هل من شيء حدث؟"

قالتْ بهدوء وبذاتِ الابتسامة وهي وتغلق الخطَّ في وجهِ أبي المسكين غير الدّاري بشيء:
"لا تردّ، عنّكَ ما ردّيتَ، أف."

من ثمَّ توجهتْ إليّ وقالتْ:
"ألن تبدّلي ملابسكِ؟"
-"نعم، بالتأكيد، على الفور."

أُمّي غريبةٌ حقاً! لا أدري أهي غاضبة أم سعيدة.

الوضع مُرعب، لذا، لأسارع بتنفيذ ما تريد اتّقاءً لأيٍّ كان يدور في رأسها، أو يضحزنها. (مزيج بين الضحك والحزن، كلمةٌ فاخرةٌ من اختراعي الخاص.)

هرعتُ وقد عزمتُ أنْ أحاول التّواصل مع كوكب أبي المُنغلق المسكين لاحقاً، أو ربّما كوكبنا، في الحقيقةِ، هو المُنغلق.
******

> مُواجهة الذئاب النهائية - مدرستي منارة العلم - أواخر 2014

مشيتُ مُسرعةً في باحة المدرسة، أُركّز بصري على "الكانتين" (حيث تُباع مُختلف الوجبات الخفيفة والمُضرة جداً، إحم، لكنّني ما زلتُ أشتريها طبعاً، كلُّ شيء إلا أنْ أُفرّط بنظامي الصّحي القاتل. ^^)

مررتُ، على ما يبدو، بجانبِ لينا الواقفةِ بظهرها، التفتتْ بسرعةٍ ونادتني، كنتُ قد أخذتُ دوري في طابور المُشترين الطّويل، فأشرتُ لها إشارةً سريعةً لتنتظر.

ربّما امتعضتْ لينا من ذلكَ، وربّما خُيّل إليّ الأمر كلهُ.

ظفرتُ أخيراً بمرادي، وخرجتُ ببسكويتةٍ صغيرة أُسكتُ بها جوعتي بعد أنْ نسيَتْ أُمّي أنْ تُحضر لي طعاماً، 
(نعم، كنتُ متّكلةً جدّاً في هذهِ الأمور، أعترف.)

وما إنْ رفعتُ رأسي أبحث عن لينا بعد أنْ انقضضتُ أفتح البسكويتة الثمينة، رنّ الجرس مُنذراً بعودٍ سريعٍ غير أحمد للصف، يا لحظي ونحسي!

عدتُ إلى الصف وأنا أرمق البسكويتة، فرميتُها في فمي بسرعةٍ حتّى لا أفقد علاقتي المتذبذبة بمعدتي أخيراً، وإذ بلينا تراقبني (أهذا ازدراء على وجهها؟) وهي تقول:
"ناديتُكِ، ولمْ تردي عليّ."

-"بقب أبخببكِ أبْ تتبببي!" 
(هذهِ: "لقد أخبرتكِ أنْ تنتظريني!" لكنْ مع فمي المُمتلئ السّعيد.)

قالتْ ووجهها يتقلص:
"لا بأس، أنهي طعامكِ ولنتحدث."

وأنهيتُ طعامي، فجاء الأستاذ، ولمْ نتحدث حقاً.

ركبتُ حافلة المدرسة، ولمْ تجلس لينا بجانبي ولمْ تتحدث معي، لذا ظننتُ أنَّ الأمر لا يستحقّ حقاً، لذا لمْ أحاول البحث عنها أو التساؤل عن ماهيّة هذا الحديث.

وصلتُ، نزلتُ، مشيتُ الهوينى، حتّى سمعتُ الخطوات خلفي.
كما اعدتّم، (كما أظن يعني) كانتْ هذهِ لينا، ترمقني عميقاً، نظراتها تتغلغل في روحي، ولا أستطيع إلا أنْ أنفر.

قالتْ بصوتٍ جاف: "أخيراً، لنتحدث يا ميس، يجب أنْ نتحدث."
******

> يوم الشرخ - بيت الجدة - أواخر 2014

لمْ يكن من المعتادِ أنْ تُسمع ضجةٌ صاخبةٌ من بيت جدتي، خصيصاً بعد أنْ كبِر جمع الأحفادِ، (نوعاً ما) إلى جانب عِشق جدتي للهدوء والنّظام، وارتباط الجيران المخيفين بهذا النّوع من الهوس أيضاً.

ومع كلّ الأفراح التي مرّتْ والاحتفالات -رغم ما رافقها من صِعابٍ طبعاً- إلا أنَّ هذهِ اللحظات السعيدة مرّتْ هادئةً، بأهازيج صامتةٍ لا تُغنّى ولا تُردد، أهازيج تُحفظ في الأفئدة فقط، بتضامنٍ آسفٍ عميق مع كلِّ ما يدور حولنا.

أمّا الشّجارات، المشاكل، والمخاوف والأحزان، فيعصِفونَ بشدّةٍ لا تتوانى، تصاحبهم زحمةٌ من الأصوات الغاضبة، الهادرة، والنادمة أيضاً، ربّما لاحقاً.

هذا الصخبُ يتسرّب من الشبابيك، يتناهى إلى مسامع الجيران، وإلى مسامعي أنا الواقفة في الحارة، في طريقي من بيتي غير البعيد إلى بيت جدتي.

صادفتُ نور على باب عمارة جدتي الخارجيّ، تُطلُّ بوجهها وتفركُ يديها بتوتر، وعيناها الحادتان تجول في الشارع ذهاباً وإياباً.

اقتربتُ منها، ولمستُ كتفها متسائلةً، حيث قلتُ:
"نور، ماذا هنالك؟ أسمع أصواتاً عالية من بيت الجدة، تبدو... تبدو جدتي تصرخ، هذا ليس صوت جدتي، صحيح؟"

نظرتْ إليَّ، عيناها العسليتان اغرورقتْ بالدموع، لا، كادتْ تغرورق بالدموع، لمْ أتخيل عينيها هكذا قبلاً أبداً.

قالتْ بصوتٍ متهدّجٍ مبحوح:
"بلى، إنّهُ صوتها، هناك شجار، لمْ أستحمل ذلكَ، أنا... أنا لمْ أرهنَّ هكذا سابقاً."

تساءلتُ بسرعة: "من؟ لا، لا تجيبي، تعالي نصعد فقط و..."

قاطعتني: "لا، لا أرغب بذلكَ، أنا غادرتُ كي لا أسمع."
-"لكنْ، هيا، كي نفهم، تعالي نصعد ونرى."
-"أنا فهمتُ يا ميس، ولن أصعد، إذا أردتِ أنتِ، فلتصعدي."

تركتها واقفةً تشاهدني وأنا أتسلق السّلم الخارجي بتثاقل، وقلبي النّابض يسحبني ويثبتُ جسدي حتّى لا أتقدم، ومع ذلكَ، أتجاهلهُ وأتجاهل نبضهُ المُجمِّد، وشعور القشعريرة هذا الذي يجتاح جسدي، وأستمر، أستمر بالصعود.

كلّما تقدمتُ، كلّما توضّحتْ معالم الكلمات التي تُلقى، بل تُرمى في الأعلى.

أسمع صوت خالتي مُدافِعاً بكسورٍ صارخة في جوارحهِ:
"أنتِ، أنتِ يا أُمّي من طلبتِ مني البقاء! أنتِ من أصرّ، وأنتِ من جعلتِني هكذا بلا سند، بلا ظهر أتسنّد عليهِ، فصلتِني عن زوجي و..."

صرختْ جدتي، وأنا ما زلتُ أتقدم:
"أنا أخبرتكِ أنْ تبعثي بمجد، أخوكِ، إلى هلاكهِ؟ أنا أخبرتكِ بأنْ ترافقيهِ إلى السوق الذي لا يشغلكِ غيرهُ؟ أنا أخبرتكِ أنْ تفعلي كلَّ هذا؟"

تصاعد صوتُ خالي الهادئ بينما أقترب من الباب وأتلفّتُ حولي:
"أُمّي، والدتي، هذا يكفي، هذا يكفي يا أُمّي، أصواتكنَّ تتسرّب إلى الخارج! لمْ يحدث شيءٌ حمداً لله، وأنا من أصرَّ أنْ يُرافقها ليس العكس، أنا من ملَّ وخرج، وأخطأ، أنا..."

اعترضتْ خالتي وأنا أهمُّ برفع يدي لأطرق باب البيت:
"اخرس يا مجد، اخرس فحسب! أنا من جررتكَ لهذا، هذا صحيح! لكنْ ما يُدريني أنّهم سوف يفتشون ال"ميكرو" الذي نركبهُ؟ ها؟ أنا فقط تعبتُ، تعبتُ وكُسر ظهري من حمل الأغراض، بل كُسر من هذا كلهُ! من خوفي على نفسي، وعلى أولادي، وعليكَ! أنا تعبتُ من عيشي في غيرِ بيتي، من عيشي من غير زوجي، من خوفي على طفلي بأنْ يُخطف ويُباع أعضاءً مُقطّعة في السوق السوداء، وفي العالم الأكثر سواداً والذي لا ترحم أحداً."

(شرح مفردات: الميكرو هو حافلة النقل العام الصغيرة)

توقفتْ يدي عندما سمعتُ نواحاً شقّ قلبي وكأنهُ شلعهُ، هذا نبيل لا ريب.

تجاهل الجميع النواح، وقالتْ جدتي بصوتٍ قاسٍ:
"اسمعي، اسمعي أنتِ ولا أريد سماع صوتكِ، أنتِ تعلمين أنَّ قصة خطف ابنكِ كانتْ مغالاة منكِ، لمْ يحدث لهُ شيء، وهو آمن هنا في بيتي، بيت جدتهُ، أمّا أخوكِ، أخوكِ الذي في خطرٍ حقيقيٍّ وأنتِ لا تهتمين، بل قربتِهِ من الخطر أكثر لأجل أنانيتكِ، ولولا ألطاف الله، وأنَّ هناكَ بعض الناس التي هربتْ، والميكرو الذي تحرك، والفوضى التي حدثتْ، كانَ أخوكِ بسببكِ قد..."

سكتتْ جدتي فجأة، لا بد أنَّ خالي أسكتها.

نقرتُ الباب بخفةٍ متوترةٍ، وفتح لي نبيل، وعيناه الكبيرتان تفيض دموعاً وهو يقول:
"ميس، يا ميس، الجميع يتشاجر في الداخل."

دخلتُ سريعاً وهو في إثري، أمّا خالي فقد كانَ يربّتُ على ظهر جدتي الجالسة، تضع يدها على رأسها، وجهها السّمح محمّرٌ بشدّةٍ، تهتزّ فتَخفض رأسها تارةً وترفعهُ تارةً، وكأنَّ الهموم أثقلتهُ فلمْ تعد تطيق رفعهُ مستوياً.

أمّا خالتي، فكانتْ تقف منتصبةً جامدةً، لا تتحرّك، تحدق في اللاشيء، ونبيل يترددّ بجانبها، يقترب كأنّهُ سيلامسها ثمَّ يبتعد.

وقفتُ مشدوهةً، كدتُ أتساءل، وكأنّهُ لدي الحق أنْ أفتح فمي أمام ما يحدث أصلاً، لكنّني أردتُ فقط أنْ أغلق الشرخ الذي أراهُ يتنامى أمامي، لمْ أتحمّل فكرة أنْ أقف مكتوفة اليدين هكذا.

ربّما ليس لدي ذلكَ الحق بالفعل، لأنَّ خالتي سبقتني فقالتْ بصوتٍ بارد:
"أنا سأغادر هذا المنزل يا أُمّي، وسأعود، سأعود لبيتي المقصوف، وليحدث ما يحدث، وهذا الذي سيحدث بأولادي وبي وبزوجي، هو، هو مسؤوليتكِ."

من يدري، أنَّ بيتها المقصوف، كانَ قد قُدّر للسانها أنْ يتنبأ بما سيحلّ بهِ في المستقبل القريب؟
******

> مُواجهة الذئاب النهائية 2 - حارة الضياع - أواخر 2014

وقفتْ لينا أمامي، كانتْ وقفتها متحديةً نوعاً ما.

قلتُ بسرعةٍ: "عن ماذا أردتِ التحدث؟ أُمّي تنتظرني وأخافُ أنْ أتأخّر عليها..."
(على فرض أنَّها عادتْ قبلي من عملها في ذاكَ اليوم، أمِلتُ أنْ تساعدني الظروف من الهروب من هذهِ المُواجهة فقط.)

اقتربتْ لينا مني وهي تشير إلينا وتقول:
"هذا."

قلتُ بصدق: "لمْ أفهم."

قالتْ لينا بهدوءٍ: "أنتِ... أعني، أنا، بتُّ ألاحظ تجنباً ملحوظاً لي."
-"من يتجنبكِ؟"

قالتْ بنفاد صبر: "أنتِ، أنتِ يا ميس! تتحدثينَ مع ريم بشكلٍ طبيعيٍّ جداً، وعندما أتفوّه بشيءٍ تعارضينهُ أو لا تردي! هذا ما أعنيهِ، أنتِ تتجنبينني."

قلتُ بحيرةٍ: "ماذا؟ متى فعلتُ ذلكَ؟ إذا كنتِ تتحدثين عن حادثةِ الكانتين اليوم ف..."

قاطعتني: "لا، لا أتحدث عن ذلكَ، لمْ أذكرها أصلاً، أنا أتحدث بشكلٍ عام."

سكتُّ قليلاً أُفكر، ثم قلتُ لها:
"حسناً، نعم يا لينا، بالفعل، هذا صحيح!
فقد أصبح جِلُّ كلامكِ سخريةً محضةً، لمْ أعد أحتمل هذا، ليستِ الحياة كلها سخريةً كما تعملين."

(قولي ذلكَ لنفسكِ يا أيتها الكائن!
لمْ تقل لينا ذلكَ، لكنْ كان يجب أنْ تفعل، وإنْ فعلتْ، كنتُ سأتفهمها الآن تماماً.)

قالتْ لينا بغضب: "لطالما كنتُ هكذا، بنفس تلكَ السخرية اللاذعة، وكنتِ لا تمانعينَ، أو ربّما تمثلينَ عليَّ أنّكِ لا تفعلينَ." 

وابتسمتْ بسخريةٍ مائلةً بشفتيها إلى جانبٍ واحدٍ.

قلتُ بانفعالٍ: "من قال لكِ أنّني لمْ أكن أمانع، ها يا لينا؟ لذاعة سخريتكِ تطال كل شيء، حتّى أقرب الناس إليكِ! أنا لمْ أعد أحتمل."

احمرَّ وجه لينا وهي تقول:
"لا، هذهِ طبيعتي وأنتِ تعرفينَ ذلكَ، لكنّكِ منذُ البداية لا تحتمليني، لذا أكاد أتوسّل صداقتكِ، صحيح؟ أنتِ في حياتكِ لمْ تريني كصديقةٍ حقيقيةٍ!"

-"هذا ليس صحيحاً، ليس صحيحاً أبداً!
لو لمْ أركِ صديقتي لما كنتُ دافعتُ عنكِ كثيراً، ووقفتُ إلى جانبكِ في مواقف شتّى، أمّا أنتِ؟ تسخرينَ مني علناً، وتنأينَ بنفسكِ عندما أحتاجكِ كأنَّ مشاكلي لا تخصّكِ، من ثمَّ ماذا تفعلين؟ تتمنّينَ ألّا أحادث أحداً غيركِ!"

-"ها، الآن فعّلتِ وضع المَنّ، أنتِ تمنّينني، أليس كذلكَ؟ إنْ كانتْ لدي بعض الظروف، هذا لا يعني أبداً أنّني كنتُ أطلب مساعدتكِ، وربما أنا أتحدث هكذا، بهذهِ الحرقةٍ، أترجاكِ لتتحدثي معي أكثر، لأنّني أرغب بكِ بجانبي طوال الوقت، ربّما لأنّني أعتبركِ صديقتي بحق! كفّي عن وضع اللّوم كلّهُ على عاتقي وكأنّكِ لا تخطئينَ! وكفّي عن حركتكِ الغبية تلكَ وأنتِ تضربينَ رأسكِ كثيراً عندما تنفعلينَ!"

جفلتُ قليلاً ووقفتُ ألتقط أنفاسي بصعوبةٍ، وحملقتُ بوجهها المرتجِّ الذي يخرج أنفاسها ببطء، وهي تلهث وصدرها يعلو ويهبط، وأنا مثلها بالضبط.

كنتُ ذاهلةً، من كلامها بالطّبع، لكنَّ كل ما كانَ يملأ عقلي الأحمق وقتها، هو كيف لمْ ألحظ أنّني أقومُ بهذهِ الحركة التي ذكرتها دوريّاً، عندما أنفعل بالذات، دون أنْ أنتبه حتّى؟

قلتُ بعقلٍ شارد مأخوذ:
"لينا، فلتطلّقينني حالاً!"

(هاهاهاها، ميس ومزاحها الظريف غير المناسب!)

عبستْ لينا بشدّةٍ وهمستْ:
"تمزحينَ وتسخرينَ في وقتٍ كهذا، ها؟ من يسخر على الفارغ والملآن الآن يا ميس؟"

سارعتُ أُمسك ذراعها، وأحاول (مُتأخرةً) أنْ أتداركَ الموقف:
"لينا، لحظة! أنا، أنا... كيف تريدنني أنْ أُسلّم لكِ هكذا، أعتبركِ صديقتي المُقرّبة، وأنتِ لا تفتأينَ تتندّرينَ بمشاكلي وأسراري؟ كيف أثقُ بكِ وأنتِ حتّى لا تثقينَ بي فتخبريني أسراركِ ومصاعبكِ؟"

أفلتتْ يدها سريعاً، حدجتني بنظرةٍ أخيرةٍ وهي تقول:
"أخبريني، ألن تسافري أخيراً؟"

طأطأتُ وقلتُ: "بلى، غالباً."

استدارتْ وهي تغادر وتقول: "إذاً اذهبي، فلنفترق على خير."

وهذهِ كانتِ المرة الأخيرة التي أحدّث لينا قبل سفرنا.
******

> اتصال غير موفق 2 - بيتي البيتوتي - 2014

أمسكتُ الموبايل بيديَّ الاثنتين، كانتْ أُمّي ترمقني، تعابيرها شِبهُ مُتهكّمةٍ وكأنّها تتحداني:
"لنرَ كيف ستتحدثينَ مع والدكِ في ظلِّ هذهِ الشبكة الخارقة!"

كنتُ قد عزمتُ أنْ أتّصل بهِ مهما حدث، لمْ أتحمّل فكرة أنْ تحدثهُ أُمّي (وإنْ كانَ حديثاً مُتقطعاً مشوشاً مقطوعاً، وفيهِ كلُّ العلل) دون أنْ أسلّم عليهِ، فأسمع صوتهُ.

جاء صوتُ أبي: "مرحباً، سلمى."

استبشرتُ بصوتهِ الواضح (والدافئ) فقلتُ:
"مرحباً، أبي، أنا ميس."

جاء صوتهُ: "ميس حبيبتي، أه... أنا... اشتق..."

(لا، هذهِ ليستْ أخطاء إملائية مني، وإنْ كَثرتْ في الفصول السابقة ولمْ تعترفوا -الأفضل ألا تفعلوا أيها القراء الأعزاء عليّ حتّى هذهِ اللحظة- بل هذا نقلٌ أمين مني لكيف جاء صوتُهُ بالضبط عبر الموبايل، أنا لا أكذب أو أزوّر حرفاً واحداً.)

قلتً آملةً: "بخير، كلنا بخير، اشتقتُ لكَ كثيراً يا بابا، سمعتُ ماما وهي تحاول الحديث معكَ، كانتِ الشبكةُ سيئةً جداً لذا لمْ تسمع منكَ شيئاً، وأغلقتْ الخط."

جاء صوتُهُ: "سمعتِ ماما وهي تلوّح بالموبايل معي؟ هذا... أنا... يا حبيبتي."

زفرتُ وأنا أقول: "لا يا أبي، لمْ أقل ذلكَ بالطبع (بديهياً يا بابا!) كنتُ فقط أشرح وأقول أنّكَ..."

قاطعني: "أين كنتِ تسبحينَ يا حبيبتي؟ في المدرسة؟"

بابا!!!! بابا!!!!! ركّز أرجوكَ!

-"بابا، أبي، لو كانَ لدينا في المدرسةِ رفاهياتٌ كالمسابح لما رغبتُ بالسفر بشدّةٍ إليكَ! أخبرني، كيف تلكَ البلاد التي تُقيم بها؟ مصر، بلد الأهرامات؟"

قال والدي: "نعم يا حبيبتي، أتوقُ إليكم بشدّةٍ لتسافروا ق... إليَّ..."

بدأ صوتهُ يتقطّع ويتشوّش، تش، تششششش..

قلبي كان يلتهب وأنا أهتف: "بابا، بابااا! ماذا قلتُ؟ ماذا تعني، أرجوكَ؟"

أخذ صوتُ الرنين يطرق في أُذني وهو يتلاشى بخفوتٍ، تن تن تننن، تن تن تننن، آذناً -أو مُجبِراً- المُكالمة على أنْ تنتهي بهذهِ الشبكة المشؤومة!

استفزني ذلكَ بشدّةٍ، فأغلقتُ الخط وأنا أزبد وأرعد، لكنّني أكبتُ كلَّ ذلكَ أمام أُمّي، حِفظاً لماء وجهي الجاري!

نظرتْ لي نظرةً مُتهكّمةً وقالتْ:
"كيف كانتِ المُكالمة؟"

شعرتُ بشماتتها تطفو على سطح كلماتها، لكنّني تجاهلتُ ذلكَ مُركّزةً على هدفي وأنا أقول:
"هل سنسافر إلى أبي قريباً؟"

امتقع وجه أُمّي نوعاً ما بينما أستطرد:
"لقد قال أنّهُ ينتظرنا، هل... بل أعني، متى سنذهب إليهِ؟"
******

> يوم الشرخ 2 - بيت الجدة - أواخر 2014

سكتَ الجميع، تركتُ الصالون وهرعتُ أتصل بأُمّي أخبرها ما يحدث، وفي ذاتِ اللحظة بالذات، طنّ جرس الباب، ودوّى صوتُ جدتي مُجلجلاً:
"اسمعي يا ولاء، أنا أردتكِ أنْ تبقي معي خوفاً عليكِ، وقلقاً على أولادكِ، أمّا أنْ تحمليني مسؤولية عنادكِ وأنانيتكِ، فهذا ما لي قدرة عليهِ ولا على تفهّمكِ فيهِ، أنا لمْ أُرد يوماً أنْ أجرحكِ، ولا أنْ أقول شيئاً كهذا في يوم، لكنّكِ دوماً تضطرني لهذهِ الأشياء، إذاً...
هيا، فلتغادر..."

أسكتها خالي سريعاً وهو يقول:
"لا يا أُمّي، لن أسمح لكِ أنْ تقولي هذا لأُختي، أرجوكِ، أتوسّل إليكِ، لا تفعلي، وأمام أولادها بالضبط."

كانَ نبيل قد فتح الباب لنور، فدخلتْ مباشرةً وهرعتْ سريعاً لأُمّها التي انهارتْ مُقرفصةً على الأرض، تربّتُ عليها، ولسانها مُنعقد لا يتكلّم.

ساد سقيعٌ عميق في البيت لفترةٍ، رغم جهود أُمّي وخالي التي لا تكل لتقريب طرفيّ الشرخ، إلا أنّهُ استمر، حتّى طال سليم وأمجد اللذين يكونا خارج مجال المجرّة في هذهِ الأمور عادةً.

بعد فترةٍ ليستْ بقصيرةٍ، والتي استمر بها هذا التوتر السائد في النّفوس، طال القصف عمارة خالتي مُباشرةً.

بقيتْ العمارة صامدةً في وجهِ أهوال القذائف والضرب، إلا أنها تضررتْ بشدّةٍ، لدرجة أنّها لمْ تعد صالحةً للعيش السليم، كما حالنا جميعاً.

كانتْ محاولات الصُّلح بين جدتي وخالتي تجري على يدين أُمّي وخالي وسيقانهم، كما يقولون، بالذات بعد الأخبار المؤسفة باستحالة عودة خالتي إلى منزلها.

أمّا نور، كانتْ هادئة، صامتة، لكنّني أرى، وبعين الخبيرة بنفس أختي، عواصف تندلعُ وتثور في داخلها، فتكتمها وتكبس على أنفاسها، لأنَّ الأطفال يشعرونَ ويكتمونَ أكثر من أنْ يتكلموا.

في النهاية، تمَّ الصُّلح بين خالتي وجدتي أخيراً،  رغم أنَّ الشروخ تظلُّ في النفوس، فلا تلتئم نهائياً أبداً، لكنّها أشياءٌ تُضمر في الأفئدة ولا تُحكى ولا تُنطق، فيغطّي الوجوه ارتياحٌ ظاهري مثالي، وسماحٌ يُرسم على الوجوه قسراً، حتّى يُوضع كقناع، ويعتاد المرء جبراً الأسف والغفران.

عزمَتْ خالتي أنْ تنتقل بأقرب فرصةٍ لها، عندما تجد بيتاً جديداً -فها هو زوجها يبحث عن واحدٍ بنهم- وعزمنا نحن بأنْ نسافر.

نظرتْ جدتي إلى أُمّي في مَجلس الصُّلح، وقالتْ بنبرةّ شابها الكثير من البكاء المرير المتواتر، وربّما النّادم:
"سافري، يا ابنتي يا سلمى، سافري واذهبي إلى زوجكِ، انجوا بأنفسكم واتركوا هذهِ الحياة الموبوءة، هذهِ نصيحتي لكِ فيمَ استشرتِني فيهِ منذ فترةٍ."

وبالفعل، ما لبثنا، بعد الحادثة، بضعة أشهرٍ نرتّب أمورنا، حتّى سافرنا، وكانتِ الوِجهة: مصر.
******

نهايةُ الجزء الأوّل
ذكرياتي الأوليّة سرُّ سعادتي!
		       

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"