مذكرات كائن - زَنقةُ كِلابٍ
زَنقةُ كِلابٍ ♤■♤
كائنات؟؟؟!
في خضمِّ حِبالِ الخرّوب المُلتفّةِ، تنمو وريقةُ شجرٍ، قد لا تعرف طريقها نحوَ قمم المزن، لكنّها ستقتفي أثرَ الحياة على أيِّ حالٍ.
> في بيتنا رجلٌ غنيٌّ - ليس في بيتنا حقّاً
فورَ وصولنا، توارد ذكر شخصٍ مُعيّن على لسان أبي، رجلٍ يُذكر بكلِّ هيبةٍ ووقار -حتّى في الذّكر فحسب- ولا يلبثُ أنْ يتردّدَ اسمهُ ونسمعهُ، حتّى يُعاود الورود مرّةً أُخرى.
(حتّى بالنّسبة لنا نحن الأطفال، في وقتها أعني، فقد سمعناهُ كثيراً أنا وسليم، ونحن، أو أنا، الذي لا يتردد أمامها الحديث عن العمل كثيراً.)
إنّهُ السيد كريم زَعتَراوي بالطبع.
السيد زعتراوي ليس مالكاً لمطعم فطورٍ عربي "على كيفك" كما يُوحي اسمهُ، ولا صاحباً لمحلِّ بِقالة مُتخصص في الزعتر والزيت وما شابه، بل هو، يا أعزائي طيبي القلب، من أكبر التّجّار ها هنا.
كان بابا يقول عن هذا الرجل أنّهُ بالغ الأهمية، بالغ اللطف، لا يُكاد يحدّثكَ تارةً حتى يخترق قلبكَ مُباشرةً كسيفٍ سَهّام.
أثق في حُكم بابا على النّاس رغم تساهلهُ الشّديد في هذهِ الأمور -الأمر الذي عرفتهُ لاحقاً طبعاً- لكنّني مُستعدةٌ ومُتحرّقةٌ أكثر لسماع انطباع أمّي عن السيد زعتراوي هذا أيضاً، فقد أصرّ الرجل على مقابلةِ عائلة بابا الموقّرة، كما يقول على لسانهِ، والتي جاءتْ مؤخراً كما فهم.
بعد تشاورٍ مديد، وحكم اتُخذ رشيد، قرّر رأسا العائلة،
(بابا وماما لكنّني أتفلسف كما العادة)
أنْ يقابلانهُ بمفردهما لأوّل مرّةٍ ولا أدري لماذا...
(هل عدم ذهابنا، أنا وسليم، هو تقديمٌ صالحٌ للعائلة أمام الرجل المُهم، أمْ سوء ظنٍّ بأطفالهم الملائكة الذين لا يُؤذونَ نملةً؟ لمْ أفهم حدَّ اللحظة.)
على أيِّ حالٍ، لمْ نمانع نحن ذلكَ، فاهتمامي -شخصياً- بمقابلة الرجل وقتها، لمْ يضاهِ اهتمامي بطريقة صنع الغسّالات، حقاً...
وتقررتْ المُقابلة في مطعم لمْ أحفظ اسمهُ، في تلكَ الليلة ذاتها، والتي اطلعتم بالفعل، معشر القرّاء العظيم، على نبذاتٍ عنها، وعن حالي فيها.
(أعتذر للرجل المُحترم جداً، الأخ الزعتراوي، فأنا لمْ أقصد سوءاً بذلكَ القول، أو عدم الاهتمام، إنّما هي أضغاث مُراهقة خرقاء، وكائن، فحسب.)♡
تهندمتْ أمّي وتأنّقتْ، بملابس بسيطة صيفية، قميص أبيض وتنورة طويلة، أمّا بابا فقد ارتدى بذلة كُحليّة جميلة، وبينما روائح عطر ثقيل تتعشّق داخل الأنوف، وبينما يسري التجهيز للمُغادرة على قدمٍ وساق، كان غثياني يُثار على إثر كلِّ تلكَ الحركة والعطر الفوّاح...
(هذهِ المرة لا شأن للطائرات في ذلكَ، إنّما هي مجرد ظروفٍ قهريّةٍ.)
ابتلعتُ بعض الدواء ودخلتُ لأستلقي، وخلفي تتردد بصوت أمّي الغائم بعض التّعليمات، لا بأس، إنْ كان هناكَ أمر مُهم فلنْ يتوانى سليم عن إخباري.
لأنمْ... طويلاً.
> الإنسانُ الزّنّاق 2 - بيت العائلة - أواخر صيف 2014
انتفضتُ في سريري والباب يُفتح، ووجه سليم العَكر -بالطبع- يظهر أمامي...
أما زلتُ أحلم بالكوابيس؟
قال باستغرابٍ: "أنائمة؟"
قلتُ: "لا، أنا أُحاول تدريب جفوني على الإغماض والفتح، يا فهيم."
كرمش وجههُ وقبل أنْ يتفوّه بحرفٍ قلتُ:
"أين بابا وماما؟"
-"ما هذا؟ أين كنتِ؟ في عالم البطيخ السعيد؟ ألمْ تسمعي أنّهم رحلوا لمقابلة هذا العم، هذا... كريم الأزعراوي أو شيء كهذا..."
-"كريم زعتراوي، وكما قلتَ، كنتُ نائمةً."
(نعتذر حقاً للعم كريم، من أعماق قلوبنا على هذهِ الإهانات في حقّكَ.>*_>*)
-"أجل... هذا."
تنهد ودفع الباب على مصراعيهِ وهو يقول:
"هل أنتِ بخير؟"
قلتُ مُتذمّرةً: "لماذا تفتح باب فتاةٍ هكذا؟"
-"لقد طرقتُ ولمْ تستجيبي!"
ساد صمتٌ، فنهضتُ بتثاقلٍ وهو لا ينفكُّ واقفاً على وضعهِ، قلتُ بضيق:
"لماذا تراقبني هكذا، هل أبدو لكَ كمزحةٍ؟ أو مسلسل ترفيهي؟"
-"هاهاهاهاااي، هذا ظريفٌ جدّاً...
دعكِ من هذا، هل ستأتينَ؟"
دققتُ نظري في وجهِ سليم، الذي بات مُشعراً نوعاً ما، لستُ فاهمةً وقلتُ:
"متى...
متى أصبحتَ هذا القرد؟"
-"ماذا؟ أيّتها..."
قاطعتهُ سريعاً: "أعني، كنتُ أريد أنْ أسأل، متى ذكرتَ أيَّ شيءٍ عن الذهاب؟ لأنّني لمْ أسمع شيئاً ولا أعرف أين سنذهب..."
-"ما بكِ؟ هل كنتِ نائمة حقاً؟"
-"يابن الحلال، نعم، والله نائمة، بكسر الهاء كنتُ نائمةً، وخلّصنا، ماذا حدث؟"
حكى سليم، على مضض، كيف أمرتهُ أمّي بشراء بعض الأشياء العاجِلة لهذا المنزل في مخاضهِ العائليِّ الأول...
قال أخيراً: "هل تأتينَ معي؟"
تحسستُ بطني وكأنّني أستأذنهُ، ثمَّ رمقتُ شبّاكي قليلاً، أطّلع إلى الشارع المُزين بالأضواء في الخارج، وقلتُ مُتمهلةً:
"حسناً... انتظرني قليلاً."
بعد بضعةِ دقائق، نزلنا أنا وسليم إلى هذا الشّارع، ونفسي التوّاقة تتنفس صعوداً ونزولاً.
مشيتُ خلف سليم صامتةً، ثمَّ رأيتهُ يتلفّتُ، فتلفّتُّ...
رأيتهُ يُبطئ، فأبطأتُ...
رأيتهُ يضمُّ شفتيهِ ويضيّق عينيهِ، فضممتُ شفتيَّ...
توتر سليم، لمْ أنتظر عندها ولمْ أتوتر...
بل هجمتُ عليهِ -تقريباً- وهتفتُ:
"سليم! لا تخبرني يا أخي أنّكَ لا تعرف أيَّ المحلات يجب أنْ ندخل؟"
امتقع سليم، وقال سريعاً:
"لا، لا أعرف بالطبع، أعني، أعرف، أعرف، انتظري لحظة..."
(عدم وضع الفاصلة في مكان مُعين ليس خطأً، أو سهواً مني، كي تعلموا فقط يا أعزائي القُرّاء. □-□)
تنهّدتُ، ولمْ أعرف ما أقول، فراقبتُ مُحيطي، ووجدتُ الزّحام قلَّ نسبياً بينما نمشي.
فجأةً، انقطع مرأى البشر حولنا، والمحال الموجودة تضاءل وجودها، فما عدتُ أرى إلا مَحلّين أو ثلاثة، بدلاً من المحال التي فاقتْ عدد أصابع اليدينِ مجتمعتينِ، والتي كانتْ تتفشّى حول المباني خنّاقةً.
وعندها، لمْ أرَ إلا شيئاً واحداً، كائناتٍ بالأحرى، حيةً ولمْ تكن أشياء بالمعنى الحرفي، ولمْ تكن بشراً أيضاً.
******
> نداءٌ لا يَصلُ
مشاغل الحياة جرفتنا، كان لا بدَّ أنْ تجرفنا في النهاية.
ومع ذلكَ، ظللنا على تواصلٍ مع العائلة أجمع هناكَ، مع عالمنا المُتجمّد، ولربما تجمّدَتْ الحياة هناكَ من منظورنا البعيد، لكنّها، في الحقيقة، تتقدّم مُهرولةً غير مُكترثةً بإحساس العائش فيها، إنْ تضاءل أو تمسّك، وإنْ تواجد هنا، أو هناكَ.
ظللتُ على تواصلٍ مع ريم أيضاً، ونور التي تكاثرتْ صداقاتها وحكاياتها، ونبيل الذي فاجأنا جميعاً، حتّى أمّهُ وأباهُ، ووضع نظارةً طبيّةً أخيراً، أملاً في حلِّ مشكلاتهُ التي لا تنتهي في المدرسة، ومع الدراسة.
أمّا أمجد، فخطى أخيراً أولى خطواتهِ لعالمٍ جديد فسيح، حيث الصداقات الرّاشدة، والتّصرفات الحكيمة، وتعقيدات حياة البالغينَ المشهورة، في عالم الجامعة.
كانتْ جدتي كما هي، مُتذمّرةً تتأرجح بين الطيبة والعصبية، وبين الجدِّ والهزل، كذلكَ خالتي وخالي، لمْ يتغيرا وبقيا على حالهما.
ومضتْ الأشهر ومضتْ، وتباعدتْ مسافات التّواصل، وتقلّصتْ أُمسيات الأحاديث اللّاهبة، وقلَّ الشوق، أو ربما كَثُر، فضيّق خناق الكلمات حول جوفنا، وزنقها في حلوقنا، فلمْ تعد تنساب كما اعتادتْ، ولمْ تعد تنهّدات الآلام تتواصل كما اتّفق.
في مرحلةٍ ما، كانَ الكلام ضئيلاً، يكاد يكون مُتلاشياً حتّى، كنداءٍ بعيدٍ لا يصل، يصدح من كلِّ الأطراف في ذاتِ الوقت، فلا يُسمِع أحداً.
أهذهِ الرّتابة هي التي خنقتْ الحديث؟ أم شيءٌ أكبر وأفظع؟
هل هناكَ ما يُخفى بحرصٍ تحت الحنين الذي لا يُحكى، ويُغطّى بعنايةٍ بروتين الحياة وانشغالاتها؟
هل هناكَ ما يُخفى... عَمداً؟ يُخبّأ تحت الألسنة، ويُعضُّ عليهِ بآلامٍ لا تتجرأ أنْ تَرقى للسطح؟
هل هم... يُخفونَ شيئاً؟
******
> الإنسانُ الزنّاق 3 - شارعُ الضّوءِ والضّوضاء - أواخر صيف 2014
لقد رأيتهم.
كُتلةٌ مُتكتلّةٌ من الكلاب، كأنّهم قبيلة.
هوهوتْ الكلاب وركّزتْ أنظارها علينا، نحن البشر الوحيدونَ -والتّائهونَ- في المنطقة.
قلتْ لأخي: "هيّا، اتّصل بأمّي وأصلح هذا "الهباب" الذي تسببتَ بهِ، اسأ..."
قاطعني أخي هامساً، مُمسِكاً بكتفي وناظراً لي كجروٍ صغير سلبوا منهُ عظمتهُ المُفضلة:
"أتّصل؟ ألا ترينَ الموقف الذي نحن بهِ؟"
قلتُ والاستغراب يغشى ملامحي:
"أيُّ موقفٍ؟ ما بالك؟"
أخذ يؤدّي حركاتٍ بهلوانية برأسهِ، ويأرجحها كيعسوبٍ أصيب بارتجاج دماغ، يحاول أنْ يشير لشيءٍ ما، الكلاب الواقفة هناكَ والتي بدأتْ تتحرك نحونا مثلاً؟
ثمَّ قلتُ فجأةً بصوتٍ عالٍ:
"آه، هل أنتَ خائف؟"
نظر إليّ بعينينِ مُحمرة -غضباً أو... رُعباً؟- وقال:
"صصصصه، لنَعد."
قلتُ بضيقٍ: "لماذا؟ فلنشترِ المطلوب، هيا، فلتكلم ماما أوّلاً وتسألها عن اسم المحل، ما بكَ يا جبان؟"
أفلتني، وهرول قائلاً وصوتهُ يتناهى إلى حيث أقف:
"جبان؟ جبان... لا أهتم. ابقِ أنتِ إذا كنتِ شجاعةً حقاً، أنا سأهرب، فالهروبُ نصف "الجَدعَنة"... بل كلُّها كما تعرفينَ."
(فقرة شرح مفردات الكائن: "الجدعنة" هي الرّجولة أو المروءة في اللّهجة المَحليّة...
ومصطلح "الهروب نصف الجدعنة" يستخدم لتبرير جُبن الرّجال، على غِرار الأخ سليم هنا.)
قلتُ ولمْ أتزحزح، سامعةً كلماتهُ تتلاشى، مع صوتٍ غريبٍ خاطٍ يتردد أمامي:
"هاهاهاهاااي، سأخبر أمجد عن هذا يا سليم، صدّقني، فور أنْ نتحدث معهم، سأخبر أمجد ونو..."
لمسة في ساقي، ووجه كلبٍ يكاد يقفز على صدري مُباشرةً.
صرختُ بأعلى صوتٍ قد أسمعهُ في حياتي:
"عاااااااااااااااااااااااااااا..."
وبدأتُ أركض في اتجاهِ المنزل لا ألوي على شيءٍ، وربما تجاوزتُ سليم حيث يمشي، والبيت حيث يقف، والشارع النّوار المُضاء، والبلاد بأكملها من شدّة الخضّة...
أأسخر من أخي لجُبنهِ وخوفهِ؟
ها هو العالم أجمع قد دري بخوفي وصراخي لدى رؤية كلب السّواقي ذاكَ...
قد سمع صراخي كصراخ غرابٍ نعق قبل تفتيت ريشهِ بقليل، بل، لا!
عذراً للغراب فسيكون صوتهُ غنّاءً أمام صراخي، وعذراً للكلب، فلا ذنب لجُبني الذي كان يتندّر أمام سليم بشجاعةٍ زائفة، فأحرج نفسهُ أسوأ من أيِّ كلبٍ يغني في ساقية!
(المُتكبر مصيرهُ الهُزء، وأنا، الكائن، أعرف ذاكَ كيف يكون بالضبط، حقاً.:""""")
توقفتُ ألهث، ولمْ أجد سليم حولي، حمدتُ الله على هذا -فلنْ أسمع سخريتهُ من فعلي هذا، على الأقل الآن- وعدتُ أجرُّ أذيال خيبةِ الهُزء هذا خلفي، خارجةً من زنقة كلابٍ (حرفياً) مُشعثّة، ومُهانة.
وصلتُ باب شقتنا مُمتَقعةً أحدق في الأرض، فلمْ أجرؤ أنْ أرفع رأسي وأبحث -نظرياً حتّى- عن أخي، أو عن أيِّ شخصٍ أو شيءٍ في هذهِ الحياة.
وفي خضمِّ حرجي وخيبتي، نسيتُ شيئاً مُهماً جداً.
أنا... أنا لا أملك مُفتاح الشقة!
حدثتُ نفسي بصوتٍ عالٍ وتساءلتُ بيأس:
"هل أتصل بسليم وأذهب فآخذ المفتاح منهُ؟ لكنّهُ سيغرقني سخريةً وأسئلةً، وسيجعلني أعترف بجُبني -وحقهُ- بدل المرة ألفاً، إذاً ماذا أفعل؟
هل أتصل وليحدث ما يحدث؟
ربما، ربما، واحتمال ضئيل، لكنْ ربما لمْ يراني، لمْ يُلاحظ هروبي المُخزي و..."
وصمتُّ، لأنّني أتفوه بالهراء، فهو لاحظ مروري بجانبهِ بالتأكيد، حتّى إنْ لمْ ألحظهُ أنا.
ثم بدأ غضبٌ يتصاعد في داخلي.
انبريتُ أقول بغضبٍ وبصوتٍ عالٍ -ثانيةً-:
"كيف لاحظني ولمْ يحمني؟ أليس هو أخي؟ كيف لمْ يفعل؟ هههه، على من أضحك، هو لمْ يستطع، ولا يستطيع حماية نفسهِ على أيِّ حالٍ، وغد جبان."
-"من؟"
انبعث صوتٌ.
تراجعتُ -أو لنقل قفزتُ، حرفياً- إلى الوراء وأنا أبحث عن مصدر الصوت مَذعورةً.
تلفتُّ جيداً أبحث، فرأيتُ زوجاً من النظارات السّميكة يُطلُّ من فتحةٍ صغيرةٍ بين الجدار وباب الجيران الهادئ، عادةً...
خلف النّظارات، كانتْ هناكَ عينان ترمقني... وتَنحني مُقوسةً ضاحكةً.
هل ربما كُشفتُ بجُبني، ببَليَّتِي أمام شخصٍ مُريب، يضحك على مصائب النّاس، كالمثلِ القائل:
"شرُّ البَليَّةِ ما يُضحِك."
هكذا فقط؟
أهذا مصيري؟
******
(هُناكَ أيضاً "مَصائبُ قومٍ عِندَ قومٍ فَوائدُ" لكنّني لنْ أتفلسف أكثر...
أوبس! ربّما فعلتُ!
أسمعكم تقولونَ: "لكنّ، يا كائن، هذا المثل ليس لهُ علاق..."
فأقول: "صهه، أعرف، أعرف، لكنْ، هي فلسفةٌ وأيَّة فلسفة! تعرفونني أحبّها.) ^×^