العينُ السّحريّةُ | مذكرات كائن
جاري التحميل...
العينُ السّحريّةُ ◇
حياة جديدة
ويشيرُ الحكيمُ إلى القمر، والأحمق ينظر إلى إصبعهِ! (أنا الأحمق.) > عبثيّات عائليّة - عن بعد جاء صوتُ نور هاتِفاً بصوتٍ عالٍ: "هل زرتِ الأهرامات يا ميس؟" كادتْ الدّمعة تفِرُّ من عينيَّ، وقلتُ بأداءٍ دراميٍّ لا بأس بهِ أبداً: "إنَّها تَبعد عن بيتنا مسافةً تقدّر بقرابةِ السّاعة! قلبي يتحطّم لهذا، شوقاً وبُعداً!" (إنّهُ مجّرد تمثيل، لا داعٍ لإتقانهِ لهذهِ الدرجة يا ميس، ملكة الدراما!) بهتَ تعبير نور بسأمٍ، نعم، كان ذاكَ واضحاً لي، وضوح كاميرا بدقّةٍ خطيرة (Full HD)، حتّى من بين ارتجاجاتِ شاشة الموبايل، وتداخل بكسلات (Pixels) مكالمة الفيديو السّلسة بغزارة. (لسانُ حال الكائن الآن: OMG I am a creature, talk only english, you see, I feel so english like... Oh yeah) قالتْ بوجهِ استقامتْ فيهِ كلُّ الخطوط، فبات الحاجبان للشفاهِ توأماً: (للتوضيح: -_-) "هذا أسخف "شبيه تمثيل" أراهُ في حياتي!" ظهر وجه خالتي في الخلفيّة يقتحم المَشهد، وقالتْ لنور بسرعةٍ: "توقفي عن إزعاج ابنة خالتكِ! هي الآن مُسافرة، فلنُعاملها مُعاملة المُسافرين." (مُعاملة المُسافرين؟ خالتي تفهم السّفر بشكلٍ خاطئٍ على ما يبدو.) ارتسمتْ على وجهي ابتسامة تشفٍّ، مُوجّهةً لنور خصيصاً، بينما كانتْ ابتسامة أمّي حنونةً توّاقة، وقالتْ: "مرحباً ولاء." قلتُ بدوري: "أهلاً بخالتي، مُنصفتي وناصرتي، ولا عزاء للحاقدينَ." عبستْ نور، وكاد ينفجر بركان صداقتنا اللئيم، إلا أنَّ أمّي سألتْ: "أنتما في منزلنا؟ من معكما؟" وجّهتْ نور الكاميرا إلى نبيل، الذي يعبث بشيءٍ ما في الخلفية، وأمجد إلى جانبهِ، وهو غارقٌ لرأسهِ... بل رأسهُ شخصياً غارقٌ في الموبايل في يدهِ. قالتْ خالتي: "من المفترض أنَّ هذا فريقُ المُساعدة في التنظيف والترتيب، لكنْ كما ترينَ..." وأخذتْ تنادي نبيل كي يسلم علينا. نهرتْ أمّي أمجد بصوتٍ عالٍ قائلةً: "أمجد! حرّك نفسكَ قليلاً، وساعد..." رد أمجد بأنْ لوح لها، وقلتُ أنا بصوتٍ خافت: "لدينا ها هنا توأمهُ اللّاصق اللّزج... لا بدَّ أنّهُ يتحدّث معهُ، مع سليم." قالتْ خالتي وقد ابتعدتْ قليلاً إلى الخلف، واقفةً إلى جانب شبّاك صالوننا، بينما تعبث في يديها بشيءٍ ما: "على سيرةِ اللّاصق، أسمعتِ آخر ما ارتأى الناس فعلهُ في بيوتهم؟" (صوتي كان مُنخفضاً حقاً! سمع خالتي ليس 100/10 بل مليون على عشرة، ما شاء الله.) أمالتْ أمّي رأسها مُستَفهمةً، فتناهى صوت نور شارِحاً من خلف الكاميرا: "أمّي تقصد موضوع وشم زجاج الشّبابيك بلاصقٍ شفاف، جميع صديقاتي بادرنَ إلى وضع اللّاصق هذا على الشبابيك بشكل حرفِ X كبير، احتياطي يعني في حال القصف المُفاجئ، لا سمح الله، حتّى لا يتكسّر الزّجاج." ارتسم على وجه أمّي -وربما وجهي- القلق، وقالتْ أمّي: "خير إن شاء الله، هل حدث قصف قريب ربّما أم..." قالتْ خالتي: "لا، لا تقلقي يا سلمى، الأمر فقط إجراءٌ احتياطيٌّ، فعلناهُ في منزل أمّي وقلنا نفعلهُ في منزلكم أيضاً... بالمُناسبة، (تشششققق، صوت اللّاصق يرتفع جَاهِراً) سمعتُ أنَّ عندكم لاصقاً أفضلَ في مصر، فلتجلبي لنا البعض يا سلمى..." ضحكتْ أمّي بينما قلتُ: "لاصق يا خالتي؟! اطلبي شيئاً عليهِ القيمة." قالتْ بثقةٍ فاخرة: "لا تقلقي يا ميس، كفّيتُ ووفّيتُ، وطلبتُ ما يخطر ولا يخطر على البال." قالتْ أمّي: "لمْ تَدع مجالاً لي لأختار هدايا لها، حتّى تلكَ اختارتها بنفسها." قلتُ: "من أين تفكّرينَ، وتنكُشينَ كلَّ هذي الأشياء يا خالتي؟" وضعتْ إصبعها على شفتيها وقالتْ بخبثٍ (فاشل طبعاً، وجهها السّمِح عاجزٌ عن رسم هذهِ التعبيرات): "مصادري الخاصة... من على النت." وضحكنا جميعاً. كنا مُمتنّينَ بحقٍّ لخالتي التي تقوم بحِمل بيتينِ وحدها، ومع أنَّ أمّي حاولتْ إثناءها عن العناية بمنزلنا المَهجور، إلا أنَّها أصّرتْ كجبلٍ لا يهزّهُ ريح، وكأنَّ حياتها كاملةً تتوقف على هذا الأمر. قالتْ خالتي بعد هُنيهةٍ (تُذكّرني بأبشع مسؤولياتي في الحياة): "ماذا ستفعلينَ في المدرسة يا ميس؟ متى ستبدأينَ ذلكَ؟ أنتِ الآن في المَرحلة الثانوية، عليكِ أنْ تبدأي الأمر بجدٍّ، لا تفعلي مثل نور، ها هي، كما ترينها، قد وصلتْ لشهادتها الثانوية دونَ كثيرٍ من الاهتما..." اخترق صوت نور صوتَ أمّها من خلف الكاميرا: "ماذا تقولينَ عنّي يا أمّي؟ أنا أقتل نفسي دراسةً!" تنهّدتْ أمّي وقالتْ: "الأمر عندنا سيان هنا يا ولاء، لديَّ سليم أيضاً، لا يملك ذرّةَ اهتمامٍ وكأنّهُ ليس لديهِ شهادة ثانوية أيضاً هذهِ السنة!" صاح سليم بدورهِ: "سجّلونني في المدرسة أولاً قبل أنْ يفوتَ وقت التسجيل، وبعدها نتكلّم!" وبدأتْ مُحاضرةٌ طويلةٌ عريضةٌ عن أهمية التّحضير لهذهِ السنة المُهمة، قبل التسجيل حتّى، مُقدّمةً بواسطة الأستاذة الد. ولاء والأستاذة الد. سلمى، مُتناولةً مخاطر أنْ تصير طالباً مُهملاً، كأمثال نور وسليم. (الحمد لله، فارقني حديثهم وابتعد التّقريع عني، نجوتُ هذهِ المرّة!) لكنّني، لمحتُ قلقاً خافياً في عينيَّ أمّي بالفعل، فأخذ عقلي ينبض بالأسئلة. هل.. هل سنلحق التّسجيل في المَدرسة هذهِ السّنة؟ هل سنقدر على تتبّعِ نَسَق الطّلّاب هنا؟ ****** > جلابيبُ السّعادة 2 - شارع الضّوء والضّوضاء افترشتْ جلابيب بيضاء كنبات صالوننا، بلونٍ ناصعٍ وضّاء، واخترق أعيننا -أنا وسليم- شعاعاً انعكس دهشةً، وربّما امتناناً عميقين. وعلى خلافنا، كانتْ أمّي تحدّق بتلكَ الملابس المُستلقيةِ براحةٍ، ولكن بحذر، تغشى نظراتها دهشة مائلة إلى الاستنكار، وكأنّها تحسد الجمادات على راحتها. (آه لشدّةِ ما أتعبنا أمّي! أعترف.) قالتْ أمّي بصوتٍ يبثّ تلكَ الدهشة ذاتها: "ما هذا يا وليد؟ أهذهِ هي المُفاجأة؟" هتف والدي بحماسٍ: "نعم!" اعترضتْ أمّي بتؤدة: "أنا لا أفهم ما تحاول فع..." إلا أنَّ تقدّم سليم المُفاجئ، وسؤالهُ التالي، حالا دون إكمالها لكلامها: "أيّة واحدةٍ خاصتي؟ أريد الأفضل." قلتُ مُحتجّةً: "يا لأنانيتكَ يا... أعني، اترك لي شيئاً جميلاً يا أخي، يا أععظمم أخخ في الدّنيااا." ضحك بابا وهو يقول: "لكن، يا أولاد، جميعهنَّ مُتشابهات!" (بابا يقول الحقائق.) ثمَّ اندفع كأنّما تذكّر شيئاً، والتقط واحدةً مَركونةً في الطرف البعيد، تبدو مُختلفةً بالفعل، وقال: "آه، مهلاً! هذهِ لماما خصيصاً." (لمْ تَعد حقائق.) دققتُ أحاول أن ألاحظ الاختلاف، فوجدتُ خيوط غُرزٍ خفيفة تتعرّق عبر الثّوب بأكلمهِ بلونٍ فاتح، يكاد لا يظهر، ويتماهى مع اللّون العام الأبيض. تمتمتْ أمّي: "من أين حصلتَ على هؤلاء؟" امتدّتْ ابتسامة أبي من شحمة إذنهِ حتّى الأخرى وقال: "جلبتهم حتّى نرتدي ملابس متشابهة جميعاً..." -"أجل، من أين؟" سارعتُ أختطف واحدةً منهم -ليستْ خاصّةَ أمّي بالطبع- قبل أنْ يفعل سليم، وذهبتُ أجرّبها في الحال. شعرتُ أنّنا نرتدي ملابس متشابهة لسببٍ، فالعائلة حقيقيّة لا تحتاج دليل وصالٍ فيما بينها، بل تفعل ذلكَ مُتعةً وهَزراً. نظرتُ إلى نفسي في مرآتي الصّغيرة، لا يظهر إلا وجهي للأسف بحجابي الأبيض، كشّرتُ فكشّرتْ صورتي، اشرأبّيتُ فظهرتْ صورتي تحاول الوصول إلى سقف إطار المِرآة الصغير بيأسٍ وسذاجة. تراجعتُ إلى الوراء قليلاً، أراقب وجهي يتقلّص حجمهُ، (حمداً لله) ذاكَ حتّى يتسنّى لصورتي أنْ تُؤطّر كاملةً في مرآتي، فيبين شكل الملابس الكامل. لأشرح لكم الآن، أعزائي القرّاء، ما يُطلُّ أمامي تماماً، ناظِراً بحذرٍ مُترقّب. لدينا هنا جلباب جميل أبيض، لكنّهُ فسيحٌ جداً، حيث أستطيع الشعور بأطرافي تتخبّط مع جسدي السّابح في الداخل. تمازج لون حجابي وجلبابي، وتماهيا على رقعةِ مرآتي إلى كتلةٍ واحدةٍ مُستدركة لبعضها، إلا أنّها تنقطع خِتاماً عند قدميَّ بخطٍّ مُتعرّجٍ مُلتوٍ، وكأنّني شبحٌ عائمٌ. (لا أرتدي ملابسي إلا من براندات، كما تعلمون، خزانتي تنضح بأسماء كـ "لا جلباب"، و"كوكو الشّبح".) وقفتُ أنظر لوهلةٍ، وسرح خيالي بعيداً... واجهتُ صورتي كشبحٍ منطوٍ تلاشت من حولهِ الأبعاد، يطفو إلى سقفٍ لا أراهُ، يُفارق أرضاً لا أحسّها، وعالماً يتهاوى، وغرفتي الصغّيرة التي حضّرها أبي من أجلي تختفي... لتعاود غرفتي القديمة التّشكّل، تحاوطني من كلِّ النّواحي، كقمقمٍ يتغلّق رويداً رويداً على جسدي الشّبحيّ. ورغم التّسمية الفازِعة، والمظهر الشفّاف المُترائي أمامي، تظلُّ صورتي عاجزةً عن تجاوز حدود هذا الفضاء المُتشكّل حولي، أنساهُ فينبثقُ، فأتناساهُ فيتسرّب، ولا أنا أعرف كيف أنسلُّ عبر الجدران كالأشباح التي تحترم نفسها، ولا كيف أجتاز قيد مكانٍ حُفر عميقاً في مكانٍ ما من نفسي، ولا المكان يرضى أنْ يَمِيزني... رمشتُ وسارعتُ إلى خارج الغرفة هرعاً أهرب من أفكارٍ تتلاحق، فإذ بسليم ينطُّ في طريقي. (هو طبعاً المُخطئ، لأنّني لستُ كذلكَ. فتاة وتجري، تفاداها يا أخي! جيل هذا الزمان!) قال سليم بعد أن حدثتْ الصدمة الكُبرى: "ما بالكِ يا مجنونة؟ لماذا تَجرينَ هكذا؟" وقفتُ أنظر إليهِ بجلبابهِ المُطابق لجلبابي، وقلتُ بصوتٍ أشمٍّ: "حمداً لله أنّهُ أُتيحتْ الفرصة أخيراً، عبر هذهِ الملابس ذاتها، أن يبين جمالي أمامكَ بإنصاف!" عبس ثمَّ ضحك ساخِراً وقال: "هذا إنْ كانتْ تُصنّف حبّة اللّوبياء من الجميلات." -"ماذا؟" -"تبدينَ كحبّةِ لوبياء، وغبية أيضاً." لا داعٍ لذكر ما فعلتهُ حفاظاً على مشاعر القرّاء. (لمْ أفعل شيئاً، فقد ظهر أبي في اللحظة المُناسبة -لسليم، ابن المحظوظة- ولمْ يتسنَّ لي الردُّ بشكلٍ غير لائق... أعني لائق أمام أبي... لكنَّ سليم الظريف أضاف براند جديد لمجموعة برانداتي، والاسم، لوبيان فيتون.) *<* نزلنا نحنُ الثلاثة فقط، أنا وأبي وأخي، إلى الشّارع بـ"منظرنا هذا" كما نعتتهُ أمّي. تعلّقتُ بيد أبي الكبيرة مُتعربشةً تقريباً، صامتةً أُنقّل بصري بين الشّارع الهادئ نسبياً في هذا الوقت القائظ، وبين وجه أبي، الذي فاق الأشعّة المُنبعثةِ من مِحراب الضّياءِ إنارةً. في المُقابل، فم سليم لمْ تتأنّى فيهِ الكلمات لحظةً أو تتردّد، فقام بوَصلةٍ كلاميّةٍ لا مثيل لها، تنافس في أعتى سِباقات أميال الحروف المُتتابعة، إنْ كان لشيءٍ كهذا وجود. ومع ذلكَ، اتّصالي المُباشر بدفء أبي، إلى جانب استعراضات أخي الثرثارة النّادرة، والتي لمْ تزعجني إطلاقاً، حقاً هذهِ المرّة، منحتْ مشاعري المُتلاطمةِ منذُ وهلةٍ فقط، نسماتِ راحةٍ هادئة، تواصلتْ وتوصّلتْ مع رابطتي الحميمة التي تجمع العائلة بأكملها لأوّل مرةٍ. (بغضِّ النّظر عن امتناع أمّي عن مُرافقتنا يومها.) إلى جانب أبي، وبينما لا أذر يدهُ، أخذتُ أراقب المحلّات والشارع عن كثبٍ. أناس يجيئونَ ويغادرونَ، يتمشّونَ ويركبونَ سياراتهم، يتحدثونَ بصوتٍ عالٍ جامحٍ، ويهمسُونَ في مُلتقى الفك بالرأس سراً. أناسٌ كثر يحدقونَ بنا بغرابةٍ، كانوا عدداً كبيراً حقاً، ولمْ يكونوا بالقليلين... حسناً، ربما معهم حق. (أستطيع رؤية أفكار أولئك المُحدّقينَ، والتي على الأرجح تتساءل حول مجموعة الجلابيب هذهِ، من أين جاءت؟ ولماذا تسير مُحاذيةً لبعضها هكذا، يداً بيدٍ، وبكلِّ تلكَ الثقة، كفرقةِ استعراضٍ تائهة؟ لكن دون أنْ تعترف بذلكَ.) هنا، سنعيش نحن كما يعيش النّاس، لن نهرب، لن نهلع، ولن نخاف. سوف نروح ونجيء، نتمهّل في مشيتنا، نتأمل، أو نتعب فنركب شيئاً، نصدح بأصواتنا أو نتناقل حسيس كلماتٍ في الآذان. هنا، نحن سنحيا... فليتهُ يُتاح للآخرينَ أنْ يفعلوا أيضاً، في مكانٍ قريبٍ بعيدٍ. ****** > مُناجاةُ الرّيم - صيف 2014 لمْ أتحدث بعد السّفر مع لينا إطلاقاً، كنتُ فقط على تواصل مع ريم، والتي ودّعتني بكثيرٍ من الدموع -أعلم تمام العلم أنّها صادقة- وبشهقاتٍ كادتْ تضجُّ في ساحاتِ المَدرسة انفجاراتٍ، في يوم الامتحان الأخير، ويومي الأخير شخصياً، لو لمْ أهدّئها وأخفف من حزنها، الذي يُثقلني كثيرٌ من الذنب تجاههُ. كرّرتُ كثيراً أنّني سأشتاق لها، وأنَّني سأتمزّق حنيناً لرفقتها، وحياتي هنا إلى جانبها، في المدرسة، حيث جدران ترعرتُ بينها، وصفوفٍ ومقاعد شَهِدتْ ما ندَّ عن قلبي من آلامِ وأحزانٍ، وذكرياتٍ وأفراح. رغم أنّني ردّدتُ ذاكَ كثيراً أملاً في أنْ يتسلّل حزنٌ وشوقٌ حقيقي، من كلماتي الظّاهرة أمامها، إلى ثنايا قلبي، لمْ أعرف وقتها ما تخبّئ لي هذهِ الثّنايا المُخادعة من آلامٍ تفوق تلكَ التي ألبستُ كلامي مرّةً، وأنَّ الزيف الحقيقي كان في فرحٍ يتلبّس قلبي كلّما أتظاهر بالحزن. تبادلنا الوعود بالبقاء الأبديّ على اتصال، وبالفعل، لا يكاد اسمها يتدنّى في محادثاتي على تطبيق الرسائل (واتساب)، إلا ليعود وينبثقَ في الأعلى من جديد، من رسالةٍ واردةٍ منها، أو رسالةٍ مَبعوثةٍ منّي. زادتْ الأحاديث بيننا في فراغ الوقت القاتل، وزاد إدراكي لريم، وتثميني لصداقتنا، فاكتسبتْ قدراً كبيراً في فؤادي، خصوصاً بعد أنْ فقدتُ -مُرغمةً أو مُتحكّمةً- لكلِّ صداقاتي المدرسية القديمة، إضافةً إلى إيمانٍ رسخ داخلي في وقتٍ ما لا أحدّدهُ، بأنَّ الصداقات لا تُبنى إلا من طوبٍ صعبِ الإمالة. لمْ يبقَ لي إلا ريم، فزاد تمسّكي بها، وزاد تعلّقي بمواضيع العبث التي نتبادلها. لمْ أدرك كم كانتْ شخصيتها مرحة ومُتسامحة، ولمْ أتقرب منها صادِقةً إلا الآن وقَسراً. وكانتْ هذهِ من أجمل "الأوِنة" التي صادفتها في حياتي حتّى هذهِ اللحظة! فهي لمْ تُكسبني صداقة جديدة حقيقية، فحسب، بل علّمتني أنَّ الصداقة لا تأتي بالإرادة والعَزيمة، هي تحتاج ذاكَ طبعاَ، لكن ما يبدأها قد يكون ظَرفاً ما أو صدفةً تظنها غير سارّة. حسناً، هذهِ هي صديقتي الوحيدة في الحياة. هذا ما ظننتهُ وقتها صحيحاً (على غبائهِ)، لكنّهُ لمْ يكن كذلكَ طبعاً، فالحياة تسحب منكَ فرصاً، لتُبرز لكَ أخرى تِباعاً... عوضاً من الله. ****** > الإنسانُ الزّنّاق - بيت العائلة - أواخر صيف 2014 استلقيتُ مُغمضةَ العينين، أنام في شبهِ عتمة، مع نورٍ وحيدٍ واهنٍ ينبعثُ في غرفتي الضئيلة، فينير أغلبها ولا يترك للسوّاد مطرحاً يسود فيهِ، هذا النور كان من بطتي المُستلقية من فرط الإرهاق ذاتها من غرفتي القديمة، جاءتْ معي إلى هنا. لا أذكر ما حلمتُ من أحلام، أو ربّما كوابيس، لكنّني أستطيع أنْ أسترجع نومي المُضطرب بوضوحٍ، في ظلِّ صمتٍ مشدودٍ مُترقّب، مُقيّدةً ببراثن البرزخ الواقع بين عالم الحلم والحقيقة، مُتذبذةً لا أرسو على ضفّةٍ، بل أغرق على الأرجح، أنا أغرق. أسمع فيمَ يسمع النّائم أصوات قلاقل هنا وهناكَ، أصوات أبوابٍ تُفتح وتُقفل، وخطواتٍ تقطع مسافاتٍ بِلا هوادة... وما إنْ تكاد زوبعة الأصوات تنتهي، حتّى تُكرر نفسها بنمطٍ مُنتَظم كدقاتِ السّاعة. تيك تاك توك... الخطواتُ تقترب، والأبواب تُصرُّ عند الغلق العنيف، فتتلاقى جنباتُ الأبواب بتصادمٍ، ولا تزال الخطواتُ تقترب بإصرار، مع تخبّط الضوضاء بين الحقيقة والخيال. أين عائلتي؟ هل اختفتْ؟ من غادر؟ أمّي؟ أبي؟ أين أبي؟ هل... هل رحل وتركني؟ هذا بالذات... صوت فراق أبي. استيقظتُ بفَزعٍ على صوت طرقٍ على باب غرفتي، وعرقي يُقطّر من جسدي بأكملهِ. توقف الطرق، حاولتُ أنْ أرفع صوتي الواهن لأتساءل عن ماهية الطّارق، لكنَّ الباب كان يُفتحُ بالفعل. ******