ظل بجوار الضوء - بارت 3
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ظل بجوار الضوء - بارت 3

جاري التحميل...

فصل جديد

الفضل الثاني

تحميل الفصول...
المؤلف

ظل بجوار الضوء.



الفصل الثاني



. 

كانت استراحة بعد المحاضرة بمثابة هدنة مؤقتة، فرصة لالتقاط الأنفاس بعيداً عن الجميع . وجد لؤي ملاذه في الحمام شبه الخالي، حيث لا يسمع سوى صوت قطرات الماء المتساقطة على الحوض الرخامي الأبيض .



وقف أمام المرآة، لكنه لم ينظر إلى انعكاسه. عيناه كانتا مثبتتين على يديه الشاحبتين تحت تيار الماء البارد. كل حركة كانت محسوبة، بطيئة، تستنزف طاقته المحدودة. سحب منديلاً ورقياً وجفف يديه برفق، متجنباً الضغط على الكانيولا التي كانت تذكيراً دائماً بالمه .



فجأة، انفتح الباب بعنف، مرتطماً بالجدار ومُحدِثاً صدىً قوياً كسر سكون المكان. دخل ثلاثة شبان، وعلى رأسهم نفس الشاب ذي البنية الضخمة والابتسامة المستفزة. ضحكاتهم الخافتة كسرت هدوء المكان .



تجاهلهم لؤي. أبقى ظهره لهم، وأعاد تركيزه على مهمته البسيطة: الخروج من هنا بأسرع ما يمكن. تظاهر بترتيب ملابسه، متباطئاً فقط بما يكفي ليمنحهم فرصة للمغادرة أولاً.



لكنهم لم يغادروا.



اقترب صوت خطواتهم، وشعر بوجودهم خلفه كظل ثقيل. "انظروا من هنا،" قال القائد بصوت ساخر. "الممثل الصامت قرر أن يشرفنا بحضوره."



لم يرد لؤي. كل ألياف جسده كانت تصرخ فيه أن يتجاهلهم، أن لا يمنحهم وقوداً لنارهم. تحرك بخطوة نحو الباب، لكن يداً قوية أمسكت بكتفه، وأجبرته على التوقف.



"لم ننهِ حديثنا بعد، يا صديقي،" همس الصوت في أذنه. "لماذا أنت متوتر هكذا؟ ألا تريد أن تُرينا وجهك ؟"



كان قلبه يخفق بعنف، ليس من الخوف، بل من الإرهاق. لم يعد يملك القوة للمقاومة أو حتى للكلام.



وبحركة خاطفة، عنيفة، مُدّت يد وانتزعت القناع الطبي من على وجهه. لم يكن نزعاً عادياً، بل سحباً قوياً ومؤذياً. انقطع الشريط المطاطي بحدة، تاركاً لسعة حارقة وخطاً أحمر نافراً على بشرته الشاحبة خلف أذنه وعلى وجنتيه.



للحظة، ساد صمت مباغت.



ظهر وجه لؤي كاملاً تحت ضوء القوي للمصابيح الحمام . بشرة شاحبة كأوراق الخريف، وهالات داكنة تحت عينيه تروي حكايات ليالٍ بلا نوم. لكن الأثر الأحمر الذي خلفه القناع الممزق كان هو الأبرز، علامة عنف مرئية على وجه اعتاد إخفاء كل شيء.



لم تكن في عينيه الزرقاوين دموع، بل فراغ هائل. فراغ من يستنزف كل شيء فيه، حتى القدرة على الشعور بالألم.

 " هل ارتحت الان "؟ قال كلامه بصوت خالي من اي مشاعر، لم يغضب لم يهتم، فقط تجاهلهم و و عبر الباب سريعا دون أن يلتفت. 

. 

. 

لم يكن سطح المبنى الجامعة ملاذاً للهدوء، بل مساحة شاسعة من العزلة التي اختارها بما بقي في حياته . 

اعتاد لؤي ان يأتي إلى هنا ليسمح للضجيج الذي بداخله أن يصرخ بحرية دون أن يسمعه أحد.

 الرياح الباردة تصفع وجهه، وتشتبك مع خصلات شعره القليلة ، مانحة إياه وهماً زائفاً بالحياة.



لم يكن يرتدي قناعه، فقط مزقه ذلك المتنمر، و عليه إكمال باقي يومه بدونه . 

في حضرة السماء المفتوحة وأبراج المدينة البعيدة، جلس في زاوية الباردة، وفتح دفتر ملاحظات صغيراً مهترئاً . كان يدون فيه كل ما يشعر به ووخزات الألم، والطعم المعدني الذي تخلفه الأدوية في فمه. كان يكتب ليفرغ عقله، ليحول الألم غير المرئي إلى كلمات مرئية يمكن حبسها على الورق.

وفجأة، اخترق سكونه صوت سحق معدني، حاد وعنيف، قادم من الجانب الآخر للسطح.



انتفض جسده في رد فعل غريزي. أغلق الدفتر وضمّه إلى صدره بقوة، كأنه يحمي آخر أسراره من عدو وشيك. طرق قلبه جدار صدره، خوفاً من ظهور للمتنمرين مرة أخرى. 



ساند نفسه ليقف على قدميه ضعيفتين َ ، جسده يرتجف من مزيج البرد والتوتر. خطى ببطء وحذر الا ان وقعت عيونه الزرقاء الصافية عليه .



شخص ما كان جالساً القرفصاء، وظهره المنحني قليلاً يروي قصة إرهاق لا علاقة له بالدراسة. كانت في يده علبة العصير ، وهو يسحقها بين أصابعه بقوة ، كأنه يفرغ في ذلك الهيكل المعدني الصغير كل الإحباط الذي يعتمل في صدره.



شعر ذلك الجالس بوجوده. التفت في حركة بطيئة، ووقعت عيناه القرمزيتان على لؤي. لم يكن فيهما تهديد، بل فراغ شاسع، نظرة تائهة استقرت عليه دون اهتمام حقيقي.



تلعثم لؤي، وشعر بحاجة ملحة لتبرير وجوده. "أنا... لم أكن.... . سمعت صوتاً و اسف لم استأذن .."



نهض ذو عيون القرمزية ، نافضاً الغبار غير المرئي عن بنطاله، ويداه مدفونتان في جيوبه. لم يكن في صوته أي اتهام، بل نبرة من التعب العميق. "وهل هذا المكان يتطلب إذناً للدخول؟ إنه مجرد سطح مهجور، يا لؤي. ملاذ جيد للهاربين ."



مرّ بجانب لؤي، وكانت رائحة العطر الخفيفة العالقة بمعطفه هي الشيء الوحيد الذي كسر المسافة بينهما. توقف للحظة، دون أن يلتفت إليه بالكامل.

" لا تدع لهم مجالا لازعاجك، لا تعطيهم وقودا لنارهم و دعك من ذلك القناع، تبدوا غريبا به ،" قال ، وصوته هادئ و ثابت . ". إنهم لا يهاجمونك لأنك مريض، بل لأنك تبدو كفريسة قررت أن تعزل نفسها عن القطيع."



صمت لثانية، ثم أضاف بنبرة أكثر ليونة . "أحياناً، أفضل طريقة للاختباء تكون في الوقوف في العلن."



ثم غادر، تاركاً لؤي مع صدى كلماته التي حفرت عميقاً في روحه. نظر لؤي إلى يديه، إلى دفتره، ثم إلى المدينة المترامية أمامه، مدينة تعج بالحياة التي لم يعد لديه الحق فيها . اجتاحت كيانه موجة من حزن "لا يهمني أمرهم بتاتا، اهتمامي عملة لم يعد لدي منها ما يكفي لأبدده على من لا يستحق. ". وأنزل رأسه هامساً في وجه المدنية بأكمله :



"ليتني فقط أستطيع أن أستنشق هواء هذه المدينة كأي شخص آخر، دون أن أحسب ايامي التي تهرب مني ."



يتبع....
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"