كيف تصنع الصداقات؟ | الفصل الأول
الفصل الأول
كَانَ هَذَا صَوْتَ أُخْتِي الكُبْرَى، يَبْدُو أَنَّهَا عَادَتْ بَاكِرًا اليَوْم. وَتَابَعَتْ بِقَسْوَة «أَنْتِ لَمْ تَرَيْ كِتَابَ هَذَا الأَبْلَه، كَيْفَ يُبَاعُ وَهُوَ مُجَرَّدُ مَعْلُومَاتٍ بَدِيهِيَّةٍ نَسَخَهَا مِنَ الإِنْتِرْنِت؟».
«كَيْفَ تَصْنَعُ الصَّدَاقَات؟» هَذَا هُوَ العُنْوَانُ البَارِزُ عَلَى غِلَافِ الكِتَابِ المَعْرُوضِ أَمَامِي.. كِتَابِي الذِي نَشَرْتُهُ فَوْرَ انْتِهَائِي مِنِ امْتِحَانَاتِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّة. لَكِنْ، يَا لَخَيْبَةِ الأَمَل! فَبَعْدَ مُرُورِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ عَلَى نَشْرِهِ، لَمْ تُبَعْ مِنْهُ سِوَى نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ يَتِيمَة. حَتَّى الزَّفِيرُ أَصْبَحَ ثَقِيلًا وَأَنَا أَرْقُبُ الخَيْبَةَ مُتَجَسِّدَةً فِي وُجُوهِ المَارَّة؛ القُرَّاءُ يَرْتَادُونَ المَكْتَبَةَ بِاسْتِمْرَارٍ وَيَخْرُجُونَ حَامِلِينَ كُتُبَهُمُ المُفَضَّلَة، فَلِمَاذَا لَا أَحَدَ يَقْتَنِي كِتَابِي؟ تَنَهَّدْتُ بِعُمُقٍ وَمَضَيْتُ أَسِيرُ عَلَى الرَّصِيفِ، بَيْنَمَا كَانَتْ حَرَارَةُ شَهْرِ تَمُّوزَ تَلْسَعُ وَجْهِي، وَالعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَسَدِي.. رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ العَرَقُ بِسَبَبِ الحُزْنِ عَلَى فَشَلِي! لَمْ يَكُنْ حُزْنِي لِمُجَرَّدِ عَدَمِ بَيْعِ الكِتَاب، بَلْ لأَنَّنِي حَرَمْتُ نَفْسِي مِنْ مَصْرُوفِي، وَامْتَنَعْتُ عَنْ شِرَاءِ كُتُبٍ وَمَلَازِمَ جَدِيدَةٍ لِدِرَاسَتِي، مُكْتَفِيًا بِكُتُبِ أُخْتِي الكُبْرَى القَدِيمَةِ التِي مَرَّ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ كَإِرْثٍ مَفْرُوض. لَيْتَنِي اسْتَثْمَرْتُ مَالِي فِي مُسْتَقْبَلِي، لَرُبَّمَا حَصَلْتُ عَلَى دَرَجَةٍ أَفْضَلَ مِمَّا نِلْتُهُ الآن! دَفَعْتُ البَابَ بِآلِيَّةٍ مَعهُودَةٍ لِيَقْطَعَ صَرِيرُهُ حَبْلَ أَفْكَارِي، فَاسْتَقْبَلَتْنِي رَائِحَةُ العَشَاءِ مَمْزُوجَةً بِبُرُودَةِ المُكَيِّف. رُبَّمَا سَأُصَابُ بِالزُّكَامِ لِأَنَّنِي عُدْتُ غَارِقًا بِعَرَقِي. المَنْزِلُ كَعَادَتِهِ؛ هَادِئٌ وَصَامِت. وَالِدَايَ يَنْعَمَانِ بِالسَّكِينَة، وَأُخْتِي الكُبْرَى طَالِبَةُ الطِّبِّ تَتَأَخَّرُ فِي عَوْدَتِهَا، وَلَا نَرَاهَا إِلَّا أَثْنَاءَ الطَّعَام. لَمَحَتْنِي أُمِّي وَهِيَ تُعِدُّ المَائِدَةَ فَتَبَسَّمَتْ قَائِلَة: «هَلْ عُدْتَ؟ كَيْفَ الحَالُ؟ وَهَلْ بِيعَ كِتَابُكَ؟». أَخْرَجْتُ نَفَسًا عَمِيقًا وَأَجَبْتُ بِيَأْس «لَا يَا أُمِّي، لَمْ تُبَعْ مِنْهُ إِلَّا نُسْخَةٌ وَاحِدَةٌ طِوَالَ شَهْر!». قَالَتْ بِنَبْرَةٍ مُطَمْئِنَة «لَا تَقْلَق، سَتُبَاعُ كُلُّ النُّسَخِ قَرِيبًا». «لَا أَظُنُّ ذَلِكَ يَا أُمِّي!». كَانَ هَذَا صَوْتَ أُخْتِي الكُبْرَى، يَبْدُو أَنَّهَا عَادَتْ بَاكِرًا اليَوْم. وَتَابَعَتْ بِقَسْوَة «أَنْتِ لَمْ تَرَيْ كِتَابَ هَذَا الأَبْلَه، كَيْفَ يُبَاعُ وَهُوَ مُجَرَّدُ مَعْلُومَاتٍ بَدِيهِيَّةٍ نَسَخَهَا مِنَ الإِنْتِرْنِت؟». تَمْتَمْتُ فِي نَفْسِي: «لَقَدِ اسْتَخْدَمْتُ مُحَادَثَاتِي مَعَ نَمَاذِجِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ أَيْضًا».. نَعَم، حَتَّى أَنَا أَعْتَرِفُ بِهَذِهِ الحَقِيقَة، لَمْ أُتْعِبْ نَفْسِي فِي تَأْلِيفِهِ، كُلُّ مَا أَرَدْتُهُ هُوَ أَنْ يُنْشَرَ كِتَابٌ يَحْمِلُ اسْمِي فَحَسْب. وَلَا نَنْسَى أَنَّنِي بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الدِّرَاسَة، لَمْ أَحْظَ بِصَدِيقٍ وَاحِدٍ طِوَالَ حَيَاتِي؛ فَأَنَا انْطِوَائِيٌّ لَا أُجِيدُ فَنَّ التَّوَاصُلِ أَوْ فَتْحَ مَجَالَاتٍ لِلحَدِيث. انْسَحَبْتُ إِلَى غُرْفَتِي مُغْلِقًا البَابَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمْ أَعُدْ أَسْمَعُ نِقَاشَ أُمِّي وَأُخْتِي، بَيْنَمَا كَانَتْ خَيْبَةُ الأَمَلِ تَمْلأُ أَرْكَانَ رُوحِي. 🌟🌟