اصتدام - رواية بضاض(هيام)
اصتدام
لٓنْ أٓكُونٓ عٓبْدٓةً لِرَجُلٍ بِلآ قٓلْبٍ، وَلاَ نُورًا لِرُوحٍ مُظْلِمَةٍ، وَلاَ حَيَاةً لِجَسَدٍ مَيِّتٍ. لِأَنِي بِبَسَاطَةٍ، إِنْتَهَيْتُ مِنْ كِفَاحَاتٍ، دَخَلْتُهَا وَلَمْ أَحْصُدْ فِيهَا ثِمَارًا. فَلَا تَظْلِمْنِي يَا قَدَرِي... وَتُعِيدُ إِلَيَّ نَفْسَ الْجُرْحِ الَّذِي بَلَغْتُ مِنْهُ أَوْجَاعًا. 🔹 بضاض 🔹 لم تكن تتوقع أن تتحول حياتها الجامعية الهادئة إلى ساحة صراع بين كبريائها وعناده... هي الطالبة العنيدة، حفيدة صاحب الجامعة، التي لا يجرؤ أحد على تحديها. وهو البروفيسور البارد، المغرور، الذي لا يعجبه شيء ولا يبالي بأحد. لكن حين يجمعهما القدر في زواج إجباري، يشتعل الصراع بين نار كبريائها وجليد قلبه. فهل يمكن لبرود الجليد أن يصمد أمام حرارة العناد؟ أم أن هذا الزواج سيحمل بين طياته سرًّا يجعل من العشق المستحيل... قدرًا محتومًا؟ --- 🖋️ من تأليفي. لا أقبل النسخ أو الاقتباس، وسأتخذ إجراءً قانونيًا عند اللزوم. 🔻 أضفها لقائمة القراءة، وابدأ رحلتك الآن. 📖 قراءة ممتعة
رنّ الهاتف بإلحاح، فتململت نورة بين وسائدها، مدت يدها بخمول لتلتقطه، وعيناها ما تزالان نصف مغمضتين.
– "ألو..." تمتمت بصوت مبحوح.
جاءها صوت صديقتها سارة، مفعمًا بالحياة:
– "لا زلتِ نائمة؟! إنها الثانية ظهرًا يا فتاة! تعالي بسرعة، نحن ننتظرك في منزل ريان."
تثاءبت نورة وقالت:
– "آه… أنا نعسانة."
ضحكت سارة وأضافت بمكر:
– "محمد هنا."
في لحظة قفزت نورة من سريرها كمن لدغتها عقرب:
– "اقسمي!"
– "أقسم إنه هنا! أسرعي، نحن نحتفل بآخر يوم عطلة في المسبح."
أغلقت نورة الهاتف بسرعة، ورمت الوسادة جانبًا، واتجهت إلى الحمام. دقائق قليلة وخرجت، قطرت المياه تلمع على بشرتها، وهي تفتح خزانتها بعصبية تبحث بين الملابس.
– "ماذا سأرتدي؟! يجب أن أكون جميلة اليوم... سأجذب أنظاره لا محالة."
استقرت أخيرًا على شورت قصير وقميص مفتوح من الخلف. ابتسمت لخياراتها، وكأنها أعلنت الانتصار على ترددها. نزلت الدرج مسرعة وجلست على الطاولة، طلبت من الخادمة أن تجلب لها عصيرًا.
ظهرت والدتها نعيمة، بخطوات هادئة:
– "سمحت لك بالنوم اليوم لأنه آخر يوم عطلة، لكن لا تتعودي."
– "آه، أعلم، أعلم." ردت نورة بلا مبالاة.
قدمت الخادمة العصير، فشربته نورة دفعة واحدة، قبل أن تطبع قبلة سريعة على خد أمها وتندفع نحو الباب.
لكنها اصطدمت بجدار بشري صلب... كان جدها، يقف بعينين غاضبتين.
– "ما هذا اللباس الذي تخرجين به الآن؟! اصعدي وغيريه فورًا!"
رفعت حاجبيها بجرأة وقالت:
– "جدي، الكل يرتدي هكذا! نحن في 2025 وأنت ما زلت تعيش في عامك القديم."
اشتعل وجهه غضبًا وصاح:
– "زماننا كنّا نستحي! أمّا أنتم... جيلكم كله أعمته الشياطين تحت شعار التطور!"
التفتت نورة نحو أمها:
– "أنا لن أكمل هذا النقاش، تحدثي معه أنتِ."
فتحت نعيمة فمها لترد، لكن الجد قاطعها بصرخة:
– "أنتِ السبب! بدلالكِ جعلتِها فاسدة! وابني المنحوس شارككِ في ذلك! لن يكون اسمي عليّ إن لم أردّها وأردّكم جميعًا إلى الطريق الصحيح!"
صرخ بعدها في وجه الخادمة:
– "أحضري دوائي!" ثم صعد الدرج متأففًا وهو يتمتم:
– "سيقتلوني يومًا ما..."
أما نورة، فقد استغلت لحظة غضبه، فتسللت سريعًا إلى سيارتها، أدارت المحرك، وانطلقت بأقصى سرعتها بعيدًا عن البيت، بعناد يليق بشخصيتها.
كانت نورة تقود مسرعة، والابتسامة لا تفارق وجهها، حين رنّ هاتفها مجددًا.
– "أين أنتِ؟" جاء صوت سارة متلهفًا.
– "أنا قريبة جدًا." ردت نورة، وهي تضغط على المقود بعصبية خفيفة.
– "حسنًا، سننتظرك."
أغلقت الخط، ورمت الهاتف جانبًا دون أن تنتبه للطريق... كان الشارع شبه فارغ، حتى ظهرت فجأة سيارة أمامها.
صرخت وهي تضغط بكل قوتها على الفرامل، لكن الوقت كان قد فات، فاصطدمت بها.
قفزت من سيارتها بسرعة، تلهث من التوتر، وهي تتفقد مقدمة سيارتها بقلق:
– "حبيبتي... سامحيني، هل تأذيتِ؟" تمتمت وكأنها تخاطب سيارتها.
جاءها صوت رجولي ساخر من خلفها:
– "آسف على مقاطعة حديثكما."
التفتت بسرعة، فرأته... رجل طويل، مفتول العضلات قليلًا، يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا أسود، لحيته المهذبة تزيد ملامحه حدة، واسمرار بشرته أعطاه جاذبية خاصة.
لكن نورة لم تُظهر إعجابها، بل زمجرت بغضب:
– "هل أنت أعمى؟! لقد خدشت حبيبتي... أقصد سيارتي!"
ابتسم بسخرية وقال:
– "هل أنتِ مجنونة أم ماذا؟ أنتِ من اصطدم بي من الخلف!"
رفعت يدها مقاطعة:
– "لا أسمح لأحد أن يتهمني."
نظر إليها من رأسها حتى قدميها، ثم أخرج هاتفه ببرود، ضغط بعض الأرقام، ورفع الهاتف إلى أذنه:
– "ألو... شرطة؟"
تسمرت نورة في مكانها من الصدمة، قبل أن تهرع نحوه، تحاول بكل جهدها خطف الهاتف من يده، لكنها لم تستطع الوصول لأنه أطول منها. قفزت بخفة، تشبثت بيده، حتى تمكنت من نزع الهاتف وإغلاق الخط.
– "ماذا تفعل؟! سنسوّي الأمور بيننا، لماذا تدخل الشرطة؟!"
اقترب منها خطوة بثبات، فتراجعت للخلف حتى التصق ظهرها بسيارتها.
– "ماذا... ماذا تفعل؟" قالت مرتبكة، ثم رفعت ذقنها بتحدٍ:
– "أكيد عندما رأيت فتاة جميلة لم تتمالك نفسك! أنا أحذرك، سأشتكي عليك!"
أخذ هاتفه منها بهدوء، واقترب أكثر حتى ارتبكت حركاتها، ثم قال ببرود جارح:
– "ومن تظنين نفسك؟ لتظنين أني سأقترب منك؟"
– "أنا؟! أنا من يتمناني ألف رجل! هل وصلتك الإجابة؟" ردت بعناد.
ابتسم بخفة وقال:
– "وأنا لست واحدًا منهم. لن أضيع وقتي أكثر معك، أنتِ مجرد... مضيعة للوقت."
استدار ، وهو يتمتم:
– "لا أعرف من أين سقطت عليّ هذه المصيبة."
وركب سيارته السوداء,وقفت نورة مذهولة، تردد عبارته في ذهنها:
– "مصيبة؟! هل أنا مصيبة؟"
احمر وجهها غضبًا وصرخت وهي تركض خلف سيارته:
– "أيها الغبي! إذا التقيت بك مرة أخرى سأقتلك!"
رآها من مرآة سيارته وهو يبتعد، شدّ على شفتيه ورفع طرفها في إيماءة حادة تحمل نفاذ صبره:
– "مجنونة..."
توقفت نورة عن الركض، التفتت بغضب ثم عادت إلى سيارتها وصفقت الباب بعنف.
– "لقد أفسد مزاجي،لعين." تمتمت، قبل أن تنطلق مجددًا.
......
قاد أدهم سيارته السوداء ببطء حتى توقّف أمام بوابة المنزل الكبير، ذلك المكان الذي غاب عنه تسع سنوات كاملة. ترجل منها، وقف لحظة يتأمل الواجهة التي تحمل ذكرياته كلها، ثم أخرج حقيبته الصغيرة من المقعد الخلفي.
في تلك اللحظة، كان طفل صغير يقف بالقرب من السيارة، يتأمل بريقها بانبهار، ثم ركض مسرعًا نحو الداخل وهو يصرخ بأعلى صوته:
– "جدّي! ماما! خالي أدهم هنا! لقد جاء!"
دوّى صوته في أرجاء البيت، لتنهض الجدة من مكانها والذهول يملأ ملامحها:
– "أدهم؟ ابني؟ مستحيل...!"
خلال ثوانٍ، خرج الجميع مسرعين إلى الباحة. أول من وصلت كانت أخته هدى، وقفت لثوانٍ وكأنها لا تصدق عينيها، ثم اندفعت نحوه لتحتضنه بقوة:
– "أخي... لا أصدق أنك عدت! اشتقت إليك بجنون!"
ضحك أدهم بخفة، وهو يضمها إلى صدره قائلاً:
– "وأنا أيضًا يا هدى... اشتقت كثيرًا."
وما هي إلا لحظات، حتى ظهرت أمه، عيناها دامعتان، قلبها يسبقها بخطواتها المرتجفة.
– "أدهم... ابني!" صاحت، وهي ترتمي بين ذراعيه.
عانقها أدهم بقوة، يربّت على ظهرها كما لو أراد أن يمحو ألم السنين:
– "أمي... يا حبيبة القلب."
بكت بحرقة بين ذراعيه، وكأنها تفرغ كل ما حملته من خوف واشتياق في سنوات غيابه.
لم يتأخر والده كثيرًا، اقترب بخطوات ثابتة، لكنه ما إن وقف أمامه حتى خانته صلابته، فتح ذراعيه ليضمه بدفء يليق بسنين الانتظار.
– "الحمد لله على سلامتك يا ولدي."
دخل الجميع بعدها إلى البيت، والفرحة لا تسعهم، وكأن عودة أدهم أعادت الروح إلى الجدران التي فقدت بريقها لسنوات.
---
توقفت سيارة نورة أمام منزل ريان الفخم، أطفأت المحرك ونزلت مسرعة، ترتّب خصلات شعرها بيدها قبل أن تدخل.
كان المنزل يعج بالناس، أصوات الضحكات تختلط مع الموسيقى العالية التي تتردّد في أرجاء المكان. تقدّمت بخطوات واثقة، حتى وصلت إلى الحديقة الخلفية، حيث المسبح الواسع المليء بالشباب الذين كانوا يمرحون في المياه. قطرات الماء تتطاير في الهواء، وصوت الموسيقى كان يضج بالحياة.
بين كل تلك الفوضى، التقت عيناها بعيني سارة، التي كانت تجلس على طرف المسبح تلوّح لها بحماس. أسرعت نورة نحوها، وجلست بجانبها وهي تلهث من الحرّ.
– "أخيرًا وصلتِ!" قالت سارة بابتسامة عريضة، ثم مالت نحوها هامسة: "محمد دخل للداخل قبل قليل... يا إلهي، لو ترينه كيف صار! جذاب بشكل لا يُصدَّق."
رفعت نورة حاجبيها بسخرية، وهي تفتح زجاجة ماء بيدها:
– "يعني فقط غاب إجازة صيفية ثلاث شهور ورجع فجأة وأصبح وسيم؟! بسرعة تغيّر!"
ضحكت سارة وهي ترفع كتفيها بخفة:
– "أنتِ آخر من يتحدث عن التغييرات! ما بكِ؟ هل حدث شيء؟"
تنهدت نورة، وأخذت رشفة من الماء قبل أن تقول بملامح متجهمة:
– "أصطدمت اليوم برجل خشبي بسيارتي... أكيد جدي سيحاسبني!"
اتسعت عينا سارة بدهشة، قبل أن تنفجر ضاحكة:
– "ماذا؟! اصطدمتِ بسيارة أحدهم؟! يا ويلي يا نورة، أنتِ دائمًا توقعين نفسك في المشاكل!"
ضربتها نورة بخفة على كتفها، وقالت بغيظ ممزوج بابتسامة:
– "اخرسي! أنتِ فقط تنتظرين مثل هذه المواقف لتضحكي عليّ."
قهقهت سارة وهي تمسك بيد صديقتها:
– "طبعًا! وما فائدة الصداقة إذن، إن لم أضحك عليك ؟"
ضحكت نورة بدورها، لكنها ما إن تذكرت وجه ذلك الرجل الغاضب وصوته البارد... "مصيبة"؟!
ضغطت على زجاجة الماء بغيظ :
"كيف تجرأ وقال عني ذلك؟!"همستها لنفسها.
---