الفتاة المحظوظة - رواية سوريسوس
الفتاة المحظوظة
في الأيام الثلاثة التالية حضيت سارة بالكثير من الزيارات، سواء كان ذلك من طرف أصدقائها، أو أقربائها، أو حتى زملائها من الدراسة الذين لا تربطهم بها علاقة صداقة وثيقة. أما عن أول زائر لها فقد كان محققا، رجلا في أواخر الثلاثينات، حسن الهندام و حسن المظهر، يتمتع بطابع هادئ و صوت شبه خشن. كان قد دخل الغرفة بعد أن دق الباب و استأذن للدخول، و بعد أن عرف عن نفسه و اطمأن عن صحة سارة كان قد أخبرها بأنه سيطرح عليها بعض الأسئلة حتى يفهم تفاصيل الحادث. فقال:
كان الظلام حالكا عندما استيقظت سارة بشكل مفاجئ، فقد كان هناك صوت مزعج قد تمرد على هدوء الليل و أجبرها على الإستقاظ من نومها الهنيء، و بما أنها قد تعرفت على هذا الصوت على أنه رنين منبهها، إضافة إلى عدم رغبتها في إزاحة البطانية التي اختبأت داخلها لتنعم بأكبر قدر ممكن من الدفئ، فقد أخرجت يدها ببطء دون أن تزيح البطانية عن رأسها، ثم مدتها حيث يوجد المنبه فأمسكته و سحبته نحوها، و بعد أن أطفأته كانت قد تمعنت جيدا بعينيها شبه المغمضتين في أرقامه المضيئة فكانت الساعة تشير لمنتصف الليل. أحست سارة بالإستغراب فهي لا تتذكر أنها ضبطت المنبه قبل خلودها للنوم و خاصة ليرن في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ثم.. بحركة واحدة و سريعة، كانت قد أزاحت عن نفسها البطانية و أنزلت قدميها لتجلس على حافة السرير، ثم قالت بصوت خفيض و قد تملكها شعور غريب: أنا أشعر و كأنني مررت بهذا الموقف قبل الآن، و كأنني.. أعيش نفس الشيء مرة أخرى. ثم.. أحست بشيء غريب.. شيء جعلها تشعر بعدم الإرتياح، و جعل من الهواء الذي تتنفسه يقل شيئا فشيئا و يزداد حرارة ليخنق رئتيها من الداخل. كانت قد أرادت أن تقف و تتجه نحو النافذة لتفتحها من أجل الحصول على بعض الهواء المنعش، لكنها لسبب ما لم تستطع أن تتحرك، فقد كان كامل جسمها متجمدا و كانت هي غير قادرة على التحكم بأي جزء منه، فأصبحت على حالتها تلك كتمثال بشري متقن الصنع لكن لا حياة فيه. في تلك اللحظة، و قبل أن تتمكن من التكلم و طلب المساعدة من صديقتها النائمة على بعد خطوات منها، رغم أنها غير متأكدة إن كانت قد فقدت القدرة على الكلام مثلما فقدت القدرة على الحركة، كانت قد رأت أمامها في جوف ذلك الظلام القاتم ما يشبه العينين، فقط نقطتان حمراوتان بلون الدماء تطفوان بمفردهما في الهواء، و قد أحست سارة بأنهما لا تحملقان فقط بها، بل تنظران مباشرة إلى داخل روحها، و إن كانت قد تشتت بالكامل بسبب تلك العينان، فإن ما أحست به تاليا كان قد زاد من خوفها و جعلها ترتجف من شدة الرعب، فقد تحركت العينان نحوها ثم اختفتا و سرعان ما أحست بيدين باردتين تلتفان حول رقبتها من الخلف و قد كانتا تخنقانها ببطء، لكنهما سرعان ما ارتخيا و انسحبتا للخلف، لكن رغم ذلك فقد كان ملمس الأصابع على رقبتها مثل الأشواك الحادة فتركت فيها أثرا كالخدوش. لم تزل سارة في حيرتها تلك تكافح لتخليص نفسها حتى فتحت عينيها و استيقظت لتدرك أنه كان حلما، فالمكان الذي وجدت نفسها فيه كان قد عاد بذاكرتها إلى الوراء، و بالتحديد إلى الوقت الذي غادرت فيه منزلها لتلتقي بخالد. كانت سارة مستلقية على فراش شبه قاس في غرفة منفردة من غرف المستشفى، غرفة صغيرة مخصصة لشخص واحد، و قد كانت مجهزة بكل المعدات الطبية اللازمة من أجل الإعتناء و مراقبة المرضى أثناء فترة علاجهم. فلم يكن لسارة الوقت الكافي لتنتبه لذلك الجهاز ذو الشاشة الصغيرة المخصص لمراقبة علاماتها الحيوية، أو ذلك المحلول المعلق بجانبها الذي يمد جسمها بالتغذية الضرورية، فهي ما أن فتحت عينيها حتى هجمت عليها أمها، فإحتضنتها و أشبعتها بوابل من القبلات، و ما أن تراجعت قليلا إلى الخلف و قد غلبتها دموعها فنزلت تباعا لتلامس شفتيها المبتسمتين، و بينما كانت لا تزال تنظر نحوها و قد غمرها شعور بالطمأنينة تقدم أباها نحوها و إكتفى بقبلة صغيرة على جبينها، ثم تراجع إلى الخلف مبتسما و مطمئنا لسلامة إبنته. قالت الأم: - خنفسائي الصغيرة، لقد أقلقتنا عليك كثيرا، فقد بقيت نائمة لوقت طويل. و قال الأب: - المهم أنها استيقظت الآن، و أنها بخير. فقالت سارة: - كم من الوقت بقيت نائمة؟ فأجابت الأم: - قرابة اليومين، و أنا.. أحسست بالخوف لأنك لم تستيقظي خلال هذه المدة. قال الأب: - ألم تتذكري ما قاله الطبيب كيف أنها ستكون بخير، و كيف يرى أنه من الأفضل أن نتركها لتستيقظ بمفردها حتى يتسنى لجسدها بأن يحضى بالراحة اللازمة حتى يستعيد عافيته. أجابت الأم: - أنا أتذكر، لكن هذا لا يمنع بأنني قد أحسست بالخوف، فهي ابنتي الوحيدة و من حقي أن أخشى عليها من كل شيء. ثم عادت لتنظر نحو ابنتها و أكملت قائلة: - اذهب بسرعة و أخبر أحد الممرضين بأنها استيقظت. فقال الأب مرتبكا: - أجل.. أجل، أنت على حق، ثم انطلق مسرعا ليعود بعد لحظات قليلة برفقة احدى الممرضات و الطبيب المسؤول عن حالتها. اقترب الطبيب من سارة و قد اكتفى بإلقاء نظرة سريعة نحو الشاشة التي تظهر علاماتها الحيوية، و قال: - سارة، كيف تشعرين الآن؟ فأجابت سارة بصوت مجهد: - أشعر بالتعب و كأن كامل جسدي مخدر. - لا بأس فهذا أمر طبيعي، إنه تأثير المسكنات التي أعطيناها لك، و هذا التأثير سيزول تدريجيا و سيعود جسدك لنشاطه السابق. المهم أنك بخير و أن الإصابة التي في رأسك ستلتئم و تشفى بمرور الوقت. - إصابة؟ - لا تقلقي، فرغم أنه جرح كبير و عميق إلا أنه أصاب فروة الرأس دون أن يلحق أي ضرر بالجمجمة. لقد كنت محظوظة، فلو كان الجرح أعمق بمليمتر واحد إظافي لما كنت على قيد الحياة. رفعت سارة يديها لتتفقد الإصابة لكن كل ما تحسسته أصابعها كان الضمادات التي تغطي رأسها، و ما أن أنزلت يديها قليلا بجانب أذنيها حتى أحست بفروة رأسها الصلعاء دون أي أثر لشعره، فقالت مستغربة: - شعري.. أين اختفى؟ أجاب الطبيب: - لقد اضطررنا لحلاقته من أجل أن نتمكن من خياطة مكان الإصابة. - حلقتموه؟.. كله؟ - أجل، لكن لا تقلقي فهو سينمو من جديد و سيعود مثل السابق، إنها مسألة وقت لاغير. استمرت سارة بإنزال يديها إلى أن لمست رقبتها، و ما أن أحست بتلك الخدوش الصغيرة حتى تذكرت ذلك الكابوس الذي راودها منذ وقت قصير، و رغم أنها لا تتذكر منه كل شيء إلا أنها تتذكر جيدا الجزء المتعلق باليدين الباردتين اللتان تسببتا في خدش رقبتها، و لتتأكد إن كانت هذه الخدوش هي نفسها التي أصيبت بها في حلمها أم هي مجرد مصادفة غريبة، رغم أنها غير مستعدة لتصدق في كلتا الحالتين سواء كان ذلك بسبب الكابوس أو أنها مصادفة لا غير، فقد أرادت أن ترضي فضولها و تقشع الغبار عن حيرتها، و أبسط طريقة لفعل ذلك هي أن تسأل الحاضرين معها في الغرفة، و بالطبع دون أن تذكر الكابوس الذي حلمت به. فقالت: - هذه الخدوش حول رقبتي، ما سببها؟.. هل كانت موجودة عندما أحضروني للمستشفى؟ فأجابت الممرضة: - لقد كانت موجودة منذ البداية، فأنا كنت حاضرة عندما أنزلوك من سيارة الإسعاف. و قال الطبيب: - الأغلب أنها حدثت نتيجة سقوطك و إحتكاك جسدك بالأرض، لكنها رغم ذلك فهي مجرد خدوش بسيطة و سطحية و لا تستدعي القلق بشأنها. لم تقتنع سارة بما قيل لها فهي لسبب ما كانت قد أحست بأن ما عاشته في ذلك الكابوس كان حقيقيا، لكن ما لم تفهمه هو كيف يمكن أن يتحول الكابوس لحقيقة، و أن يتحول الحلم لشيء ملموس. كانت حيرتها قد زادت، و كان قلقها قد تضاعف، و للحظة واحدة كانت ستخبرهم بما حلمت به، و أن تشاركهم بعضا من حيرتها و قلقها، لكنها سرعان ما تراجعت عن هذه الفكرة، فقد كانت تخشى أن لا يصدقوها و يفسرون حلمها على أنه مجرد هلوسات، إضافة إلى ذلك فهي لم ترغب في جعل والديها يشعران بالمزيد من القلق نحوها، و بينما كانت لا تزال مشوشة الذهن، و غارقة بين أفكارها من أجل إيجاد إجابة منطقية لما حدث معها، كان صوت أباها الذي تكلم للتو قد أزال عنها تشتتها و أعادها لأرض الواقع. قال الأب: - أخبرني أيها الطبيب، متى يمكنها العودة للبيت؟ - يجب أن تبقى معنا لثلاثة أيام إضافية كإجراء احترازي لا غير، بعدها سأصف لها بعض المسكنات و المضادات الحيوية و ستكون جاهزة للمغادرة، لكن سيكون عليها بعد ذلك أن تعود مرة واحدة كل يومين من أجل تغيير الضمادات و متابعة التئام مكان الإصابة. في الأيام الثلاثة التالية حضيت سارة بالكثير من الزيارات، سواء كان ذلك من طرف أصدقائها، أو أقربائها، أو حتى زملائها من الدراسة الذين لا تربطهم بها علاقة صداقة وثيقة. أما عن أول زائر لها فقد كان محققا، رجلا في أواخر الثلاثينات، حسن الهندام و حسن المظهر، يتمتع بطابع هادئ و صوت شبه خشن. كان قد دخل الغرفة بعد أن دق الباب و استأذن للدخول، و بعد أن عرف عن نفسه و اطمأن عن صحة سارة كان قد أخبرها بأنه سيطرح عليها بعض الأسئلة حتى يفهم تفاصيل الحادث. فقال: - إن صاحب السيارة الذي صدمك كان قد أتى بنفسه لمركز الشرطة و أخبرني بكل ما حدث، و هذا سبب قدومي إليك.. لأتأكد من صحة كلامه، لأنني بصراحة وجدت قصته غريبة بعض الشيء، حتى أنني طلبت منه إجراء بعض الفحوصات لأعرف إن كان سليم المدارك العقلية، أو إن كان تحت تأثير ما يمكن أن يسبب الهلوسات، لكن كل الفحوصات كانت سليمة. و رغم ذلك فقد وضعته في الحجز المؤقت حتى أجمع كامل التفاصيل لأعرف على وجه اليقين إن كان يقول الحقيقة أم لا و بالتالي لأقرر إن كان مذنبا أم بريئا. - ماذا تريد أن تعرف بالتحديد؟ - أريدك أن تخبريني كيف وقع الحادث؟ - حسنا، لأكون صريحة أنا لا أتذكر كل شيء، و الأغلب أن ما حدث كان خطئي أنا، و ذلك لأنني توقفت في منتصف الشارع و لم أكن منتبهة لما يأتي و يذهب من السيارات، فقد اعتقدت أن الشارع كان خاليا و آمنا للعبور. - ما السبب الذي دفعك للتوقف عن السير؟ - لقد أحسست بأن ساقاي قد تجمدتا في مكانها و لم تعد قادرة على التحرك، و قبل أن أتمكن من فعل أي شيء كانت السيارة قد صدمتني. - هذا فعلا غريب، لكن لنعد للسيارة.. هل رأيتها قادمة نحوك؟، و هل سمعت صوت البوق خاصتها؟ - لست متأكدة إن كنت سمعت أو رأيت أي شيء فقد حدث كل شيء بسرعة. - هذا يعني بأنك لست متأكدة إن كان صاحب السيارة قد تعمد إصابتك. - و لم سيفعل ذلك؟ - أنا أتأكد فحسب. فهو قد أخبرني بأنه قد رآك متوقفة في منتصف الشارع و قد كنت مشتتة الذهن، فهو قد أطلق البوق عدة مرات لكنك لم تنتبهي إليه، ثم إنه زعم بأنه في ذلك الوقت قد فقد السيطرة على سيارته فلم يستطع إيقافها أو إستعمال الفرامل، حتى إنه قد حاول تغيير اتجاهها لكن من دون جدوى. لقد قال بالحرف الواحد بأن السيارة كانت تقود نفسها بنفسها. - ماذا سيكون مصيره الآن؟ - ما دام أنه لا يوجد ما يثبت إدانته، إضافة إلى عدم وجود ضحايا جراء هذا الحادث، فأنا مضطر لإخلاء سبيله.