قطعة صغيرة من السعادة | عائلتي
عائلتي
.........
قد يشتكي بعض الأطفال ممن فقدوا أحد والديهم أو كلاهما، أو ممن عاشوا بعيدا عنهم لسبب أو لآخر، قد يشتكون من سوء معاملة من قاموا بتربيتهم و كانوا بالنسبة لهم البدلاء الوحيدين لوالديهم، سواء كانوا من أقربائهم أو معارفهم أو موظفي دور الأيتام. بل إن عدم الإهتمام اللازم، و سوء الإندماج مع بقية الأطفال، قد يؤثر سلبا على شخصياتهم و سلوكياتهم، و هو ما يكون داخلهم شعورا بالنقص أو عدم التوازن النفسي الذي يؤثر بصفة مباشرة على حياتهم الإجتماعية في المستقبل.
بالنسبة لي، عندما أتحدث عن هذا الجزء من حياتي، فأنا ممتنة لأنني قد وجدت الإهتمام المطلوب و الحب الكافي لتكون طفولتي أقرب ما تكون لمن عاشوا طفولة عادية و كاملة، ثم كبروا لتكون لهم حياة اجتماعية صحية و متوازنة. لقد استقبلتني عمتي و عائلتها بقلب كبير، و كانوا قد اعتنوا بي و عاملوني بلطف شديد، و كأنني واحدة منهم، و كأنني أنتمي إليهم منذ البداية، فحتى و إن كنت مخطئة و كان الواقع أن عمتى كانت مجبرة على القبول بي في ذلك الوقت عندما تخلى عني أبي فأنا لم أرى منها ما يدل على أنها تكن لي و لو القليل من مشاعر الكراهية أو أنها تميز بيني و بين ابنتيها، لقد أحسست طوال فترة إقامتي معها بأنني ابنتها الثالثة. و أنا، مثلي مثل ابنتيها، كنت أدعوها أمي، حتى بعد أن صارحتني بحقيقة موت أمي الحقيقية فأنا لم أتوقف عن دعوتها بأمي، ربما لأنني استأنست بوجودها في حياتي و أصبحت مدمنة على عاطفتها و محبتها تجاهي، أو ربما ببساطة لأنني لم أكن مستعدة للتخلي عن هذه الكلمة و ما تحمله معها من مزايا.
لم تكن عمتي امرأة متعلمة، أو امرأة عاملة، أو من أولئك النساء اللواتي ليس لهن سند غير أنفسهن فيضطررن للعمل من أجل توفير لقمة العيش. لقد تزوجت و تحملت المسؤولية في سن صغيرة، خاصة عندما أنجبت ابنتها الأولى، لكن هذا لم يمنعها من أن تعيش حياة سعيدة، و ذلك بأن تكون ربة بيت جيدة و أما عطوفة، و أن تكرس وقتها و جهدها من أجل الإعتناء ببيتها و عائلتها، و الأهم من ذلك بأن تكون مكتفية و راضية بما لديها. و بالنسبة لإمرأة وجدت نفسها مسؤولة على تربية ثلاثة فتيات ذوي أعمار متفاوتة، و متطلبات مختلفة، و إهتمام دائم، فهي بلا شك قد نجحت في معرفة كيفية الإعتناء بهن، و نجحت في جعلهن نساء ناضجات و ناجحات في حياتهن، فهي لم تكن أما فقط بل كانت صديقة و رفيقة لكل واحدة منا، و استطاعت أن تلبي احتياجتنا المادية و المعنوية، و أن تكون حاضرة لتستمع و تجد الحلول لمشاكلنا التي لا تنتهي.
لقد عشت بين أختين، مريم و عائشة، كلتاهما أكبر مني سنا، الأولى أكبر مني بعشرة سنوات و الثانية أكبر مني بثلاثة سنوات، مما يعني أنني كنت مثل أختهما الصغيرة، و بسبب قلة الغرف، و لأن كل واحدة منهما تمتلك غرفتها الخاصة، فقد كان الإحتمال الوحيد المتوفر لدي أن أشارك احداهما غرفتها، و هكذا وجدت نفسي برفقة عائشة، فبالإضافة لإعتبارها الأقرب مني سنا فقد كان هناك انسجام بيننا منذ البداية، و الوقت الذي أقضيه معها أكثر من الوقت الذي أقضيه مع مريم، لكن هذا لم يمنع أن العلاقة بيننا نحن الثلاثة كانت حقيقية، ثلاثة شقيقات.. ثلاثة فتيات يهتممن ببعضهن البعض.. ثلاثة فتيات يشعرن ببعضهن البعض.. ثلاثة فتيات كبرن دون أن تشعر إحداهما بأنها غريبة عن الأخرى، و هو ما جعلني فيما بعد أدرك قيمة أن تكون لي أخت.. حتى و إن كانت ليست من نفس لحمي و دمي، لأن الأخوة النقية هي تلك التي تتجاوز حدود القرابة و الدماء.
بالنسبة لأبيهم، فقد كان رجلا متفهما، صبورا، حازما و حنونا في ذات الوقت، لقد عاملني كإبنة من صلبه، و اعتبرني جزءا من عائلته، حتى اذا ما تورطت أنا و بناته في المشاكل، أو إذا ما تشاجرنا فيما بيننا، فقد كان يعاتبنا بالتساوي، لكنه في معظم الأوقات يميل إلى تخفيف العقاب علي مقارنة ببناته، و إن لم ألحظ أنا هذا الأمر في البداية، فقد كانت هناك غيرة طفيفة و غير مؤذية تطفو على وجوه بناته لكنها لا تستمر طويلا، ربما لأنهما كانتا تدركان الموقف الذي أنا فيه أكثر مني، و ربما هذا أيضا سبب كون هذه العائلة تتعامل معي بلطف.. كنوع من التعاطف، لأن حياتي لم تكن أبدا مثل حياتهم، و لأن عائلتي لم تكن أبدا مثل عائلتهم.
أنا لم أعرف أمي لكنني حصلت على أم بديلة.. أم لن تكون أبدا مثل أمي لكنها فعلت المستحيل حتى لا تجعلني أشعر بأنني دخيلة. و أنا لم يكن لي إخوة لكن مريم و عائشة كانتا أكثر من كافيتين لتجعلاني أعرف كيف يكون شعور أن تكون لي شقيقات يحببنني و يهتممن بأمري. لقد كان لي أب ليس لديه أبناء سوى أنا، لكن زوج عمتي كان بمثابة أب لي، و منه تعلمت ما يعانيه كل أب حتى يعيش أبنائه أفضل حياة ممكنة، كما جعلني أقدر كل ما فعله أبي من أجلي، و كيف أنه اختار أن يتجاوز تعاسته حتى لا يجعل حياتي تعيسة، و ليعطي لسعادتي الأولوية دون أي شيء آخر.
لقد عشت بين عائلتين مختلفتين، و بين منزلين.. أحدهما لا يقل أهمية عن الآخر، فكلاهما وفر لي الحب و الإهتمام، و وفرا لي سببا لأنظر للحياة بتفائل، و جعلاني أتعلم كيف أقدر قيمة ما لدي، و أنا.. كنت دائما ممتنة لأنني وجدت سندا منذ صغري.. خاصة عمتي، فهي أول من انتشلني من حافة الضياع، و لأنها حاولت مرارا و تكرارا و لم تستسلم، حتى نجحت في النهاية في جمعي بأبي، فهي كأم.. و كعمة.. و كإنسانة تفيض بالحنان و الحب، أدركت بأنها مهما فعلت، و مهما أحبتني، فهي لن تعوضني على فقدان أمي كما سيفعل أبي، لذلك فأنا فخورة لأنني كنت جزءا من عائلتها.. و كنت جزءا من حياتها، و أنا إن عاد بي الزمن لأختار أي عمة أريدها، و لأختار أي عائلة بديلة لأعيش معها، فأنا بلا شك سأختارها هي في كل مرة، و سأختار العيش مع عائلتها دون العائلات الأخرى.
العائلة مهمة.. العائلة المكان الأول لتكوين شخصية الطفل، و هي المكان الوحيد في هذا العالم الذي لن تنبذه و لن ترفضه، العائلة هي البداية و النهاية، و هي الحضن الدافئ و العش الدائم، إنها من يهتم فعلا بما يريده و بما لا يريده الطفل، بكل إيجابيته و سلبياته، و هي لن تتركه أبدا مهما كانت الظروف، و مهما كانت الأسباب، بل و ستقاتل من أجله، و ستفعل المستحيل لتوفر له الحياة المثالية، و السعادة اللامتناهية، سعادة من دون قيود الغير مرتبطة بمصلحة خاصة أو الأنانية البشرية المتفشية داخل المجتمع.