نوفلو | Novloo: vju5Nc83i9dWaEddhq1Xh0GOrRl2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

وتبقى أنت الحب

هي سجى، التي اتُهمت ظلمًا وخسرت حياتها في ليلة واحدة. وهو باسل الشريف، الرجل الذي مدّ لها يد الأمان حين تخلى عنها الجميع .بين الجرح والإنصاف يولد حب صادق، حبّ يثبت أن بعض القلوب خُلقت لتبقى... مهما قاومها القدر .نوفيلا وتبقى أنتَ الحب .

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

قطعة صغيرة من السعادة | عائلتي

جاري التحميل...

عائلتي

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

قد يشتكي بعض الأطفال ممن فقدوا أحد والديهم أو كلاهما، أو ممن عاشوا بعيدا عنهم لسبب أو لآخر، قد يشتكون من سوء معاملة من قاموا بتربيتهم و كانوا بالنسبة لهم البدلاء الوحيدين لوالديهم، سواء كانوا من أقربائهم أو معارفهم أو موظفي دور الأيتام. بل إن عدم الإهتمام اللازم، و سوء الإندماج مع بقية الأطفال، قد يؤثر سلبا على شخصياتهم و سلوكياتهم، و هو ما يكون داخلهم شعورا بالنقص أو عدم التوازن النفسي الذي يؤثر بصفة مباشرة على حياتهم الإجتماعية في المستقبل.
بالنسبة لي، عندما أتحدث عن هذا الجزء من حياتي، فأنا ممتنة لأنني قد وجدت الإهتمام المطلوب و الحب الكافي لتكون طفولتي أقرب ما تكون لمن عاشوا طفولة عادية و كاملة، ثم كبروا لتكون لهم حياة اجتماعية صحية و متوازنة. لقد استقبلتني عمتي و عائلتها بقلب كبير، و كانوا قد اعتنوا بي و عاملوني بلطف شديد، و كأنني واحدة منهم، و كأنني أنتمي إليهم منذ البداية، فحتى و إن كنت مخطئة و كان الواقع أن عمتى كانت مجبرة على القبول بي في ذلك الوقت عندما تخلى عني أبي فأنا لم أرى منها ما يدل على أنها تكن لي و لو القليل من مشاعر الكراهية أو أنها تميز بيني و بين ابنتيها، لقد أحسست طوال فترة إقامتي معها بأنني ابنتها الثالثة. و أنا، مثلي مثل ابنتيها، كنت أدعوها أمي، حتى بعد أن صارحتني بحقيقة موت أمي الحقيقية فأنا لم أتوقف عن دعوتها بأمي، ربما لأنني استأنست بوجودها في حياتي و أصبحت مدمنة على عاطفتها و محبتها تجاهي، أو ربما ببساطة لأنني لم أكن مستعدة للتخلي عن هذه الكلمة و ما تحمله معها من مزايا.
لم تكن عمتي امرأة متعلمة، أو امرأة عاملة، أو من أولئك النساء اللواتي ليس لهن سند غير أنفسهن فيضطررن للعمل من أجل توفير لقمة العيش. لقد تزوجت و تحملت المسؤولية في سن صغيرة، خاصة عندما أنجبت ابنتها الأولى، لكن هذا لم يمنعها من أن تعيش حياة سعيدة، و ذلك بأن تكون ربة بيت جيدة و أما عطوفة، و أن تكرس وقتها و جهدها من أجل الإعتناء ببيتها و عائلتها، و الأهم من ذلك بأن تكون مكتفية و راضية بما لديها. و بالنسبة لإمرأة وجدت نفسها مسؤولة على تربية ثلاثة فتيات ذوي أعمار متفاوتة، و متطلبات مختلفة، و إهتمام دائم، فهي بلا شك قد نجحت في معرفة كيفية الإعتناء بهن، و نجحت في جعلهن نساء ناضجات و ناجحات في حياتهن، فهي لم تكن أما فقط بل كانت صديقة و رفيقة لكل واحدة منا، و استطاعت أن تلبي احتياجتنا المادية و المعنوية، و أن تكون حاضرة لتستمع و تجد الحلول لمشاكلنا التي لا تنتهي.
 لقد عشت بين أختين، مريم و عائشة، كلتاهما أكبر مني سنا، الأولى أكبر مني بعشرة سنوات و الثانية أكبر مني بثلاثة سنوات، مما يعني أنني كنت مثل أختهما الصغيرة، و بسبب قلة الغرف، و لأن كل واحدة منهما تمتلك غرفتها الخاصة، فقد كان الإحتمال الوحيد المتوفر لدي أن أشارك احداهما غرفتها، و هكذا وجدت نفسي برفقة عائشة، فبالإضافة لإعتبارها الأقرب مني سنا فقد كان هناك انسجام بيننا منذ البداية، و الوقت الذي أقضيه معها أكثر من الوقت الذي أقضيه مع مريم، لكن هذا لم يمنع أن العلاقة بيننا نحن الثلاثة كانت حقيقية، ثلاثة شقيقات.. ثلاثة فتيات يهتممن ببعضهن البعض.. ثلاثة فتيات يشعرن ببعضهن البعض.. ثلاثة فتيات كبرن دون أن تشعر إحداهما بأنها غريبة عن الأخرى، و هو ما جعلني فيما بعد أدرك قيمة أن تكون لي أخت.. حتى و إن كانت ليست من نفس لحمي و دمي، لأن الأخوة النقية هي تلك التي تتجاوز حدود القرابة و الدماء. 
بالنسبة لأبيهم، فقد كان رجلا متفهما، صبورا، حازما و حنونا في ذات الوقت، لقد عاملني كإبنة من صلبه، و اعتبرني جزءا من عائلته، حتى اذا ما تورطت أنا و بناته في المشاكل، أو إذا ما تشاجرنا فيما بيننا، فقد كان يعاتبنا بالتساوي، لكنه في معظم الأوقات يميل إلى تخفيف العقاب علي مقارنة ببناته، و إن لم ألحظ أنا هذا الأمر في البداية، فقد كانت هناك غيرة طفيفة و غير مؤذية تطفو على وجوه بناته لكنها لا تستمر طويلا، ربما لأنهما كانتا تدركان الموقف الذي أنا فيه أكثر مني، و ربما هذا أيضا سبب كون هذه العائلة تتعامل معي بلطف.. كنوع من التعاطف، لأن حياتي لم تكن أبدا مثل حياتهم، و لأن عائلتي لم تكن أبدا مثل عائلتهم.
أنا لم أعرف أمي لكنني حصلت على أم بديلة.. أم لن تكون أبدا مثل أمي لكنها فعلت المستحيل حتى لا تجعلني أشعر بأنني دخيلة. و أنا لم يكن لي إخوة لكن مريم و عائشة كانتا أكثر من كافيتين لتجعلاني أعرف كيف يكون شعور أن تكون لي شقيقات يحببنني و يهتممن بأمري. لقد كان لي أب ليس لديه أبناء سوى أنا، لكن زوج عمتي كان بمثابة أب لي، و منه تعلمت ما يعانيه كل أب حتى يعيش أبنائه أفضل حياة ممكنة، كما جعلني أقدر كل ما فعله أبي من أجلي، و كيف أنه اختار أن يتجاوز تعاسته حتى لا يجعل حياتي تعيسة، و ليعطي لسعادتي الأولوية دون أي شيء آخر.
لقد عشت بين عائلتين مختلفتين، و بين منزلين.. أحدهما لا يقل أهمية عن الآخر، فكلاهما وفر لي الحب و الإهتمام، و وفرا لي سببا لأنظر للحياة بتفائل، و جعلاني أتعلم كيف أقدر قيمة ما لدي، و أنا.. كنت دائما ممتنة لأنني وجدت سندا منذ صغري.. خاصة عمتي، فهي أول من انتشلني من حافة الضياع، و لأنها حاولت مرارا و تكرارا و لم تستسلم، حتى نجحت في النهاية في جمعي بأبي، فهي كأم.. و كعمة.. و كإنسانة تفيض بالحنان و الحب، أدركت بأنها مهما فعلت، و مهما أحبتني، فهي لن تعوضني على فقدان أمي كما سيفعل أبي، لذلك فأنا فخورة لأنني كنت جزءا من عائلتها.. و كنت جزءا من حياتها، و أنا إن عاد بي الزمن لأختار أي عمة أريدها، و لأختار أي عائلة بديلة لأعيش معها، فأنا بلا شك سأختارها هي في كل مرة، و سأختار العيش مع عائلتها دون العائلات الأخرى.
العائلة مهمة.. العائلة المكان الأول لتكوين شخصية الطفل، و هي المكان الوحيد في هذا العالم الذي لن تنبذه و لن ترفضه، العائلة هي البداية و النهاية، و هي الحضن الدافئ و العش الدائم، إنها من يهتم فعلا بما يريده و بما لا يريده الطفل، بكل إيجابيته و سلبياته، و هي لن تتركه أبدا مهما كانت الظروف، و مهما كانت الأسباب، بل و ستقاتل من أجله، و ستفعل المستحيل لتوفر له الحياة المثالية، و السعادة اللامتناهية، سعادة من دون قيود الغير مرتبطة بمصلحة خاصة أو الأنانية البشرية المتفشية داخل المجتمع.
               

سوريسوس | ابتسامة الموت (01)

جاري التحميل...

ابتسامة الموت (01)

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

مضى أسبوعان منذ أن غادرت سارة المستشفى و عادت لمنزل والديها، فقد أخبرها الطبيب بأن لا تجهد نفسها و أن تستريح لعدة أيام، و رغم أن المسافة بين المستشفى و المنزل تستغرق ما يقارب الساعة بالسيارة، فالمدينة التي تدرس فيها ليست نفسها التي يعيش فيها والديها، اضافة إلى وجود مستشفى قريب حيث يعيشان، فقد اختارت سارة أن تقطع كل تلك المسافة الى المستشفى حيث تمت معالجتها أول مرة، و أن تستمر مع نفس الطبيب الذي تابع حالتها منذ البداية، فكان والدها يوصلها و يعيدها في كل مرة تحتاج فيها لتغيير الضمادات حول رأسها، و في نهاية الأسبوعان كان الطبيب قد أخبرها بأن الجرح التأم بشكل جيد و هو في طريقه للشفاء، كما نزع عنها الضمادات لأنها لم تعد ضرورية، و بعد أن كانت مرتاحة لأكثر من أسبوعان أخبرها الطبيب بأنها الآن تستطيع العودة لدراستها و استئناف حياتها بشكل طبيعي.
بعد يومين إضافيين كانت سارة قد عادت لغرفتها بسكن الطالبات، لكن قبل ذلك كانت قد ذهبت للجامعة لترى إن كان في مقدورها أن تعيد إجتياز الإختبارات التي فاتتها، فدار اجتماع صغير شمل المدير و أحد أساتذتها، و بعد نقاش دام أكثر من ربع ساعة سمحوا لها بإعادة الإختبارات، كما أعطوها مهلة بسبعة أيام حتى تتمكن من مراجعة دروسها لتزيد بذلك فرصها بالنجاح.
في تلك الليلة حضيت سارة بحفل ترحيب صغير نظمته زميلتها في السكن بمساعدة بعض صديقاتهما، فرحبوا بعودتها و حاولوا ابهاجها قدر الإمكان لتنسى الحادث المؤسف الذي تعرضت له، كما شجعوها على الدراسة و أخبروها بأنها تستطيع النجاح في الإختبارات إذا ما بذلت ما في وسعها، و لأنها ليلة دراسية فالحفل لم يدم طويلا  و سرعان ما عادت كل طالبة لغرفتها.
كانت سارة عازمة بالفعل على بذل كل ما تستطيع من أجل النجاح في الإختبارات، و كانت قد خططت لتخصيص الأيام القليلة القادمة في مراجعة كل الدروس التي فاتتها، لكن قبل أن تفعل ذلك، و من أجل أن يكون ذهنها صافيا و جاهزا للدراسة، هذا إضافة لأنها ستكون مشغولة في الأيام التالية، كانت قد اتقفقت مع خطيبها خالد بأن يلتقيا و أن يعوضا الموعد الذي كان من المفترض أن يحضيا به منذ أسابيع، و كانا قد اتفقا على الإلتقاء في مكان آخر يحتاج لطريق مختلف من أجل الوصول إليه، فالمكان السابق و الطريق السابق لا يحملان سوى الذكريات السيئة.
في صباح اليوم التالي كانت قد استيقظت مبكرا على غير العادة، ربما لأنها حضيت بليلة طويلة من النوم الهنيء و العميق، فكان جسدها في قمة نشاطه و كان مزاجها في قمة تفائله، فهي تشعر بالسعادة لأن حياتها قد عادت لطبيعتها، و تشعر بأن لديها فرصة جديدة لتعويض كل ما فاتها، سواء كان ذلك في حياتها الدراسية، الإجتماعية، أو العاطفية. كانت قد وقفت أمام المرآة بعد أن أصبحت جاهزة للخروج، فتأملت وجهها مليا و كأنها لم ترى نفسها منذ مدة، ثم رفعت يدها و تحسست برفق جرحها الذي بدأ يتحول لندبة دائمة تتوسط رأسها، و من حوله كان شعرها قد عاد لينمو من جديد لكنه رغم ذلك ليس بالكثافة اللازمة ليخفي فروة رأسها التي لا تزال ظاهرة بوضوح، و لأنها لا تشعر بالإرتياح للخروج بهذا المظهر التي تراه قبيحا فقد استعملت وشاحا أحمرا ذو بقع سوداء لتغطية رأسها، و قد كان هذا الوشاح هدية لها من أمها، و كانت قد اشترته خصيصا دون غيره لأن لونه يشبه لون الخنفساء.
كان صباحا مشمسا، منعشا، يتخلله من حين لآخر بعض النسيم البارد ليذكر أولئك الذين يستمتعون بدفئ الشمس بأن الشتاء لم ينتهي بعد، و بالنسبة لسارة التي خرجت لتوها من الباب الخارجي فقد استمتعت بذلك النسيم البارد الذي اصطدم بوجهها و تسلل لرئتيها ليعطيها شحنة مضاعفة من النشاط. كانت قد سارت بمحاذاة المبنى باتجاه اليمين ثم انعطفت نحو الشارع الذي يقع خلفه، و أثناء مرورها بجانب حاوية القمامة التي تقع في المنعطف و القريبة من حائط المبنى الجانبي، كانت قد لاحظت قطا ميتا مرميا فوق النفايات، و بقدر ما كان منظره يثير الأسى في القلب فقد كان أيضا مقززا للعين، فبدا و كأن أحدا ما قد عصره بشدة إلى أن خرجت أحشائه من خلال بطنه، هذا إضافة إلى الدماء التي لا تزال تخرج ببطء من كلا أنفه و فمه، كما كانت تنبعث منه رائحة كريهة طغت على رائحة النفايات، و أغلب الظن أنه قد تعرض حديثا للدهس من قبل احدى السيارات، فقد كان هناك ما يشبه أثار العجلات على جسده. توقفت سارة للحظة واحدة فتأملت القط الميت و قد علت شفتيها ابتسامة صغيرة ثم أكملت سيرها، و بعد عدة دقائق كانت قد توقفت بشكل مفاجئ و كأنها تذكرت شيئا ما، فقالت بصوت خفيض و قد علت وجهها علامات الحيرة:
- هذا غريب.. لماذا ابتسمت منذ قليل عندما رأيت ذلك القط المسكين؟، لقد راودني شعور غريب.. شعور مختلف، لكنه سرعان ما تلاشى، و كأنني في تلك اللحظة.. عندما نظرت إليه.. كنت مستمتعة.
لم تشغل سارة بالها كثيرا بما حدث فهي لديها موعد مع خطيبها لا تريد أن تتأخر عليه، و لديها يوم واحد لتستمتع به قبل أن تبدأ بالمراجعة من أجل الإمتحانات، فأكملت سيرها نحو مكان اللقاء و هو عبارة عن منتزه صغير وسط مدينة كبيرة، و كأنه يمثل ما تبقى من الطبيعة في مواجهة الحياة الحضارية التي بناها الإنسان، لذلك فهو ينافس بأرضه الخصبة و أشجاره الخضراء الطرق الإسمنتية و المباني المزدحمة. اجتمعت سارة بخالد داخل المنتزة، و هناك جلسا في أحد المقاعد الشاغرة ليستمتعا بالهدوء بعيدا عن صخب المدينة، و ليتحدثا عما حدث معهما في الأيام القليلة الماضية التي لم يلتقيا فيها، و من بين الأشياء الكثيرة التي تحدثا عنها كانت سارة قد أعربت عن قلقها حول زميلتها في السكن و كيف أنها أصبحت تتصرف بغرابة في حضورها. فقالت:
- أردت أن أسألك عن فرح، بإعتبار أنها جارتك و أنكما أصدقاء منذ الطفولة.
فسأل خالد مستغربا
:- ماذا عنها؟
- حسنا، لقد لاحظت بأن تصرفاتها أصبحت غريبة و ذلك منذ أن زارتني في المستشفى.
- غريبة؟.. كيف؟، فأنا لم ألاحظ أي شيء من ناحيتها.
- عندما زارتني في المستشفى برفقة بعض صديقاتنا في الدراسة كانت واقفة في الخلف و تتجنب النظر إلي، كما أن وجهها كان شاحبا و عيناها كانتا متعبتين.. لقد بدت و كأنها رأت شبحا. بالإضافة إلى ذلك فهي لم تتكلم كثيرا، و عندما تكلمت كانت تتلعثم كثيرا و كأنها تواجه صعوبة في إخراج الحروف من حلقها.
- ربما أنا الملام هنا، فأنا كنت قد أخبرتها بأنك قد تعرضت لحادث عنيف و أن إصابتك كانت بليغة، و بالتالي فقد فوجئت و خافت أن تكوني قد فارقت الحياة.
- لقد فكرت هكذا في البداية، لكن عندما عدت للمسكن في الأمس و قابلتها كانت لا تزال تتصرف بغرابة، و كأنها تخفي شيئا ما، أو أن لديها مشكلة لا ترغب في الإفصاح عنها، و عندما سألتها إن كانت بخير قالت لي بأن لا أقلق و غادرت الغرفة مباشرة بحجة أنها بحاجة لفعل شيء ما.
- حسنا، بإعتبار أنها تقطن بالقرب مني فإن كانت تواجه مشكلة عائلية لكنت سمعت عنها. إضافة إلى هذا فأنا أعرفها جيدا، و لو كانت بالفعل تخفي شيئا ما فإنها ستخبر أحدا ما في النهاية، فهي ليست من النوع الكتوم. لكن إن رغبت فأنا أستطيع التحدث إليها لأعرف إن كانت تعاني من مشكلة ما.
بعد أن مضت ساعة منذ لقائهما إتجه كل من خالد و سارة لأحد المطاعم القريبة فلا يستغرق الوصول إليه سوى عشرة دقائق من السير. كان مطعما صغيرا ذو شعبية كبيرة اكتسب شهرته بفضل طعامه اللذيذ و اللباقة في التعامل مع عملائه، لذلك ما أن دخل خالد و سارة حتى تقدم نحوهما النادل فاستقبلهما بابتسامة صغيرة و نبرة لطيفة ثم قادهما نحو طاولة شاغرة و قدم لهما قائمة الطعام و أخبرهما بأنه سيعود بعد لحظات من أجل أخذ طلبهما.
كانت هذه المرة الأولى لسارة في هذا المطعم، لذلك بينما كان خالد مشغولا بتفحص قائمة الطعام كانت هي مشغولة بتفحص المكان من حولها، و كانت قد انبهرت بالتصميم الداخلي للمطعم و الألوان المتناسقة لجدرانه، كما لا حظت أن معظم طاولاته كانت محجوزة، و أن جميع العملاء الموجودين بإختلاف أعمارهم بدوا مستمتعين بوقتهم و راضين بالطعام المقدم إليهم، و إضافة إلى النادل الذي إستقبلهم فقد كان هناك نادل آخر، و قد كان كلاهما يتحركان بخفة و رشاقة بين الطاولات لإيصال الطلبات، هذا دون أن تفارق الإبتسامة وجهيهما، و كانا كلما يوصلان طلبية ما يسألان العملاء إن كانوا يرغبون بشيء آخر، جاهزين لتنفيذ كل رغباتهم برحابة صدر مهما كانت بسيطة أو مزعجة. 
كانت سارة ستستمر بمراقبة المكان لوقت أطول لكن ذلك الصوت الذي أصدره بطنها ليخبرها بأنها جائعة و أنها بحاجة لأكل شيء ما جعلها تلتفت مباشرة نحو خالد لترى إن كان قد قرر بعد ماذا سيتناولان، لكنها ما أن إلتفتت و إلتقت عيناها بعيناه كانت قد أحست بشعور غريب، مثل ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، و كأن هناك شيئا سيئا سيحدث، و في لحظة واحدة لم تعد تسمع أي شيء، و كأنها فقدت حاسة السمع. عندما نظرت حولها و لاحظت أن شيئا لم يتغير، نفس الحركة السابقة و نفس الناس الذين كانت تراقبهم منذ لحظات قليلة لا غير، كانت قد التفتت مرة أخرى نحو خالد فكان ينظر إليها و يحرك شفاهه و كأنه يقول شيئا ما، و قبل أن تتمكن من إخباره بأنها لا تستطيع سماعه، أو سماع أي شيء آخر، تجمدت في مكانها و أصبحت غير قادرة على الحركة، تماما كما حدث معها قبل أن تتعرض للحادث بلحظات قليلة، لكن الإختلاف هنا أن كامل جسدها أصبح ساكنا لا يتحرك و ليس ساقيها فقط. أرادت سارة أن تتحدث، أن تقول شيئا ما.. أي شيء على الإطلاق لتنبه من حولها عما يحدث معها، لكنها كانت عاجزة عن تحريك شفاهها، كما كانت عاجزة عن إصدار أي صوت، حتى و إن كان مجرد صوت واحد بسيط، فكان كل ما تستطيع فعله هو تحريك بؤبؤا عينيها، لكنها رغم ذلك فقد كان كل ما تستطيع رؤيته محدودا بخالد الجالس أمامها، فنظرت إليه لعله يكتشف ما حل بها بنفسه.
لم يكن الوضع سيتحسن في أي وقت قريب، و رغم أن سارة لا تزال تجهل ماذا يحدث معها فهي سرعان ما اكتشفت بأن ما سيحدث لخالد سيكون أسوأ بكثير مما حدث لها. فمنذ لحظات قليلة فقط كان خالد مطأطأ الرأس، يتمعن في قائمة الطعام، مترددا بشأن ما يريد أكله، لكن ما أن التفتت سارة نحوه حتى راوده إحساس غريب، و كأنه هناك شيئا ما جعله يتوقف عن التفكير، و أجبره على رفع رأسه و النظر مباشرة في عيني سارة، و قبل أن يدرك بأنها قد تجمدت في تلك الوضعية و أصبحت غير قادرة على الحركة و الكلام، كان قد حدث معه نفس الشيء الذي حدث معها، و الفرق الوحيد بينهما أن خالد لم يتوقف عند هذا الحد، فهو قد بدأ يفتح فمه ثم يغلقه في حركة متكررة و متسارعة، و في نفس الوقت كان رأسه يتحرك في اتجاهات مختلفة و عشوائية، كما أن يداه كانتا تتحركان بعنف من تلقاء نفسها فأسقطتا كل ما كان موجودا فوق الطاولة، و في النهاية كان رأسه قد توقف عن الحركة و هو الآن ينظر مجددا نحو سارة، و كان فمه مغلقا و شفاهه محكمة، أما عن يداه فقد توقفتا عن الحركة و هو الآن ممسك بعلبة الملح التي أحكم عليها بقبضته بقوة، و قد كانت علبة زجاجية صغيرة، اسطوانية الشكل، لها قاعدة مسطحة و قمة مقوسة، و كان حجمها تقريبا في ضعف حجم البيضة.
استمر خالد في النظر نحو سارة و قد كانت تعابير وجهه باردة لا تعبر عن أي شيء، و في غضون ثوان قليلة كان قد فتح فمه أقصى ما يستطيع و تركه على ذلك الحال دون أن يغلقه، و في لحظة مفاجئة و بحركة واحدة و سريعة حرك يده و وضع علبة الملح داخل فمه، ثم استعمل جميع أصابعه ليحشرها داخل حلقه، و لأن حجمها كان كبيرا مقارنة بحلقه فقد كان يواجه صعوبة في دفعها إلى الداخل، و فيما كانت علبة الملح تغوص ببطء و بصعوبة، فقد بدأت علامات الإختناق تظهر على وجهه و بدأت علامات الألم و المعاناة تظهر في عينيه. كان أنفه يسيل، و كان لعابه يتطاير فيما كان يسعل بقوة، و بدأ وجهه ينتفخ و يتعرق فيما كان يميل تدريجيا للإزرقاق، أما عيناه فقد احمرتا بينما كانت الدموع تفيض منهما.
لم تتحمل سارة ما تراه أمامها لكنها لم تستطع الإشاحة ببصرها بعيدا أو حتى إغلاق عينيها، و كأنها كانت مجبرة على المشاهدة رغما عنها، و من خلال النظر لعيني خالد فقد أدركت أنهما كانتا تستغيثان و تتوسلان من أجل بعض المساعدة، من أجل إنقاذه من هذه المعاناة التي وجد نفسه داخلها.. إنقاذه من جسده الذي أصبح يتحرك من تلقاء نفسه و هو الآن يحاول قتله. تسارعت دقات قلب سارة و أحست بخوف شديد لم تشعر به من قبل، و فجأة.. تماما في ذروة المعاناة التي يعيشها خالد، لم تعد سارة تشعر بالخوف، و لم يعد قلبها ينبض بتلك السرعة الجنونية، فقد أصبحت هادئة تماما، بل إنها أصبحت في قمة سعادتها، فاتسعت حدقتا عينيها، و ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها.. لقد انقلبت مشاعرها و أصبحت فجأة مستمتعة بالنظر نحو خالد و ما يختبره من معاناة، فلم تمضي لحظات قليلة حتى استقرت علبة الملح في منتصف حلق خالد، لكنه رغم ذلك استمر في دفعها إلى الداخل رغم أنه لم يعد هناك مكان لتذهب إليه، فانتفخت رقبته و ظهرت حولها عروقه المتشنجة، و سرعان ما استهلك ما بقي له من هواء داخل رئتيه، و إلى آخر لحظة استمر بالنظر نحو سارة، و كنتيجة محتمة كان قد استلم أخيرا لمصيره، فانتهت معاناته بانتهاء حياته، مخلفا بذلك جثة بائسة و مشهدا بشعا.
منذ وقت قصير كان هناك نادل يحمل طلبية لإحدى الطاولات لكنه توقف فجأة ما أن لاحظ تصرفات خالد الغريبة، و في اللحظة التي بدأ فيها بحشر علبة الملح داخل حلقه أصاب النادل الفزع و من دون أن يشعر كان قد أوقع الطلبية على الأرض، و بسبب تلك الضوضاء الصغيرة التي أحدثها كان جميع من في المطعم قد انتبه لما يحدث لخالد، و سرعان ما بدأ الخوف و الفزع في تغذية الفوضى التي دبت بسرعة في المكان، فكان هناك همس و صراخ و بكاء، و من ردات الفعل الكثيرة كان هناك من أشاح بنظره بعيدا و هناك من ظل يراقب في صمت، و هناك من أغمض عيون أطفاله و هناك من هرب للخارج، لكن لا أحد منهم فكر في مساعدة الرجل المسكين، و الحقيقة أن لا أحد منهم سيستطيع مساعدته إن أراد ذلك، فكل شيء حدث بسرعة و الصورة الصادمة التي طبعت في عقولهم خلقت حالة من الفزع و الرعب فجعلتهم عاجزين عن التفكير بشكل منطقي و سليم. أما عن سارة فقد توقفت عن الإبتسام ما أن مات خالد، و أصبحت قادرة على الحركة و الكلام من جديد، و لسبب ما كان قد أصابها الخوف مرة أخرى، فبدت و كأنها لم تكن واعية لما كان يحدث و أنها قد رأت لتوها جثة خالد، فوقفت من مكانها مفجوعة و قد اقشعر جسدها، و بعد أن أطلقت صرخة عالية.. صرخة خوف كفيلة بجذب كل العيون المشتتة إليها، كانت قد فقدت وعيها و سقطت على الأرض.
               

لماذا عبرت الدجاجة الطريق - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

كل شيء مرتبط بتلك الدجاجة التي عبرت الطريق

تحميل الفصول...
المؤلف

نظر خالد نحو عداد السرعة ثم داس على دواسة الوقود، فتجاوزت ابرة العداد المئة ميل في الساعة، و تجاوزت سيارته جميع السيارات الأخرى، غير آبه لصوت أبواقهم، أو صراخهم عليه لقيادته بتلك الطريقة المتهورة، فهو لم يكن يفكر سوى في شيء واحد، و هو أن يصل في الموعد لشركة التأمينات التي يشتغل فيها، فهو لا يزال أمامه أقل من عشرين دقيقة ليصل في الوقت المحدد للإجتماع، هذا الإجتماع الذي يشتغل عليه لشهور طويلة، والذي إذا سار بشكل جيد فإن الشركة ستربح صفقة كبيرة تقدر بالملايين، و سيكون له نصيب جيد من المال و منصب أعلى في الشركة. لقد كان من المفترض أنه وصل للشركة منذ نصف ساعة على الأقل، لكنه تأخر في الإستيقاظ هذا الصباح، فألم معدته ليلة البارحة منعه من النوم، و المسكنات التي تناولها بالكاد أعطت مفعولها، كما أنه انشغل في مراجعة أوراق عمله فنسي أن يضبط المنبه، فنام في وقت متأخر و استيقظ متأخرا، فغير ملابسه بسرعة، و جمع أوراقه، و تناول المزيد من المسكنات و خرج مسرعا، و الحقيقة أن ألم معدته كان يلازمه منذ أكثر من أسبوع، بشكل مفاجئ، و بدرجة ألم متفاوتة، لكنه خير أن يؤجل الذهاب للطبيب حتى ينتهي من هذا الإجتماع، فهو لم يرغب أن يشتته أي شيء عن عمله، أو عن مستقبله المهني، كما أنه كان يأمل أن يذهب الألم من تلقاء نفسه، لذلك كان يستعمل المسكنات ليجعل جسده يقاوم أكثر مما يتحمل، و يجعل عقله يركز على عمله دون أي شيء آخر.


* * *
         تجاوز خالد جميع السيارات الأخرى و أصبح بمفرده في الطريق، و بدل أن يخفف من سرعته قليلا فقد استمر في القيادة بتلك السرعة الجنونية، بل إنه زاد من سرعته حتى اقتربت الإبرة من المئة و العشرين ميلا، و في هذه الأثناء.. بينما كانت عيناه تنظران للأفق في طريق اسمنتي لا نهاية له، و بينما كانت يداه متشبثة بالمقود و قدمه ملتصقة بدواسة الوقود، فقد كان عقله مشغولا بالتفكير في الإجتماع، في الناس الذين سيقابلهم و الكلام الذي سيقوله، و في تلك اللحضات القليلة التي تفصل بين الحقيقة و الخيال، بين الواقع و الهلوسات، بين ألم معدته و إرهاق عينيه، و بين الوعي و اللاوعي، ظهر شيء أمامه، ظهر من العدم و توقف في منتصف الطريق، عندها تشتت خالد و داس بقوة على الفرامل، و أدار المقود بقوة حتى يتجنب الإصطدام بذلك الشيء الذي لم يره بوضوح و يستوعب ماهيته، كان قد فقد السيطرة على سيارته فحادت عن الطريق و اصطدمت بقوة بشجرة كبيرة.


* * *
       لم يفقد خالد وعيه لكنه أحس بدوخة فظيعة، و رغم أن رأسه قد اصطدم بكيس الهواء الذي انطلق في الوقت المناسب لينقذ حياته و ليمنع رأسه من الإصطدام بالزجاج الأمامي فهو لم يتمكن من حماية بقية جسده، فالزجاج المنكسر قد سبب له العديد من الجروح، أما قدمه اليسرى فقد إلتوت بطريقة ما و أصبح من الصعب معرفة إن كانت قد أصابها كسر أم لا، فهو في كل الأحوال لم يكن ليستوعب بعد كمية الضرر التي أصابت جسده، ليس على الأقل قبل أن تختفي آثار الصدمة التي أصابته و يفهم ما حدث معه بالضبط. كان قد رفع رأسه ببطء و ترك المقود الذي لا يزال ممسكا به، فدفع باب السيارة بقوة عديد المرات قبل أن يتمكن من فتحه و ذلك لأن الاصطدام بالشجرة جعلت المقبض يعلق فأصبح تحريكه عسيرا، ثم إنه عندما أراد أن يترجل من السيارة لم يتمكن من رفع ساقه اليسرى بالشكل المطلوب فتعثر و سقط على الأرض، فزحف ببطء نحو الأمام ثم التفت نحو السيارة، كانت قد اصطدمت بعنف بالشجرة فتدمر هيكلها الأمامي بشكل كامل، و عندما لاحظ الدخان الخفيف المتصاعد من تحت غطاء المحرك، إضافة إلى العجلتين الأماميتين الملتحمتين بالهيكل المحطم، أدرك على الفور أن هذه السيارة لن تشتغل مجددا و لن تحمله لأي مكان في الوقت الراهن.


* * *


       ما أن بدأت الدوخة تزول شيئا فشيئا حتى بدأ يفكر في ما سيفعله، خاصة و أن إصابة قدمه اليسرى لن تسمح له بالوقوف و التحرك، فزحف حتى حافة الطريق و رمى ببصره على مرمى البصر في كلا الإتجاهين، فلم يرى أي شيء، و لو سيارة واحدة، و كأنه متواجد في مكان مهجور منذ وقت طويل، و هو ما جعله يتساءل بينه و بين نفسه عن كل تلك السيارات التي تجاوزها منذ مدة قصيرة، كيف لها أن تختفي بهذه البساطة؟، فحتى و إن مرت من أمامه عندما كان محتجزا داخل سيارته فلا بد أن يتوقفوا لمساعدته، فلا يمكن لأي شخص مهما كانت درجة إنسانيته أن يرى حادثا و لا يتوقف للمساعدة، أو على الأقل ليتفقد السيارة و ركابها، إضافة إلى ذلك فهذه طريق سيارة رئيسي و هناك مئات السيارات التي تعبره يوميا، لكن الآن فلا يوجد أحد سواه، و رغم ما أصابه، و الموقف الغريب الذي وقع فيه، فقد كان كامل إهتمامه منصبا على الإجتماع الذي سيفوته و الصفقة الكبيرة التي ستضيع من بين يديه، متجاهلا بذلك حالته الجسدية التي قد تكون أسوأ مما تبدو عليه.


* * *
        بينما كان عقله مشغولا بالتفكير في حل لمشكلته اخترق سمعه صوت غريب، كان قد تجاهله في البداية لأنه اعتقد أنه تخيله، لكن ما أن سمعه المرة الثانية بشكل أوضح كان قد التفت نحوه مستغربا لأنه كان متأكدا بأنه كان صوت نقيق، و بالفعل عندما أدار رأسه كان قد رأى دجاجة، كانت تقف على بعد عدة أمتار منه في منتصف الطريق، دجاجة حمراء ذو ذيل أسود، تقف هناك ساكنة و تنظر مباشرة نحوه، و للحظة واحدة.. عندما نظر إليها، و لمح شكلها و لونها، تذكر شيئا حدث منذ أكثر من عشرين سنة، كان حينها في زيارة لمنزل جده و جدته، و قبل أن يرحل قدم له جده دجاجة حمراء ذو ذيل أسود، تماما مثل هذه الدجاجة، ففرح بها كثيرا و صنع لها بيتا صغيرا من علبة كرتون قديمة، و كان قد قضى معظم عطلة الصيف و هو يهتم بها، فيطعمها و يلعب معها، و أحيانا يتسلل في الليل فيأخذها من الحديقة الخلفية ليضعها معه في غرفته. كان من الواضح أنها ليست نفس الدجاجة، لكن الشبه الكبير بينهما عبث بتفكيره و ذكرياته، لكنه سرعان ما جمع شتات نفسه و بدأ يتساءل عن سبب وجود دجاجة هنا وسط الطريق حيث لا منازل و مزارع، و قبل أن يجد أي إجابة لأسئلته تحركت الدجاجة نحو الجهة الأخرى من الطريق، و من دون أن يشعر وجد خالد نفسه يزحف خلفها ليعرف سر هذه الدجاجة، و الأهم من ذلك ليعرف لماذا عبرت الطريق؟. فكان يزحف بكل جهده ليلحق بها، خاصة بعد أن رآها تختفي خلف أحد الأشجار.


* * *
      اقترب خالد من الشجرة لكنه قبل أن يتمكن من الإلتفاف حولها سمع صوت خطوات أقدام ثم ظهر خيال أمامه، رجل عجوز أصلع و له شنب أبيض كثيف، فأحس خالد بالصدمة، و الإرتباك، و كان قلبه يكاد يخرج من مكانه من شدة خوفه، فهذا العجوز الذي يقف أمامه ليس أي عجوز بل هو جده، جده الذي مات قبل خمسة عشر سنة و الذي زار قبره أكثر من مرة هو و والديه، لكنه الآن يقف أمامه حيا يرزق. لم يستطع خالد تفسير ما يحدث، فمنذ أن تعرض للحادث و هو يشهد أشياء غريبة الواحدة تلو الأخرى، و الآن بعد أن رأى جده الميت يقف أمامه لم يعد يعرف أي شيء، فقال: لا بد أنني أحلم، لا تفسير آخر لما يحدث الآن.
فأجابه جده: أنت لست تحلم.
فقال خالد و قد التفت نحو جده: إذن فأنا ميت، أجل.. هذا منطقي أكثر، لا بد أن الحادث الذي تعرضت له قد قتلني.
فأجابه جده: أنت لست ميتا.
عندئذ صرخ خالدا مذعورا: إن لم أكن أحلم، و لم أكن ميتا، فماذا يحدث لي إذن؟.. أين أنا؟.. و لماذا أنت على قيد الحياة.
- أنت لست ميتا، و لست حيا. و أنا لست حقيقيا، و لست وهما.
- لم أفهم أي شيء.
- هذا المكان هو داخل عقلك، و أنا تجسيد لعقلك الباطن، بسبب علاقتك القوية مع جدك. أنت تعرضت لحادث خطير و أنت حاليا في غيبوبة.
- في غيبوبة؟
- أجل.. على حافة الحياة و الموت.
فقال خالد مستغربا: لكن لماذا تخيل عقلي هذا المكان و تخيلك أنت؟
- لأن رغبتك بالعيش قوية، و لأن قلبك لا يزال ينبض و لم يستسلم بعد.
- أنا هنا لأنني لم أمت بعد؟
- أجل، و أنا هنا لأحفز جسدك و وعيك على الإستيقاظ.
- كيف؟
- فقط أمسك بيدي.
تردد خالد للحظة ثم مد يده نحو جده.


* * *


       فتح خالد عينيه ليجد نفسه مستلقيا في فراش بإحدى غرف المستشفى، كان في البداية مشوش النظر، مشوش التفكير، عاجزا عن تحريك لسانه، لكنه سرعان ما بدأ يستفيق و يستعيد تحكمه بحواسه، فتهافت نحوه الممرضين و الأطباء من كل مكان ليتفقدوا علاماته الحيوية، و بعد أن اطمأنوا على صحته أخبروه بأنه كان في غيبوبة منذ أكثر من أسبوع، و أنهم فقدوا تقريبا الأمل من استيقاظه مجددا، و اعتبروا أن ما حدث لا يمكن أن يكون سوى معجزة. لاحقا وصل والديه و لم يصدقوا أن ابنهم لا يزال على قيد الحياة، كانت فرحتهم برؤيته لا توصف، و هنا شعر خالد بأنه كان يسيء تنظيم أولوياته في الحياة، و كيف أنه كان يفضل عمله على أفراد عائلته الذين لم يهتم لأمرهم و لم يكن يقضي معهم الكثير من الوقت.
أخبره والداه بأن الأطباء أخبروهم بأن فرص استيقاظه من الغيبوبة كانت شبه معدومة، و أنهم أحسوا باليأس من نجاته، معتبرين ما حدث فرصة جديدة.
فابتسم خالد و قال بينه و بين نفسه: أعتقد أنني أعرف الآن لماذا عبرت الدجاجة الطريق.


* * *
               

لماذا عبرت الدجاجة الطريق - رواية كوميدية

لماذا عبرت الدجاجة الطريق
4.0

لماذا عبرت الدجاجة الطريق

مشاهدة

قصة الرواية

كل شيء مرتبط بتلك الدجاجة التي عبرت الطريق

تفاصيل العمل

التصنيف: اجتماعية - كوميدية - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

أبي - قطعة صغيرة من السعادة

جاري التحميل...

أبي

.....

تحميل الفصول...
المؤلف

إن كان نقيض السعادة هي التعاسة فهل بالضرورة أن تكون التعاسة مصير كل من فشل في الحصول على السعادة، أليس من الممكن أن يكون إختيارا و ليس نتيجة؟، أي أنه مثل من هناك من يبحث عن السعادة فهناك أيضا من يبحث عن التعاسة، و مثل من هناك من إختار أن يكون سعيدا فهناك أيضا من إختار أن يكون تعيسا. و إن كان السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا قد يختار أي شخص أن يكون تعيسا؟، و من أجل الإجابة عن هذا السؤال علينا معرفة السبب، و معرفة الدافع، و معرفة الظروف. فبعض الناس قد يختارون التعاسة لأنهم لم يستطيعوا الحصول على السعادة فكفوا عن المحاولة و استسلموا للتعاسة، أو أنهم يملكون السعادة لكنهم فقدوها و لأنهم لا يستطيعون استرجاعها مجددا قاموا باختيار التعاسة كبديل، أو ربما ببساطة لأنهم قد وجدوا في التعاسة ما لم يجدوه في السعادة. و إن كان هناك من يستطيع التحكم في ما يريده من سعادة و تعاسة فإن من يمتلك فائضا من بين الإثنين فسيكون بالتالي تحقيق التوازن بينهما أمرا صعبا، و مهما طال الوقت فإن النتيجة ستكون واحدة لأن الكفة في النهاية ستميل لإحداهما دون الأخرى.
بالنسبة لأبي فقد تنطبق عليه جميع الإحتمالات السابقة، و إن تحدثت عن أبي فإنني سأتحدث عن سنوات طويلة من التعاسة، سنوات طويلة قضاها حدادا على المرأة التي أحبها.. المرأة التي فقدها، سنوات طويلة جعلت منه رجلا كتوما، صامتا في أغلب الأوقات، منعزلا عن الجميع و مدفونا في وحدته. كان قد استسلم لحزنه، و كان قد أشاح بنظره بعيدا عن الجانب الآخر من الحياة، الجانب الجيد منها، حتى أنه تأقلم مع الواقع المرير الذي رسمته أفكاره السلبية و أقنع نفسه بأن لا مهرب له منه. لقد تقبل هذا المصير البائس الذي فرضه على نفسه غير مدرك أنه لم يدمر حياته فحسب بل حياة كل من حوله، خاصة أولئك الذين يهتمون لأمره.
إن كانت الحياة هي من تصنع شخصية الإنسان، فإن الظروف التي يمر بها هي من تتلاعب بمشاعره و أفكاره و الزمن هو من يصقلها و يعطيها شكلها النهائي، و إن ألقيت نظرة على حياة أبي و ما مر به عبر السنوات، فقد كان يوما ما شخصا اجتماعيا، حيويا، متفائلا و محبا للحياة، لقد اشتغل كسائق سيارة أجرة و كان قد أحب عمله كثيرا. لقد كان شغفه بالقيادة كفيلا بأن يجعله يقود لساعات طويلة من شروق الشمس إلى غروبها دون ملل و دون أن يشكو من التعب، لقد كان معروفا لدى الكثير من الناس و لديه الكثير من الزبائن الذين يتسابقون لحجزه من أجل قضاء حوائجهم، فكان محرك سيارته لا يتوقف عن العمل و كان هاتفه لا يتوقف عن الرنين، كانوا يتصلون به و يقولون كريم أريدك أن توصلني لهذا المكان، كريم أريدك أن تأتيني لهذا المكان، كريم أريدك الآن، كريم لا تنسى أن تقلني غدا. و كان هو يعمل بجهد و يقبل طلبات الجميع، لقد كان شخصا جديا و يعرف قيمة العمل. ثم أتى ذلك اليوم الذي تلقى فيه اتصالا من أخته التي على وشك إنجاب ابنتها الثانية، فذهب إليها و أقلها بسرعة للمستشفى، و بعد أن اطمأن على سلامتها أوصل ابنتها الصغيرة للمدرسة، و لأنه تأخر في إيصالها فقد بقي معها ليشرح لمدرستها سبب تأخيرها، فلم يكن يتوقع أنه في نفس ذلك اليوم سيتعرف على امرأة  استثنائية و يقع في حبها، امرأة ستصبح مستقبلا زوجة له و تصبح أما لي، و بالتأكيد لم يتوقع أن حياته معها لن تطول أكثر من سنوات قليلة. لذلك تمنيت دائما لو أنها لا تزال حية، ليس من أجلي فقط بل من أجله هو أيضا.
لم يكن لأبي سوى أخت واحدة، و منذ أن تزوجت و هي تقطن في نفس الحي الذي يقع فيه منزلنا، لذلك عندما ماتت أمي أخذني أبي للعيش معها، و بما أنه لم يكن يسأل عني أو يأتي لزيارتي فقد كنت أعتقد بأن عمتي هي أمي، و أن زوجها هو أبي، و أن ابنتيهما الاثنتان هما أختاي الكبيرتان، و استمررت على هذه الحال حتى بلوغي سن السادسة عندما قررت عمتي بأنني كبيرة كفاية لمعرفة الحقيقة. لقد كانو طيبين معي و يعاملونني كأنني أنتمي إليهم، كأنني فرد من عائلتهم، حتى بعد أن صارحتني عمتي بحقيقة موت أمي و أن أبي هو ذلك الرجل الذي يعيش في الطرف الآخر من الحي فقد أخبرتني بأنها تحبني و أنها لن تتخلى عني، كما أنها استمرت هي و زوجها بمعاملتي مثل واحدة من بناتهم.
أتذكر أنها في نفس ذلك اليوم أخذتني لأقابل أبي، لقد أرادت فقط أن تجمع بين أب و إبنته، بين رجل منعزل بائس و فتاة صغيرة لا تعرف طعم الأبوة الحقيقي، كانت قد أمسكتني من يدي و رافقتني طول الطريق حتى باب منزله، و هناك أمرتني بأن أقف في مكاني و لا أتحرك ثم رنت الجرس مرتين متتاليتين و تراجعت عدة أمتار للخلف و تركتني بمفردي لأقابل أبي، أنا.. الفتاة الصغيرة التي لا تعرف أباها و لم تتحدث إليه من قبل، نفس الفتاة التي اكتشفت لتوها بأن أمها ميتة و هي لا تعرف بعد كيف تحزن على الموتى. كنت خائفة، و كنت مترددة، و كنت قد التفت للخلف طلبا للمساعدة، لأسأل عمتي لماذا تركتني بمفردي، و الأهم من ذلك أن أطلب منها أن تعود و تأخذني معها لأنني لم أقوى على الحراك، لكنني عندما رأيتها، و رأيت عينيها و طريقة نظرها نحوي، و حركة يدها السريعة، علمت أنه يجب علي أن أبقى في مكاني و أنتظر، و علمت أنه لا مهرب لي في تلك اللحظة و أنه لا خيار لي سوى مواجهة  الشخص القادم من الجهة الأخرى من الباب، لا خيار سوى مواجهة أبي.
كان هناك صوت خطوات أقدام تقترب لم أتمكن من سماع أي شيء غيرها، تلتها لحضات قليلة ساد فيها الصمت و انعدمت فيها الحركة، و فيما انفتح الباب ببطء و ظهرت تلك العيون من الظلام  لتحدق مباشرة نحوي من خلال ذلك الشق الصغير بتلك الطريقة الغريبة أحسست بالخوف، فاقشعر جسدي و خفق قلبي بشدة و حبست أنفاسي حتى كادت تنقطع، ،و قبل أن أتمكن من إلقاء نظرة جيدة في ذلك الوجه و التمعن في ملامحه، و قبل أن أتمكن من سماع أي شيء من صوته، و قبل أن أتمكن على الأقل من إقناع نفسي التي كانت على وشك الإختناق بضرورة التنفس كان الباب قد انغلق و كان الظل الذي يقف خلفه قد تراجع و اختفى.
سمعت صوت خطوات أقدام تقترب لكنها هذه المرة كانت من الخلف، ثم امتدت يد دافئة لتمسك بيدي الصغيرة العاجزة، و بكلمات قليلة حزينة صاحبتها نظرات طويلة محبطة حاولت عمتي تبرير تصرف أبي الذي لم تفهمه هي نفسها، فكل شيء حدث بسرعة كما أنه حدث عكس ما كانت تتوقع. كنا بالفعل قد استدرنا، و كنا قد بدأنا بالسير و ابتعدنا بخطواتنا البطيئة عدة أمتار عن المنزل، لكن لسبب ما كنا قد توقفنا و كانت عمتي تنظر نحوي و هي تبتسم.
" انه يريد رؤيتك، أنا لم أكن مخطئة."
كنا قد التفتنا نحو المنزل بعد أن توقفنا، و رأيت تلك الإبتسامة، و سمعت تلك الكلمات، فكان ما رأيته هو باب مفتوح لكن لا أحد يقف أمامه.
" حسنا لا تقفي هكذا، هيا أسرعي لرؤيته. ستجدينه في الداخل.. جالسا في مكان ما، منتظرا"
قالت عمتي هذه الكلمات بحماسة، ثم صمتت و هي تنظر نحوي، و سرعان ما رفعت يديها و دفعتني بلطف نحو الأمام عندما لاحظت ترددي، دفعتني نحو أحضان أبي التي لم أتذوق طعمها بعد.
أنا التي لا تعرف أباها و لا تعرف طباعه، أو صوته، أو وجهه،  كم كنت خائفة. أنا التي على و شك مقابلة أباها و لا تعرف كيف ستكون ردة فعله، أو ماذا سيقول لي، كم كنت متوترة. لقد عشت أربعة سنوات من حياتي و أنا أستعد، أستعد لهذه اللحظة، لكن هل أنا بالفعل مستعدة؟، هل أنا كبيرة كفاية لأكون في هذا المكان و أقابل هذا الرجل؟، هل كان تصرف عمتي صائبا عندما اختارت ذلك الوقت بالذات لتخبرني بما خبئته عني طوال تلك السنوات الأربعة. دارت كل تلك الأسئلة داخل رأسي بينما كانت قدماي تحمل جسدي الصغير إلى داخل ذلك المنزل، لكنها لم تكن أسئلة بأتم معنى الكلمة بل كانت عبارة على عقل مشوش تلاعبت به مشاعر مختلطة و أفكار مرتبكة.
لم يكن باب المنزل مفتوحا بالكامل لكنني رغم ذلك لم أحتج لدفعه أو حتى لمسه لأتمكن من الدخول، لقد كان منزلا كبيرا و واسعا لكنه كان فارغا و مهملا، و لم تكن جدرانه الباهتة لتعكس أي صوت من داخل غرفه العديدة المظلمة و ذلك لأته لم يكن هناك أي صوت من الأساس، فقط الصمت و الهدوء، صمت قاتل و هدوء مخيف. سرت للأمام بعيون فضولية و خطوات حذرة، و بعد أن عبرت ردهة صغيرة وجدت نفسي داخل قاعة الجلوس، كنت قد توقفت للحظة ألقيت خلالها نظرة خاطفة على المكان ثم تابعت سيري نحو ذلك الباب الوحيد الذي كان يتسرب الضوء من داخله.
بماذا شعرت عندما رأيته لأول مرة بوضوح؟، أنا لا أعلم تماما، كل ما أتذكره أن قلبي خفق بشدة في ذلك الوقت. لقد كان جالسا إلى طاولة في منتصف المطبخ و كنت أنا واقفة عند الباب عندما التفت نحوي. بدا جسده منهكا و بدا وجهه شاحبا، أما عينيه التي سرعان ما أخفضها فقد كانت حزينة و كأنها فقدت السعادة منذ وقت طويل. لم أسمع صوته لكنني فهمت من حركة يده أنه يريدني أن أتقدم نحوه و أن أجلس على الكرسي الفارغ في الجهة المقابلة له. لقد قلت في نفسي بأنه أبي فلا داعي للخوف ثم استجمعت شجاعتي و تقدمت بخطوات سريعة و جلست حيث أشار إلي، ثم إنني لم أستطع النظر نحوه فبقيت مطأطأة الرأس، صامتة، ضامة ساقاي، و باسطة يداي اللتان لا تكفان عن الإرتعاش فوق ركبتاي. ثم فجأة أحسست بالإطمئنان، و أحسست بشيء دافئ قد اخترق قلبي و احتظنه من الداخل فتلاشى منه الخوف و الإرتباك، حدث ذلك عندما سمعت صوته، صوت رغم خشونته كان صداه في أذناي رقيقا و دافئا.
قال: ابنتي.. أميرة.. ابنتي العزيزة، لقد كبرت و ازددت جمالا منذ رأيتك آخر مرة. أنا.. أنا سعيد لأنني قابلتك أخيرا.
عندما سمعت صوته رفعت رأسي و نظرت نحوه و تأملت مطولا في وجهه، و في ملامح وجهه، و في تلك الإبتسامة الصغيرة التي بدا أنه واجه صعوبة في رسمها و واجه صعوبة أكبر في الإحتفاظ بها و ذلك ليشعرني بالإطمئنان و ليبين لي بأنه يهتم لأمري، ثم استمررنا في التحديق في بعضنا البعض في صمت لبعض الوقت حتى بادر هو بالحديث للمرة الثانية.
قال بصوت يتخلله بعض الإرتباك: يجب أن أرحب بك، أنا أعتقد أنك لم تكبري كثيرا على شرب الحليب، فأنا لا أملك سوى الحليب في الوقت الحاضر.
ثم سارع نحو الثلاجة و أحضر منها زجاجة الحليب و سكب منها في كأس صغير كان قد وضعه أمامي، و كنت قد ظننت أنه اختار ذلك الكأس الصغير لأنني فتاة صغيرة لكن الحقيقة أنه كان القطعة الوحيدة النظيفة من كومة المواعين المكدسة فوق المغسلة. 
لقد نظر نحوي مبتسما و راقبني بتمعن كيف أشرب الحليب بتأن وخجل، ثم إنه قد مد يديه نحوي ليحتضن بهما يداي الصغيرتين، ليسترجع شعورا فقده و ليستعيد ذكريات منسية، ليتأكد بأنه لم يفقد كل شيء، و ليعرف بأن إحساس الأبوة الذي تخلى عنه يوما ما لا يزال موجودا داخله، بأنه لم يفت الأوان ليكون أبا مرة أخرى. كان قد تحول في لحضات قليلة من رجل بائس حزين إلى رجل جديد، رجل مستعد لتجاوز الماضي و المضي قدما في حياته.
كان قد قادني نحو غرفة الجلوس، متمسكا بيدي رافضا إفلاتها، و هناك جلسنا بجانب بعضنا البعض، و بينما كنت أنا قد بدأت للتو في التأقلم مع صوته، و رائحته، و حركاته، فقد أمسك هو بين يديه ألبوما و غاص بي في عالم من الصور، عالم من الذكريات، غاص بي عميقا داخل عقلي ليحفزه على تذكر أوقات كنت قد عشتها و لم أعرف حتى تلك اللحظة بأنني قد عشتها. كنت قد رأيت الكثير من الصور، رأيت أمي لأول مرة، و رأيت نفسي عندما كنت رضيعة، و رأيت أبي كم كان سعيدا، ثم رأيت نفسي بينهما و هما يحملاني كما يحمل أي شخص شيئا ثمينا بين يديه، كما رأيت صورا أخرى لأقاربي و صورا من حفل زواج أمي و أبي، و قد كان أبي بين الفينة و الأخرى يحدثني عن طرائف قد وقعت عند التقاط بعض هذه الصور. لقد تحدث كثيرا في ذلك اليوم و أخبرني بالكثير من الأشياء، أشياء لم أفهم معظمها لكنها حركت مشاعري و فتحت قلبي لترحب بفرد مهم من عائلتي كان غائبا عن حياتي، أشياء كانت بداية لعلاقة متينة بين أب و ابنته. لقد كان صريحا معي و أخبرني بكل شيء كنت بحاجة لمعرفته ، كما أنه اعتذر إلي لأنه تركني كل تلك السنوات، ثم إعتذر لأنه لم يملك الشجاعة ليقابلني قبل ذلك الوقت. أما أنا فلم أتحدث كثيرا، فقط بعض الكلمات التي يمكن عدها بأصابع اليد، لكنني في المقابل استمعت إليه بانتباه شديد، و كنت قد تعلقت به منذ الدقائق الأولى من معرفته. 
إن الأبوة شيء عظيم و مهمة شاقة، خاصة خلال السنوات الأولى لحياة للطفل، فنحن لا يمكن أن نتحدث عن الأب دون أن نذكر التضحية التي يقدمها من أجل طفله و ذلك في سبيل بناء شخصية قوية قادرة على العيش في مجتمع متغير، مجتمع متناقض، مجتمع قد لا يكون مناسبا لضمان مستقبله، فالأب هو السند، و هو الحامي، و هو الوحيد الذي يمد يد المساعدة دون تردد عندما نتعثر أو عندما نسقط لأي سبب كان. بالنسبة لي لم يكن أبي رجلا مثاليا لكنه كان مثاليا بالنسبة لي، لقد فعل كل ما يستطيع ليجعلني سعيدة، ليعوض حنان الأم الذي فقدته، و ليقدم في نفس الوقت اهتمام الأب الذي أحتاجه، فإن كنت ممتنة في هذه الحياة لأحد ما فأنا ممتنة له لأنه موجود في حياتي.
 

الفتاة المحظوظة - رواية سوريسوس

جاري التحميل...

الفتاة المحظوظة

في الأيام الثلاثة التالية حضيت سارة بالكثير من الزيارات، سواء كان ذلك من طرف أصدقائها، أو أقربائها، أو حتى زملائها من الدراسة الذين لا تربطهم بها علاقة صداقة وثيقة. أما عن أول زائر لها فقد كان محققا، رجلا في أواخر الثلاثينات، حسن الهندام و حسن المظهر، يتمتع بطابع هادئ و صوت شبه خشن. كان قد دخل الغرفة بعد أن دق الباب و استأذن للدخول، و بعد أن عرف عن نفسه و اطمأن عن صحة سارة كان قد أخبرها بأنه سيطرح عليها بعض الأسئلة حتى يفهم تفاصيل الحادث. فقال:

تحميل الفصول...
المؤلف

كان الظلام حالكا عندما استيقظت سارة بشكل مفاجئ، فقد كان هناك صوت مزعج قد تمرد على هدوء الليل و أجبرها على الإستقاظ من نومها الهنيء، و بما أنها قد تعرفت على هذا الصوت على أنه رنين منبهها، إضافة إلى عدم رغبتها في إزاحة البطانية التي اختبأت داخلها لتنعم بأكبر قدر ممكن من الدفئ، فقد أخرجت يدها ببطء دون أن تزيح البطانية عن رأسها، ثم مدتها حيث يوجد المنبه فأمسكته و سحبته نحوها، و بعد أن أطفأته كانت قد تمعنت جيدا بعينيها شبه المغمضتين في أرقامه المضيئة فكانت الساعة تشير لمنتصف الليل. أحست سارة بالإستغراب فهي لا تتذكر أنها ضبطت المنبه قبل خلودها للنوم و خاصة ليرن في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ثم.. بحركة واحدة و سريعة، كانت قد أزاحت عن نفسها البطانية و أنزلت قدميها لتجلس على حافة السرير، ثم قالت بصوت خفيض و قد تملكها شعور غريب: أنا أشعر و كأنني مررت بهذا الموقف قبل الآن، و كأنني.. أعيش نفس الشيء مرة أخرى. ثم.. أحست بشيء غريب.. شيء جعلها تشعر بعدم الإرتياح، و جعل من الهواء الذي تتنفسه يقل شيئا فشيئا و يزداد حرارة ليخنق رئتيها من الداخل. كانت قد أرادت أن تقف و تتجه نحو النافذة لتفتحها من أجل الحصول على بعض الهواء المنعش، لكنها لسبب ما لم تستطع أن تتحرك، فقد كان كامل جسمها متجمدا و كانت هي غير قادرة على التحكم بأي جزء منه، فأصبحت على حالتها تلك كتمثال بشري متقن الصنع لكن لا حياة فيه. في تلك اللحظة، و قبل أن تتمكن من التكلم و طلب المساعدة من صديقتها النائمة على بعد خطوات منها، رغم أنها غير متأكدة إن كانت قد فقدت القدرة على الكلام مثلما فقدت القدرة على الحركة، كانت قد رأت أمامها في جوف ذلك الظلام القاتم ما يشبه العينين، فقط نقطتان حمراوتان بلون الدماء تطفوان بمفردهما في الهواء، و قد أحست سارة بأنهما لا تحملقان فقط بها، بل تنظران مباشرة إلى داخل روحها، و إن كانت قد تشتت بالكامل بسبب تلك العينان، فإن ما أحست به تاليا كان قد زاد من خوفها و جعلها ترتجف من شدة الرعب، فقد تحركت العينان نحوها ثم اختفتا و سرعان ما أحست بيدين باردتين تلتفان حول رقبتها من الخلف و قد كانتا تخنقانها ببطء، لكنهما سرعان ما ارتخيا و انسحبتا للخلف، لكن رغم ذلك فقد كان ملمس الأصابع على رقبتها مثل الأشواك الحادة فتركت فيها أثرا كالخدوش. لم تزل سارة في حيرتها تلك تكافح لتخليص نفسها حتى فتحت عينيها و استيقظت لتدرك أنه كان حلما، فالمكان الذي وجدت نفسها فيه كان قد عاد بذاكرتها إلى الوراء، و بالتحديد إلى الوقت الذي غادرت فيه منزلها لتلتقي بخالد.
كانت سارة مستلقية على فراش شبه قاس في غرفة منفردة من غرف المستشفى، غرفة صغيرة مخصصة لشخص واحد، و قد كانت مجهزة بكل المعدات الطبية اللازمة من أجل الإعتناء و مراقبة المرضى أثناء فترة علاجهم. فلم يكن لسارة الوقت الكافي لتنتبه لذلك الجهاز ذو الشاشة الصغيرة المخصص لمراقبة علاماتها الحيوية، أو ذلك المحلول المعلق بجانبها الذي يمد جسمها بالتغذية الضرورية، فهي ما أن فتحت عينيها حتى هجمت عليها أمها، فإحتضنتها و أشبعتها بوابل من القبلات، و ما أن تراجعت قليلا إلى الخلف و قد غلبتها دموعها فنزلت تباعا لتلامس شفتيها المبتسمتين، و بينما كانت لا تزال تنظر نحوها و قد غمرها شعور بالطمأنينة تقدم أباها نحوها و إكتفى بقبلة صغيرة على جبينها، ثم تراجع إلى الخلف مبتسما و مطمئنا لسلامة إبنته.
قالت الأم:
- خنفسائي الصغيرة، لقد أقلقتنا عليك كثيرا، فقد بقيت نائمة لوقت طويل.
و قال الأب:
- المهم أنها استيقظت الآن، و أنها بخير.
فقالت سارة:
- كم من الوقت بقيت نائمة؟
فأجابت الأم:
- قرابة اليومين، و أنا.. أحسست بالخوف لأنك لم تستيقظي خلال هذه المدة.
قال الأب:
- ألم تتذكري ما قاله الطبيب كيف أنها ستكون بخير، و كيف يرى أنه من الأفضل أن نتركها لتستيقظ بمفردها حتى يتسنى لجسدها بأن يحضى بالراحة اللازمة حتى يستعيد عافيته.
أجابت الأم:
- أنا أتذكر، لكن هذا لا يمنع بأنني قد أحسست بالخوف، فهي ابنتي الوحيدة و من حقي أن أخشى عليها من كل شيء.
ثم عادت لتنظر نحو ابنتها و أكملت قائلة:
- اذهب بسرعة و أخبر أحد الممرضين بأنها استيقظت.
فقال الأب مرتبكا:
- أجل.. أجل، أنت على حق،
ثم انطلق مسرعا ليعود بعد لحظات قليلة برفقة احدى الممرضات و الطبيب المسؤول عن حالتها.
اقترب الطبيب من سارة و قد اكتفى بإلقاء نظرة سريعة نحو الشاشة التي تظهر علاماتها الحيوية، و قال:
- سارة، كيف تشعرين الآن؟
فأجابت سارة بصوت مجهد:
- أشعر بالتعب و كأن كامل جسدي مخدر.
- لا بأس فهذا أمر طبيعي، إنه تأثير المسكنات التي أعطيناها لك، و هذا التأثير سيزول تدريجيا و سيعود جسدك لنشاطه السابق. المهم أنك بخير و أن الإصابة التي في رأسك ستلتئم و تشفى بمرور الوقت.
- إصابة؟
- لا تقلقي، فرغم أنه جرح كبير و عميق إلا أنه أصاب فروة الرأس دون أن يلحق أي ضرر بالجمجمة. لقد كنت محظوظة، فلو كان  الجرح أعمق بمليمتر واحد إظافي لما كنت على قيد الحياة.
رفعت سارة يديها لتتفقد الإصابة لكن كل ما تحسسته أصابعها كان الضمادات التي تغطي رأسها، و ما أن أنزلت يديها قليلا بجانب أذنيها حتى أحست بفروة رأسها الصلعاء دون أي أثر لشعره، فقالت مستغربة:
- شعري.. أين اختفى؟
أجاب الطبيب:
- لقد اضطررنا لحلاقته من أجل أن نتمكن من خياطة مكان الإصابة.
- حلقتموه؟.. كله؟
- أجل، لكن لا تقلقي فهو سينمو من جديد و سيعود مثل السابق، إنها مسألة وقت لاغير.
استمرت سارة بإنزال يديها إلى أن لمست رقبتها، و ما أن أحست بتلك الخدوش الصغيرة حتى تذكرت ذلك الكابوس الذي راودها منذ وقت قصير، و رغم أنها لا تتذكر منه كل شيء إلا أنها تتذكر جيدا الجزء المتعلق باليدين الباردتين اللتان تسببتا في خدش رقبتها، و لتتأكد إن كانت هذه الخدوش هي نفسها التي أصيبت بها في حلمها أم هي مجرد مصادفة غريبة، رغم أنها غير مستعدة لتصدق في كلتا الحالتين سواء كان ذلك بسبب الكابوس أو أنها مصادفة لا غير، فقد أرادت أن ترضي فضولها و تقشع الغبار عن حيرتها، و أبسط طريقة لفعل ذلك هي أن تسأل الحاضرين معها في الغرفة، و بالطبع دون أن تذكر الكابوس الذي حلمت به. فقالت:
- هذه الخدوش حول رقبتي، ما سببها؟.. هل كانت موجودة عندما أحضروني للمستشفى؟
فأجابت الممرضة:
- لقد كانت موجودة منذ البداية، فأنا كنت حاضرة عندما أنزلوك من سيارة الإسعاف.
و قال الطبيب:
- الأغلب أنها حدثت نتيجة سقوطك و إحتكاك جسدك بالأرض، لكنها رغم ذلك فهي مجرد خدوش بسيطة و سطحية و لا تستدعي القلق بشأنها.
لم تقتنع سارة بما قيل لها فهي لسبب ما كانت قد أحست بأن ما عاشته في ذلك الكابوس كان حقيقيا، لكن ما لم تفهمه هو كيف يمكن أن يتحول الكابوس لحقيقة، و أن يتحول الحلم لشيء ملموس. كانت حيرتها قد زادت، و كان قلقها قد تضاعف، و للحظة واحدة كانت ستخبرهم بما حلمت به، و أن تشاركهم بعضا من حيرتها و قلقها، لكنها سرعان ما تراجعت عن هذه الفكرة، فقد كانت تخشى أن لا يصدقوها و يفسرون حلمها على أنه مجرد هلوسات، إضافة إلى ذلك فهي لم ترغب في جعل والديها يشعران بالمزيد من القلق نحوها، و بينما كانت لا تزال مشوشة الذهن، و غارقة بين أفكارها من أجل إيجاد إجابة منطقية لما حدث معها، كان صوت أباها الذي تكلم للتو قد أزال عنها تشتتها و أعادها لأرض الواقع.
قال الأب:
- أخبرني أيها الطبيب، متى يمكنها العودة للبيت؟
- يجب أن تبقى معنا لثلاثة أيام إضافية كإجراء احترازي لا غير، بعدها سأصف لها بعض المسكنات و المضادات الحيوية و ستكون جاهزة للمغادرة، لكن سيكون عليها بعد ذلك أن تعود مرة واحدة كل يومين من أجل تغيير الضمادات و متابعة التئام مكان الإصابة.
في الأيام الثلاثة التالية حضيت سارة بالكثير من الزيارات، سواء كان ذلك من طرف أصدقائها، أو أقربائها، أو حتى زملائها من الدراسة الذين لا تربطهم بها علاقة صداقة وثيقة. أما عن أول زائر لها فقد كان محققا، رجلا في أواخر الثلاثينات، حسن الهندام و حسن المظهر، يتمتع بطابع هادئ و صوت شبه خشن. كان قد دخل الغرفة بعد أن دق الباب و استأذن للدخول، و بعد أن عرف عن نفسه و اطمأن عن صحة سارة كان قد أخبرها بأنه سيطرح عليها بعض الأسئلة حتى يفهم تفاصيل الحادث. فقال:
- إن صاحب السيارة الذي صدمك كان قد أتى بنفسه لمركز الشرطة و أخبرني بكل ما حدث، و هذا سبب قدومي إليك.. لأتأكد من صحة كلامه، لأنني بصراحة وجدت قصته غريبة بعض الشيء، حتى أنني طلبت منه إجراء بعض الفحوصات لأعرف إن كان سليم المدارك العقلية، أو إن كان تحت تأثير ما يمكن أن يسبب الهلوسات، لكن كل الفحوصات كانت سليمة. و رغم ذلك فقد وضعته في الحجز المؤقت حتى أجمع كامل التفاصيل لأعرف على وجه اليقين إن كان يقول الحقيقة أم لا و بالتالي لأقرر إن كان مذنبا أم بريئا.
- ماذا تريد أن تعرف بالتحديد؟
- أريدك أن تخبريني كيف وقع الحادث؟
- حسنا، لأكون صريحة أنا لا أتذكر كل شيء، و الأغلب أن ما حدث كان خطئي أنا، و ذلك لأنني توقفت في منتصف الشارع و لم أكن منتبهة لما يأتي و يذهب من السيارات، فقد اعتقدت أن الشارع كان خاليا و آمنا للعبور.
- ما السبب الذي دفعك للتوقف عن السير؟
- لقد أحسست بأن ساقاي قد تجمدتا في مكانها و لم تعد قادرة على التحرك، و قبل أن أتمكن من فعل أي شيء كانت السيارة قد صدمتني.
- هذا فعلا غريب، لكن لنعد للسيارة.. هل رأيتها قادمة نحوك؟، و هل سمعت صوت البوق خاصتها؟
- لست متأكدة إن كنت سمعت أو رأيت أي شيء فقد حدث كل شيء بسرعة.
- هذا يعني بأنك لست متأكدة إن كان صاحب السيارة قد تعمد إصابتك.
- و لم سيفعل ذلك؟
- أنا أتأكد فحسب. فهو قد أخبرني بأنه قد رآك متوقفة في منتصف الشارع و قد كنت مشتتة الذهن، فهو قد أطلق البوق عدة مرات لكنك لم تنتبهي إليه، ثم إنه زعم بأنه في ذلك الوقت قد فقد السيطرة على سيارته فلم يستطع إيقافها أو إستعمال الفرامل، حتى إنه قد حاول تغيير اتجاهها لكن من دون جدوى. لقد قال بالحرف الواحد بأن السيارة كانت تقود نفسها بنفسها.
- ماذا سيكون مصيره الآن؟
- ما دام أنه لا يوجد ما يثبت إدانته، إضافة إلى عدم وجود ضحايا جراء هذا الحادث، فأنا مضطر لإخلاء سبيله.
		       

قطعة صغيرة من السعادة - الفصل الأول أمي

جاري التحميل...

أمي

لقد مرت الكثير من الأوقات حيث كنت قد تمنيت أنها لا تزال حية، أنها موجودة بجانبي، موجودة من أجلي، حتى أحتضنها، أن أطلب نصيحتها،

تحميل الفصول...
المؤلف

السعادة ككلمة قد تكون بسيطة و مفهومة لكن كمعنى فهي مختلفة تماما، قد تكون بسيطة أو معقدة، سهلة أو صعبة، ثابتة أو متغيرة، محسوسة أو ملموسة. السعادة ليست مرتبطة بشيء ما أو شخص معين، و لا بالوقت أو العمر، و السعادة بالنسبة لشخص ما ليست بالضرورة أن تكون هي نفسها بالنسبة لشخص آخر، و بالرغم من هذا الإختلاف فالجميع يريدها و الجميع يبحث عنها، لكن هناك من نجح فحصل عليها و هناك من فشل فلم يحصل عليها.
بالنسبة لي فالسعادة التي أردتها و بحثت عنها تمثلت في العديد من الأشياء، و أحد هذه الأشياء تنتمي للماضي حيث أنها تمثل جزءا هاما و مفقودا من حياتي، فإن سألتني عن هذا الجزء المفقود فسأجيب بكلمة واحدة.. أمي، و إن سألتني عن أمي فسأقول بأنني أعرفها و لا أعرفها، لا أعرفها في الواقع لكنني أعرفها من الصور و ما سمعته عنها، سأقول بأن تلك التي ولدتني، أنا ابنتها الوحيدة، بأن تلك التي كانت سببا في وجودي، أنا كل ما تبقى منها، لقد أحببتها كثيرا و عشقتها أكثر، رغم أنني لا أعرفها و لم يكن لدي الكثير من الوقت لأتعرف عليها.
أنا لا أتذكرها جيدا، فقط مجرد ذكريات عابرة، مجرد صور مشوشة، و مجرد أفكار خافتة، لقد قالوا لي مرارا و تكرارا بأنني أشبهها حتى صدقت ذلك، لقد أردت فعلا أن أصدق ذلك رغم أنني فعلا لا أشبهها كثيرا، ليس في ملامح وجهها على أي حال. لقد احتفضت بصورتها عندي، تلك الصورة القديمة التي لم يبقى لي سواها، تلك الصورة المجعدة المتهالكة، تلك الصورة الغالية على نفسي و القريبة دائما من قلبي. لقد بحثت كثيرا في كل وقت متوفر و في كل مكان ممكن عن صورها أو صور أخرى تحتوي صورها  لكن رغم بحثي الكثير فأنا لم أجد سواها، و كأنها كانت في انتظاري حتى أجدها، إنها كنزي الثمين الذي وجدته مخفيا جيدا في صندوق قديم بعد أن كان منسيا بين طيات الزمن.
لقد كانت امرأة شابة، جميلة، مفعمة بالحياة، تمتلك عينين ساحرتين و تعلو وجهها ابتسامة مميزة، ابتسامة جعلتني أحبها، أتعلق بها، جعلتني أفكر أي نوع من النساء كانت، و أي نوع من النساء ستكون لو أنها لا تزال على قيد الحياة. لقد سألت والدي كثيرا، ترجيته أن يخبرني عنها، أن يصفها لي، فأخبرني بكل ما يعرفه، أخبرني بأنها كانت امرأة استثنائية، و بأنها كانت زوجة محبة و أما حنونة، لقد كانت حياتهما سعيدة و مثالية إلى أن ماتت، ماتت في سن صغيرة و في مدة وجيزة، لقد كانت مريضة جدا و كان جسدها ضعيفا و عاجزا عن مقاومة المرض، و عندما فتك بها و سلبها حياتها كنت أنا لا أزال صغيرة و لم أكمل حتى سنتي الثانية.
حسناء.. هكذا كان اسمها، اسم على مسمى، جسدا و روحا، قولا و فعلا. إنها امرأة استثنائية، بل و استثنائية من كل النواحي، لقد كانت الابنة الوحيدة لوالديها، لذلك فقد نالت كل الإهتمام اللازم الذي يجب أن يناله كل طفل أثناء نموه ليغدو شخصا ناضجا و ليصبح فردا فعالا في المجتمع. و رغم ذكائها الذي ظهر منذ أعوامها الأولى و تفوقها الدراسي الذي أبهر كل من حولها فقد كان بامكانها أن تصل لأي مكان تريده و أن تحقق كل ما تحلم به، لكن بسبب شغفها بالأطفال الصغار و حبها للتدريس فقد اختارت أن تكون معلمة، و اختارت أن تكون مهمتها في هذه الحياة انشاء أجيال جديدة لهم القدرة على الإعتماد على أنفسهم و في نفس الوقت لهم الإمكانيات اللازمة لتحقيق كل ما يحلمون به، أجيال يمكنهم تحقيق المستحيل. و أثناء سنوات عملها أحبها كل صغير و كبير، و تعلق بها كل تلاميذها، و احترمها كل زملائها، حتى ذاع صيتها في كل مكان و أصبحت قدوة لكل المدرسين الذين يملكون نفس طريقة تفكيرها.
في أحد الأيام و بعد أن حدثت ظروف معينة، كانت هناك فتاة صغيرة قد تأخرت على الذهاب للمدرسة، و لأن والديها كان مشغولين جدا ليوصلاها فقد قام خالها بتوصيلها، و لأنها كانت خائفة من توبيخ معلمتها لها فقد قام هذا الخال بمقابلة هذه المعلمة ليفسر لها سبب هذا التأخير. و قد كانت تلك المقابلة بين الخال و المعلمة بداية لقصة حب طويلة توجت بعد عدة سنوات بالزواج. ربما تبدو للبعض قصة عادية و لا شيء مميز فيها إلا أنها قصة مقابلة أمي لأبي، قصة بدأت بلقاء غير متوقع و حب من أول نظرة و انتهت بزواج و قدومي أنا للحياة. لقد اختار كل واحد منهما الآخر و وجد فيه نصفه الذي يبحث عنه و وجد فيه مستقبله و سعادته، فعاشا تحت سقف واحد، يحلمان بتكوين عائلة واحدة، عاشا حياتهما باطمئنان إلى أن أتى اليوم الذي فرق الموت بينهما.
لم يكن مرضها شيئا سهلا، أو متوقعا، لقد ظهر فجأة و تطور بسرعة، و هي.. كشخص قد علم لتوه بطبيعة مرضه، فهي لم تجد الوقت الكافي لتقاومه أو لتحاربه، لقد كانت فرصة نجاتها ضئيلة منذ البداية، هذا إن لم تكن معدومة من الأساس. بدأ ذلك عندما أحست بألام قوية و مفاجئة أثناء حصص الدراسة وقد فقدت على إثرها الوعي، و بعد أن تم أخذها للمستشفى و قام الأطباء بمعاينتها تم إبلاغها بالحقيقة الصادمة و الواقع الممرير، لقد كانوا صريحين منذ البداية لأن حالتها كانت خطيرة بسب المرض الخبيث الذي أصابها، مرض يصعب معالجته بعد أن وجد الوقت الكافي ليتطور و ينتشر في جسدها. لقد كان هناك علاج، هذا ما أخبروها الأطباء به، لكنه علاج ذو فرص ضئيلة، علاج قوي و مؤلم، علاج أنهك جسدها اليافع في أيام قليلة فقط و جعله عاجزا عن الحركة، و فيما أدركت هي و أبي بأن أيامها باتت قليلة و أن نهايتها باتت قريبة، كان أبي يحاول قدر الإمكان إخفاء حزنه من أجل مواساتها، من أجل التخفيف عنها، متعلقا بأمل زائف بأنها ستتحسن و أنها ستكون بخير، أما أمي رغم إدراكها لخطورة مرضها و فرصة نجاتها المستحيلة فقد كانت متفائلة حتى آخر لحظة في حياتها، ضلت تبتسم رغم ألمها، و ضلت تقاوم رغم عجزها، ربما لأنها حصلت بالفعل على كل ما تتمناه و بالتالي حققت السعادة التي تريدها.
لقد كان يوم جنازتها يوما لاينسى، هذا ما قاله لي أبي، لقد أغلقت المدرسة أبوابها في ذلك اليوم و توقفت كل الدروس حدادا على موتها، و قد شارك الجميع من تلاميذ، و مدرسين، و أولياء، و أقرباء، و جيران، شاركوا جميعا في مسيرة ضخمة لتشييع جثمانها و توديعها للمرة الأخيرة، و إن كان ذلك دليل على شيء فهو أنها كانت إمرأة محبوبة، إمرأة تركت بصمتها في هذه الحياة، إمرأة بقي تأثيرها على الناس موجودا حتى بعد موتها، و إن كان الجسد يموت فالأفكار التي يؤمن بها تبقى حية لا تموت.  
لقد مرت الكثير من الأوقات حيث كنت قد تمنيت أنها لا تزال حية، أنها موجودة بجانبي، موجودة من أجلي، حتى أحتضنها، أن أطلب نصيحتها، أن تعاملني كما تعامل الأم ابنتها. تمنيت لو أنها شاركتني تفاصيل حياتي، أن تواسيني عندما أحزن، أن تشجعني عندما أستسلم، أن تفرح عندما أنجح، و أن تفهمني عندما لا أجد من يفهمني. ربما استطعت بطريقة ما تجاوز كل هذا من دون أمي لكن هذا لا يمنع أن ما مررت به ساعدني على إدراك بأن الأم جزء مهم من هذه الحياة، بل إنها الحياة نفسها، إنها نعمة لا تعوض، نعمة لا يعرفها الكثيرين، و في أحيان أخرى لا يقدرونها كفاية.
لقد زرت قبرها كثيرا على مر السنوات، أكثر من أي شخص آخر، حتى أصبحت زيارتي لها عادة، و أصبح وجهي مألوفا هناك بين الأموات أكثر منه بين الأحياء. أنا لست متأكدة كم من مرة ذهبت في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة، فأنا لم أكن أذهب بصفة منتظمة، لكن الشيء المتأكدة منه بأنني ذهبت كفاية حتى تبقى تلك الورود التي زرعتها حول قبرها حية و متألقة بألوانها المتنوعة. كنت أقف عند حافة قبرها، فأصمت أحيانا لأستشعر وجودها و لأتخيل تفاصيل وجهها، أتخيلها تبتسم لي، و أتخيل نفسي بين أحضانها و هي تربت على رأسي، أتخيل صوتها المطمأن و لمسة يدها الدافئة. و في أحيان أخرى كنت أتحدث إليها لأنفس عما بداخلي. فأسمح لنفسي بالبكاء، و أسمح لقلبي بالغرق في أنواع شتى من المشاعر، فأخبرها عن نفسي و عما أريده، أو ما فعلته في ذلك اليوم. كنت أخبرها بكل شيء يخطر ببالي، بما يسعدني و ما يحزنني، بما يغضبني و ما يخيفني، بما فعلته و ما أريد فعله، و في النهاية قبل أن أرحل أخبرها بمدى حبي لها و كم أشتاق إليها. 
لقد عرفت بموت أمي منذ أن كنت فتاة صغيرة، و مع مرور السنوات تقبلت حقيقة موتها، و بعد ما مررت به من تجارب مختلفة تقبلت حقيقة أن الإنسان مهما فعل و مهما بذل من جهد فهو لا يستطيع أن يملك كل شيء، أو أن يحقق كل ما يحلم به، لكن هذا لا يمنع أن نكف عن الحلم و أن نكف عن المحاولة، و أن لا نسمح لليأس أن يتغلل داخلنا عند كل عقبة أو أن نفكر في الإستسلام عند كل مشكلة، بل على العكس علينا أن نحلم بكل ما نريده ثم نسعى لتحقيق أقصى ما نستطيع، علينا أن تستجمع شجاعتنا من أجل الوقوف في وجه الحياة و مواجاهتها بكل قوتنا، فالسعادة بعد كل شيء لا تتعلق بما حصلنا عليه بالقدر ما يتعلق بكل ما فعلناه و بكل ما مررنا به من صعوبات من أجل تحقيق ما نريده.
		       

قطعة صغيرة من السعادة

رواية قطعة صغيرة من السعادة
6.4

قطعة صغيرة من السعادة

مشاهدة

قصة الرواية

لأولئك الذين فقدوا الرغبة.. أو الدافع.. أو السعادة.. و لم تعد حياتهم تشبه الأحلام التي رسموها هذه الرواية القصيرة ستجعلكم تفكرون مليا في كل شيء.. و ستفهمون من خلالها المعنى الحقيقي للسعادة.

تفاصيل العمل

التصنيف: اجتماعية - عائلية
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

سوريسوس | حيث بدأ كل شيء

جاري التحميل...

حيث بدأ كل شيء

فتحت سارة عينيها ببطء لتجد نفسها ملقاة وسط الشارع و محاطة بمجموعة كبيرة من الناس، و بسبب أنها لا تزال مشوشة الذهن و تعاني من آثار الصدمة فقد كانت حواسها معطلة و كانت حركاتها محدودة، لكن سرعان ما بدأت تتضح الرؤية أمام عينيها فلم تعد ضبابية و بدأت أذنيها تستوعب كل تلك الأصوات التي كانت منذ لحظات قليلة فقط أشبه ما تكون بهمهمات غريبة و غير مفهومة، و من بين تلك الأصوات كانت قد تعرفت على صوت مألوف، صوت شاب تعرفه جيدا.

تحميل الفصول...
المؤلف

يقال أن الأشياء السيئة تولد غالبا في جوف الظلام و أن الشر نفسه لا يظهر سوى في أشد الليالي قتامة حيث يكون في أشد حالاته قوة و بأسا، و أن الإنسان.. ككائن قادر على إرتكاب أبشع الأشياء، إن لم يضحي بنفسه في سبيل تحقيق غاياته الخبيثة فهو بلا شك مستعد للتضحية بأقرب الناس إليه، و قبل أن يتمكن من تصحيح أخطائه، هذا في حال إستعاد ما بقي من إنسانيته و أحس ببعض الندم، سيكون الأوان قد فات و ستكون أفعاله الشريرة قد نهشت جسده و استهلكت روحه.
في ظروف مشابهة، و في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، تبدأ قصة غير اعتيادية لفتاة عادية تدعى سارة، حيث استيقظت بشكل مفاجئ في ساعة متأخرة على صوت رنين المنبه، فرفعت رأسها ببطء و نظرت نحو المنبه مستغربة، فهي لا تتذكر بأنها قد قامت بضبطه على هذه الساعة المتأخرة، بل إنها لا تتذكر بأنها قد قامت بضبطه على الإطلاق. لم تطل سارة التفكير فهي ترغب بالعودة لتنام، فكانت الساعة تشير إلى منتصف الليل عندما مدت يدها و أطفأت المنبه، ثم سحبت يدها بسرعة و انكمشت على نفسها داخل بطانيتها فقد أحست ببعض البرد قد تسلل لفراشها الدافئ.
كانت سارة تبلغ من العمر ثلاثة و عشرين سنة، لكن جسدها الصغير، و ملامح وجهها شبه الطفولية، إضافة إلى صوتها الرقيق، كل ذلك جعل كل من يراها أو يتحدث إليها يعتقد بأنها فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الخامسة عشرة سنة، و هو أيضا ما جعل كل من أهلها و أصدقائها يطلقون عليها لقب " الخنفساء "، و هو لقب كان يزعجها في البداية لكن مع مرور الوقت أعجبها و تعودت عليه.
استيقظت سارة في صباح اليوم التالي في ساعة متأخرة على غير العادة، و ذلك لأنه أول يوم من عطلة الشتاء، فهي عطلة طويلة تمتد لأسبوعين، لكن من ناحية أخرى فهي ليست عطلة راحة و استرخاء، ليس بالنسبة لها على أي حال، فهي مخصصة للدراسة و المراجعة لأنه مع نهاية هذه العطلة يبدأ أسبوع الاختبارات، و كطالبة في كلية التجارة، و بإعتبار أنها السنة الأخيرة.. سنة التخرج، كانت سارة تدرك بأنه لا يجب عليها أن تتهاون في دراستها، خاصة و أنها تميل في أغلب الأوقات إلى التكاسل، فرغم كونها ليست بذلك القدر من الذكاء فهي بالتأكيد تملك ما يتطلب حتى تضمن النجاح و تتجنب الرسوب في كل سنة من سنوات دراستها، ثم إنها عندما أفاقت و نظرت نحو الفراش الفراغ الخاص بزميلتها في السكن أيقنت بأنها لا تزال مثل عادتها، فهي جدية في دراستها، و مجتهدة كما هي دائما، فالعطلة الدراسية لم تمنعها من الإستيقاظ باكرا و التوجه نحو قاعة المراجعة.
بالنسبة لسارة فقد كان هذا اليوم مخصصا للراحة و الاسترخاء، و الابتعاد عن أي شيء يخص الدراسة، فهي قد خططت مسبقا مع خطيبها خالد من أجل يلتقيا و يتسكعا معا، لذلك ما أن رفعت الغطاء و غادرت سريرها حتى بدأت في تحضير نفسها بأسرع ما يكون فهي لا تزال أمامها ساعة واحدة حتى يحين موعد لقائهما. كان أول ما قامت به هو الإتصال بخطيبها للتأكيد على موعدهما و للاتفاق على المكان الذي سيلتقيان فيه، و بعد أن اغتسلت، و أفطرت، غيرت ملابسها و خرجت.
كان صباحا باردا، مغيما، و كان هناك نسيم خفيف يتحرك ليعبث بالأجساد الدافئة التي لا تتحمل البرد و ليبعث فيها شعورا خافتا بالقشعريرة. و بالنسبة لسارة، بإعتبار أنها من النوع الذي ينتشي برؤيته لمثل هذا الطقس، و يستمتع بكل لحظة من فصل الشتاء، فقد وقفت لبضع الوقت حتى تتمكن من التأمل في السماء، ثم بدأت في السير و قد ارتسمت على وجهها ابتسامة تدل على رضاها و سعادتها. كانت لا تزال أمامها نصف ساعة حتى موعد اللقاء عندما غادرت مسكن الطالبات حيث تقيم، و كان المكان المتجهة إليه لا يتطلب منها سوى ربع ساعة من السير، لذلك فقد تعمدت أن تسير ببطء، و أن تسلك طريقا فرعيا مختلفا أطول قليلا من الطريق الرئيسي، فهي تفضل أن تصل في الوقت المتفق عليه على أن تصل مبكرا و أن تضطر للانتظار بمفردها حتى و لو كان ذلك لدقائق قليلة لا غير. فكانت تسير في صمت، شاردة الذهن، منتعشة بنسيم الصباح البارد، منشغلة من حين لآخر بمراقبة الناس الذين يمشون من حولها، و بعد أن قطعت معظم المسافة لم يكن أمامها سوى عبور شارع واحد حتى تصل للمكان المطلوب.
وقفت سارة على حافة الشارع، و بعد أن ألقت نظرة سريعة نحو هاتفها، فقط لتتأكد بأنه لا يزال لديها ما يكفي من الوقت حتى تصل تماما في الموعد، كانت قد نظرت يمنة و يسرة، و راقبت جيدا ما يأتي و يذهب من السيارات، و ما أن تأكدت بأن الشارع آمن، و أن في إمكانها السير باطمئنان، حركت قدميها للأمام فيما كانت عيناها منشغلتان بالنظر بعيدا نحو الجهة المقابلة من الشارع، و فيما كانت تسير ببطء كما كانت تفعل منذ البداية، و بعد أن قطعت أكثر بقليل من نصف المسافة نحو الجهة الأخرى، كانت قد توقفت بشكل مفاجئ، لكن ليس طواعية منها، فقد أحست بأن ساقيها قد تجمدتا و لم تعودا قادرتان على الحركة، و رغم أنها قد حاولت أكثر من مرة تحريكهما فقد كانتا صلبتين و ثقيلتين، و كأنهما كانتا مغروستان عميقا في الأرض. نظرت سارة للأسفل باستغراب و قد كانت على وشك الإنحناء و مد يديها نحو ساقيها حتى تساعدهما على التحرك، و إن كانت في تلك اللحظات القليلة التي تفصلها على عبور الشارع مطمئنة، ربما أكثر من اللازم، فهي لم يخطر لها أن تلتفت و لو لمرة واحدة حتى تتأكد مجددا بأنه لا يزال بإمكانها العبور بأمان، فهي بكل تأكيد لم تنتبه إلى تلك السيارة القادمة في اتجاهها بسرعة جنونية، و التي لا يبدو أنها ستخفض من سرعتها في أي وقت قريب. لم تكن سارة منتبهة للسيارة، و لم يكن سائق السيارة لسبب ما منتبها لسارة، كما أنه لم يكن هناك أي شخص قريب بما فيه الكفاية من ذلك المكان ليلاحظ ما سيحدث و بالتالي لينبه سارة من الخطر القادم نحوها، و كنتيجة محتمة.. وقع الحادث، و حصل الإصطدام الذي كان ضرره على سارة أسوأ بكثير منه على سائق السيارة.
فتحت سارة عينيها ببطء لتجد نفسها ملقاة وسط الشارع و محاطة بمجموعة كبيرة من الناس، و بسبب أنها لا تزال مشوشة الذهن و تعاني من آثار الصدمة فقد كانت حواسها معطلة و كانت حركاتها محدودة، لكن سرعان ما بدأت تتضح الرؤية أمام عينيها فلم تعد ضبابية و بدأت أذنيها تستوعب كل تلك الأصوات التي كانت منذ لحظات قليلة فقط أشبه ما تكون بهمهمات غريبة و غير مفهومة، و من بين تلك الأصوات كانت قد تعرفت على صوت مألوف، صوت شاب تعرفه جيدا.
- من الجيد أنك بخير، لوهلة فقط اعتقدت بأنك قد فارقت الح.. أنا أعني بأنك لن تستيقظي أبدا.
أدارت سارة رأسها بصعوبة، فقط بما فيه الكفاية لتعرف صاحب الصوت، فرأت خالد و قد كان جاثيا على ركبتيه بجانبها، مفجوعا.
فقالت:
- خالد.. هل هذا أنت؟. أخبرني.. ماذا حدث؟، أين أنا؟
- لقد صدمتك سيارة بينما كنت تعبرين الشارع، لكن لا تقلقي فقد اتصلت بالإسعاف و هم الآن في طريقهم إلى هنا.
كانت سارة قد حركت رأسها أكثر لترى خالد بشكل أوضح، فلم يسعها سوى أن تلاحظ يديه اللتان لا تكفان عن الإرتعاش و هما ملطختان بالدماء.
فقالت بصوت مرتعش و قد أصابتها نوبة هلع مفاجئة:
- هذه الدماء، هل..هل هي دما..دمائي؟
عندئذ حرك خالد يديه بسرعة و مسحها في سرواله حتى يزيل منها الدماء التي غطتها، ثم قال محاولا تهدئتها:
- لا تخافي، إنها مجرد إصابة بسيطة في رأسك، فقط استرخي و ستكونين بخير.
لم تكن كلمات خالد ستنجح في تحقيق شيء من هدفها فقد رفعت سارة يدها على الفور و تحسست ببطء كل شبر من رأسها، و ما أن أحست بذلك الجرح العميق الذي يتوسط أعلى رأسها، وبعد أن رأت كيف أن يدها قد تلطخت هي الأخرى بالدماء، كانت قد ازدادت نوبة الهلع التي أصابتها، فتسارعت دقات قلبها، و أصبح الهواء ثقيلا على رئتيها فكانت تتنفس بصعوبة، و من بين كل الأشياء التي يمكن أن تقوم بها في ذلك الوقت فقد أرادت أن تحرك جسدها و تقف على قدميها، فاستندت بيديها على الأرض و بدأت في رفع جسدها الثقيل الذي فيما يبدو لم تكن قادرة على التحكم به، و سرعان ما ارتخت يديها و سقطت، و بسبب كل ذلك الجهد الذي بذلته، إضافة إلى عدم قدرتها على التنفس على النحو المطلوب، كانت قد فقدت وعيها من جديد، و فيما كان عقلها يعبر من حافة الوعي إلى عالم اللاوعي كانت قد سمعت صوت خالد و هو ينادي بإسمها و صوت صفارة سيارة الإسعاف و هو يعلو شيئا فشيئا.
		       

رواية سوريسوس

سوريسوس
4.5

سوريسوس

مشاهدة
دقيقة 43

قصة الرواية

البعض يقتل للمتعة.. البعض يقتل للإنتقام.. لكن ماذا لو كان هناك من يقتل لأنها الطريقة الوحيدة ليستمر في العيش و ذلك بسبب لعنة أصابته.. حيث لا مهرب من الموت

تفاصيل العمل

التصنيف: جريمة - نفسية
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
سارة
طالبة جامعية

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"