القادم | رواية الظلام المقدس
جاري التحميل...
القادم
بداية فلسفية تُنذر بالآتى!
4
مجلسه على شاطئ البحر، ونسمات الهواء البارد بالليل الغائب عن اليوم، والنجوم المنثورة بالفضاء زفّت له سرورها بهذه الليلة الهادئة.
هناك يقدم من بُعدٍ يكاد يُرى منه؛ فيسير، ويسير فتبلغ نشوته بالسعاده مبلغًا لا يصله، ولو في باطن عقله؛ فتُلاشى أي ذكريات لا يحق لها الوجود، وتغوص أقدامه بالرمال، ومياه المحيط تتلألأ في ظلام لا نهايه له، وتسحبه إليها في إغراء لا مرد له!
ويسير، ويسير فإنه لن يتوقف! فقد وجد مردودًا لمطلبه يناجيها في أسراره، وتعلوا بها الصيحات تأمل رجوعًا، وترجوا جمعًا فضُحى بالجانب الأخر من الشاطئ، ولا علم له كيف تُرى من الجانب الأخر من المحيط على الشاطئ؛ فكانت تعلوا، وتعلوا أنفاس خوفه رهبةً فيما يرى، ويسمع!
تنادي بصريخ ما زال يتردد صداه في آذانه؛ فتشرأب به نفسه، وتهدأ به أساريره، وتكتمل به أجزاء قد استأصلها الواقع؛ فيعود، وقد ملك الدنيا بما لا تحويه السعادة في عمرٍ بأكمله، فسار إليها يطوف حول موقفه لعله ينالها بنظرةٍ، وقد أبعدها الجسد في بعدٍ لا أبعاد لرؤيته! فحتى أصبح قِبالتها، وأغمر الليل دفء لا متناهي ليس كمثله دفء!
-هل ستبقين هنا؟!
-لا علم لي.
-ربما يمكننا المكوث هنا أبد الأبدين!
-لم يكن هذا يا شاهق إلا بعقلك، في باطن عقلك!
هروبك، وفرارك من الواقع لن يداوي مما مضى شيئًا؛ فما مضى قد مضى، ولن تظل فيه ما حييت؛ فجِد لنفسك منقلبًا آخر لعلك تعود به من فرارك!
وفي أرجاء الأفق، وقد بدأ يتزين استعدادًا لمطلع يومٍ جديد عليه، وعلى روحه، ثم اختفت ضُحى! فصار وحيدًا ترفض روحه العودة، ويقتله عقله على البقاء!
وجده نائبه غالب فأحضره إلى المعسكر الذي أقاموه، ولكن حين حمله حيث مربط خيمته، ومحط تِرحاله رأى فيما لا يرى فكيف له أن يرى؟! وقد أطبق الظلام عليهم جميعًا إلا أن غالب ذاك ينظر حوله؛ فلا يرى أحدًا يقدم فأجلسه على دوانه من الأرض، ثم أخرج ورقة من خفاءٍ قد أخفاها، وأخذ يقرأ ما جاء بيها؛ فلم يستيقن شاهق يقين ما يراه، فلعله بات في عقله؛ فلبث بعقله لا يحرك عنه ساكنًا!
وقد أربكه عقله فأربك كل ما يتعلق به، وظل يئنّ على فراق زوجته التي لا يلبث شبحها في مطاردته حيث كان، وتلاطمت أمواج البحر تجلد له ما يرى من خيالات في يقظته أم في منامه! فلم تُبدي روحه أي مقاومة؛ حتى أصبح جثةً هامدة تطفو فوق مياه البحر!
لا يزال بمكانه آملًا في أن تعود؛ فلا تعود!
يريد أن يظل عالقًا هناك فلا يهوى العودة، ولا تهواه!
فالروح تنازع العودة، وهو يأبى؛ فلا مزيد من اشتياقٍ يُفنيني؛ فلن أشعر بآلامهم بعد الآن!
أنا هنا أرى الأشياء على حقيقةٍ من أمرها، وصدق من فاعِلها؛ فلا مزيد من الحروب، ولا الخيانة، لا مزيد!
فإني باقٍ هنا ما بقى بروحي من النزوع!
غالب يضغط على صدره، يحرك جثته فلا يحرك ساكنًا، ولا متحركًا!
فكان في منفاه يسمع صدى صوت لا يُرى له صارخ؛ فيخاطب فيه قائلاً:
عد إليهم يا من آنست الأيام روحًا، وعشقًا، ورقت بك النُكب، ونفث بطيبك الدهر لا أشكو إليك ضرًا لست صاحبه، بل أشكو إليك فراقًا لست غالبه! مطلبك من الدنيا لُقيانا، ونحن أحب إلينا منك بهذا اللقاء، ولكنك بخّلدك تلهو بك المرايا؛ فتُظهر لك ما أردت أن ترى من نفسك، فاكبح جماحها، واعلم أن أُناسًا كنت الرقيب فيهم، والحامي لهم؛ فهم أحوج مني إليك الآن. فعد إليهم فلعل ملتقانا يومًا في جنة الخلد عائلةً لا يفرّقها الموت مرة أخرى.
شهق روحه مرة أخرى، وظل ينازع حتى عادت له؛ فأطبق عليها، وأحكم أمرها!
للحظة ظن أنه يرى؛ فرأى من الخيمة ما يحاوطه، ومن ديوان يستلقي عليه، وعينان يتفرسان به تلتهم منه الروح العائدة، فتُرسلها حيث كانت فعاد إليه بصره، وأطبقت عليه ظلماته! فحان إليها فلا ملجأ من واقعٍ لا يألوه إلا إليها!
وبمَحطٍٍ آخر من الغابة كان ذلك الرجل الذي قد قابله قبل أمس فحدّثه عن خطورة رحلتهم إلى مُستقرهم؛ فحذره بما أُمر، وقبل مغادرته لمعسكرهم ظل يستخفي في خيامهم يتابع خطواته في مستكنٍ لا يُسمع؛ فيُعلم ثم تابع أمره فيكشف نقاط الضعف فيهم، وكم عددهم، وكيف الطريق إليهم؟ دون أن يكشفوا فوقع له ما أراد ثم عاد حيث قومه!
كان من رجال قبيلةٍ تقطن بالقربِ من وادٍ تحاوطه المياه، ولها قائد يُدعى ناصع، وقد أخبره مرسوله بعد أن عاد من مهمته أنهم مجموعة لا تتعدى الخمسين شخص بعد أن رأى ما يملكون، وكم عددهم؟! فعاده؛ فأخبره فأجابه الآخر ساخرًا:
هذا جيد صيد سهل، جماعة من العُمي لن يرى أحدٌ شيئًا سنأخذ كل ما تنزل عليه أقدامنا، وننحر أعناقهم، ونقوم بشواء لحومهم؛ فيكون لدينا أطنانٌ من اللحوم فنعمر على هذه الجزيرة إلى الأبد!
وظل الجميع يهلهل: لحم، لحم، لحم، لحم!
5
تمر خيالات بين ظلام رؤيته، ودهاليز نفسه! فهل يرى أم لا يظل باقيًا بأضغاث أحلامه تُنافره، وينجذب لها أم تسبقه روحه إلى منزلها فتستكن به كما كان قبل ذاك، فترتعد أطرافه، وتنبعث روحه؛ فتصعد به إلى الحلق فظن أن فانٍ لا مُحال!
زَفر شهيقه بتنهيده طويلة؛ فكأنه غريق بمحيط لا عمق له، ولا سطحٌ يبلغه فكان في أعماقه في أشد من الموت!
لم يعرف، ولن يعرف ماذا حدث؟! وقف يتخبط بين جنبات خيمته حتى لاحظ الجنود القابعين بجانب المدخل من الخارج حركته؛ فتحسسوا طريقهم إليه، وأنصتت آذانهم إلى مصدر الحركة؛ فتقاربوا منه، وقبضوا عليه، وحال ذلك دون تهدئته. فهو لا يزال هناك في ظلام الماضي لا يستقيم منه، ولا يحول على شيء سواه! ما زال هناك على جانب الشاطئ ينادي، والدموع تنهمر من مُقلتاه لأنه لا يشعر بها، وكأنها لم تكن في الأصل جليسته، ومسكن روحه، وهدوء ليله، وصباح نهاره!
وهبط الليل فلم يكن على علم بظلام آخر غير ظلامه؛ فكان فيهم سواء، وظل يتردد عليه وجه غالب، فلا يستيّقن من حقيقة رؤيته، ولا من هذيان خلده!
- عن ماذا أكتب؟!
- ألا تكفيك أرواحٌ مُعلقةٌ بين جنبينا أقسمت ألا تنازع الأخرى في شيء؛ فكانت كلتاهما روحًا واحدة ألا كافيك هذا؟!
-إني بهذا عليمٌ أشد العلم يا عزيزتي، ولكن أريد أن تهبط من السعادة أطنانًا على جميع الأرواح؛ فتُشفى صدورهم بِسُقيا الحب، وتنعم حياتهم بروابطٍ لا تُفرّقها الأيام إلا بانتهاءها على أُناسٍ أصبحوا، وأضحوا، وأمسوا في نغصٍ من العيش، وقفره، ولازمهم الحزن أعوامًا، فلعل في كلماتي شفاءً لأيامهم، ومجمعًا لتفرقهم؛ فتستحق الكتابة حين ذاك مبلغ الجهد منها، والسهر في خطّها؛ فتدوم في قلوبهم قبل عقولهم؛ فأنال بها رضا الله ثم رضا نفسي.
- وما بال حديثك أشبه بخطابٍ منثور، وإن فيه للذةً، ومنبعًا للسعادة لعلك تصل به يومًا، ولكن أنت لم تُنشر لك كلمةً حتى الآن فكيف تريد ما تريد؟!
- إني لأتريّث في مُكتتبي؛ حتى تنال منه العقول، والأفئدة ما أردته لها فإن نالته، وبلغت مبلغي فهنيئًا لنا سعادةً، وهنيئًا لي أن يصل ما في نفسي، وما أحببت أن أكتب منه، فلا أسعى إلى شيء منه إلا حبي لما أكتب، ورجاءي في حب القارئ له؛ فعلّي بالغٌ ذاك يومًا!
طُبعت على وجه تلك الإبتسامة التي أرهقها إلى نالت منه حين تذكر حديثه المحبب إليه بينه، وبين زوجته ففرّج عن روحه، ولو قليلاً فإن قُبضت منه فلا زالت روحها تتردد بين جنبه؛ فبقيت له ما بقى لها!
وبالكاد أراد تذكر ما أحدثه النيزك بالقرية من خراب بالمساكن، والأحياء، وما أحصاه من الأرواح في سبيله؛ فلم يذكر شيئًا منهما أو عن مهلكٍ رأه بعينه، أم أن بصره قد فُقد حين حدث ما حدث!
ولكنه لم يفتأ يصرخ، ويهيم على وجهه أنحاء القرية ليجد أثرًا منهما؛ فلم يجد، وأحدث نفسه بأمل زائف يحيا عليه، فتسير به الأيام دون توقف حتى يلقف ما ترك، وعندما ورد من هذا في عقله، وأطلق له العنان في التفكير، فأحاطت به سعادةً لم يرى مثلها قبل فقد كان كالثكلى، وقد هلك له من أحباءه ما له، فحق له أن يموت حزنًا ووحشةً، ولكن تمسّكه بهذا الأمل الزائف أعطى لحياته معنى مرة أخرى.
فاستلقى على ديوانه في ارتياح يسترسل في أفكاره ما وجد من الوقت فيها استرسلًا، وعقد عزمه على قيادة شعبه، وترتيب صفه، وبلوغ المأمن فيما يضمن به حياة آمنة لهم، ويعود آملًا أن يعود إليه أحباءه، فيلوذ بالحياة في كنف عائلة لا يتمنى إلا لُقياها!
لم يعُقه فكره فيما رأه أمس، أم أمس الأول عن غالب؛ فألقاه في ظلمات الجب لا يحوم خلفه! لعل ما رأه مكذوب فقد كان في أشبه من السُكر فلا يدرك صدق رؤيته، وقد علم من صاحبه حسن صُحبته، وصدق نيته؛ فقد أنقذ روحه، وقد كانت في عالم الأموات لا يفصل بينهم إلا فتيل قد شدّه صاحبه؛ فأحكمه، وعاد به فعاد!
- يا قوم إني عاقد عزمي على الإستكان بمكان آمن؛ فأذهب بكم إليه، ويطمئن فؤادي به، فأستأمنكم عليه، وأستأمنه عليكم ثم بعدها فإني عائدٌ لعلي ألقى من أحبائي ما تقر به عيني، ويثلج به صدري، وتتيسر به نفسي، وإني مُطلعكم على محط ذعري، ومكمن خوفي، وقد علمته في حالٍ لا تُمناه حالي؛ فرثوت لكليهما نفسي، وقومي.
وإن منه ما سيكون إن اقتربنا أو تقدمت أقدامنا إلى الأمام؛ فإن فيه قومًا لا يحبون أن نقطع عليهم أرضهم، وألا نستحلّ المرور فيها إلى مبلغنا، وقد جاءني رسولهم قبل وقت لا أعلم أكان قريبًا أم بعيدًا؟! فلا علم لنا بالأيام، فلا أعلم أي عامٍ نحن؟! ولا أي يوم نحياه؟!
فإن ما نحياه يحيانا؛ فلا يشغل نفسي إلا ما يشغلها هذا فهل علم أحدكم أي وقت هو وقتنا؟!
أتاه صوتٌ رقيق يوحي برقته أن الثغر الذي خرج منه كان ثغرًا مؤنثًا فقالت: قبل حدوث النيزك أذكر أننا كنا في السابع عشر من أكتوبر لعام ١٨٧٥ ميلاديًا أما من بعدها فقد فَقَدَ الجميع قدرته على معرفة الوقت!
6
تصلّبت أطرافه، وحدجه كليمه بنظرات ذعرٍ، وارتياب لا يدرك مدى صدق ما سمع، ولا يستطيع تكذيبه، وتبادرت إلى عقله الجموع الغفيرة من السؤلى؛ فضاقت بيه ذرعًا، وضاق بها فكيف هو في القرن التاسع عشر؟!
وقد كان مولده بالقرن الحادي والعشرين في نفس اليوم المذكور تاريخًا موازيا السابع عشر من أكتوبر لعام ٢٠٠٤ ميلاديًا!
وكيف علم هؤلاء دقة هذا التاريخ؟! وكيف هم على دراية كاملة به، وبأنه منهم بل، وإنهم قد علموا منه النباغة، وحسن الخلق؛ فأذنوا له في مسعاهم فكان قائدًا، وأمينًا عليهم، وزادت شكوكه حول صدق ما رأه من غالب بما أحاطته الأحداث بمستجدٍ عليها، وما يزيد على حيرته حيرةً أن الغابة التي يطلبون السير إلى مبتغاهم بالعبور منه هي كما هي كما وُصفت لهم، وكما عادلها بالأيام شطرًا طويلاً.
فأعاد سؤله على من أجابت فأكدت له صدق ما تحدثت به مؤكدةً إياه على مسمعه!
يا لي براءتهم ألم يعلموا بعد أن نهايتهم ستُكتب بيد حاكمهم قريبًا! فيُبقيهم في ظلّ الإستعمار، وظلمه ربما صارعوا على البقاء، أو أتاهم المرض مُجتاحًا حاصدًا لأرواحهم بهذه القرية فينالون نصيبهم منه وإن للكوليرا صيتٌ لا بأس به في هذا الزمن فحصدت ما حصدت من الأرواح أو حصد الإحتلال أرواحهم قبل ذاك أم نحن في غير هذا لن نعلم، ولن تعلم يا شاهق لن تعلم!
لم أستكمل حديثي لهم، ولن أستكمله فإني الأن قاضٍ نحو هؤلاء القوم طالبين الكرم منهم، وحُسن المنزل مغادرين إياهم إلى ما نريد بلوغه دون مشقةٍ نكابدهم إياها!
ثم أمر فيهم ما أراد؛ فتبعوا واقع قدمه، وسارت أقدامهم حيث سار.
تُعاتبك على ما كان من أمرك ألم تعلم بعد؟!
ألم تعلم أنك لم تخطّ قدمك يومًا بغابة، ولم ترى كثافة بمكان كهذ الكثافة!
أنت نابذٌ الازدحام نبوذًا مؤبدًا فكيف جئت بما جئت؟!
بقاياك لا يُترفع؛ فلا رافعٌ لها، ولا مشفقٌ عليها فسِر بما أحل السير لك سيره
هِم ما تشاء كما تريد، ولا تطب نفسًا به.
ألق بالًا لعلك ترى أي صيبٍ قد أصابك؟! أَمِن المكان، والزمان أم من رفيق بات بين اليقين، والإستعلام، أم من قومٍ لا تعلم خباياهم، فإن لاذت أقدامك أنت، ومن معك باللجوء إليهم فقد كانت القطيعة بل الإستإصال فضلاً من الحياة بأجمعها!
فانظر أي المصائب أخفهم، والتقفها، وإن جهلت بأمر هذا كله فأنتم إلى الفناء أسرع من الضوء!
ما أن أحاطت به تلك الهالات التي أثقلت كاهله فضلاً عن الإرتياب الذي تماثل فيه مُصابه، فما أسكنه كانت هالة واحدة أنهم بالبقاء قد لاذوا، وإن بات المستحيل أقرب إلى الوصول إليهم؛ فقد استيقن في نفسه قرب رحلته بمجمع أسرته...