نوفلو | Novloo: 8Fa3J6bf0YNrWSWKIf6bBPK6qSc2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

وتبقى أنت الحب

هي سجى، التي اتُهمت ظلمًا وخسرت حياتها في ليلة واحدة. وهو باسل الشريف، الرجل الذي مدّ لها يد الأمان حين تخلى عنها الجميع .بين الجرح والإنصاف يولد حب صادق، حبّ يثبت أن بعض القلوب خُلقت لتبقى... مهما قاومها القدر .نوفيلا وتبقى أنتَ الحب .

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

رواية الظلام المقدس

جاري التحميل...

الظلام المقدس

غموض فلسفي

تحميل الفصول...
المؤلف

                     الظلام المقدس



                                 تأليف
                          محمد أحمد الجبري 


لم تختلف، ولكن هم من اختلفوا، ولم تُستبدل، ولكن من حولك، وما حولك قد تُبدل؛ فما بالهم لا يبالون، وما بالك لا تبالي!


                                        1
                                                 
في الظلام يرقد أنفاسه تُلاحق بعضها الأخر لا يتوقف، ولن يتوقف لن ينظر إلى الخلف؛ وإن وصل الفضول إلى ذروته.
ففي الخلف مجهول، بل أشياء لا يتمنى رؤيتها، وهنا! هنا فقط!  أنت تقف على الحافة إما أن تهوي، وتتلاشى أنفاسك الأخيرة!  رويدًا، رويدًا...
 أو تتحلى ببعض الشجاعة، وتواجه فلا مجال للتفكير، ولا لحظةً للذكريات الماحقة اتخذ القرار الأن!  وامض إليه.  الهاوية أم المجهول في الظلام!

-لم تكن سوى محاولة يائسة، ولن يكتب التاريخ الحافل بالإنجازات العظيمة، والحروب المُبيدة، والثورات التي تصنع حضارات. 
التاريخ ليس للجميع! التاريخ إما للعظماء أو السفهاء. فالمحاولات اليائسة ستكتب في حالة كُتب لها النجاح؛ فلن يمتلئ الثراث بالترهات، وتراكمات بلا فائدة.
لم يرى هؤلاء الأوغاد كم حاولت لتصل؟!  ويصل بك الحال في كل مرةٍ إلى الفشل!  كلها بلا استثناء!  توقف الأن، وخذ شهيقًا ثم تريثّ، وحاول من جديد لن يموت المرء إلا وقد سكب الكوب بأكمله؛ حتى تمتلئ بحاره مرةً أخرى، وسنرى الضوء، ولن نظل في الظلام للأبد سنطارد المجهول مهما كان لن نتوقف؛ حتى نعبر الستار المظلم،
ونحظى بالنعيم الأبدي في ضوء الشمس، لقد عانى هؤلاء البُؤساء في هذه الحياة الدنيئة، ولن أتركهم، ولقد واريت العديد من الجثث، ومنهم زوجتي، وابنتي، وحياة حظينا بيها في كنف السعادة أعوامًا، وليالٍ لن يعود الزمان بمثلها، وقد قُطفت زهرتان من بُستاني؛ فليست زهرة واحدة فقد جَفلت الأعين، ولم تجفل الذكرى عنهم، وبكى الفؤاد؛ حتى فطر، وسالت الدموع دمائًا حتى لم تجد من الدمع ما تسكبه فسلامٌ عليهما.
ففي هذا الثرى تحت قدميك، وفي كل خطوة تخطوها هناك فردٌ منا قد وراه الثرى؛ فلقد توارينا جميعًا به؛ حتى وإن كان البعض منا على قيد الحياة!
فلقد لاقت المدينة بأكملها حتفها بعد حادثة النيزك، وها نحن الأمل الوحيد المتبقى فهل سنبقى؟!
-ولكن أيها القائد لم تكن وجهتنا إلى هذه الغابة!  فلماذا نبقى هنا؟!
- إني أعرف هذه الغابة أكثر من المدينة التي قضيت فيها معظم حياتي بأكملها إضافةً إلى أننا لا نرى شيئًا! 
فماذا تتوقع أن يحدث إذا ذهبنا إلى مكان أخر؟!
سنكون في أحضان الموت حتمًا، ونحن نفر منه فرار المفترس لفرسيته، ولن يترك أيًا منا.
في ليلة هادئة، وقد صارت معظم حياتهم ليلًا، كانت نسمات الهواء البارد تدغدغ الوجود تبعث في الروح الطمأنينة، وتسير ببطء بينها همسات الماضي، وتصول في الروحِ روحٌ مُنهكة، كامنة في موضعها فقط!  تبحث عن الحياة، تبحث عن أي شيء يثبت لها بأنها تحيا.
كانت ليلة دافئة للجميع، ولم تكن كذلك بالنسبة له كانت الكابوس الذي يجثُم فوق روحه يُكبّلها، ينازع، فيُصارع.
سباق النجاة أصبح وهمًا!  فأنت الأن بلا حيلة أنت لست سوى روحًا مكبلة في ظلام الأبدية!
وعبوديةً تضجّ بالكَفافِ، والمَنية أقرب إليها لتُزيح ثِقل مسجنها.
فلماذا قاومتم؟!
لماذا لم تسلّموا للواقع المرير، وتندثروا تحت الثرى؟ 
لماذا أنتم الناجون حتى الآن؟!
تَنجون في كل مرة، ولكن تُهزمون أمام أنفسكم!  أمام الخوف أمام الظلام المتلاحق. 
أنت لن تستيقظ!  ستظل في أضغاث أحلامك؛ ستضج خلايا عقلك بالصريخ!
لا نهاية لشيء ما دام للحياة وجود!  التجدد هو السبيل التعايش هو الهمسات التي تنبس بها شفتاك الأن، وأنت لن تسمع، ولن تدري ماذا قالت؟!  ولكن ثمة مرجع الأن لتستيقظ محاطًا بالخوف شاعرًا بالأرق، والعرق يسيل كالأمطار من وجنتيك!
أنت الآن تعود من جاثوم الجحيم أنت الآن القائد، أنت شاهق.
استيقظ شاهق من ظلام نومه إلى ظلامٍ أشد منه يرقب كل صوتٍ يعقب إليه من أي ثغرٍ لا يراه؛ فإن سَمعه لا يقلّ حِدةً عن رؤياه، وكذلك أنفه؛ فكأنه كان يرى ما سيحدث فأعد العُدة له مستقبلًا! 
فبعد أن أنهى حديثه مع نائبه اتجه إلى خيمته يتحسس طريقه إلى أن اهتدى إليها فدلفها، وبعد أن ركن إلى فراشه من شقاء يومه تزاحمت عليه الذكريات تنهره نهرًا، وتزجره زجرًا؛ فقام يرنوا يلفظ أنفاسه في الهواء يرقبها؛ فإن تهاوت فقد ظفر، وإلا فهو في شقاءه باقٍ.
لا يفقه من مستقبله أهو في الرخاء؟!  أم في الشقاء موصلًا بما مضى! فلم يتفكر به، ولم يُبقي تفكيره به؛ فقد شغل جُلّ لحظاته ذكرى ماضيه؛ فمحت من كان دونها.

                                            2   

ألتقي روحًا بين جنبات جسدي روحكِ تدهسني، وتشقُّ عليّ
سيري؛ فأضافتِ روحًا إلى روحي!
أألقاكِ بروحكِ أم بروحي!
يسير القوم غير مبالين بشيء قائدهم شاهق يقود الصفوف، ويُحدّث نفسه بحسرة، وإيلام، ويهيم في نفسه: ليت الروح لم تنشق، ولیت روحي هي من أُخذت، وبقِيتا هنا!
الفِراقُ أسوأ من الموت، الكمد يتخلّلني من كل جانبٍ لا أدري من أنا، ولما أنا ؟!
هنا كلهم مذنبون، ولست أنا، وشتى الخيبات تتجلى من
جُعبتي، فأنا سأقودكم إلى الهلاك أيها الأوغاد!
لمَ تَتَبعكم إياي! فمن تتبعون مكروبٌ، ومنكوب لا يفقه من أمره شيئًا فكيف يفقه من أمركم؟!
يُصدمون بالأشجار على أعينهم غشاوةً لا يُرى لهم الفرق بين الهواء، ولا الجماد، بين الخط الرفيع بين الحياة، والموت؛ فهم على السراط يرتابون عليه!
 قُطعت عن أعينهم الأنوار، وبقوا في الدُجي لا يرون من أمرهم ولا يرون لأمرهم!
لم تعتادهم حياة الأكفِّ بعد، بين السبيلين هم شتات.
الدليل لمضيعهم، وإرشادهم بالطريق هو القائد ينقادون وراء صوته؛ فيتفادون الأشجار، ويسيرون في صفوف مُصغّرة 
فعددهم لا يتعدى الخمسين روحًا مُكبلة، ولكن إلى متى المسير؟ وإلى أين المستقر؟!
لا إجابة بعد!
شاهق كان موظفًا بإحداى المدارس الابتدائية بالمدينة ينتزع منها ما يقويه على مرارة الحياة، وقفرها؛ فقبل وقوع ذاك النيزك كان يُقدّم العلم، ويشتاق إليه اشتياق المرء إلى الحياة يجد بها الطمأنينة، والهدوء، يجد بها شغفه، يرحل بها عن معالم الحياة من شؤم، واستحقاق لا خير به، ولا أداء يوديه إياه إلا الكفر بالنعمة، والبغض عليها؛ فكانت تلك أيسرهم، وأبقاهم عنده مما سبقها من وظائف.
وفي حينٍ من الدهر كان يسير بعيدًا على أطراف المدينة؛ حيث الغابات المتوالية، والأشجار الباقية مُذ مِئات الأعوام؛ فصارت تُرثًا من القرية تلك القرية من قرى الريف المصري بمحافظة الغربية (ب) التي لا تبعث في النفس الطمأنينة بل تبعث بها الغل، والحقد، والنقم على النعمة، وتعبث بهم زلات الشياطين، وتسوقهم الأنفس إلى الهاوية سوقًا؛ فكان يهب نفسه للطبيعة يجول في أغوال الغابة كأنها نفسٌ يُرى له من معالمها كل يومٍ جديد، ويُدهش مما يلقى؛ فيتمنى أن يبقى!
يستعين، ويُعين عقله على القراءة؛ حيث ترتاب له الأفكار فيضبطها ليُلقيها على مسمعٍ له الوجاهة في تلقّيها؛ فيظفر في نفسه بشيء من الإنجاز، وقد كان عشقه للقراءة لا ينتهي.  فهو حيٌ بها يتنفس الأوراق بأحرفها فإن لفظها في مجلسٍ واحد كان له الفوز الأعظم، والفخر الأكبر.
شاهق لم يكن بين عائلة، ولا كانت له ذات يوم، فقد صنع بنفسه واحدة، ولم يحظى بيها طويلاً بل بلغها الموت كما بلغ الأولى من قبل!
فصلٌ لم يتمنى سرده في يوم، ولا الرثاء عليه أيامًا بل أعوامًا؛ فضاقت بيه الحياة، وضاقت به مذاهِبها فلا مذهبٌ له، ولا إياب يعوده.
قد كان سعيدًا، مفحمًا بالنشاط قِبالة عينه خِطط يحذو نحوها بخطى ثابتة لا تتغير، ولا تتبدل أما الآن!  فهو لا يملك من أمر العين شيئًا إلا أنها ذهبت، وظل هو في دجًا لا بصيص به.
تترأى له أيامه الخوالي كأنه الحاضر؛ فيقف إليها حِينًا من الدهر، وأضحى الدهر بأوقاته القادمة هباءً منثورًا لا يَكِل عليه من الأمر شيئًا.
الحنين يقتله، الإشتياق يكربله!  ضُحى تطغى على أجواء ذكرياته، وهالة أخذت فؤاده فأضحى بلا فؤاد!
كانت ضُحى زوجته، أما هالة فكانت فؤادًا قد طغى على فؤادٍ آخر بين أضلاعه فهي ابنته.
وقد أبدع إذ قال؛ فيما كان يرثي لحاله، ويرث لعائلته الضائعة في حُطامِ النيزك الذي دمر القرية عن بكرة أبيها، وأعياهم من أشعةٍ تبِعته أعينهم؛ فانتزعت منهم البصر، ولا علم لهم أَيعود أم لا!
فكان مما يقول، وقد كتب:
مالي أسوقُ الدهر فيأبى & وشوقي إلى الأشواقِ مُستَعِرُ 
لا حياة تستحق الذكر الآن.  في الماضي سأحيا؛ فلا حاضر لي ألقُفه فقد كانت حياة هادئة الحب، والطمأنينة عنوانٌ لذكرها!
والأن لا حياة تستحق الحياة لأجلها!  شاهق قد أسلم لقدره قبل دهر، فأصبح كومةً من الحطام المستعر لا يدري إلى أين يسير؟!
تقرأ نفسه فيه ما يقرأ من مكتتبه، ومكتوبٍ يأنس به وقد ظلت تقول:
-إلى متى التهامس؟!   وإلى متى البكاء؟!
أليست هذه النعمة تستحق الشكر من هؤلاء الأوغاد المتبقيين على قيد الحياة، ولم تُؤخذ منهم إلا أبصارهم؛ فكانوا صِحاحًا بأبدانهم تكتسب حواسهم الأخرى حِدةً بالوقت، وهذه الحياة تستحق أن تكون فرصة ثانية؛ فقد ضاعت الفرصة الأولى، وتلاشت، وقد جاءَ النيزك كعقاب؛ فاتلوا ما بقى لكم من الحياة بعذبٍ من الأصوات تتهاوى لكم أجنحة الماضي في أعمق الحفر.
والأن سأُزيح هذا العبء عن كاهلي؛ فأتحدث، ولكن سأحدثك أنتِ فقط!
-إلى متى المسير؟ وإلى متى الإدعاء؟!
هل أنت بالفعل تستحق أن تكون هنا، أم لا تستحق؟!
بل أنت نكرة لا يُميّزك شيء غير أنك صرت القائد، وتعرف الغابة قليلًا، وربما هناك من يعرفها، ولكن لا يجد في ذاك أمنه بإتباع الناس له فأنت وغد، ولست سوى لا شيء. 
ولكن متى كانوا شيئًا غير الحقارة، والدناءة، والغدر، الجميع بلا استثناء لا يفكر في الخير إن أراده أراده لنفسه، وأنت أحقرهم!
وبعد أن أنهى شاهق حديثه مع نفسه استلقى على الأرض
مترامي الاطراف ينظر إلى النجوم المتقاربة في السماء تملؤها أسرارٌ مغطاة، وراء الرداء الأزرق الخافت المكتسي بحُللٍ من السحب تتزيّنه، والقمر المكتمل يضيء جوانب المكان بضوءٍ خافت يبعث في الروح الخمول!
لا أحد يراه، ولا هو يرى شيئًا، ولكن تراكمت الصورة في ذهنه فأطلق لها العنان ليستمتع بها!
وعلى جانب أخر قد تُرك له؛ فهو ظلامٌ هادئ، ويبعث النور بخلده، وفي أرواحهم، وفي ظلمات أحلامهم.
الجميع ينعم بنوع مظلم لا يفرّق بينه، وبين الصحوة في شيء إلا شاهق؛ فهو يحظى الأن بعذاب لا يراه أحدٌ غيره!
فههنا كانت النظرة الأولى على المجهول الذي سيظل يُطاردهم طيلة تِرحالهم، ولن ينقضي بل سيظل للأبد حتى عندما ينتهوا هم أيضًا!


                                               3


شاهق بين جنبات اللامكان، واللازمان في امتداد لا نهاية لطوله، أو لعرضه في أطراف اللانهاية!
في كل جانب يرى امتدادً لصورةِ فقيدتيه؛ فيسرع ليتشبث بأمل قد يعيده للحياة مرة أخرى، ولكن تتلاشى الآمال فلا مُستقرٌ، ولا مُستودع لها هنا!
ظلّ يدور في أفلاكه علّه يلقى مسألته؛ فانتظر ليأتياه، وظل لا يُحرك ساكنًا مكانه، ولكن لم يتبقى إلا انعكاس المرايا حوله!
وبُعث إليه بصوت كان عليه رقيبًا حيث كان يناديه؛ فيزجره، ويناجيه في رثاءٍٍ هو أحق به!  فصُعق بكلماته، وهام بها في آن من مجلسه حيث أيقظه ظلامه ليلقى ما سيلقى:
وفي امتداد اللانهاية أنت في ظلامٍ أُشفق عليك منه!  أنت في ظلام روحك في ظُلماتِ خيباتك، في جحيم خلدك! 
لا الخلد يرضى بك، ولا الروح! فلم يتبقى إلا لُحيظات من العسرة، وتتبادر الروح إلى مسكنها، ولن يتبقى منك غير جسدٍ بالٍ لا قيمة له!  فالروح في فضاء الأبدية تهيم، والخلد في جحيم الماضي لا ينبس بحرفٍ يرثُ له حِداده، ويبكي له بكاءه!  فهذا أشد عليك من نفسك.
النقاء في ثوب الإرتقاء حقارةٌ أنت تُجيد منها ما لا تُجيد في غيرها!
لن تعود إليك الروح ستظل في موطنها تستكن إلى أرواحٍ لن تعود إليك؛ فهذا أجدر من حالك هذا.
والعقل قد تبدّد من جحيمك المعاصر، فحان إلى ماضٍ ليس بأسوأ من حاضره!
أنت تراقب من وراء ستار الظلام، فآلمك موضعك، وأنت تشاهد الخوف!
الخوف الملاحق للأنفاس، وسترتاع في حياتك، ولن تشعر بلحظة من السعادة لأن الحياة لا تُلاحق إلا أشباهك من الإنطوائيين المبتعدين عنها كل البعد.
الذين لم، ولن يأبهوا بأي شيء، غير مبالين بأحدٍ سوى أنفسهم، وأحباءهم!
ستُلاحقك حتى أنفاسك الأخيرة!
الجسد مستلق على الثرى، أو لعلها أرض خضراء زرعها رقيق فهو يشعر به، يشعر به حيث كان، ولكن لا يراه، يراه منه ملمسه؛ فتؤول به إلى الرجفة، والذعر فيسأل نفسه حيث كان.  أكان في رؤيا أم تمثلت له الحقيقة في يقظته!
الروح تتطاير فوق الفضاء في ملتقى الأرواح تشعر بدفء الحنين؛ فتتطاير مع أرواح هي أفضل من جثتك البالية!  هذه الأرواح في سعادة لن تشعر بها في هذه الجثة الهامدة. 
العقل على قيد الحياة، ولكن غير مبال بك أيضا؛ فقد خانتك أعضائك فهجرتك فمن تبغى رفيقًا بعد ذاك!
الجمع قد رحل حتى روحك المقيدة بك رحلت، فأنت الآن لن تكون إلا شظايات متطايرة من رماد محرقةٍ قد أطفأته الرياح، فظلت دهرًا لأن ينتهي!
فزع شاهق، والعرق يسيل من جبينه كالأمطار في سماء تلبّد سحابها واعتصر كل ما به.
يزفر فتتسارع نبضاته، ويكأن روحه صارت إلى حلقه؛ فعند زفرة تالية قد ينتهد زافرًا تلك الروح بلا أملٍ بالبقاء.
رؤياه إلى لا شيء، وذعره عن سوء لا يعلم حقيقة مخرجه بدأ يستشعر ما يدور حوله، فاستحس منه العشب المندّى بقطرات المياه من الأشجار الناطقة له بالرثاء ترجوا منه المآل إلى خير حال!
أنت لا ترى شيئًا، ولكن ثمة انعکاس مُضيء في ظلمات بصرك فهل أشرقت الشمس، أم هو تعثر أخر في قرينتك المتلاشية إلى فناء؟!
ليس ما سيزيد الأمر سوءًا الآن؛ فأنت لن تنعم بنوم هادئ بعد هذا، ولعلك تشعر بشيء تجاه هؤلاء القوم الماضين بالجهل، والخوف!
بينما تأتيه نفسه من سموم تقتله، ومذابحٍ لا مفر منها فقد وقف مُعلقًا رأسه منتظرًا مشهد النهاية إلى أين ينتهي؟!
في تلك الوهلة من تفكير مفرط، وأحلام لا نهاية لعذابها بغاتته يد قبضت عليه؛ فكأنما لمسه برفقٍ لا يقصد به سوء نية، أو هجوم من حيث لا يتوقعه فريسته إلا أنا ما لقاه منه من ذعرٍ، واندفاع بلا أي داعٍ يستدعيه فذعر بدوره فتراجع!
-من أنت؟!
-هل أنت لا ترى؟!
-إني أُعيد عليك سؤلي مرة أخرى؛ فلتُجب من أنت، وإلى أين محط قدمك، ومرقب بصرك؟!
-حسنا لن ينالك مني أذى، ولن أستحل عليك مجلسك؛ فأضرب به دون أن يؤذن لي بذلك، فيا أيها الرجل كائن من أنت؟! أنا قادم إليكم رسولًا عن جماعتنا، وقد تقاربت إلينا مدارككم، وتقارب محطكم من أرضنا؛ فجئت إليكم مُسالمًا أحذر من لا يعلم منكم، فنكون بذلك قد أدينا جانبنا من السلم، وننتظر جانب القبول، والإتفاق منكم.
 وإننا قوم نُزهاء لا نرى في أحد فريسةً نستحلها لضعفه، وقلة حيلته، وقد علمنا مُصابكم مما سمعنا؛ فبكينا لكم، ورثينا على قريتكم التي لا مُتنفس بها بعد الآن.
 وإننا نعلم أنكم تريدون عبور النهر المحدد على شواطئنا؛ لتضمنوا بذاك أمنكم، وتأمنون روعكم، وإني قد جئتكم بحذرٍ لا بعده حذرٌ يليه! فآمنوا أنفسكم، فارجعوا من أرضنا لعلكم تجدون في بقاع الأرض ما تستحلون به أقدامكم، ولا تملكون من الخوف آنذاك من أحد؛ فيكون لكم مستقرًا، ومستودعًا.
ثم تابع الأخير خطواته دون أن يسمع واقع كلماته في أثر شاهق؛ فوقف الأخير لا ينسب ببنت شفة، وقف فقط يصغي إلى خطوات الراحل لعل بها يرى أين يسير، وأين مُتجهه؟! فلم يعلم من أمره شيئًا لأنه أخفى من آثاره، فلا يسمع منه شيئًا؛ فلا يرى شيئًا فبدا عليه الذعر، والغضب؛ فلعنه بوابلٍ من لعنات لا تُبقي، ولا تذر!
وجلس يخاطب نفسه، ويحدثها قائلاً:
قد علمت مدى سوء الأمر، وقد علمت أنها ليست بلا عواقب! فلِمَ الأن تعثرت عند بداية المُنطلق؟!
لا يوجد شيء بلا ثمن! بل إن كل شيء أصبح بثمن، وما يفرق بينهما مدى ارتفاع ثمنه أبخسٌ، أم باهظ!
أصبحت لا ترى سواك؛ فلا تحفل بها، ولا ترثُ لها، وقد بقيت في ماضٍ لا حاضر له، ولكن هؤلاء! هولاء قد اتخذوك قائدًا، ومرشدًا لهم؛ فتريث للحظة، وتفكّر مليًا قبل أن تنحر أعناق أبرياءٍ لم يقترفوا أي جرم!
كان تعثرك أنت لا هم!  فلا تقرب من أمنهم بل حاوط عليهم بأمنك؛ فقد استحقوه فلعل ذلك رثاءً لمُصابهم، ودويّ جراحهم المتصدعة.
		       

الظلام المقدس (الجزء الأول)

الظلام المقدس (الجزء الأول)
6.5

الظلام المقدس (الجزء الأول)

مشاهدة
1.2 ساعات

قصة الرواية

كُتب عليهم الظلام أزلًا، وتراءت لهم الذكريات مُنسجةً لا صِدق فيها، وكَذِب كل ما أبصَرتهُ المُقل، وخان من اقترب من الحقيقة، وأنت من ترى ما يحدُث! فأبصِر عنهم ما لا يُرى لهم!

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
شاهق
هائم لا يبغى مخرجًا ساهٍ في التيه مُعرجًا

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

القادم | رواية الظلام المقدس

جاري التحميل...

القادم

بداية فلسفية تُنذر بالآتى!

تحميل الفصول...
المؤلف

                      4

مجلسه على شاطئ البحر، ونسمات الهواء البارد بالليل الغائب عن اليوم، والنجوم المنثورة بالفضاء زفّت له سرورها بهذه الليلة الهادئة.
هناك يقدم من بُعدٍ يكاد يُرى منه؛ فيسير، ويسير فتبلغ نشوته بالسعاده مبلغًا لا يصله، ولو في باطن عقله؛ فتُلاشى أي ذكريات لا يحق لها الوجود، وتغوص أقدامه بالرمال، ومياه المحيط تتلألأ في ظلام لا نهايه له، وتسحبه إليها في إغراء لا مرد له!
ويسير، ويسير فإنه لن يتوقف!  فقد وجد مردودًا لمطلبه يناجيها في أسراره، وتعلوا بها الصيحات تأمل رجوعًا، وترجوا جمعًا فضُحى بالجانب الأخر من الشاطئ، ولا علم له كيف تُرى من الجانب الأخر من المحيط على الشاطئ؛ فكانت تعلوا، وتعلوا أنفاس خوفه رهبةً فيما يرى، ويسمع!
تنادي بصريخ ما زال يتردد صداه في آذانه؛ فتشرأب به نفسه، وتهدأ به أساريره، وتكتمل به أجزاء قد استأصلها الواقع؛ فيعود، وقد ملك الدنيا بما لا تحويه السعادة في عمرٍ بأكمله، فسار إليها يطوف حول موقفه لعله ينالها بنظرةٍ، وقد أبعدها الجسد في بعدٍ لا أبعاد لرؤيته! فحتى أصبح قِبالتها، وأغمر الليل دفء لا متناهي ليس كمثله دفء!
-هل ستبقين هنا؟!
-لا علم لي.
-ربما يمكننا المكوث هنا أبد الأبدين!
-لم يكن هذا يا شاهق إلا بعقلك، في باطن عقلك!
هروبك، وفرارك من الواقع لن يداوي مما مضى شيئًا؛ فما مضى قد مضى، ولن تظل فيه ما حييت؛ فجِد لنفسك منقلبًا آخر لعلك تعود به من فرارك!
وفي أرجاء الأفق، وقد بدأ يتزين استعدادًا لمطلع يومٍ جديد عليه، وعلى روحه، ثم اختفت ضُحى!  فصار وحيدًا ترفض روحه العودة، ويقتله عقله على البقاء! 
وجده نائبه غالب فأحضره إلى المعسكر الذي أقاموه، ولكن حين حمله حيث مربط خيمته، ومحط تِرحاله رأى فيما لا يرى فكيف له أن يرى؟!  وقد أطبق الظلام عليهم جميعًا إلا أن غالب ذاك ينظر حوله؛ فلا يرى أحدًا يقدم فأجلسه على دوانه من الأرض، ثم أخرج ورقة من خفاءٍ قد أخفاها، وأخذ يقرأ ما جاء بيها؛ فلم يستيقن شاهق يقين ما يراه، فلعله بات في عقله؛ فلبث بعقله لا يحرك عنه ساكنًا!
وقد أربكه عقله فأربك كل ما يتعلق به، وظل يئنّ على فراق زوجته التي لا يلبث شبحها في مطاردته حيث كان، وتلاطمت أمواج البحر تجلد له ما يرى من خيالات في يقظته أم في منامه! فلم تُبدي روحه أي مقاومة؛ حتى أصبح جثةً هامدة تطفو فوق مياه البحر!
لا يزال بمكانه آملًا في أن تعود؛ فلا تعود!
يريد أن يظل عالقًا هناك فلا يهوى العودة، ولا تهواه!
فالروح تنازع العودة، وهو يأبى؛ فلا مزيد من اشتياقٍ يُفنيني؛ فلن أشعر بآلامهم بعد الآن!
أنا هنا أرى الأشياء على حقيقةٍ من أمرها، وصدق من فاعِلها؛ فلا مزيد من الحروب، ولا الخيانة، لا مزيد!
فإني باقٍ هنا ما بقى بروحي من النزوع!
غالب يضغط على صدره، يحرك جثته فلا يحرك ساكنًا، ولا متحركًا!
فكان في منفاه يسمع صدى صوت لا يُرى له صارخ؛ فيخاطب فيه قائلاً: 
عد إليهم يا من آنست الأيام روحًا، وعشقًا، ورقت بك النُكب، ونفث بطيبك الدهر لا أشكو إليك ضرًا لست صاحبه، بل أشكو إليك فراقًا لست غالبه!  مطلبك من الدنيا لُقيانا، ونحن أحب إلينا منك بهذا اللقاء، ولكنك بخّلدك تلهو بك المرايا؛ فتُظهر لك ما أردت أن ترى من نفسك، فاكبح جماحها، واعلم أن أُناسًا كنت الرقيب فيهم، والحامي لهم؛ فهم أحوج مني إليك الآن.  فعد إليهم فلعل ملتقانا يومًا في جنة الخلد عائلةً لا يفرّقها الموت مرة أخرى.
شهق روحه مرة أخرى، وظل ينازع حتى عادت له؛ فأطبق عليها، وأحكم أمرها!
للحظة ظن أنه يرى؛ فرأى من الخيمة ما يحاوطه، ومن ديوان يستلقي عليه، وعينان يتفرسان به تلتهم منه الروح العائدة، فتُرسلها حيث كانت فعاد إليه بصره، وأطبقت عليه ظلماته!  فحان إليها فلا ملجأ من واقعٍ لا يألوه إلا إليها!
وبمَحطٍٍ آخر من الغابة كان ذلك الرجل الذي قد قابله قبل أمس فحدّثه عن خطورة رحلتهم إلى مُستقرهم؛ فحذره بما أُمر، وقبل مغادرته لمعسكرهم ظل يستخفي في خيامهم يتابع خطواته في مستكنٍ لا يُسمع؛ فيُعلم ثم تابع أمره فيكشف نقاط الضعف فيهم، وكم عددهم، وكيف الطريق إليهم؟  دون أن يكشفوا فوقع له ما أراد ثم عاد حيث قومه!
كان من رجال قبيلةٍ تقطن بالقربِ من وادٍ تحاوطه المياه، ولها قائد يُدعى ناصع، وقد أخبره مرسوله بعد أن عاد من مهمته أنهم مجموعة لا تتعدى الخمسين شخص بعد أن رأى ما يملكون، وكم عددهم؟! فعاده؛ فأخبره فأجابه الآخر ساخرًا:
هذا جيد صيد سهل، جماعة من العُمي لن يرى أحدٌ شيئًا سنأخذ كل ما تنزل عليه أقدامنا، وننحر أعناقهم، ونقوم بشواء لحومهم؛ فيكون لدينا أطنانٌ من اللحوم فنعمر على هذه الجزيرة إلى الأبد!
 وظل الجميع يهلهل: لحم، لحم، لحم، لحم!


                                               5

تمر خيالات بين ظلام رؤيته، ودهاليز نفسه! فهل يرى أم لا يظل باقيًا  بأضغاث أحلامه تُنافره، وينجذب لها أم تسبقه روحه إلى منزلها فتستكن به كما كان قبل ذاك، فترتعد أطرافه، وتنبعث روحه؛ فتصعد به إلى الحلق فظن أن فانٍ لا مُحال!
زَفر شهيقه بتنهيده طويلة؛ فكأنه غريق بمحيط لا عمق له، ولا سطحٌ يبلغه فكان في أعماقه في أشد من الموت!
لم يعرف، ولن يعرف ماذا حدث؟!  وقف يتخبط بين جنبات خيمته حتى لاحظ الجنود القابعين بجانب المدخل من الخارج حركته؛ فتحسسوا طريقهم إليه، وأنصتت آذانهم إلى مصدر الحركة؛ فتقاربوا منه، وقبضوا عليه، وحال ذلك دون تهدئته.  فهو لا يزال هناك في ظلام الماضي لا يستقيم منه، ولا يحول على شيء سواه!  ما زال هناك على جانب الشاطئ ينادي، والدموع تنهمر من مُقلتاه لأنه لا يشعر بها، وكأنها لم تكن في الأصل جليسته، ومسكن روحه، وهدوء ليله، وصباح نهاره!
وهبط الليل فلم يكن على علم بظلام آخر غير ظلامه؛ فكان فيهم سواء، وظل يتردد عليه وجه غالب، فلا يستيّقن من حقيقة رؤيته، ولا من هذيان خلده!
- عن ماذا أكتب؟!
- ألا تكفيك أرواحٌ مُعلقةٌ بين جنبينا أقسمت ألا تنازع الأخرى في شيء؛ فكانت كلتاهما روحًا واحدة ألا كافيك هذا؟!
-إني بهذا عليمٌ أشد العلم يا عزيزتي، ولكن أريد أن تهبط من السعادة أطنانًا على جميع الأرواح؛ فتُشفى صدورهم بِسُقيا الحب، وتنعم حياتهم بروابطٍ لا تُفرّقها الأيام إلا بانتهاءها على أُناسٍ أصبحوا، وأضحوا، وأمسوا في نغصٍ من العيش، وقفره، ولازمهم الحزن أعوامًا، فلعل في كلماتي شفاءً لأيامهم، ومجمعًا لتفرقهم؛ فتستحق الكتابة حين ذاك مبلغ الجهد منها، والسهر في خطّها؛ فتدوم في قلوبهم قبل عقولهم؛ فأنال بها رضا الله ثم رضا نفسي.
- وما بال حديثك أشبه بخطابٍ منثور، وإن فيه للذةً، ومنبعًا للسعادة لعلك تصل به يومًا، ولكن أنت لم تُنشر لك كلمةً حتى الآن فكيف تريد ما تريد؟!
- إني لأتريّث في مُكتتبي؛ حتى تنال منه العقول، والأفئدة ما أردته لها فإن نالته، وبلغت مبلغي فهنيئًا لنا سعادةً، وهنيئًا لي أن يصل ما في نفسي، وما أحببت أن أكتب منه، فلا أسعى إلى شيء منه إلا حبي لما أكتب، ورجاءي في حب القارئ له؛ فعلّي بالغٌ ذاك يومًا!
طُبعت على وجه تلك الإبتسامة التي أرهقها إلى نالت منه حين تذكر حديثه المحبب إليه بينه، وبين زوجته ففرّج عن روحه، ولو قليلاً فإن قُبضت منه فلا زالت روحها تتردد بين جنبه؛ فبقيت له ما بقى لها!
وبالكاد أراد تذكر ما أحدثه النيزك بالقرية من خراب بالمساكن، والأحياء، وما أحصاه من الأرواح في سبيله؛ فلم يذكر شيئًا منهما أو عن مهلكٍ رأه بعينه، أم أن بصره قد فُقد حين حدث ما حدث!
ولكنه لم يفتأ يصرخ، ويهيم على وجهه أنحاء القرية ليجد أثرًا منهما؛ فلم يجد، وأحدث نفسه بأمل زائف يحيا عليه، فتسير به الأيام دون توقف حتى يلقف ما ترك، وعندما ورد من هذا في عقله، وأطلق له العنان في التفكير، فأحاطت به سعادةً لم يرى مثلها قبل فقد كان كالثكلى، وقد هلك له من أحباءه ما له، فحق له أن يموت حزنًا ووحشةً، ولكن تمسّكه بهذا الأمل الزائف أعطى لحياته معنى مرة أخرى. 
 فاستلقى على ديوانه في ارتياح يسترسل في أفكاره ما وجد من الوقت فيها استرسلًا، وعقد عزمه على قيادة شعبه، وترتيب صفه، وبلوغ المأمن فيما يضمن به حياة آمنة لهم، ويعود آملًا أن يعود إليه أحباءه، فيلوذ بالحياة في كنف عائلة لا يتمنى إلا لُقياها!
لم يعُقه فكره فيما رأه أمس، أم أمس الأول عن غالب؛ فألقاه في ظلمات الجب لا يحوم خلفه!  لعل ما رأه مكذوب فقد كان في أشبه من السُكر فلا يدرك صدق رؤيته، وقد علم من صاحبه حسن صُحبته، وصدق نيته؛ فقد أنقذ روحه، وقد كانت في عالم الأموات لا يفصل بينهم إلا فتيل قد شدّه صاحبه؛ فأحكمه، وعاد به فعاد!
- يا قوم إني عاقد عزمي على الإستكان بمكان آمن؛ فأذهب بكم إليه، ويطمئن فؤادي به، فأستأمنكم عليه، وأستأمنه عليكم ثم بعدها فإني عائدٌ لعلي ألقى من أحبائي ما تقر به عيني، ويثلج به صدري، وتتيسر به نفسي، وإني مُطلعكم على محط ذعري، ومكمن خوفي، وقد علمته في حالٍ لا تُمناه حالي؛ فرثوت لكليهما نفسي، وقومي.
وإن منه ما سيكون إن اقتربنا أو تقدمت أقدامنا إلى الأمام؛ فإن فيه قومًا لا يحبون أن نقطع عليهم أرضهم، وألا نستحلّ المرور فيها إلى مبلغنا، وقد جاءني رسولهم قبل وقت لا أعلم أكان قريبًا أم بعيدًا؟! فلا علم لنا بالأيام، فلا أعلم أي عامٍ نحن؟!  ولا أي يوم نحياه؟!
فإن ما نحياه يحيانا؛ فلا يشغل نفسي إلا ما يشغلها هذا فهل علم أحدكم أي وقت هو وقتنا؟!
أتاه صوتٌ رقيق يوحي برقته أن الثغر الذي خرج منه كان ثغرًا مؤنثًا فقالت: قبل حدوث النيزك أذكر أننا كنا في السابع عشر من أكتوبر لعام ١٨٧٥ ميلاديًا أما من بعدها فقد فَقَدَ الجميع قدرته على معرفة الوقت!

                                              6

تصلّبت أطرافه، وحدجه كليمه بنظرات ذعرٍ، وارتياب لا يدرك مدى صدق ما سمع، ولا يستطيع تكذيبه، وتبادرت إلى عقله الجموع الغفيرة من السؤلى؛ فضاقت بيه ذرعًا، وضاق بها فكيف هو في القرن التاسع عشر؟!
وقد كان مولده بالقرن الحادي والعشرين في نفس اليوم المذكور تاريخًا موازيا السابع عشر من أكتوبر لعام ٢٠٠٤ ميلاديًا!
وكيف علم هؤلاء دقة هذا التاريخ؟!  وكيف هم على دراية كاملة به، وبأنه منهم بل، وإنهم قد علموا منه النباغة، وحسن الخلق؛ فأذنوا له في مسعاهم فكان قائدًا، وأمينًا عليهم، وزادت شكوكه حول صدق ما رأه من غالب بما أحاطته الأحداث بمستجدٍ عليها، وما يزيد على حيرته حيرةً أن الغابة التي يطلبون السير إلى مبتغاهم بالعبور منه هي كما هي كما وُصفت لهم، وكما عادلها بالأيام شطرًا طويلاً.
فأعاد سؤله على من أجابت فأكدت له صدق ما تحدثت به مؤكدةً إياه على مسمعه!
يا لي براءتهم ألم يعلموا بعد أن نهايتهم ستُكتب بيد حاكمهم قريبًا! فيُبقيهم في ظلّ الإستعمار، وظلمه ربما صارعوا على البقاء، أو أتاهم المرض مُجتاحًا حاصدًا لأرواحهم بهذه القرية فينالون نصيبهم منه وإن للكوليرا صيتٌ لا بأس به في هذا الزمن فحصدت ما حصدت من الأرواح أو حصد الإحتلال أرواحهم قبل ذاك أم نحن في غير هذا لن نعلم، ولن تعلم يا شاهق لن تعلم!
لم أستكمل حديثي لهم، ولن أستكمله فإني الأن قاضٍ نحو هؤلاء القوم طالبين الكرم منهم، وحُسن المنزل مغادرين إياهم إلى ما نريد بلوغه دون مشقةٍ نكابدهم إياها!
ثم أمر فيهم ما أراد؛ فتبعوا واقع قدمه، وسارت أقدامهم حيث سار.
تُعاتبك على ما كان من أمرك ألم تعلم بعد؟!
ألم تعلم أنك لم تخطّ قدمك يومًا بغابة، ولم ترى كثافة بمكان كهذ الكثافة!
أنت نابذٌ الازدحام نبوذًا مؤبدًا فكيف جئت بما جئت؟!
بقاياك لا يُترفع؛ فلا رافعٌ لها، ولا مشفقٌ عليها فسِر بما أحل السير لك سيره
هِم ما تشاء كما تريد، ولا تطب نفسًا به. 
ألق بالًا لعلك ترى أي صيبٍ قد أصابك؟!  أَمِن المكان، والزمان أم من رفيق بات بين اليقين، والإستعلام، أم من قومٍ لا تعلم خباياهم، فإن لاذت أقدامك أنت، ومن معك باللجوء إليهم فقد كانت القطيعة بل الإستإصال فضلاً من الحياة بأجمعها! 
 فانظر أي المصائب أخفهم، والتقفها، وإن جهلت بأمر هذا كله فأنتم إلى الفناء أسرع من الضوء!
ما أن أحاطت به تلك الهالات التي أثقلت كاهله فضلاً عن الإرتياب الذي تماثل فيه مُصابه، فما أسكنه كانت هالة واحدة أنهم بالبقاء قد لاذوا، وإن بات المستحيل أقرب إلى الوصول إليهم؛ فقد استيقن في نفسه قرب رحلته بمجمع أسرته...

الظلام المقدس (الجزء الثاني)

رواية الظلام المقدس
2.1

الظلام المقدس(الجزء الثاني)

مشاهدة
دقيقة 12

قصة الرواية

كُتب عليهم الظلام أزلًا، وتراءت لهم الذكريات مُنسجةً لا صِدق فيها، وكَذِب كل ما أبصَرتهُ المُقل، وخان من اقترب من الحقيقة، وأنت من ترى ما يحدُث! فأبصِر عنهم ما لا يُرى لهم!

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
شاهق
شخصية هائمة في ماضٍ لا يأن ويتأتى بعذابه وحاضر قد فُرض ومُستقبلٍ لابد من مواكبته

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"