رواية ملوك الظلال - الفصل السادس
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

رواية ملوك الظلال - الفصل السادس

جاري التحميل...

الفصل السادس

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

                       كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات ونار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.


لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة  التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، حركتها دبلت واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.


ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.


التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال،  كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.


شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة، فهي لا تجرؤ على المضيّ أبعد من ذلك.


ووسط هذا السكون الخام، صار لكل شيء صوت مضاعف، كان وقع أقدامهم على أوراق الشجر اليابسة يبدو صاخبا، كانت تلك الأصوات البسيطة ترتطم بالجذوع الضخمة، فترتد أصداء متضاعفة، تحول المشهد إلى ضجيجٍ داخلي وسط الغابة.


لم تعد "لينا" تقوى على اخفاء ذلك الخوف والقلق الذي حاصرها؛ كان ينخر صدرها بإلحاحٍ، كدبّورٍ ينهش الخشب، فتوقفت فجأة، بعد أن شعرت بدوارٍ خفيف يغزوها، فلم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء الكثيف المشبع برائحة العفن والتراب المبلل.
 لذلك خرج صوتها واهنا، وهي تنادي "سديم" الذي كان قد ابتعد عنها بضع خطوات:
- سديم! لم أعد أحتمل... أرجوك، توقف قليلا.


ضغطت بأصابعها على صدرها، وكأنها تحاول توقيف خفقات قلبها التي تمردت على أضلعها، ثم أردفت متوسلة النجاة:


- أنا أخاف الظلام، سديم لا تتركني وحدي، سديم. لم أعد أقوى الحراك، هناك ثقل يضغط على صدري.


لم يأتِها رد؛ بل لمحت في قلب العتمة ظلالا داكنة تخطو للأمام دون النظر إليها، قبل أن ينطفئ وعيها تماما،  وينهار جسدها فوق الأرض الرطبة، تمنت أن يلتفت سديم لها وينقذها.




تسمّر "سديم" في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم خلفه، اضطربت ملامحه، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوةٍ آلمت صدغه، همس بصوت خافت:
- لينا!


تحسس الفراغ خلفه، فلم يجدها، لم يأتِ صوتها، ولم يسمع حتى حفيف ثيابها، هنا انتفض جسده برعشة هستيرية، وصاح مناديا بصوتٍ شرخ صمت الغابة:


- لينا! أين أنتِ؟ أجيبيني!


 ارتجفت أطرافه وهو يتخبط في العتمة، يمد يديه كغريق يبحث عن قشة، ويصرخ بذعر:
- لينا، ردي عليّ، أين اختفيتِ؟ توقفي عن العبث...هذا ليس وقتا للمزاح!


كانت الغابة تبتلع صرخاته، وظلُّ "لينا" الملقى على الأرض قد صار جزءا من سواد التربة، بعيدا عن متناول يديه المرتعشتين.


تجمّد "جارج" و"سارلا" مكانهما، والصدى المذعور لصوت "سديم" يشقّ هدوء المكان، في هذه الأثناء، أشعل مشهد سديم و بحثه المستميت عن "لينا" فتيل الذاكرة في عقل سارلا، فارتجفت يداها وهي تضرب كفا بكف، وتمتمت بصوت مخنوق: 


- يا لغفلتي! كيف فاتني هذا؟ البشر لا يملكون عيونا تبصر في هذا السواد، وحتى 'سديم' المسكين، بجسده هذا، لا يرى.


 استلت من جيبها الداخلي غصنا خشبيا قصيرا وغليظا، رفعته بكلتا يديها أمام وجهها، ثم بدأت تتمتم بكلماتٍ غامضة، حروفها متشابكة ومبهمة، انزاحت معها ملامح "جارج" الواقف بجانبها إلى دهشة صامتة وهو يراقب غرابة الموقف.


وفجأة، انشق رداء الليل عن وهجٍ ساطع؛ اشتعل رأس الغصن بلهبٍ ذهبيّ، فأضاءت الطريق لبضع خطوات أمامهم.


  أبصر سديم "لينا" ملقاة وسط الدرب، فسرت قشعريرة باردة في أوصاله جمدت دمه للحظة، قبل أن يركض نحوها كالمجنون، متمزقا بين الخوف والذهول، جثا على ركبتيه بجانبها، واحتضن وجهها الشاحب بين كفيه المرتجفتين، لم يدرك في غمرة ذعره أنه كان يمسد شعرها بحنوٍّ يائس، بينما بدأت أنفاسه تتقطع وعيناه تترقرقان بالدموع، كان يهمس قائلا: 


- يا رب، أرجوك، لا تدع مكروها يمسّها.


تحت وطأة لمساته الدافئة، بدأت أجفان "لينا" تتحرك، ثم انفتحت عيناها ببطء لتستقبل ضوء الشعلة، فخرج صوتها واهنا،  بالكاد يُسمع:


- سديم، لم أعد أقوى على خطوة أخرى، جسدي.. جسدي  صار ثقيلا.


قاطعها "سديم" بنبرةٍ يغلبها الخوف والحنان، وهو يشد على يدها كأنه يحاول منحها من روحه قوة:
- لا عليكِ يا لينا، لا تتحدثي الآن، سنرتاح هنا قليلا، وأعدكِ.. أعدكِ أننا سنخرج من هذا المكان معا.
                       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"