الفصل 0: التمهيدي | زهره في قلب الشتاء
الفصل 0: التمهيدي
كان صوت المنبّه الملعون، احد اكثر أعداء البشر شرًّا ومكرًا. وبعد عدة محاولات فاشلة منه للقيام بعمله وإيقاظ تلك النائمة التي كانت تحتضن الوسادة بين ذراعيها، توقّف أخيرًا عن العمل، لتتنهد صاحبة الغرفة براحة، إذ حصلت أخيرًا على مبتغاها: توقّف المنبّه عن إصدار تلك الأصوات المزعجة.
في إحدى قرى الصعيد، ومع بداية يوم جديد، كانت شمس الصباح قد بدأت في شق آفاق السماء، معلنة عن انتهاء الليل الطويل على البعض؛ ليلٍ مليء بالكثير من الأحلام الوردية الجميلة للبعض، بينما كان جحيمًا لمن يعاني من ذكريات موحشة، ذكريات كانت تفسد ليلته وتأكله من الداخل كما يأكل المرض الخبيث الجسد.
※※※※※※
وفي أحد البيوت الهادئة في تلك المحافظة — أو لنقل كان هادئًا قبل أن يبدأ الروتين المعتاد لذلك البيت الهادئ بطبعه — كان هناك صوت مزعج بدأ في الارتفاع داخل إحدى الغرف.
كان صوت المنبّه الملعون، احد اكثر أعداء البشر شرًّا ومكرًا. وبعد عدة محاولات فاشلة منه للقيام بعمله وإيقاظ تلك النائمة التي كانت تحتضن الوسادة بين ذراعيها، توقّف أخيرًا عن العمل، لتتنهد صاحبة الغرفة براحة، إذ حصلت أخيرًا على مبتغاها: توقّف المنبّه عن إصدار تلك الأصوات المزعجة.
لكن، وما إن بدأت تأمل في العودة للنوم من جديد، حتى حدث عكس ما كانت تتمناه. فبمجرد أن مرّت بضع ثوانٍ قليلة على توقف المنبّه، حتى وجدت باب غرفتها يُفتح بقوة، وتدخل منه والدتها.
تنهدت هي في تلك اللحظة بيأس، خصوصًا وهي تعرف جيدًا أن هناك محاضرة قادمة في الطريق.
وفي نفس اللحظة، حدث ما كانت تتوقعه بالفعل، وهو صياح والدتها الغاضب:
— «إيه! مش ناوية تصحي ولا عجبك الوضع و ناوية تكملي اليوم كله نايمة؟ اصحي وشوفي اللي وراكى، ومتنسّيش إنك مفروض تسافري القاهرة، وكمان عشان توديني لخالك وإنتِ في طريقك للمطار!»
ردّت عليها بصوت يظهر فيه أثر النعاس وعدم الوعي الكامل بالكلام:
— «مش مهم… مش مهم… أنا خلاص مش هروح، أنا مش عايزة حاجة تاني غير إني أنام.»
قالت والدتها بصبر، محاولة فرض سلطتها:
— «قومي أحسنلك بدل ما أقومك أنا بطريقتي، وأرجع أعمل اللي كنت بعمله معاكي إنتِ وأخواتك وإنتوا صغيرين. وعلى العموم، تروحي القاهرة ولا لأ ده شيء يرجعلك إنتِ، لكن هقولك حاجة مهمة، وهي إنك هتقومي زي الشاطرة وتوصليني عند خالك، عشان عايزاني في حاجة مهمة.»
اعتدلت أخيرًا وجلست على السرير، ثم تحدثت وهي ما تزال لم تفتح عينيها بالكامل:
— «حِاجّة، هو إنتِ وأخوكي كل يوم والتاني عندكم حاجة مهمة؟ والله العظيم إنتوا لو بتخططوا تحتلوا العالم مش هتبقوا بتتقابلوا كده!»
احتدت نبرة والدتها وقالت بصوت عالٍ:
— «زهره»
— «نعم، يا عيون زهره وقلب زهره… من جوه عايزة حاجة يا عيوني؟ طب لو مش هتفكري في بنتك الغلبانة، فكري في الراجل المسكين اللي بتسيبيه كل كم يوم كده.»
لم يأتِها رد من والدتها سوى ابتسامة صغيرة وغريبة. لم تكن ابتسامة سعادة، بل تلك الابتسامة المعتادة لكل أم مصرية أصيلة، التي تأتي قبل العاصفة و لتجنّب كل الحروب غير المحمودة، والتي من المتوقع أن تنتهي كما في كل مرة.
تنهدت زهرة بقلة حيلة وقالت:
— «حاضر يا ستي، هقوم وأجهز وبعدها هنزل عشان أوصلك لخالي، بس اديني ساعة كده.»
تقدّمت بعدها ناحية أمها واحتضنتها، وقالت بمزاح:
— «متزعليش مني يا فطومه بس، والله العظيم إنتِ عارفة اللي فيها، وأكيد عارفة إني بحبكم كلكم، وكل ده هزار. وعشان كده أنا متأكدة إنك مش هتزعلي مني، صح؟»
اشتد احتضان والدتها لها، وظهر تعبير الحزن على وجهها، خصوصًا وهي على معرفة تامة بكل ما تمر به ابنتها. شعرت زهرة بشدة احتضان والدتها لها، وعرفت أن السبب هو حزنها عليها، لذا قررت تغيير الوضع وأضافت بعض المزاح، حين قالت:
— «إيه يا ست الكل مش ناوي تخرجيني من حضنك ولا إيه؟ الوضع عجبك! والله أنا لو عليا مش عايزة أخرج، بس إنتِى اللي عايزة تروحي لخالي، عشان تقريبًا هتتناقشوا في مشكلة ثقب الأوزون.»
وبمجرد أن أنهت حديثها، حتي وجدت أن والدتها قد قامت فورًا بنفضها من حضنها، وهي تقول بنبرة مائلة بين السخرية والغضب:
— «بتتريقي عليه يا بنت عبدالله؟ هو ده اللي أنا ربيتك عليه؟ ده طبعن لو كنت ربيتك من الأساس!»
ردّت زهرة بسرعة:
— «طيب، ما هو ده الواقع. مش أنا اللي لازم أوديكي لخالي برضه؟ إيه الإفتراء ده؟»
أشارت والدتها بيدها إلى شنطة زرقاء اللون كانت موضوعة بجانب السرير، لتكمل بعدها حديثها بسخريه :
— «على أساس إن الشنطة دي مش هتسافري بيها مثلًا، ولا بعد ما توديني لخالك هترجعي تنامي وتروحي كوكب زمردة! ودي الحُاجات اللي هتحتاجيها هناك.»
ردّت زهرة:
— «عسل والله العظيم يا ماما، أنا عرفت عبدالله اتجوزك ليه عشان عسل.»
نهرتها والدتها بغضب:
— «زهرة! اصتبحي وقولي يصبح، ومتخلينيش أطلعهم عليكِ بدري كده.»
ردّت زهرة بخوف مصطنع:
— «لا والنبي، بلاش، أنا مش ناقصة تلبيش على وش الصبح، ولسه قدامي سكة سفر طويلة.»
— «تمام، أنا هخرج، وإنتِ خلصي بسرعة وتعالي ورايا على طول.»
وما إن أنهت والدتها تلك الكلمات، غادرت الغرفة، تاركة زهرة لتستعد للخروج. دخلت إلى الحمام، ثم أدّت صلاتها، وبعد ذلك بدأت في الاستعداد للنزول. وأثناء استعدادها، تحركت بهدوء ناحية الطاولة الخاصة بها، ثم أمسكت بأحد الكتب، كان بني اللون، وعليه نقوش غريبة تزين الغلاف، وبه قطعة تمتد من الجزء الخلفي إلى الأمام لتحكم إغلاقه.
أمسكته، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي تخاطب الكتاب كأنه سيرد عليها:
— «أعمل معاك إيه؟ آخدك معايا ولا أسيبك هنا؟»
صمتت قليلًا، ثم ابتسمت بسخرية وقالت:
— «ده على أساس يعني إني لو سيبتك إنت هتسيبني! والله أنا متأكدة إني قبل ما أوصل هناك هتكون معايا. يلا بما إنك كده كده هتيجي معايه ، خليني آخدك أنا أحسن من جو أفلام الرعب اللي بعيشها بسببك.»
أنهت زهرة حديثها مع الكتاب، ثم تحركت ناحية حقيبتها ووضعت الكتاب مع باقي الكتب الخاصة بها.
وبعد ما يقارب نصف ساعة، كانت زهرة تنزل على السلم. وما إن أبصرتها والدتها جالسة على أحد الكراسي في البيت، حتى هتفت:
— «يعني نزلتي بسرعة يا بنتي؟ ومقعدتيش ساعة زي ما قلتي!»
التعريف
زهرة عبدالله سليمان الغازي
فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، طالبة في آخر عام لها في كلية الآثار. كان من المفترض أن تنهي دراستها في العام الماضي، لكن نظرًا لظروف قاهرة خارج إرادتها، اضطرت لتأجيل عام واحد.
بين الثانوية العامة والكلية، هي فتاة مجتهدة جدًا، نظرًا لحبها الشديد لتلك الكلية. زهرة ذات طول طبيعي يصل إلى متر وستين سنتيمترًا، بشرتها بيضاء نسبيًا، وعيونها بلون العسلي الهادئ وتحمل سر خفي يمطع بها الجميع.
※※※※ ※※
وعلى الجانب الآخر، وتحديدًا في محافظة القاهرة، استيقظ صاحب العيون الخضراء من النوم مع أول رنين للمنبّه الخاص به. نهض من على سريره بهدوء شديد، ثم توجّه إلى الحمّام.
خرج بعد قليل، وتوجّه إلى ركنٍ خاص في غرفته مخصّص للصلاة، فردّ سجادة الصلاة ذات اللون الأسود، ثم بعد ذلك أدّى صلاة الصبح والضُّحى. وما إن انتهى من صلاته حتى توجّه ليستعدّ للخروج.
لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت؛ فقط ربع ساعة، وكان قد انتهى من ارتداء بدلته الرسمية السوداء.
نزل بعد ذلك بهدوء على السلم، صاحب الأرضية الرخامية البيضاء والصور النحاسية، ثم توجّه مباشرةً إلى الغرفة التي يتجمع فيها باقي أفراد العائلة لتناول الإفطار.
دخل الغرفة بهدوء، سحب مقعده وجلس عليه. وبمجرد جلوسه، جاءه صوت والده الرخيم وهو يقول بتسال:
امان — « : دلوقتي المفروض إن المستثمر الأجنبي هيكون النهارده في الشركة، وانت طبيعي لازم تكون موجود، عشان إنت المسؤول عن المشروع. وكمان، حسب معرفتي، عندك اجتماع خارجي دلوقتي. ممكن تقولي هتعمل إيه؟»
عندما أنهى والده حديثه، مرّر أمان يده على شعره بحركة لا إرادية؛ إذ كان شعره قد طال أكثر من المعتاد، حتى أصبح يصل إلى ما بعد أذنه بقليل. قال بهدوء شديد:
— «كلامك صح، وهو ده اللي هيحصل. وأنا هكون موجود معاكم في الاجتماع وهقابل المستثمر، وكل شيء هيمشي طبيعي إن شاء الله. أما بالنسبة للاجتماع الخارجي، فالمفروض إنه كان هيبقى بليل، وأنا ويوسف هنحضره، بس الشركة اللي هنتعامل معاها اعتذرت عن المعاد وطلبت تأجيله لوقت تاني. وأنا بصراحة وافقت، عشان عايز كل تركيزنا يبقى على اجتماع النهارده.»
انتظر أمان ردّ والده، الذي لم يتاخر كثيرا، إذ قال بعدها:
— «تمام، دي كده أحسن حاجة عملتها. كل اللي أنا عايزه منكم إنكم متعملوش أي شيء ممكن يأثر على صورة الشركة. وفوق ده، عايزكم تركزوا معايا كويس. الراجل اللي جاي ده أنا أعرفه كويس، راجل جدّي وبيحب النظام والدقة، بس أنا مش مرتاح للمحامي بتاعه. خليكم واخدين بالكم كويس.»
وبعدما أنهى محمود حديثه، جاء صوت زوجته الهادئ، صاحب النغمة الجميلة، وهي تعاتبه:
— «مش إحنا قلنا الكلام عن الشغل في البيت ممنوع؟ وفوق كل ده بتتكلموا وإنتوا على السفرة!»
ردّ أمان بنبرة ساخرة، موجّهًا حديثه إلى والدته:
— «والله العظيم أنا مليش دخل، جوزك هو اللي بدأ الكلام، مش أنا. طلعيني أنا برّه الموضوع ده.»
ردّ عليه والده بغيظ:
— «والله يعني بعّتني بسهولة كده؟ إنت حتى لسه ماخدتش قلم واحد!»
كان هذا ردّه على الاتهامات التي ألقتها عليه زوجته.
أكملت زوجته حديثها بعد ذلك:
— «والله هو الولد مغلطش في حاجة؟ مفيش غيرك إنت وأخوك اللي دايمًا بتتكلموا عن الشغل في البيت ده.»
أتاها الرد هذه المرة من شقيق زوجها، سليمان، الذي قال وهو يضحك:
— «والله العظيم إنتِ طيبة. هو معناه إنك مش بتقدري تقفشي حد منهم يبقى ده معناه إنهم مش بيعملوا كده؟ لأ، ده بيعملوا كده، وأبو كده كمان . بس إنتِ ومراتي مش بتشوفوا حاجة، وبالنسبة ليكم عيالكم ملايكه مبيغلطوش. والله لو في حد غلبان هنا، هيكون أنا ومحمود. أم دول شوية عفاريت، محدش يقدر عليهم إلا ربنا.»
ضحك الجميع على حديث سليمان.
قطع محمود حديثهم حين تساءل بجدية عن باقي الأفراد:
— «أمال فين البنات يا أماني؟ هما مش هيفطروا معانا ولا إيه؟»
ردّت عليه أماني بهدوء:
— «شوية وينزلوا. إنت عارف إنهم اتأخروا في النوم، خصوصًا بنتك اللي كانت قاعدة طول الليل على اللابتوب بتاعها بتراجع شوية حاجات. أما ملك اتأخرت في المذاكرة، وميرا إنت عارفها، مش بتقوم إلا في وقت معين.»
هزّ محمود رأسه بهدوء وهو يرتشف من فنجان القهوة الخاص به. أما سليمان، فنظر حوله فلم يجد زوجته، فتعجب من الأمر، خصوصًا أن زوجته لا تحب الإهمال. لذا سأل زوجة شقيقه قائلًا:
— «أماني، أمال فين نهال؟ أنا مش شايفها. قلت يمكن في المطبخ أو بتصحي البنات، بس كلامك ده بيقول إنها مش هنا. هي لسه مرجعتش من عند سلمى؟»
أنزلت أماني كأس العصير الذي كانت تشرب منه عن فمها، ثم وضعته على الطاولة وهي تقول:
— «لا، اتصلت بيا الصبح وقالتلي إنها هتقعد عند سلمى لحد ما تودي آدم الحضانة، وبعدها هييجوا هما الاتنين من هناك على هنا على طول.»
امتعض سليمان وهو يقول بضيق:
— «يعني أنا أجوزها عشان تروح بيتها وأرتاح منها شوية، تقوم المفتريّة تاخد مراتي مني وتقعدها معاها.»
ابتسمت أماني وهي تقول:
— «طيب والبنت المفروض تعمل إيه؟ تقعد في بيت كبير لوحدها؟ ما إنت عارف إن حسام مسافر هو وكريم إسكندرية عشان الشغل، وأختي راحت تقعد في شقتها القديمة يومين زي كل شهر. عايزاها تقعد لوحدها هي وطفل صغير؟ وإنت عارف إن البنات متعودوش على الوحدة.»
ردّ سليمان بغيظ:
— «أيوه يا أختي، حاميلها . كويس اصل انتم الاتنين متعودين من زمان تحاموا لبعض وكأنكم أخوات.»
ابتسمت له أماني بهدوء. وبعد ذلك مرّ قليل من الوقت، وكانت باقي الفتيات الثلاث قد حضرن إلى الغرفة لتناول الطعام.
ساد جو أسري أرجاء الغرفة، وكان واضحًا للجميع أنهم عائلة كاملة، لكن دائمًا ما يكون هناك نقص في كل كامل، وحزن دفين تخبئه القلوب ولا تعترف به؛ حزن على ابنٍ ضاع وترك عائلة انفطر جزءٌ منها