" هل هو يفكر بي ؟ "
تبادرت لذهني هذه الفكرة و أنا مستلقية في غرفتي .. كيف سيكون الأمر لو كان يفكر بي ؟ لأنني و على يقين تام بأنه يفكر بي كمريضته فقط , لكن هل يعامل مرضاه برقة تارة و ينظر لهم ببرود تارة اخرى ؟ أو هل يعطيهم مفكرات أيضا ليكتبوا فيها ؟
حينها أحسست بوخزة مؤلمة في قلبي و بغيرة بدأت في التأجج داخلي من خاطر عابر لا تأكيد فيه .
كيف سيكون الأمر اذا لو بادلني ما أشعر به ؟هل سأشعر بألعاب نارية تدور في رأسي مثلما سمعت من ضحايا الحب ؟ أو سأشعر بشعور الحياة الأولى ؟ أو هل سيكون كشعور التحليق بدون جناحين؟.
لكنني متأكدة أنني معجبة به .. نعم هو مجرد اعجاب لحظي فقط.
فتنهدت و قلت بأسى " كيف سأصبر ليوم الاثنين لأراه يا له من أمر محبط" .
حينها تذكرت المفكرة فذهبت لحقيبتي و أخرجتها و جلست على طرف السرير و أنا أتأملها فقربتها لأنفي فشممت بقايا رائحة عطره المميزة فأغمضت عيني و تخيلته أمامي هنا، نتجاذب أطراف الحديث و يبتسم لي تلك الابتسامة التي تجعل من ليلي نهارا و من الذبول ازدهارا يملئ قلبي , فنظرت لزهرة التوليب و التي أصبحت أحبها و تذكرت لقائنا الذي كان استثنائيا و قدريا جدا بالرغم من خسارتي لوشاحي المفضل .
و انا امرأة قدرية تؤمن بتدابير الحياة و بقاعدة أن لكل شيئ سبب و أن خسارتي كانت تساوي لقائه.
لقاءنا الذي كان في شهر ديسمبر ،شهر بدايات اللحظات الأولى و نهايتها .
لكن الشيئ الذي قتل ابتهاجي هو تذكري لعينيه الباردتين. لماذا يخفي نفسه خلف قناع البرود؟ ما الذي حدث له ليكون هكذا؟ فأنا شخص فضولي بطبعه.. فضولية نحو حياته الشخصية ككل, اذا كان أحب من قبل؟ ,أو هل لديه عائلة و أصدقاء و أحباء قداما؟.
فتذكرت ذلك الجد من اخر مرة , هل ذلك الجد هو فرد من عائلته ؟.
فتبادر الى ذهني نبرته و صوته ذلك اليوم والذي كان مختلف لا أعلم بالضبط كيف،و ذلك حين قال للجد" قطعت صلتي بالواقع لأن في داخلي حياة أخرى أريد أن أعيشها " , هل يقصد بأنه قد قطع صلته بكل ما يربطه بالواقع لأنه يحمل ذكريات مؤلمة ؟ أم هل غادر الى إنجلترا هربا من واقع حزين ؟ .
.لماذا هو غامض و معقد لهذه الدرجة ؟ ففضولي سيقتلني يوما انا أعلم.
فالفضول يشبه دودة صغيرة مزعجة لكنها و برغم صغر حجمها الا انها تنهش القلوب و تضع الشخص امام خيارات متعددة ..طفيلية هي لا تأبه لتطفلها و ازعاجها الشديد ، فتبدأ بأكلنا ببطئ لتشبع رغبتها بأسئلة لا حلول لها .. فتتمرد هي و نُحبط نحن لأن أسئلتنا ستبقى معلقة حتى استشفافها من الشخص المنشود ، و الى حين ايجادنا لها سنبقى نتغذى على نصف الاجوبة.
و بين هذا و ذاك سنبقى عالقين في وسط لا تقدم فيه و لا رجوع منه.
فنفضت عني هذه الأفكار العشوائية و نهضت و جلست على كرسي مكتبي و وضعت المفكرة و فتحتها لأنظر لأوراقها البيضاء فحملت القلم و أنا أفكر ما الذي يجب أن أكتبه فأنا لا أعلم بماذا أبدأ أو كيف! .. فتذكرت مقولة " لا فائدة من الأوراق بدون أن تنسج فيها حبال افكارك" فحملت القلم و شرعت أرتب أفكاري.
***
شعرت بشعاع لطيف و خفيف يداعب عيني المغمضتين , فأغمضتهما بانزعاج و فتحتهما بكسل, ثم أحسست بتشنج في رقبتي و بألم حاد في ظهري، فنظرت حولي لأجد أنني نمت على سطح المكتب دون كتابة كلمة واحدة .
بالكاد استطعت الوقوف ليجتاحني دوار هائل و ألم شديد في رأسي و كل عضلة في جسمي تؤلمني , فخارت قواي على الكرسي لعدم توازن جسدي , و أمسكت رأسي لكي يذهب الدوار , فإذا بطرقٍ خفيف على الباب و صوت خالتي المليئ بالنشاط يدوي في الغرفة.
- صباح الخير زهرتي .
فتغيرت الابتسامة لتحل محلها تقطيبة خفيفة و قلق ظهر في صوتها :
-حبيبتي ماذا بك هل أنت بخير ؟
فأجبتها بصوت منخفض مهزوز :
-نعم يا خالتي لا تقلقي مجرد دوار و سيزول من الممكن أنه بسبب قلة النوم .
بالرغم من أنها و أنني نعلم جيدا أنها من مطر أمس فقالت و قد غزى القلق صوتها:
- لا ليس من النوم أنا متأكدة من أنه من مطر أمس . ثم إقتربت مني ووضعت كفها الدافئ على جبيني و صاحت بصوتها الرقيق :
- يا الهي ان حرارتك مرتفعة يا توليب هيا استلقي يا عزيزتي سآتي على الفور .
فخرجَت من الغرفة مسرعة و أنا تحاملت على نفسي ووقفت فإختل توازني مجددا فأمسكت بظهر الكرسي و تحركت للسرير بصعوبة واستلقيت و أنا أشعر بخمول هائل يغلف جسدي و بألم شديد في رأسي .. فلم أشعر الا و خالتي تضع منشفة باردة على جبهتي و بصوتها الرقيق البعيد يطمئنني.
فلم أفق الا و دقات قلبي العالية تصم اذني و بحبيبات عرق باردة تغلف جبيني فنظرت الى خالتي و وجدتها تنظر لي بقلق ثم عانقتني و قالت بهمس :
- أنا هنا يا زهرتي لا تقلقي هو مجرد كابوس لا تقلقي .
فبادلتها العناق و تمسكت بها بقوة و أنا أتذكر الكابوس الذي راودني . فقلت لها بصوت مرتجف:
- متى سأتخلص من هذه الكوابيس يا خالتي ؟
فمسحت على رأسي بيدها برقة ثم قالت بحزن :
- ستتخلصين منها يا زهرتي لا تقلقي كل ما عليك فعله هو أن ترتاحي و سأكون أنا معكِ لنتخطاها سويا .ثم أمسكت يداي و ابتسمت و قالت:
- هيا يا حبيبتي استلقي هل تشعرين بتحسن ؟
- نعم قليلا لكنني أشعر بألم في حلقي .
- لا تقلقي ستختفي يا حبيبتي من حسن الحظ أن حرارتك قد انخفضت. ثم تابعت :
- هيا ارتاحي الان و سأحضر لك الحساء .
فإستلقيت و أنا أتأمل الجدار و أفكر به , أنا أشعر أنني أريده الان .. فشعوري بالبكاء قد تزايد , أريد البكاء أمامه .. أريد أن أريه ضعفي و انكساري.. أريد أن أضع ثقل رأسي و افكاري و آلامي على كتفه، فأخبره اتفه الأشياء.. اخبره عن تغير الفصول الاربعة و تساقط الاوراق.. و اخبره عن مزاجيتي و طفولتي و معاناتي القديمة و وحدتي الكئيبة.
و اخبره ايضا عن الاشياء التي احبها.. اخبره عن حبي للتفاصيل القديمة .. حبي للأغاني و الأشعار التي عفى عنها الزمن .. أخبره عن حبي للروايات و الورود و القمر و النجوم و المشي في الطرقات ليلا و المفاجآت و الهدايا التي تكون بلا سبب و المطر الذي اصبحت أحبه مؤخرا .. ثم اتنهد بعدها و اخبره أنه ختام ما احب .
- لم لا تردين يا توليب حسبتك قد فقدت الوعي مجددا.
- لا لقد كنت أفكر و لم انتبه .
فقالت بتذمر طفولي :
- اول شيئ سأخبر به طبيبك حين التقي به أن يعالج مشكلة التفكير لديكِ.
و كأن ذكر كلمة " طبيبك " قد أذهبت كل بأس و مرض في نفسي، فكيف أخبرك يا خالتي إنه هو تفكيري .
- هيا تناولي الحساء لتستردي صحتكِ .
فتناولت ثلاث ملاعق و في الرابعة شعرت أنني اكتفيت .
- خالتي لا أستطيع تناول المزيد .
- زهرتي بالكاد أكلت كيف ستشفين اذا ؟
فإبتسمت لقلقها الظاهر في عينيها اللامعتين و قلت بصوت ضعيف :
- خالتي أنا لست صغيرة سأتحسن لا تقلقي كثيرا .
لكن الذي حدث لاحقا حين نمت أن حرارتي قد ارتفعت مجددا و ساءت حالتي كثيرا حتى لم أعد قادرة على تمييز الواقع من الخيال ، و تمييز المنطق من الوهم , فجل ما كنت أراه مشاهد لا أعلم هل هي من حياتي ام مجرد أوهام .. بكاء خالتي جنازة والدي .. جسدين باردين ممدين .. حادث مرور .. و قيصر ، اااه هل هو أمامي الأن و يبتسم لي تلك الابتسامة أم أنه حلم من احلامي البعيدة .
فلم أشعر الا بيد دافئة تمسكني و بشخص لم أتبين ملامحه يحملني فإستسلمت للتعب و الخمول الذي اجتاحني و ذهبت في نوم عميق.
استيقظت و التعب قد استبد بي فلم اتبين اين انا بالتحديد , فلاحظت الغرفة البيضاء التي امكث فيها, ذات النوافذ التي تماثلها, و أنا هكذا حتى لاحظت ضوء قوي في عيني و بصوت غريب يقول :
- آنسة هل تسمعينني حركي عينيك أو أحد أصابعك اذا كنتي تسمعينني .
فحاولت تحريك يدي فلم استطع فحركت عيني بتعب و حاولت تمييز ما حولي فجل ما كنت اراه شخص بوجه ضبابي يتحدث مع شخصين ضبابيين اخرين .. ثم شيئا فشيئا استطعت تمييز أين أنا و من هو ذلك الغريب و من هما الشخصين الاضافيين , فإقترب مني احدهما و امسك يدي فميزتها على الفور:
- خالتي ما الذي حدث ؟
- لا تتكلمي يا زهرتي هل أنت بخير ؟
فقلت بصوت منخفض متعب :
- نعم يا خالتي لا تقلقي أنا بخير و هل أنت بخير ؟
- لقد صرت بخير عندما فتحت عيناكِ يا روح خالتك .
ثم لاحظت اقتراب شخص اخر لم اميز ملامحه لكني عرفته من نبرته :
- كيف تشعرين ايتها الصغيرة ؟
- أنا بخير يا خالي من اللطيف رؤيتك الان .
فضحك و قال :
-أنا متأسف أن لقائنا مجددا كان على هذا الشكل
فقاطعتنا خالتي بقولها بحدة :
- كفى حديثا الان يا زهرتي هيا سنتركك الان ترتاحين و سنأتي فيما بعد .
فتابعتهما حتى خرجا و أنا شرعت أفكر و آلاف من الأسئلة تتبادر لذهني .. كيف جئت الى المستشفى و خالي متى جاء الى هنا و الاهم من كل هذا هل رؤيتي لقيصر حلما ام واقعا ؟.
حينها شعرت بخمول و بتعب كبلني من البحث عن أجوبة شافية فاستسلمت لها و رحت احلم بأحلام كلها عنه هو .
***
مضى على وجودي في المشفى ثلاثة أيام كنت استيقظ فيها قليلا و اغفو طويلا لكن اليوم أشعر أنني بأحسن حال , فقد تم تشخيصي بحمى قوية و أن حالتي كانت خطرة , و أيضا اتضح أن خالي تحدث مع خالتي صبيحة ذلك اليوم طلبا للمغفرة و بأنه قادم مع أول طائرة ليراها , لذلك عندما أغمي علي أول ما فعلته خالتي هو الاتصال به .
فالبرغم من الخلاف و المشاكل بينهما و الألم الذي في قلبها اتجاهه الا انها ضربت كل شيئ عرض الحائط , فكان الأول من تبادر الى ذهنها حين تاهت و وقفت عاجزة .. و كان الأول الذي تذكرته في نوبة ذعرها و خوفها و الأول ايضا حين احتاجته .. لذلك عرفت أن المشاكل تقوي لا تهدم .
قطع حبل أفكاري دخول خالتي بإبتسامتها الرقيقة التي تزين وجهها:
- زهرتي استيقظتي كيف تشعرين ؟
- أنا بخير يا خالتي أشعر أنني بأحسن حال و انتِ ؟
فجلست على حافة السرير و أمسكت يدي بحنو و قالت :
- طالما أنت بخير أنا بخير يا حبيبتي .
فإبتسمت و تذكرت خالي فقلت :
- كيف حال خالي هل تصالحتما ؟
فإبتسمت ابتسامة خجولة كمراهقة قد تم الاعتراف لها ، ثم قالت :
- لا أنا لم أسامحه.ثم تابعت بطفولية :
- و لن أسامحه أبدا لأنه تركني كل هذه المدة اتعذب و أتألم وحدي بسبب امرأة.
- من هو هذا الذي لن تسامحيه و أي امرأة ؟
فنظرت لخالي و ابتسمت له , فالبرغم من مرور العديد من السنوات و التي كانت كافية لتلوين شعره و لحيته ببياض ناصع الى أنه ما زال يحتفظ بوسامة رجل خمسيني أنيق , فلاحظت تعابير وجه خالتي الغاضب, ثم قلت و أنا أكتم ضحكتي بصعوبة :
- خالي أنا مسرورة أنك جئت قبل أن تسافر .
فإقترب و قبلني على جبيني و قال بحنان :
- بالطبع سآتي كيف لا أزور صغيرتي ، اخبريني هل تشعرين بتحسن ؟
- أنا بخير و أنت كيف هي أحوالك؟
فأطرق برأسه و قال بصوت حزين مصطنع :
- أحوالي لا تسير على ما يرام لأن كل حالي غاضب مني و لا يأبى أن يسامحني و هذا بسبب امرأة كبيير في السن و التي تكون مديرتي .
فنظرت لخالتي الغاضبة و هي تنظر له شزرا و خالي الذي يمثل الحزن بطفولية, حينها لم أستطع أن أتمالك نفسي أكثر فإنفجرت ضحكا ، و هذه كانت أول مرة منذ وفاة والديَّ فهما يبدوان كمراهقين يتشاجران لأول مرة , فنظرت لي خالتي بحدة حين انفجر هو أيضا بالضحك .
ثم فجأة كست ملامحه الجدية و أمسك يدها و قال بنعومة :
- الا تنوين مسامحتي يا حلوتي فأنا أحاول بشتى الطرق ارضائك فضلا عن انني تركت عملي لأبقى معك فأنا مشتاق اليك كثيرا ، و أعلم أنني آلمتك و كثيرا ايضا فأنت لا تعلمين ما مر بي في تلك الايام , و حين أتذكر ما قلته و فعلته أتمنى أن أندثر ندما , ثم تابع بصوت متألم :
- لا تكوني قاسية جدا أنا أتوسل اليك هذه ستكون اخر مرة اغضبك هكذا فكيف سيكون حالي حين أعلم أن كل حالي حزين و متألم بسبب أحمق لم يوازن كلامه , فهذا الأحمق يا حالي لا يكتمل الا بك و أنا أعدك هنا و أمام ابنة اختك بأنني سأسعى دائما لإسعادك لأنك غايتي الوحيدة و منفاي الذي الجئ اليه.
فنظرت له خالتي بتألم و قد اغرورقت عيناها بالدموع ثم أبعدت يدها عنه و خرجت من الغرفة , حينها أطرق خالي رأسه بحزن و قال:
- لقد ارتكبت خطأ كبير و أنا أعلم بأنها لن تسامحني أبدا و هذا من حقها .
- أنا أعلم بأنك ارتكبت خطأ جسيما فأنا عن نفسي غضيت منك لأنني لم أتوقع أن تتصرف هكذا لكن من فينا لا يخطئ ؟ فهذه الحياة مليئة بالأخطاء و أنا أعرف جيدا أنك الوحيد القادر على اسعادها وأنك نادم و تحبها بالقدر الكافي.. لذا اذهب اليها ستسامحك.
ثم قلت بصوت ممازح منخفض :
- أنتما تبدوان كمراهقين ساذجين و هي تحبك أكثر من نفسها فقد كانت تنتظر سماع صوتك كل يوم لكن لا تخبرها أنا أحذرك .
فقال بصوت ضاحك :
- حسنا سرك في امان و شكرا لك على اخباري لقد بثثت في نفسي أمل حين كان اليأس قد وصل لقلبي.
- لا شكر على واجب و هيا اذهب اليها سريعا سأنتظركما .
- حسنا لن أتأخر .
فخرج مسرعا و أنا أطرقت أفكر في ذلك اليوم الذي رأيت فيه قيصر في المستشفى فقد تبقى هو السؤال الوحيد الغير المفسر , هل يعقل فعلا أنه خيال من اللاوعي الخاص بي ؟
فكما اخبرتني خالتي أنني كنت أهذي طوال الوقت بأمي و أبي، ثم سألتني بشك عن من يكون قيصر لأتلعثم أنا و أخبرها أنه طبيبي لتخبرني بمكر أنني كنت اهذي به ليلا.
فحتى في مرضي لم يغادرني و كان جزء منه.. لكن كيف يغادرني و أنا اشعر انني مليئة به ؟ كيف و هو في خيالي و يكمن في اللاوعي الخاص بي ؟ فسبب وجودي هنا من الأساس " هو " .. فالجميع يعلمون أن ما حل بي هو بسبب قطرات من المطر , و لكن لا أحد يعلم أنه هو السبب.
هو سببي الوحيد !.
الجميع يعتقدون أنها الحقيقة الا أنا أعلم أنه حقيقتي , لذا سأدعهم لإدعائهم و أكتفي به كحقيقة لا تكذيب فيها.
فشعرت حينها أنني أريد أن أفصح لخالتي و للأطباء و للمرض و للمطر و للسماوات السبع و للعالم بأنني امتلئت به.
فأخرجني فجأة من أفكاري صوت انغلاق الباب و صوت خالي السعيد :
- انظري يا صغيرتي لقد تصالحنا .
فنظرت ليديهما المتشابكة و لوجه خالتي المليئ بالسعادة ثم غمز لي وتابع بصوت ممازح :
- معلومتك القيمة كانت سبب الصلح .
حينها قالت خالتي بوعيد مصطنع :
- انتظري فقط حتى تعود صحتك اليك و لنا حديث طويل في البيت .
فإنفجرت ضحكا وقلت :
- أنا أنتظر عقابي بفارغ الصبر .
فقاطعنا خالي و هو يصيح :
- يا الهي لقد تأخرت !!
فقالت خالتي بصوت حزين :
- ألا يمكنك البقاء أكثر هل يمكنك تأجيل الرحلة ليوم غد ؟ .
فأمسك يدها بحنو و قال برقة :
- لا استطيع يا حلوتي فأنا ايضا اتمنى أن أبقى هنا معك لكن للأسف اخر رحلة كانت يوم الثلاثاء و لا استطيع تفويتها .
حينها انتبهت بحواسي كلها , ماذاا !! هل ..هل اليوم الثلاثاء ؟؟!! كيف هذا؟؟ لالا .. لا أستطيع تصديق ذلك. فقلت بصوت منخفض مصدوم :
- خالي هل اليوم الثلاثاء ؟
- نعم لماذا هل لديك شيئ مهم اليوم ؟
لم أجبه لأنني كنت تحت تأثير صدمة أوقفت عقلي و قلبي .. كيف سأخبره أن وجهه هو الشيئ المهم و صوته هو الحاجة الضرورية و انني أضعت فرصتي الوحيدة لرؤيته .. فأعادني صوت خالتي القلق :
- زهرتي هل أنت بخير لماذا شحب وجهك فجأة ؟
فنظرت الى وجهيهما القلق و اخفيت صدمتي و خيبتي و يأسي داخلي و قلت بابتسامة مصطنعة :
- نعم أنا بخير لا تقلقا دعني أودعك يا خالي لقد تأخرت .
فإقترب مني و قبلني على جبيني و قال بهمس :
- شكرا لكي يا صغيرتي أنا لن أنسى معروفك و المرة القادمة لا تجعلي لقائنا يكون هكذا اتفقنا ؟
- بل شكرا لك لأنك أتيت يا خالي صحبتك السلامة و عد سريعا .
- سأفعل يا صغيرتي .
فالتفت و نظر لخالتي و قال لها بمكر :
- أنا ذاهب الآن هل ستوصلين زوجك ام ستكتفين بالمراقبة هنا.
فضحكت و خرجت معه و أنا مازلت تحت تأثير الصدمة , انه اليوم .. نعم اليوم الذي كنت انتظره بفارغ الصبر , اليوم الذي أرى به قيصري , لم أكن أتصور قط
أنني قد أنسى يوما مثل هذا , فهذا المرض اللعين قد حرمني من فرصتي الوحيدة بأن أراه و أتحدث معه .
لا ليس المرض بل انا الحمقاء التي سرحت بخيالها بعيدا حتى ضيعت فرصتي الوحيدة .. فهل علي أن أنتظر للأسبوع المقبل؟ و كيف سأخبره اصلا ؟ فأنا لا أريد أن أخبره بمرضي فيظنني ضعيفة لا تستطيع التحمل.
أنا لا اريد اظهار هشاشتي و قلة حيلتي لأن معظم الرجال لا يميلون للمرأة الضعيفة بل الى التي تستطيع الاعتماد على نفسها و تتحمل المسؤولية .
لذا ما الذي سأفعله ؟.
لقد اصبح مزاجي في الدرك الأسفل و الأسوء من هذا أن كل شيئ كان من صنع يدي.
كلمة واحدة فقط جعلت يومي يتدمر و جعلتني أصل للحضيض.
***
- ايها الطبيب هل يمكنني الخروج حقا ؟؟
قلتها بصوت مرتجف من سعادتي بهذا الخبر و من خروجي من هذا المكان المليئ برائحة الأموات و الأدوية .. أخيرا سأعود لحياتي المعتادة , فلم أكن أعلم أن لي حياة جميلة الا الان .. حقا نشعر بالأشياء حين تتغير و تذهب عنا, ففقدان الأشياء يجعلنا ندرك قيمتها مهما كانت صغيرة او تافهة .
- لقد تحسنتِ كثيرا و أبديت تفاعلا ايجابيا مع العلاج ثم ابتسم و تابع :
- و طبعا لكونك مطيعة و الفضل كله لخالتك .
فأطرقت برأسي خجلا من هذا الطبيب الوسيم و تساءلت عن عمره ؟ فهو يبدو في حدود الثلاثين , و أكاد أجزم أن في حياته امرأة ما فشخص بهذه الوسامة القاتلة لا يمكن أن يكون وحيد .
- هل مازالت تراودك نوبات سعال حاد أو الام في الرأس ؟
- تنتابني نوبات سعال أحيانا اما آلام الرأس فلم تعد تراودني لذا أنا بأحسن حال أيها الطبيب.
فإبتسم و قال بنبرة ممازحة :
- أرى أنكِ لم تحبي المكان كثيرا لذا أنا أراكِ متلهفة للخروج .
كيف سأخبرك ايها الطبيب ان لهفتي ليست الخروج من هنا بل ان لهفتي الوحيدة هي رؤيته .. كيف أخبرك أنني و طوال هذه الأيام كنت أفكر في كيفية التحسن سريعا و التحرر من هذا المكان؟ كيف سأخبرك أنني و طوال المدة الماضية كنت أتمنى فقط أن ألمحه و أسكت قلبي الذي بقي يناديه؟ كيف و أنا كنت أخفف عن نفسي برؤية ضبابية لا أدري هل هي واقع أم خيال خرافي؟ .
كيف سأخبرك أيها الطبيب أن قيصر هو لهفتي الدائمة لكل ما أعيشه ؟.
- أين ذهبتي ؟.
أيقضني من تفكيري صوت الطبيب ممازحا ، فإبتسمت بخجل و قلت بصوت منخفض :
- أنا هنا فقط مجرد أفكار تأتي و تذهب.. متى سأخرج ايها الطبيب ؟
- متى ما تنتهي خالتك من ملئ استمارة خروجك , لكن لا تتعرضي للهواء طويلا و ارتاحي لفترة فجِسمك مازال ضعيفا. ثم تابع بلطف :
- حسنا الان سأنادي الممرضة لتساعدك في تغيير ملابسك.
فشكرته و أتت الممرضة و ساعدتني في تغيير ثيابي ثم جاءت خالتي واصطحبتني خارج المستشفى.
فلففت وشاحي ذو اللون البني و أحكمت ازرار معطفي حين شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي اثر برودة الهواء الذي جاء بعد مطر غزير و الذي بقي يلامس بشرتي و يحرك شعري الأسود ببطئ, فنظرت للسماء الرمادية و تسائلت بإحباط " كيف سأراك يا قيصر و هل سيضعني القدر في طريقك مرة اخرى؟".
لحسن الحظ لم يكن البيت بعيدا عن المستشفى فما هي دقائق إلا و نحن أمام الباب فدخلت و الاحباط يغلف روحي و يسيطر على قلبي فلم أنبس بكلمة واحدة و هذا ما جعل خالتي تتساءل :
- حبيبتي هل أنت بخير؟ .
فأجبتها بصوت مرتعش و بإبتسامة مصطنعة ارتسمت تلقائيا على وجهي :
- نعم يا خالتي انا بخير انا فقط متعبة هذا كل ما في الأمر لا تقلقي .
فأجابتني بشك ارتسم بوضوح على ملامحها :
- هل أنت متأكدة يا زهرتي ؟
- نعم يا خالتي أنا متأكدة لا تقلقي أنا بخير ثم تابعتُ بإبتسامة :
- سأذهب لغرفتي لأنام قليلا .
ثم أمسكت يدي و قالت برقة :
- نعم اذهبي يا عزيزتي سأناديك حين يكون العشاء جاهزا .
حينها و بردة فعل تلقائية عانقتها و قلت بصوت أقرب للبكاء:
- شكرا لكِ لأنك لم تتركيني و اهتممت بي أنا لا اعلم كيف أعوضك .
- عوضي أن تكوني فقط بخير يا زهرتي .
فإبتسمت لها و طبعت قبلة على خدها ثم دلفت لغرفتي و ارتميت على السرير و أنا أحدق في سقف الغرفة و أفكر كيف سأذهب اليه و أخبره عن مرضي ؟ كيف سأقول له و أنا أعلم أنه سيظنني غير مسؤولية؟ كيف سأستطيع أن أواجه تلك العينين التي تكتشف أسراري العميقة ؟ كيف سأواجه قيصر؟. كيف سأخرج كلماتي و كلها تخونني أمام حضوره.
هل قيصر لديه من الأساس مشاعر نحوي؟ أم يراني كمريضته؟ و هل لطفه نابع من قلبه أم من قلب طبيب متمرس ؟ هل يشعر أنه يحلق في السماء مثلي أم أن جناحيه يفضلان المكوث في الأرض بدل التحليق؟ .
حينها شعرت بإختناق مفاجئ و كأن كل الهواء قد انحسر من الكون ، فغلفني الاحباط مجددا و جعل تفكيري يذهب للحضيض فغيرت رأيي في المكوث في غرفتي و النوم , فقليل من الهواء البارد سيعيدني لصوابي و يجعلني أشعر بتحسن و من يدري فقد تلتقي طرقنا .. فحملت سترتي الرمادية و خرجت و ذهبت لخالتي في المطبخ .
- خالتي أنا سأخرج لأستنشق قليلا من الهواء .
فنظرت لي بتعجب و قالت :
- لكن الطقس بارد و أنتِ ما زلت مريضة و كنت أظنك ستنامين لأنك متعبة عوضا عن أنها الخامسة لقد تأخر الوقت .
- نعم لكن النوم لم يأتيني لذا أريد أن أقوم بنزهة خفيفة فقد مللت من المكوث في المستشفى .
حينها أمسكت يدي برقة و قالت بقلق :
- حسنا لكن كوني حذرة و لا تتأخري.