الفصـل الثـانى "انفصـام" | رواية حينمـا يَلتئم الـجُرح
الفصـل الثـانى "انفصـام"
لقد صادف أن وجدها هنا في هذا المقهى أكثر من مرة، وهي أحد أسباب تواجده المستمر فيه على أمل الالتقاء بها ومعرفة أي شيء عنها. فهي مثل الفراشة، تأتي سريعًا وتذهب سريعًا، تاركة أثرًا خلفها لا ينتهي.
لـم أبدأ شـيئًا، مـن أيـن لـي كـل هـذه النهــايـات؟ ____________ لا أدري، هل التعبير عن الحزن ما يصعب عليّ، أم أنني أخشى التخلي عن آلامي؟ لا أدري سبب تمسكي بآلامي، هل هو دليل على أنني نجوت ولكنني لست حرة، بل أنا أسيرة الذكريات. لا أريد بعض النصائح النظرية من الطبيب، هل ستنزع تلك النصائح الألم العالق في قلبي؟ كانت هذه آخر كلمات كتبتها «وجد» في دفترها قبل أن تتوجه نحو الطبيبة النفسية التي أصرت والدتها على أن تذهب إليها. عودة إلى ما قبل أسبوع: "حمد الله على السلامة يا «وجد»، كلي وتعالي عندي الأوضة علشان نتكلم في موضوع الدكتور." خرجت تلك الكلمات من فم والدتها، وهي تدرك أن والدتها لن تتركها وشأنها حتى تستجيب لمطالبها. هناك شعور بالاختناق يحيط بها كلما فكرت في تلك الجلسات. لا أدري لماذا لا تهتم بوالدي وتتركني في شأني. اهتم بما يخصني وحدي، وللحق، هي تهتم به كثيرًا، تهتم بنا جميعًا، إنها مثال للحنان والعاطفة القوية. "حاضر"، ردت «وجد» بتثاقل، وبالفعل انتهت وذهبت إليها. طرقت الباب ثم سمحت لها والدتها بالدخول، وقالت بنبرة قلق وهي تهم بأخذ «وجد» في أحضانها: "احكي ليه بقى، مش عاوزة تروحي عند الدكتور؟" "ماما، الكلام الكتير مش هيغير رأيي، أنا مش هروح هناك تاني عند الدكتور اللي دمه يلطش ده." وكأن والدتها وجدت طوق النجاة، فقالت: "خلاص، لو المشكلة في الدكتور، نغيره. أنا سألت على دكتورة حلوة أوي الناس بتشكر فيها، شوفيها وإن شاء الله تعجبك." هي تعلم أنه لا يوجد مفر من والدتها، لذلك قالت على مضغ: "حاضر، لما أفضى هبقى اروح." عودة: وها هي تجلس أمام الطبيبة بعد استنزاف كل المبررات لعدم البوح بما داخلها، تحاول أن تحبس أنفاسها لتجنب المواجهة الحقيقية. "«وجد»، دي الجلسة التالتة ولسه معرفش عنك حاجة غير القشور اللي أي حد ممكن يعرفها. انتي هنا علشان أساعدك وانتي تساعدي نفسك، فاسمحي ليا بأن أساعدك." نظرت لها «وجد» بعينين مثقلتين وكأنها في الخمسين من عمرها وقالت: "مفيش حاجة في حياتي مستاهلة تتحكي، أنا هنا علشان أريح والدتي وبس. حياتي كويسة وأنا راضية عنها جدًا، ولو في حاجة محتاجة تتحكي، أكيد هحكيها." صمتت الطبيبة قليلًا وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة لتصل إلى عمق «وجد»، ثم قالت: "بجد؟ حياتك طبيعية؟ طبيعية إزاي وانتي مش بتعرفي تنامي من غير المنوم، ولا بتبدأي يومك من غير مضادات الاكتئاب، هل ده طبيعي؟" ثم أكملت حديثها وهي تنظر إليها بنظرة ملؤها التعاطف: "أنا عارفة إنك مش عاوزة تساعدي نفسك علشان ما تتخلصيش من الألم. الألم هو الرابط بينك وبين الحاجة اللي حصلت. الألم اللي بيثبت فعلا إنك مرّيتي بتجربة مؤلمة. الألم هو الشاهد الوحيد. علشان كده انتي مش عاوزة تضيعِي الشاهد على المعاناة اللي عشتيها." اتسعت عينا «وجد» بذهول. كيف لهذه الطبيبة أن تصف ما تشعر به بهذه الدقة؟ وكأنها تعرف خبايا عقلها. شعرت بشيء من التردد. علمت الطبيبة بالاضطرابات التي تواجهها «وجد»، لذلك أرادت إنهاء الجلسة حتى تسمح لها بالتفكير في الحديث وحتى لا تعرضها لانتكاسة أخرى بدلًا من التقدم، لذلك قالت: "كفاية كده النهارده، إن شاء الله الجلسة الجاية نبقى نتكلم أكتر. فكري في الكلام اللي قلته." لا تدري كيف أنها تجلس الآن على سرير غرفتها، لا تدري كيف أنها بداخل غرفتها من الأساس. كلام الطبيبة لا يخرج من عقلها، لم تستطع الهروب من تلك الكلمات. كانت كجروح قديمة تنزف من جديد. خرجت من هذه الدوامة برنين هاتفها برقم «نور»، صديقتها. "إنتي فين يا «وجد»، بقالى نص ساعة مستنياك." أوه، لقد نسيت أمر صديقتها. كيف لهذه الطبيبة المشعوذة أن تلقي تلك الكلمات في وجهها وتتركها تتخبط بها هكذا؟ "معلش يا «نور»، تعبت في الجلسة وروحت، لو فاضية ممكن تستني نص ساعة؟ هلبس وأجي على طول." ردت «نور» فورًا: "ايوه تعالي، أنا فاضية، مش عاوزة أقعد في البيت أسمع الخناقات اليومية." "تمام، مش هغيب، باي." ثم أنهت المكالمة وقامت بارتداء ملابسها. ارتدت فستانًا من اللون الوردي وفوقه حجاب أبيض. لم تكن صاحبة الجمال الصارخ بل كانت بسيطة حتى في ملامحها، بشرتها ليست خمرية وليست بيضاء بل على الحياد بينهما. يمكن أكثر ما يميزها أنها صاحبة عيون غزال، عيون بنية محاطة بأهداب سوداء تنافس عيون الخيل اوالغزال الشارد. ثم ارتدت حذاءً رياضيًا أبيض وأخذت متعلقاتها وغادرت المنزل. كانت تعلم أنه لا يوجد أحد في المنزل، فوالدها أخذ والدتها في نزهة. إنها محظوظة للعيش في هذا المنزل المغمور بالحب والحنان، كل ركن به يشع عاطفة واحتواء. ليست في حاجة للاستماع إلى قصص الحب الخارجية، فيكفي ما تراه من حب متبادل بين والدها ووالدتها. دخلت إلى المقهى، ثم ذهبت إلى الطاولة المعتادة للجلوس عليها. وجدت «نور» في انتظارها. "«وجد»، ممكن تجيبي القهوة؟ أنا حسبت عليها بس مش قادرة اقوم اجيبها." نطقت بها «نور» حتى قبل السلام. إنها تستغرب طباع هذه الفتاة يوميًا، فهما على النقيض تمامًا؛ «وجد» عاطفية، وعلى النقيض لها «نور»، فهي عقلانية أكثر. وضعت «وجد» حقيبتها وقالت: "حاضر." ثم ذهبت لأخذ القهوة. لم تكن تدرك تلك العيون التي تحاوطها منذ دخولها للمكان، ولا بخفقات ذلك القلب الأبله الذي يعجب بشخص من النظرة الأولى أو الثانية أو ربما النظرة التي لا يعلم عددها. لقد صادف أن وجدها هنا في هذا المقهى أكثر من مرة، وهي أحد أسباب تواجده المستمر فيه على أمل الالتقاء بها ومعرفة أي شيء عنها. فهي مثل الفراشة، تأتي سريعًا وتذهب سريعًا، تاركة أثرًا خلفها لا ينتهي. وبالفعل، جلبت القهوة، وما كادت أن تستدير إلا وتفاجأت بحائط بشري. «وجد» في نفسها: "هي الحيطة اتنقلت هنا إمتى؟" "أنا آسفة والله، غصب عني حضرتك اللي خرجت لي من العدم." الشخص: "خلاص حصل خير، ولا يهمك." «وجد»: "طب ممكن تروح التواليت؟ أكيد في مجفف هناك. أنا آسفة بجد، بتمنى متدعيش عليا، هي خربانة لوحدها مش ناقصة دعوة من حد." الشخص: "خلاص، ولا يهمك، عادي، بتحصل." ثم تركها وهو يبتسم على الجمل العفوية التي تخرج منها دون تجميل. ذهب «وجد» إلى «نور» وقصت لها ما حدث، ثم تشاركا بعض الهموم والضحكات. وانقضى اليوم سريعًا وذهب كلٌّ إلى منزله. "قيل في لقاء الأصحاب: ربيــع الـقلـب وضمـاد الحيـاة." ______________ على الجهة الأخرى، عاد «سالم» إلى أصدقائه. "إيه اللي حصل في هدومك؟" قالها أحد أصدقاء «سالم» وهو يقوم بتفحص التيشيرت الخاص به. "مفيش حاجة، دي مية عادية." ثم غيّر الموضوع وقال: "يلا، عاوز أروح أجهز الشنط علشان نازل لأهلي بكرة. الشغل خدني منهم جامد." رد أحد أصدقائه: "عملت إيه في الموضوع اللي أبوك قالك عليه؟ لقيت اللي بتدوروا عليها؟" قال وهو يقلب عينيه بملل: "فكك، أصلاً مش بدور عليها غير لما بكون رايق. ده عاوزني أدور على حد معرفش شكله أصلاً، وعلى رأي عمي «أسامة» ممكن يكون ميت أصلاً." ثم قام بشد أحد الأصدقاء وقال: "يلا يا جماعة، باي." وذهبوا بالفعل ليجهز الشنط، وفي قلبه خليط من المشاعر المختلفة مع تلك "الجنيّة" الصغيرة المدللة التي أفسدها الدلال. لكنه يعلم أنها ستعود يومًا ما وتدرك الخطأ الذي قامت به، وهو سيتولى الأمر من هنا، سيقوم بإعادة تأهيل لها، تلك الفراشة الصغيرة ذات رأس الخنزير. ______________ "إش إش إش! إيه الحلاوة دي يا جو؟ التيشيرت ده أحلى بكتير من التيشيرت اللي فات. ده مخليك كارزما كده، هيخلي العروسة تقع في حبك من النظرة الأولى." خرجت تلك الكلمات من فم «نادر» وهو يقوم بترتيب ملامس «يوسف» للذهاب لخطبة إحدى فتيات الحي لـ«يوسف». "مؤمن فين يا «يوسف»؟" نطقت بهذه الكلمات والدة «يوسف» فهي تعتبر «مؤمن» و«نادر» مثل أولادها، وبالأخص «مؤمن» لأنه فقد والدته في سن صغير. رد «نادر» سريعًا: "مؤمن عنده شغل إضافي النهارده، هيخلص ونبقى نكلمه نحكيله إيه اللي حصل. وبعدين أنا مش كفاية ولا إيه؟" نظرت له ببعض السخرية لأنها تعلم أن «نادر» لا يستطيع الكلام بجدية مطلقًا، فهو خلق للمزاح فقط. نطق «نادر» عندما لاحظ تلك النظرات وقال: "أنا مش عارف إنتي قارشه ملحتى ليه بس أنا عارف إن حراق، بس مكنتش أعرف إنى حراق اوي كده! اسمي «نادر». نادر الحراق." قالها بمزاح وهو يصطحبهما للخارج. وبالفعل، هم الآن يجلسون في الصالون مع أهل تلك الفتاة. نطقت والدة «يوسف»: "مش نسيب العريس والعروسة شوية مع بعض ولا إيه يا حاج؟" نظر لها «يوسف» بحدة من تورطها له في هذه المعضلة. تركتهم باقي العائلة بمفردهم مع ترك الباب مفتوح. "إزيك يا آنسة «بسملة»؟" ردت «بسملة» ببعض الحدة وقالت: "تمام." ثم أكملت باقي الحديث دون التوقف أو اللف والدوران وقالت: "أنا مش عاوزة أتجوز دلوقتي بصراحة، أنا مغصوبة على القعدة دي. فلو سمحت ممكن تقول ليهم إني معجبتكش أو اخترع أي حاجة بس توقف المهزلة دي." نظر لها «يوسف» يحاول فهم تلك الحجارة التي تخرج من فمها. "في حد تاني، صح؟" أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت: "الصراحة أيوه، في. بس هو تقيل قوي، مش عاوز ياخد خطوة وبيماطل. أنا عارفة إنه حرام بس مش عارفة ابعد عنه ولا اتخطب لحد تاني." نظر لها «يوسف» وهو يحاول أن يغير بعض المفاهيم الخاطئة التي تملأ عقلها. "بصي يا «بسملة»، من عيني حاضر، هخلصك من المهزلة دي، بس الموضوع مش هيخلص عندي. إنتي بنت وأكيد كل يوم هتلاقي عريس مختلف، ولو أنا النهارده قدرت أتفهم موقفك، بكرة هييجي حد مش هيفهمك. مفيش راجل تقيل يا «بسملة»، اللي بيحب بجد بيبقى عامل زي العيل الصغير، بيقعد يزن على ودن أمه، وكذلك إحنا الرجالة. لو بنحب حد، بنقرفه من كتر الكلام والتفاصيل اللي بنشاركها معاه. فأرجوكي فكري شوية بعقلك علشان متلاقيش نفسك في يوم ضحيتي بحاجات كتير قوي في سبيل اللا شيء." قال هذه الكلمات ثم تركها وذهب للجلوس مع باقي أفراد الأسرة، وبعد قليل غادر المنزل على وعد بالتواصل من الأسرتين. بمجرد الخروج من البناية، قال: "البنت محترمة وكل حاجة بس معجبتنيش. ياريت يا ماما تتواصلي معاهم وتبلغيهم رفضنا بدون أي تجريح لو سمحتي." هو بالأساس كان ينوي على الرفض، فهو يقتنع أن تميمة الحظ وشريكة القلب والحياة لم تأتِ له بعد. ______________ كانت «ضي» تعيش في أحلامها الوردية برفقة زوجها وحبيبها «أحمد»، فلا يوجد ما يعكر صفو حياتهم سوى قرار «أحمد» في العودة إلى مصر بعد غياب دام أربع سنوات. لا أعلم سبب تمسكه بهذا القرار الذي من المؤكد سيفسد صفو حياتهم الهادئة، ولكن لن تفرق على كل حال، فأنا ذاهبة معه حتى لو إلى الجحيم السابع. ثم ضحكت على أفكارها: لماذا الجحيم السابع وليس الثامن أو السادس؟ ثم تركت هذا التفكير وأكملت إعداد وجبة الطعام لحبيبها لحينما يعود من العمل. وما كادت أن تخرج من المطبخ حتى استمعت لصوت مفتاح الباب. ذهبت مسرعة لاستقبال «أحمد». "حمدالله على السلامة يا حبيبي." "الله يسلمك يا روحي، ريحة الأكل تحفة." قالها «أحمد» وهو يضع قبلة على جبينها. "غير بقى على ما اجهز السفرة." وبالفعل ذهب للاستحمام وتغيير الملابس. انتهت «ضي» من إعداد السفرة وذهبت لتتفقد «أحمد». بمجرد أن فتحت باب الغرفة نطقت: "يلا يا «أحمد»، الاكل هيبرد." «أحمد» ببعض التوتر الطفيف وهو يحاول إنهاء المكالمة: "طيب هبقى ابعتلك باقي الشغل على الإيميل." "بتشتغل وأنت في البيت كمان يا حبيبي؟ ريح نفسك." "لازم نشتغل في كل حتة علشان «ضي» هانم تعيش ملكة." لم تلاحظ نبرة السخرية في حديثه بسبب انشغالها في سكب محتويات الطعام في طبقه. ثم أكمل حديثه وقال: "جهزي نفسك، الطيارة بكرة الساعة 12 وهننزل على شقتنا." نظرت إليه «ضي» غير قادرة على استيعاب ما قاله. "بسرعة كده يا «أحمد»؟" رد ببرود وكأن الأمر قد تم حسمه دون نقاش: "أيوه خلاص. هنقعد نعمل إيه هنا أكتر من كده." شعرت «ضي» بتيار بارد يجتاحها. لماذا تشعر أن كل ما هو قادم سيئ؟ ثم ترك المائدة وقال: "أنا تعبان، هدخل أنام. تصبحي على خير." تركته يتوجه إلى غرفته دون أن تحاول إيقافه. ______________