زهرة في مهب الجبل: غموض الجبل القاسي
زهرة في مهب الجبل
روايه صعيديه هو كالجبل الأصم.. بارد، حاد، ولا ينحني للريح. "جبل"، رجل تجاوز الثلاثين بقلبٍ من صخر، لا يؤمن بحديث النساء ولا يلين لنظراتهن. وهي "أمينة".. زهرة رقيقة قُطفت قبل أوانها، سُجنت خلف قضبان خوف والدها بعد رحيل أختها، لتجد نفسها فجأة غنيمة في حرب "المصالح" وشراكة الأعمال. بين هيبة "الجبل" وضعف "أمينة"، بدأت حكاية لم تخترها قلوبهم، بل فرضتها العادات والاتفاقات. هل يمكن للزهر أن ينبت فوق الصخر؟ أم أن قسوة الجبل ستسحق رقة أمينة في ليلةٍ كان من المفترض أن تكون فرحاً؟ "عشقتُ صعيدياً قاسي، أصبحتُ حبيسةً بين برودة قلبه ونيران عشقه"
اقرأ بهدوء... فبعض الأسرار لا تُكشف مرةً واحدة."
﷽
(زهرة في مهب الجبل)
هدوء ما قبل العاصفة
في إحدى قرى الصعيد التي تعانق الجبال، حيث تشرق الشمس لتكشف عن بيوتٍ عريقة تخبئ خلف جدرانها أسراراً وحكايات لا تنتهي، كانت الأجواء مشحونة بصمتٍ غريب، صمت يسبق عاصفة ستغير حياة الكثيرين.
ــــــــــــــــــــــــ
في "دوار" عائلة المـلاح كان يقف "جبل"ذلك الشاب الذي أتمّ عامه الثاني والثلاثين بملامحه الحادة وجسده الرياضي الذي يشبه شموخ الجبل الذي سُمي عليه. لم يكن جبل رجلاً عادياً
بل كان مزيجاً من البرودة والحدة قليل الكلام، كثير الهيبة، يرى أن الحياة عملٌ وجدّ، ولا مكان فيها لثرثرة النساء أو ضعف القلوب. كان يراقب السماء بعينين صقريتين، غير مبالٍ بأن اليوم هو اليوم الذي سيُقرر فيه مصيره مع فتاة لم يرها قط.
ـــــــــــــــــــ
وعلى الجانب الآخر، في بيتٍ يسكنه الخوف والحذر، كانت "أمينة" تجلس في غرفتها، تلك الفتاة الرقيقة ذات العشرين ربيعاً. أمينة التي كانت تحلم يوماً بالجامعة لكن قطار أحلامها توقف فجأة عند محطة الثانوية العامة. حين قرر والدها أن يحميها من "غدر الزمان" الذي خطف أختها "أميرة" . أصبحت أمينة كالعصفور المسجون في قفصٍ ذهبي
هادئة مطيعة، وبداخلها ضعفٌ يرتجف من مجرد فكرة المواجهة.
لم يكن هذا الزواج اختياراً بل كان "صفقة" وعملاً مشتركاً بين عائلتين قررتا أن تدمجا المصالح بالدماء.
***_________
مساءً
بعدما غادر جبل وعائلته، كانت هند (ابنة خال أمينة) تراقب كل شيء من بعيد. وبدأت الغيره تتسلل داخلها عندما رأت جبل اللذي سيتزوج من امينه
كيف يبدو رجلاً وسيماً ولديه هيبه
اليوم الثاني
دخلت هند على أمينة والغيرة تملأ قلبها، وقررت أن تبدأ "الوسوسة".
هند: "عامله إيه يا أمينة؟"
أمينة (بيأس): "زي ما شايفه، قاعده زي خيبتها، هاعمل إيه؟"
هند: "عاوزه أقولك حاجه بس خايفه.."
أمينة (بتريقة): "قولي.. من ميتا بتخافي؟ وإلا خايفه علي مشاعري بعد ما عرفتي إني هاتجوز وأسيبك وأروح عش الزوجية المقندل؟"
هند: "له، حاجه مهمه.. وحده صحبتي من بلد 'جبلاوي'.."
أمينة (ضحكت بسخرية): "اسمه جبل! نفسي أفهم ليه عندينا فالصعيد متمسكين بالاسم ده، مع إنو اسم قاسي وواعر.. ما علينا، المهم قالتلك إيه عنيه؟"
.
هند: "قالتلي إنها تعرفه، و.. و.."
أمينة: "يا ستي قولي على طول، عادي كدة كدة مفيش مفر."
هند: "صفاته شينة، وشكله اسخم!"
أمينة (بفزع): "صوح؟ طيب قولي يا هند عرفتي إيه مش تحيريني؟"
هند (بخبث): "بصراحة قالت إنه تخين وأسود وقصير وعنده صلعة.. هو الشكل بتاع ربنا بس كمان طبعه قاسي كيف اسمه، وليه فالموالد والغجر والمسخرة بس من تحت لتحت، وما يعرفش للحق والصدق طريق!"
انقبض قلب أمينة وتملأت عيناها بالدموع وهي تصرخ بصوت مكتوم:
أمينة: "آآآه يا بوي.. طيب أعمل إيه؟ يا ريتني مُت بدل أميرة.. يا ريتني كنت أنا، كنت ارتحت! وأمي مش مشجعاني وتقولي بوكي وإخواتك يختارولك الصالح والزين."
هند: "طيب كلمي فارس أخوكي، يمكن يسمع."
أمينة (بحيرة): "فارس مين؟ تتوقعي لو فكرت أصلاً واتشجعت يحن عليا ويسمع؟"
هند: "جربي، يمكن.. أهو تبقي عملتي محاولة، فارس عيحبك وهايسمع."
(في المساء)
انتظرت أمينة الليل والتردد ينهشها، حتى عاد فارس (أخوها الأكبر) من عمله. خرجت إليه وهي ترتجف.
أمينة: "مرحب يا خوي، حمدالله بالسلامة."
فارس: "يا مراحب بعروستنا، عاملة إيه دلوك؟"
أمينة: "الحمد لله.. كنت عاوزه أقولك حاجه."
نظر إليها فارس باستقصاء وقال: "إيوه حسيت، طيب قولي خير عاوزه إيه؟"
أمينة: "أنا معوزاش.. ااا.. ااا.."
فارس: "معوزاش إيه؟"
أمينة: "معوزاش أتجوز يا خوي دلوك."
فارس: ايه السبب
دخلت فاتن (زوجة فارس) لتدعم أمينة كما اتفقا:
فاتن: "لازم سبب.. معوزاش تفارقنا، وبعدين العريس من بلد تاني، عاوزين نجوزوها هنا فالبلد وإلا حد من العيلة."
صمت فارس ونظر إليها بغضب، فأكملت فاتن: "شوف عمي واتكلم معاه عشان يقول للجماعة كل حاجه نصيب.."
فارس (بحدة): "إيوه، وإنتي جيه من بره تكملي كلامها؟ فطمتك يعني؟"
بصت أمينة لفاتن بخوف، وحاولت فاتن الكلام: "له بس أنا عا.."
فارس (مقاطعاً): "متدخليش واطلعي إنتي!"
فاتن: "طيب.."
فارس (بزغرة أخافتها): "قولت تطلعي!"
بعدما خرجت فاتن، أمسك فارس أمينة من يدها وقال بلهجة لا تقبل النقاش:
فارس: "شوفي، هما كلمتين.. أول حاجة إحنا إدينا رد خلاص وكلمتنا سيف. تاني حاجة العريس زين، أنا نفسي اتعاملت معاه ولولا كلنا شايفين إنه هايصونك مكناش جوزناكي ليه.. تجيبي فاتن او أمك او العفريت هاتتجوزيه، سمعتي؟"
صمتت أمينة برعب، فنهرها: "مردتيش!"
أمينة (بخوف ورجفة): "حاضر يا خوي."
ــــــــ
انسحبت أمينة من أمام أخيها بخطوات ثقيلة، وكأنها تحمل جبال الأرض فوق كاهلها. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها،
وارتمت على فراشها تبكي بمرارة. لقد أصبح الأمر "جداً" (واقعاً لا مفر منه)، وشعرت أن قضبان السجن بدأت تضيق حول عنقها، ولم تعد تستطيع الفرار من "قفص الجبل" الذي صُنع بكلمة من رجال عائلتها.
طوال الليل، كانت الكلمات تتردد في أذنيها..
كلام هند الذي تسلل إلى عقلها مثل "سم الحيايا"، ينهش في مخيلتها وصورة ذلك الرجل البشع الذي ينتظرها.
كانت تدعو الله بصوت مخنوق: "يا رب، دبر لي أمري، أنا ماليش غيرك..
يا رب ارحم ضعفي."
في صباح اليوم التالي..
دخلت والدة أمينة الغرفة وعلى وجهها علامات الجدية: "قومي يا بتي، بلاش كسل.
النهاردة الصبح كلموني، أم جبل(الحاجه صفاء) ومرت أخوه الكبير جايين يشوفوكي،
وهياجو معاهم مستحقاتك عشان شوارك (جهاز العروسة) وتجهزي حالك، وهيجيبو معاهم الشبكة كمان."
أمينة (بكسرة): "هو العريس مش جاي معاهم يا أماي؟"
الأم: "لا يا بنتي،
عوايدنا كدة، من ميتا العريس والعروسه يشوفو بعض قبل الجواز الرجال ليهم وقتهم..
جبل ميعرفش يقدم الدهب بنفسه قدام الحريم، دي عادات العيل (العائلات) عندينا ولازم نحترمها."
ــــــــــــــــــ
عند العصر..
توقفت سيارة فخمة أمام الدوار، ونزلت منها سيدة وقورة بملامح صعيدية أصيلة (أم جبل)،
تتبعها شابة في مقتبل العمر، كانت جميلة جداً وأنيقة (زوجة أخيه الأكبر).
كانت أمينة تراقبهم من خلف زجاج النافذة،
وقلبها يخفق بعنف.. كانت هذه هي المواجهة الأولى مع "عالم الجبل".
*****
دخلت حماتها وزوجة أخيه إلى المندرة الخاصة بالنساء، حيث كان الجميع في انتظار العروس. في تلك الأثناء، انسلّت فاتن (زوجة فارس) إلى غفرة أمينة، وجدتها ما زالت جالسة بمكانها والهمّ يأكل وجهها.
اقتربت منها فاتن وقالت بنبرة مستعجلة لكن حنونة: "يلا يا منه ،
تأخرتي قوي والضيوف قاعدين بره.. عيب يا خيتي ما ينفعش نتأخرو عليهم أكتر من كدة."
قامت أمينة بقلبٍ يرجف،
رتبت مظهرها، وخرجت بخطوات متعثرة تتبع فاتن. وما إن وطأت قدماها عتبة المندرة،
حتى اتجهت الأنظار كلها إليها.
نظرت إليها حماتها "أم جبل" وسلفتها (زوجة أخيه الأكبر) بانبهار واضح؛
فجمالها الهادئ الرقيق كان يخطف الأنفاس رغم الحزن الذي يكسو عينيها.
ابتسمت أم جبل ابتسامة عريضة ملأت وجهها بالبشر وقالت بصوت مسموع:
"بسم الله تبارك الله.. بدر في ليلة تمامه! ولدي عرف يختار، بالصلاة على النبي."ﷺ
نظرت أمينة للأرض بخجل وانكسار،
وكلمات حماتها "ولدي عرف يختار" كانت ترن في أذنها كالجرس،
تساءلت في سرها بمرارة: "كيف يختار وهو الذي لم يراني؟ وكيف سأتحمل العيش مع من وصفته (هند) بكل تلك القسوة والبشاعة؟"
ـــــــ
دخلت أمينة بخطى وئيدة، والسكينة المرسومة على وجهها تخفي خلفها إعصاراً من التوتر. سلمت على حماتها وسلفتها بوقار وحياء،
ثم جلست في الجهة المقابلة بجوار والدتها التي كانت تراقبها بنظرات فخر ممزوجة بالقلق، بينما جلست فاتن بجانبهن تتابع الموقف بهدوء.
ساد صمت قصير قطعه صوت "أم جبل" وهي تعدل من جلستها وتنظر لأمينة بحنان الأم:
أم جبل: "شوفي يا بنتي،
إحنا النهاردة مش بس جايين نبارك، إحنا جايين نتمم اللي اتفقوا عليه الرجال.
جبل ولدي، رغم إنه قليل الكلام وطبعه حامي شوية كيف الجبل، بس قلبه أبيض وزين،
وإحنا من يوم ما سمعنا عن أدبك وأصلك وإحنا شاريينك."
ثم أخرجت حقيبة صغيرة مخملية، وفتحتها لتظهر "الشبكة" التي كانت تلمع تحت ضوء المندرة، وقالت بلهجة فيها اعتزاز:
أم جبل: "ده حقك يا ست البنات، ولدي بعتهولك وهو بيتعزر إنه مش موجود،
بس عوايدنا كيف ما إنتي عارفة.. والدهب ده قليل عليكي."
نظرت أمينة للذهب، ثم لمحت نظرات سلفتها (مرات أخو جبل) التي كانت تبتسم لها بودّ،
لكن تفكير أمينة كان في مكان آخر تماماً.. كانت تفكر: "لو كان قلبه أبيض كيف ما بتقول أمه، ليه هند قالت عنيه كدة؟
مين فيهم اللي صادق ؟"
ااه ياويلك يا منه.
ـــــــــــــــــــــــــ
أخذت فاتن علبة الذهب من يد "أم جبل" وقدمتها لأمينة وهي تغمز لها بعينيها محاولةً تشجيعها، بينما كانت أمينة تغرق في خجلها،
تشعر بنظرات حماتها "أم جبل" التفحصية التي لم تفارق وجهها،
وكأنها تتأكد أن هذا الجمال الهادئ سيليق بهيبة ابنها.
انسحبت فاتن بخفة لتقوم بواجب الضيافة، قائلة بابتسامة: "دقيقة يا جماعة،
هجيب الحاجه الساقعة والضيافة.. منورين دوارنا والله."
في هذه اللحظة، اقتربت "سمية" (سلفتها) من أمينة، وانحنت قليلاً لتهمس في أذنها بنبرة صادقة خالية من الرياء:
"أبشري يا أمينة.. والله يا خيتي إنك هتاخدي أطيب وأحن واحد في البيت كله.
جبل يبان 'واعر' وقاسي من بره، بس من جوه قلبه كيف البفتة البيضاء..
ربنا يسعدك ويسعده بيكي، ويتم فرحتكم على خير يا رب."
نزلت هذه الكلمات على قلب أمينة كالمسكن المؤقت، لكن سرعان ما تذكرت تحذيرات هند،
فاحتارت بين "الوحش" الذي وصفته هند، و"البفتة البيضاء" التي وصفتها سمية.
بعد فترة، انتهت الزيارة، وقامت أم جبل مودعة: "يلا يا بنتي، إحنا نستأذن دلوك،
والمرة الجاية تكوني في بيتنا ومنورة دارنا."
خرجوا جميعاً،
ووقفت أمينة خلف نافذتها تراقب غبار سيارتهم وهي تبتعد، وهي تمسك علبة الذهب وتتأملها بضياع.. هل هذا الذهب قيدٌ أم هدية؟ وهل جبل جحيمٌ أم جنة؟
_______
لم يكد غبار سيارة "آل المـلاح" يختفي من أول الشارع، حتى انفتح باب الغرفة بعنف.
دخلت هند وهي تلهث، فمنزل والدها يقع في آخر شارع أمينة،
وكانت تتابع الأجواء بعيون صقرية، وكأنها لا تريد أن تفوت ثانية واحدة من "الوليمة" التي نصبتها لعقل أمينة.
نظرت هند إلى علبة الذهب المفتوحة في يد أمينة، وعلت وجهها ابتسامة صفراء لا تخلو من الغل.
هند (بنبرة ساخرة): "يا مري! كل ديتي دهب يا أمينة؟ ده جبل بيكبّ دهب كبّ كأنه بيشتري أرض مش عروسة!"
ارتبكت أمينة وحاولت إخفاء العلبة قليلاً وقالت بصوت خافت: "دي شبكتي يا هند.. وحماتي وسلفتي كانوا طيبين قوي،
وسلفتي قالت لي كلام زين عن جبل.."
ضحكت هند ضحكة رنانة ومستفزة، ثم اقتربت من أذن أمينة وهمست بسمّها المعتاد:
"كلام زين؟
وقالت لك قلبه أبيض صح؟ يا خايبة.. هما لازم يقولوا كدة عشان يلبسوكي في الحيط! الدهب ده كله تمن السكوت يا أمينة.
الدهب ده عشان لما تشوفي المنظر اللي هتشوفيه ليلة الدخلة، تبصي للدهب وتكتمي في قلبك وتصبري على قرفه وقسوته. ده بيشتروا سكوتك بالوزن يا بت عمتي!"
نزلت الكلمات على أمينة كالصاعقة، وانطفأت الفرحة الصغيرة التي زرعتها "سمية" في قلبها. نظرت للذهب فجأة وكأنها قطع من النار، واهتزت ثقتها في كل شيء.
.
اقتربت هند من أمينة بابتسامة غامضة، التفتت حولها لتتأكد أن أحداً لا يسمعهما، ثم همست بصوت خفيض:
ـ "اسمعي يا أمينة.. أنا عندي حل جايز، وجايز قوي كمان ينفعك.. ده طبعاً لو كنتِ لسه رافضة، ولا تكونيش وقعتِ في (خية) حماتك وعجبك الموضوع والدهب وزهزهته؟"
اتسعت عينا أمينة بلهفة، وأمسكت يد هند قائلة:
ـ "صوح يا هند؟ قوليلي بالله عليكي.. حل إيه ده اللي يخلصني من الورطة دي؟"
لمعت عين هند بمكر وهي تتابع:
ـ "انتي عارفة زين إن عمي بيخاف عليكي واصل، وقلبه واكله عليكي من وقت (أميرة) الله يرحمها ما ماتت.. تقدري تستغلي الفرصة دي،
وهي دي آخر فرصة ليكي يا بت عمتي."
قطبت أمينة حاجبيها بعدم فهم وقالت:
ـ "استغلها كيف يعني؟ مفهماش حاجه، وضحي كلامك يا هند!"
ردت هند ببرود وهي ترسم الخطة:
ـ "يعني (تهوشي).. تعرفي تهوشي يا أمينة؟ اعملي إنك هتموتي روحك، صرخي،
هدديهم.. اقلبي البيت واعملي حالة. وقتها عمي من خوفه عليكي هيفشكل الجوازة ديتي فوراً، مش هيستحمل يخسرك زي ما خسر اللي قبلك."
سكتت أمينة فجأة،
وشعرت ببرودة تسري في جسدها. صُدمت من جرأة الفكرة.. هل تصل بها المواصيل أن تخدع والدها وتلعب على وتر جرحه القديم؟ لكن في نفس الوقت، الخوف من الزواج كان ينهش قلبها.
***
بعدما ألقت هند سمومها في أذن أمينة، انسحبت من الغرفة بخطوات هادئة، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة تقطر غلاً وحقداً.
كانت هند تعلم جيداً أن "أمينة" ذات شخصية ضعيفة وهشة،
وأنها بكلمات قليلة استطاعت أن تسيطر على عقلها وتوجهها كأنها عروس مارينيت في يدها.
كانت هند تريد حرق قلب الجميع، ولم تجد أفضل من أمينة لتكون عود الكبريت.
بينما بقيت أمينة وحيدة، تجلس بجوار شبكتها، والحيرة تنهش في رأسها.
كانت تمسك بطرف طرحتها وتفركها بتوتر وهي تحدث نفسها:
ـ "يا ربي.. هل أقدر صوح أعمل كل ده؟ هل قلبي هيطاوعني أمثل القسوة دي قدام أبوي؟"
ثم سكتت قليلاً وتذكرت نظرة الحزن التي لم تفارق عين والدها منذ رحيل شقيقتها،
وهمست بمرارة:
ـ "بس هو كمان ملوش حق يغصبني.. وأنا عارفة إن أبوي بيحبني، وميرضاش يفقدني كيف ما فقد (أميرة).. هو ده خيط النجاة الوحيد."
ــــــــــ
استغرقت وقت كبير وهيا تفكر هل انفذ خطة
هند وام استسلم لاختيار عائلتي
حدثت نفسها قائله
طيب طلامه جواز بجواز وكده كده مهكملش تعليمي
كانو جابو عريس زين بدل البهيم اللي متقدملي ديتي ااااه ياويلك يامنه
استندت أمينة برأسها على حافة الفراش، وأغلقت عينيها وهي تتخيل ذلك "الجبل" الذي ينتظرها خلف الأبواب المغلقة.
لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها ما هو أبعد من أحلامها وأكبر من مخاوفها.
وبينما كان الصمت يلف غرفتها، كانت الرياح بالخارج تصفر بين جبال الصعيد،
وكأنها تعلن عن بداية حكاية لن تنتهي بسلام.
انتهى البارت