خوفاً من نبضة | الفصل الرابع
جاري التحميل...
الفصل الرابع
.........
كانت غيم تجلس في ورشتها، تحاول إصلاح "زمبرك" قديم لساعة حائط، حين تعثرت قدمها بطرف السجادة المنسولة، لترتطم جبهتها بطاولة العمل. فركت غيم جبهتها وهي تضحك بهبل: "يا إلهي، يبدو أن رأسي اليوم يرسل إشارات استغاثة لذاكرتي!"
نظرت إلى زاوية القبو، حيث كانت تعلّق "جرس" دراجتها القديمة (نجمة) كذكرى. بمجرد أن لمسته بسبابتها وأصدر صوتاً معدنياً رنيناً، انفتح باب الذاكرة على مصراعيه، وعادت غيم بذاكرتها إلى ذلك الصباح المشهود...
[فلاش باك - قبل ثلاث سنوات]
كانت غيم تقود (نجمة)، الدراجة التي كانت تبدو وكأنها مجمعة من بقايا طائرة حربية وسرير معدني قديم. كانت غيم ترتدي قميصاً واسعاً جداً بلون "الكموني"، ووشاحها البنفسجي يلتف حول عنقها لدرجة أنها كانت تبدو كحبة باذنجان طائرة. في سلة القش الأمامية، كان هناك وعاء "الجبس السائل" الممزوج بصبغة "الزنجار" الخضراء، وهي مادة لزجة، ثقيلة، ولا ترحم.
* غيم (وهي تضغط على المكابح التي تصدر صوتاً يشبه نواح القطط): "يا نجمة، لا تخذليني الآن! لجنة التحكيم بالداخل، وإذا سقط هذا الجبس، سأتحول أنا وأنتِ إلى تحف أثرية محطمة!"
وعلى الطرف الآخر من الممر، كانت زينة تمشي وكأنها عارضة أزياء في باريس. كانت تحمل فستان تخرجها المصنوع من "الحرير الملكي" بلون السكر، مطرزاً بخيوط الحرير والخرز الصغير. كانت زينة تمشي بخطوات محسوبة، تتجنب حتى النظر إلى اليمين أو اليسار لكي لا يفسد الهواء تصفيفة شعرها.
فجأة، وبلا أي إنذار، طار "برغي" من مقود (نجمة). اختل توازن غيم، وانحرفت الدراجة كأنها ثور هائج باتجاه زينة. صرخت غيم بأعلى صوتها:
"حريييير! اهربي يا صاحبة الحرير! نجمة قررت الانتحار!"
لكن الأوان كان قد فات. اصطدمت الدراجة بحافة الرصيف، وطار وعاء الجبس الأخضر في الهواء بحركة لولبية، ليسقط (بكل دقة ونحس) مباشرة فوق "خصر" فستان زينة، وينفجر الرذاذ الأخضر ليغطي التطريز الفضي بالكامل.
سقطت زينة على الأرض، كانت تبدو وكأنها "عروس بحر" علقت في بقعة نفط خضراء. تجمدت الدموع في عينيها من فرط الصدمة. أما غيم، فقد طارت من فوق الدراجة لتستقر خلف "مانيكان" خشبي، وخرجت وهي تنفض الغبار عن نظاراتها الدائرية التي أصبحت فوق جبهتها.
* زينة (بصوت يرتجف): "أنتِ.. أنتِ كائن فضائي؟ دمرتِ الفستان! هذا الحرير لا يُغسل.. غرزة غرزة يا مجنونة!"
* غيم (بكل هبل، اقتربت وبدأت تمسح بقعة خضراء عن أنف زينة بظفرها): "يا إلهي! انظري للأمر من منظور فني.. اللون الأخضر الزنجاري مع الأبيض السكري يعطي طابعاً (أندلسياً) بامتياز! فستانكِ الآن يحكي قصة صراع الإنسان مع الطبيعة!"
* زينة (بصراخ): "أي أندلس؟ أي طبيعة؟ سأرسب في المشروع بسبب غيمة سوداء مثلكِ!"
"اسكتي قليلاً!" صاحت غيم بجدية مفاجئة جعلت زينة تصمت. "أنا غيم، مرممة العصور. هذا الجبس إذا جفّ سيكسر خيوط الحرير. أمامنا عشر دقائق قبل أن يتحجر."
سحبت غيم زينة من يدها إلى قبوها السري. هناك، وتحت ضوء كشاف قوي، بدأت غيم طقوسها. أخرجت زجاجة صغيرة فيها سائل شفاف تفوح منه رائحة "النعناع والخل"، وأمسكت بمشرط دقيق جداً.
* غيم (وهي تهمس للفستان): "لا تقلق يا حبيبي، غيم هنا.. سأعيدك أبيض كأحلام هذه الفتاة المتأنقة."
كانت غيم تعمل بسرعة مذهلة، يداها اللتان كانتا تتخبطان فوق الدراجة، أصبحتا الآن بدقة أصابع جراح. كانت تزيل الجبس شعرة بشعرة، وتستخدم قطنة مبللة بالمحلول السحري لتمتص اللون الأخضر من مسام الحرير. زينة كانت تراقبها بذهول، غاب الغضب وحل مكانه الإعجاب.
* غيم (وهي تضحك بهبل لتلطيف الجو): "هل تعرفين يا زينة؟ لو لم أصدمكِ، لما كنتِ عرفتِ أن هناك فتاة موهوبة مثلي في هذه الكلية. اعتبري هذا الحادث هو (افتتاحية) لصداقتنا."
* زينة (بابتسامة مكسورة): "صداقة؟ أنتِ كدتِ تقتلينني بجلطة قلبية!"
بعد ساعة، عاد الفستان ناصعاً، بل وزادت غيم لمسة "تلميع" بخار خاصة جعلت التطريز يبرق أكثر من قبل.
* غيم: "تفضلي يا أميرة.. فستانكِ جاهز، و(نجمة) تقدم اعتذارها الرسمي."
احتضنت زينة غيم بقوة، وانتقلت رائحة الجبس والتراب لثياب زينة الغالية، لكنها لم تهتم. في تلك اللحظة، ولدت علاقة "المرممة" و"المصممة".
[العودة للحاضر]
ضحكت غيم وهي تفرك جبهتها مكان الصدمة، وقالت لنفسها: "آه يا زينة، كم أحتاج لعفويتكِ الآن وأنا أواجه العالم... من حسن حظي أن (نجمة) صدمتكِ أنتِ، ولم تصدم حائطاً!"
في زاوية منسية من قبو غيم، كان الصمت يسود، باستثناء صوت "تكتكة" ساعة جدارية قديمة فككت غيم أحشاءها وتركتها معلقة بخيوط رفيعة. كانت غيم غارقة في عالمها، تضع عدسة مكبرة على عين واحدة، وتمسك بملقط صغير تحاول به إعادة ترتيب فصوص عقدٍ أثري متهالك.
فجأة، اخترق الهدوء صوت نغمة هاتف غيم "المزعجة" التي تشبه صفارة الإنذار. قفزت غيم من مكانها، ليسقط الملقط من يدها ويختفي وسط تلال القماش والورق.
* غيم (وهي تبحث عن الهاتف تحت أكوام الكتب): "أين أنت يا خائن؟ دائماً تصرخ في الوقت الخطأ!"
أخيراً، سحبت الهاتف من تحت "فردة حذاء" قديمة كانت تستخدمها كمثقل للورق. رأت الاسم على الشاشة: "البرنسيسة زينة".
* غيم (تفتح الخط بصوت ناعس): "أهلاً يا منبع الأناقة.. هل قررتِ أخيراً اعتزال الموضة والعمل معي في نبش القبور؟"
* زينة (صوتها يأتي حاداً وواضحاً كأنه نصل مقص): "غيم! توقفي عن الهبل. أنا في الطريق إليكِ، عشر دقائق وأكون أمام القبو. لدينا كارثة وطنية، بل كارثة كونية تخص عرض الموسم القادم، ولا أحد غير عقلكِ الملتوي يمكنه مساعدتي!"
* غيم (بفزع وهي تنظر حولها): "عشر دقائق؟ زينة، المكان هنا يبدو وكأنه خرج للتو من زلزال بقوة 9 درجات! انتظري، سأقوم بـ 'عملية تجميل' سريعة للمكان!"
* زينة: "لا تتعدبي، أعرف قبوكِ جيداً. فقط تأكدي أنكِ لا ترتدين مريول العمل الملطخ بالأسيد لأنني سأحضر معي 'عينات' أقمشة حريرية لا تتحمل رؤية الغبار. أنا قادمة!"
(طوط.. طوط.. طوط)
ألقيت غيم الهاتف في الهواء والتقطته وهي تركض في أرجاء القبو.
"يا ويلي! زينة والحجارة الكريمة في مكان واحد؟ هذا انتحار!"
بدأت غيم بعملية "الإخفاء القسري" للفوضى. حملت ذراعيها بكل ما طالته من أدوات، ورمتها داخل خزانة خشبية قديمة وأغلقتها بقدمها. مسحت طاولة العمل بوشاحها البنفسجي بسرعة، ثم أخرجت بخاخاً فيه مزيج من "ماء الورد والديتول" ورشته في الجو.
* غيم (تحدث نفسها): "رائحة بخور.. نحتاج لرائحة بخور لتوهمها بأن المكان (روحاني) وليس (فوضوياً)!"
بعد عشر دقائق بالضبط، سُمع صوت مكابح سيارة "زينة" الفاخرة في الخارج. ثم تلاه صوت خطوات كعب عالٍ يقرع درجات السلم الحجري المؤدي للقبو بإيقاع عسكري.
انفتح الباب، وظهرت زينة. كانت تبدو وكأنها خرجت من مجلة "فوج"؛ فستان "ميدي" أسود ضيق، سترة "بليزر" بلون الكريم، وحقيبة يد صغيرة تلمع تحت أضواء القبو الخافتة. توقفت عند العتبة، ونظرت بعينين ضيقتين إلى الدخان المتصاعد من عود البخور.
* زينة (وهي تلوح بيدها أمام وجهها): "ما هذا؟ هل تفتتحين معبداً هنا؟ أم أنكِ تحاولين إخفاء جريمة قتل كيميائية؟"
* غيم (بابتسامة عريضة وهبلة): "أهلاً يا سيدة الرقي! هذا 'بخور التفكير الإبداعي'. تعالي، اجلسي.. لقد قمت بتعقيم الكرسي خصيصاً لكِ بسبع غسلات!"
جلست زينة بحذر شديد، ووضعت حقيبتها فوق منديل ورقي فرشطته غيم لها. ثم أخرجت من حقيبتها قطعة قماش "تول" فاخرة جداً، مطرزة بالذهب، لكن كان بها ثقب غريب في المنتصف.
* زينة (بلهجة تراجيدية): "انظري يا غيم.. هذه القطعة هي قلب الفستان الرئيسي للعرض. سقطت عليها قطعة 'كريستال' ساخنة أثناء الكي وذابت. إذا لم ترمميها بطريقتكِ 'الأثرية'، فأنا ضائعة!"
* غيم (تقترب وتفحص القماش بعدسة التكبير، وتتحول فجأة من الهبل إلى الجدية): "أممم.. احتراق في الياف البوليستر والحرير. زينة، أنتِ تطلبين مني إعادة بناء 'خلية نحل' محترقة. لكن.. أتعرفين؟ هذا الثقب يذكرني بفتحات (المشربيات) في البيوت القديمة."
* زينة (بأمل): "ماذا تعنين؟"
* غيم (وعيناها تلمعان): "بدل أن نرتق الثقب ونحاول إخفاءه، سنحوله إلى 'ميزة'. سأقوم بصنع قطعة من (النحاس المفرغ) الرقيق جداً، بنفس شكل الثقب، وأثبتها بحواف الحرير. سيبدو الفستان وكأنه قطعة أثرية نادرة محصنة بالمعدن. ستكونين أول مصممة أزياء تستخدم 'ترميم الآثار' في الموضة!"
نظرت زينة إلى غيم الطموحة، إلى وجهها الملطخ بمسحة صغيرة من الفحم، والى يديها اللتين بدأت تتحركان بتلقائية لتحضير الأدوات.
* زينة (بضحكة خفيفة): "أنتِ الوحيدة التي تجعل من الكارثة لوحة فنية. ولهذا السبب.. أنا دائماً أتحمل رائحة قبوكِ!"
بدأت غيم تغلي الشاي على "بوريك" صغير، بينما بدأت زينة تحكي لها عن مغامراتها في عالم "البريستيج"، وغيم تقاطعها بنكات عن "نجمة" و"زيتونة". كان القبو في تلك اللحظة يجمع بين "لمعان الذهب" و"عراقة التراب"، في مشهد يجسد جوهر صداقتهما.
انفصلت "زينة" بسيارتها عن زقاق الورشة، تاركةً خلفها غباراً من العطر الفرنسي، بينما سلكت غيم طريقها بـ (زيتونة) التي كانت "تُقرقر" وكأنها تشتكي من السهر. المسافة من الورشة إلى البناية كانت قصيرة، لكن غيم كانت تشعر أن كل شارع هو فرسخ كامل من التعب اللذيذ.
ركنت غيم سيارتها، وصعدت طوابق البناية الأربعة. كان الهدوء في الدرج يطبق على الصدور، لكنها ما إن وضعت مفتاحها في قفل الباب، حتى عرفت أن "الحراس" ما زالوا مستيقظين.
دخلت غيم لتجد الصالة مضاءة بنور خافت. كان الجد يتربع فوق الكرسي الخشبي بوقارٍ لا يهتز، يرتدي "الصدرية" الصوفية، ومسبحته الكهرمان في يده تهمس بذكر الله.
* أبو غانم (بصوت رخيم يملأ المكان): "وصلت المرممة.. نورت الدار يا جدي. تعالي، قوليلي شو قصتك اليوم مع هالنحاس؟ ريحته فايحة من إيديكي قبل ما تدخلي!"
* غيم (تلقي بحقيبتها وتجلس عند قدميه، تضع رأسها على ركبته): "يا جدي يا أبو غانم، والله النحاس اليوم كان عم يعاندني.. بس غيمك رأسها يابس. زينة كادت تجن، بس بالنهاية خيطنا التاريخ بالحرير!"
في هذه اللحظة، خرج (أبو أحمد) من المطبخ حاملاً صينية صغيرة عليها فنجان قهوة "على الريحة". نظر إلى ابنته، وفي عينيه مزيج من الفخر والخوف عليها من هذا الإنهاك.
* أبو أحمد (يمسح على شعر غيم بحنان): "صحتين وعافية يا بنتي. شربي هالقهوة لترجع روحك. والله يا غيم، لو كانت أمك الله يرحمها هون، كانت قامت الدنيا وما قعدتها لأنك نسيتي تاكلي.. كانت هلق عم تطاردك بصحن (المنسف) من غرفة لغرفة."
* غيم (تبتسم بمرارة ممزوجة بحب): "الله يرحم ترابها يا بابا.. والله خيالها ما فارقني بالورشة. كل ما كنت أتعب، أتذكر كلمتها: (إيديكي بينلفوا بحرير يا غيم).. واليوم فعلاً لفيتهم بالحرير والنحاس."
أمسك الجد يد غيم، وتفحص سواد النحاس العالق تحت أظافرها، ثم قال بحكمة:
"يا جدي، اللي بيشتغل بإيده ما بيجوع، واللي بيصون أصله ما بيضيع. النحاس اللي حطيتيه بقطعة القماش هو اللي رح يخليها تعيش.. متل ذكراها (يقصد الأم) اللي معمرة بهالبيت. ضلّي قوية يا جدي، ولا تخلي زينة تاخدك لعالم (القشور).. خليكي باللبّ."
حاولت غيم كسر جو العاطفة الذي بدأ يغلب على الجلسة، فقامت وهي تترنح من التعب:
* غيم: "طيب يا جماعة، بما إنو القيادة العامة والوزارة التنفيذية موجودين.. أنا بطلب إذن بالانسحاب لغرفتي لـ (ترميم) جفوني اللي سكروا. وغداً، إذا (زيتونة) ما قررت تتقاعد فجأة، رح نطلع على القلعة!"
ضحك أبو أحمد وهز رأسه، بينما استند أبو غانم على عصاه ليقوم لصلاة الفجر. دخلت غيم غرفتها، كانت الغرفة باردة، لكن صورة أمها المعلقة فوق المكتب كانت تبدو وكأنها تبتسم لها.
ارتمت غيم على سريرها بملابسها، وأغمضت عينيها وهي تسمع صوت طقطقة مسبحة جدها وصوت وقع أقدام والدها الهادئة، وشعرت أن تعب الليل كله هو ثمن بسيط لهذا الدفء الذي يحيط بها.
جاء الصباح.. وزيتونة التي قررت الانتحار
لم يكن صوت زمور سيارة زينة مجرد "تنبيه"، بل كان "زلزالاً" دبلوماسياً هزّ أركان الحارة كلها. قفزت غيم من سريرها، وبدل أن تضع قدمها في الحذاء، وضعتها في "سلة الغسيل" المركونة بجانب السرير.
* غيم (وهي تنط على قدم واحدة): "يا لطيف! زينة قلبت لـ 'سيارة إسعاف'. يا بابا! يا جدي! حدا يسكت هالبرنسيسة قبل ما الجيران يرمونا بالبندورة!"
ركضت غيم نحو المطبخ وشعرها يطير في كل اتجاه كأنها تعرضت لصدمة كهربائية. وجدت أبو أحمد واقفاً بكل هدوء، يلف سندويشة "زعتر ومكدوس" وكأنه في عالم آخر.
على مهلك يا بنتي، الزورق (زينة) عم ينادي. خدي هالسندويشة، هي 'وقود' لراسك الناشف."
* غيم (تخطف السندويشة وتأخذ قضة كبيرة): "شكراً يا أحلى أبو أحمد! أين جدي؟ أريد 'بركته' قبل المعركة."
جدك أبو غانم نزل قبلك، قال بدو يستمتع بمنظر (زيتونة) وهي عم تعذبك اليوم، عم يستناكي تحت بضحكة عريضة."
نزلت غيم الدرج وهي تحاول لبس سترة العمل فوق بيجامتها (لأنها لم تجد وقتاً لتغيير كامل ملابسها)، ووشاحها البنفسجي يلتف حول رقبتها كأنه "أفعى" هربت من السيرك. وصلت لمدخل البناية لتجد الجد أبو غانم واقفاً، يسند ظهره بوقار، ويمسك بجريدته.
* أبو غانم (بغمزة): "نورتي يا جدي. زينة برا كأنها (نيرون) بدها تحرق الحارة، اطلعي فرجيها كيف الشغل الشامي الأصيل بيبدأ بـ (صفنة) و (روقان)."
* غيم (وهي تركض وتوزع قبلات في الهواء): "دعواتك يا أبو غانم! اليوم زيتونة رح تطير طيران!"
خرجت غيم للشارع، زينة كانت تضرب المقود بيدها، تلبس نظارات "شانيل" وتنظر للساعة بغضب.
* زينة (بصراخ): "غيم! نحن سنتأخر! المسؤول في القلعة رجل يقدس الوقت، وأنتِ شكلكِ يوحي بأنكِ هربتِ للتو من مستشفى المجانين!"
* غيم (ببرود أعصاب مستفز): "يا زينة، الجمال يحتاج وقت. انتظري، دعيني أوقظ الوحش
ركبت غيم في "زيتونة"، وضعت المفتاح.. (تششش.. بححح.. طق). لم تشتغل.
* زينة (تفتح باب سيارتها): "انتهى الأمر! اركبي معي، سأترك (زيتونة) هنا للقطط!"
* غيم (تنزل من السيارة بكرامة مجروحة): "إلا زيتونة! هي لا تشتغل بالكهرباء يا زينة، هي تشتغل بـ (الحب)."
فتحت غيم غطاء المحرك، وخرج منه بخار خفيف. قامت غيم بـ "حركة سرية": ضربت المحرك بـ "فردة حذائها" بخفة، ثم وشوشت المحرك: "يا زيتونة، إذا اشتغلتِ الآن، سأشتري لكِ ماء رادياتير بالياسمين!"
عادت للمقعد، أدارت المفتاح.. وفجأة: (برررررم.. طع.. طع.. برررررررم). اشتغلت السيارة وخرجت غيمة سوداء غطت وجه زينة المذهولة.
* غيم (بضحكة هستيرية): "شايفة؟ الرومانسية دايماً بتنجح! انطلقي يا أميرة الحرير، وغيمك وراكي بالدخان!"
بدأت الرحلة. زينة تقود سيارتها كأنها في "فورمولا 1"، وغيم خلفها في "زيتونة" التي كانت تهتز وكأنها ترقص "الدبكة". غيم كانت تأكل السندويشة، وتغني مع الراديو المكسور، وتلوح للناس الذين يضحكون على منظر السيارة المهترئة التي تلاحق سيارة مرسيدس فاخرة.
* غيم (تحدث نفسها): "يا ربي، إذا لم نمت بحادث سير، سنموت من جلطة زينة! لكن يا سلاااام على هواء الشام الصباحي مع نكهة المكدوس!"
وصلتا لباب القلعة. ركنت زينة بسياسة وهدوء، أما غيم فقد ركنت "زيتونة" بصوت مكابح صرخت له جدران القلعة الأثرية.
نزلت غيم، مسحت وجهها بوشاحها (فزادت البقع)، ونظرت للقلعة بعيون تلمع.
* زينة (تحاول تنظيف ثيابها من غبار زيتونة): "غيم، أرجوكِ، المسؤول هو (الدكتور فوزي).. رجل جدي جداً. لا تقولي له (يا هبل) ولا تحاولي ترميم نظاراته إذا كانت مكسورة! ابقي خلفي!"
* غيم (تعدل حقيبتها المليئة بالمطارق والمسامير): "لا تقلقي.. سأكون (رصينة) لدرجة أنه سيظنني تمثالاً رومانياً. هيا بنا!"
دخلتا من البوابة العظيمة، زينة تمشي كعارضة أزياء، وغيم تمشي وهي تتفحص الشقوق في الحجارة، مستعدة لتحويل هذا اليوم العادي إلى أكبر "خزعبلة" في تاريخ السياحة السورية.