الفصل الأول:اسمه غسلين | الأزرق الميت (الجزء الثانى من الليلة الأربعون)
الفصل الأول:اسمه غسلين
يقع سليمان فى مأزق كبير ، عليه الاختيار فيه بين إنقاذ من يحب او قتل من يحب ، تعترف عهود بحبها لبدر ، يدبر موسى مكيده فى الخفاء ليصل إلى مايريده بينما ترتفع وتيره الكوابيس وترى يارا ما كان يجب أن لاتراه
هل يمكن أن تُغمِض عينيك عن حلمٍ قضيتَ عمرك تُربّيه، فقط لأن من تحب طلب ذلك؟هل تستطيع أن تضع أثمن ما تملك على كفّك، وتقدّمه قربانًا للحب، دون أن ترتجف روحك؟وهل... هل يصل بك العشق إلى أن تلوّث يديك بالدم، وأنت تُقنع قلبك أن الجريمة كانت وفاء؟أسئلة لا تُطرح عبثًا،لأن الحب الحقيقي لا يُختبر بالكلام، بل بالثمن.ثمن يُدفع من الأحلام، من العمر، من الضمير.وكلما كان الحب أعمق، كان السؤال أخطر:إلى أي حدّ يمكن أن نضحي...وقبل أي حدّ نتوقف حتى لا نفقد انفسنا . **** على حدود وادي القمر، حيث يبهت الضوء وتنكفئ الظلال على نفسها، كان سليمان يمشي وقد أضناه التعب حتى صار جسده خائنًا لإرادته. قدماه المتشققتان لم تعودا تحملانه، وبالكاد كان يجرّ إحداهما خلف الأخرى، كأن الأرض نفسها تأبى أن تتركه يمر دون أن تقتطع منه ثمنًا. الهواء باردٌ حدّ القسوة، يمر على جلده كاعترافٍ متأخر، والوادي يراقبه في صمتٍ ثقيل، صمتٌ يعرف الأسرار ولا يفضحها. كان سليمان يعلم، بلا أدنى وهم، أن كل خطوة يخطوها ليست نجاة، بل فخًّا، فخًّا مفتوح الفكين، اختار أن يقع فيه بمحض إرادته، لأن الرجوع لم يعد خيارًا، ولأن التراجع كان سيكلفه أكثر مما ستكلفه التقدم. في ميزان الدنيا، كان قد تأبّط شرًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شرًّا علّمه المشايخ أن يُلعنه، وحذّره الحكماء من الاقتراب منه، لكنه الآن يحمله كما يُحمل السلاح الأخير في معركة خاسرة.شدّ عباءته حول جسده، وأسرّ في نفسه عهدًا لم يسمعه أحد، لا الوادي، ولا القمر، ولا حتى الخوف الساكن في صدره، أن ينقذ حبيبته، ولو احترق العالم من بعده.وبعد مسيرة طويلة ، غاب فيها عامل الوقت ، وحضر فيها اللوم ، والقلق وتقطع الانفاس تزامنامع ضربات قلبه المتثاقلة ، وصل إلى باب داره ليجد عشق تنتظره ويبدو على وجهها قلق كبيركأنها خسرته بالفعل ، همت نحوه و ارتعدت وهى ترى مصابه قائلة:_ما الذى حدث لك يا سليمان وأين جوادك.قال بصوت التهمه الذنب التهاما :_أنا بخير يا عشق ، كل الأمر أن الجواد قد طرحنى أرضا وهرب ، لا أعرف لما فعل ذلك وإلى أين ذهب ولكن أقسم انى قاتله إن وجدته . كان يتنفس كذباً ، وهو يدرك ذلك ، ويعلم أيضاً أنها ستعرف يوماً ما فهى كيسة فطنة ، وبنت أمها ، ولكنه كان يرجو أن يكون له مكان فى قلبها لتعفو وتصفح ، وقد كان ولكنه لايعلم ذلك ، مع نظرتها لقدمية وساقية أدركت أن كل ما نطق به لم يكن إلا من نسج لسانة ، لا تدرى لما يتفنن فى الكذب ولاتدرى ما مبرره ولكنها تكره كل لحظة تمر وهى مكبله بأساور الحب ، اساور ذهبية ولكنها تثقل صاحبها حتى يغرق فى بحر لا قرار له ، فيغوص شئ فشئ حتى تواريه الاعماق ولاتقوم له قائمة مرة أخرى . نظر لها بعين لا تشبه عينه وتكلم بلسان لايشبه لسانه قائلاً:_هيا بنا إلى الداخل فقد كان اليوم طويلاً وكل ما أريده الأن هو النوم ، النوم والراحة فقط دون أن يحدثنى أحد . سارت امامة وتبعها ثم دخلا سويا إلى الدار واغلق عليهما باب واحد ، وهى لا تدرك أن من فى بيتها الأن ليس سوى غريب لا تعرفة إلا بالشكل فقط . بينما بعيداً فى بيت ال ريان ، كانت رؤيا جديده تحاصر يارا ، وتجعل الواقع ذاته يتأكل من حولهاكانت تسير فى طرقات القرية ، تنادى على والدها فلا يجيب ، وتنادى على امها ، حتى سمعت صوت يبادلها النداء ، كان صوت أمرأة تعتلى أحد الأسطح وعيونها كانت حمراء ، ويبدو أنها تعرف يارا حق المعرفة ، قالت المرأة:_تعالى معى يا يارا ، فالجميع ينتظرنا عند برجل بابل .لم ترد عليها يارا ، وبدأت تهمس بأذكار و تريد أن تستيقظ بأى طريقة ، ولكن لم يكن الأمر بتلك السهولة ، انتقل بهما المشهد إلى مكان أخر ، أمام البحر وكانت تلك المرأة تمشى عليه دون أن تبل ساقها كأن الأرض تحتها زجاجية ، قالت يارا بصوت خافت بالكاد يسمعه أحد :_كيف تفعلين ذلك ومن أنتى .ضحكت وردت عليها :_اكشفى عن ساقك وتعالى ، فالبوابة ستفتح قريبا ويجب أن تكونى هناك عندما يعود غسلين . استعاذت يارا من الشيطان ، وهى ترى تلك السيدة تتحول إلى ثعلب هائل الحجم أزرق العينين يركض نحوها لينتهك جسدها بأنيابة ، اغمضت عينيها وراحت تصرخ بوحا بخوفها وقله حيلتها ، ثم تفجأت بتبخر كل شئ حولها ، الماء والثعلب والأرض ، وعلى حين غرة تسرب الضوء إلى كل بقعة فى السماء ، كان ضوءا لايشبهه شئ ، رفعت يارا رأسها لأعلى لترى مصدر ذلك الضوء ، لتجد منظر جللا ترسخ فى وعيها كشئ حاولت تجاوزو مع الوقت لكنه تشبث بعقلها كطفل صغير ، كانت الشمس تشرق من مغربها بين قرنى شيطان ، اكل القط لسانها فى تلك الاثناء ، لم تستطع حتى ان تجفل وشعرت بأن شئ ما يراقبها ، وأن هناك يد تغل إلى عنقها ، بعد ذلك سمعت صوتاً مألوفا , لقد كانت امها تقف بعيداً تحاول أن تبلغها ولكن يفرق بينهما البحر ويأبى أن ينحصر حتى تعبر لها وتعانقها بكل قوة . قالت فاطمة بحزن : يارا ، يجب أن تستيقظى الأن ، وإلا وضع وسمه على جبينك ، يجب أن تنهضى الأن . صوت فاطمة كان بعيداً لكنه لمسها ، كان القمر فوقهما يتحرك نحو الشمس حتى حجبها ، فبات كل شئ باللون الأحمر ، اما ماء البحر فكان فى حاله هياج، فقاقيع تطاير على سطحة كأنه يغلى ، صاحت والدة يارا بكل ما لديها من قوة. استيقظى الأن ، كانت يارا تردد بهمسات تتعالا شئ فشئ:_استيقظى ، استيقظى .ولكن كان قد أتى بالفعل سائرا على الواح تفرش امامه فى البحر كلما تحرك خطوة ، كأنها تخشى ان تطأ قدمة سطحها ، ملامحة لم تكن واضحة ، ولكن ويكأنه تجسيد للشر منذ بداية الخليقة ، جسده كان غاية فى النحاله ، وكان يصدر من صدره خوار يسرى صداه فى كل ذرة هواء ، فجأة وقف ومد يده نحو يارا ، وانفتحت عيونة التى كانت تحوى افواه بداخلها ، صرخت يارا بينما يحاول هو جذبها نحوه ، كان يلتهم الهواء كأنه يراه ، يقطع المكان والمسافة ، وكأن الأرض والبحر ينكمشان لأرادته ، وعندما اقترب منها ولمس جزء من جسدها بالفعل ، استيقظت فى اللحظة الأخيرة شاهقه كمن عاد من موت محتوم ، لم تكن تدرى ماهذا وماذا يريد منها ، هل هو شيطان ، ام نفر من الجن ، ام بشرى ملعون ، الكثير من التساؤولات طرقت بابها بقوة حتى كادت تحطم الواقع بذاته ، قالت لنفسها:_كل شئ سيكون على مايرام ، هذا مجرد كابوس .حاولت أن تُقنع نفسها،لكن روحها لم تُخدع؛فالفرق بين الكابوس والحقيقة كان واضحًا،وما رأته كان أسوأ من الاثنين معًا.نهضت من فراشها ، فقد شعرت بالظمأ ، وراحت تجاه قله مياه كانت موضوعة امام شباك غرفتها ، يلفحها الهواء حتى تصير باردة تروى الحلوق ، وبينما تشرب سمعت صوتا ، يشبه رفرفة الاجنحة ، كان صاخبا كأن طائرا عملاق يغطى السماء يغزو السماء ، ابصرت من ثنايا النافذة اسراب من الغربان ، تحلق بشكل منظم فى دوائر بلاتوقف ، كأنها تنذر بشأم قادم ، وبينما تحدق اتى والدها من خلفها ، فكاد قلبها أن يتوقف ، قال بعفوية:_إلى ماذا تنظر جميلتى وما الذى يوقظكى طوال هذا الوقت .ردت عليه بينما تبتلع خوفها :_الاترى تلك الغربان فى السماء ، لقد ايقظنى نعيقها. نظر إلى السماء فلم يجد شئ، وهى ايضا هندما طالعت السماء مرة اخرى كانت الغربان قد اختفت ، شعرت بربكة ، كأن الواقع أمتزج بالحلم لينتجوا عالم ثالث لاطاقة لها به ، عندما كانت صغيرة لم ترد إلا أن تكبر لتعيش حياة الكبار وعندما كبرت وفقدت امها تمنت مجدداً أن يتقدم الزمن لتنسى ولكنها لم تكن تدرى أن الحزن والفقد مثل بذرة صغيرة ، وتلك البذرة تروى وتمد جذورها فينا مع الايام ، فتحرم علينا النسيان ولا تجعلنا نقطف منها إلا ما يؤذينا من اشواك الماضى . _لقد تعبت يا ابى ، واصبح كل هذا شاق على . قالت تلك الجملة بينما تلتمس منه عناق يعيدها إلى ذكرى سعيدة ولو لمرة واحدة فقط رأفه بها،فبادلها عادل العناق قائلا:_اطمئنى ، كل مر سيمر . دون أن تدرى بكت ، كانت تلك عبارة امها ولاتدرى ايهما لقنها للأخر ، ولكنها مع اغماض عينيها عادت بها الذكرى إلى كل مرة عانقت بها امها وكل مرة وبختها فيها وتمنت لو تعود ، او تذهب هى اليها ولكن بعض الامنيات ليست بأيدينا لنخققها . قال لها وهو يشعر بتسارع انفاسها :_متى كانت أخر مرة ذهبتى فيها إلى الكتاب يا عزيتى . صمتت ولم ترد ، لقد انساها الشيطان ، وانقطعت طوال فترة مرض عادل ومابعدها عن حضور جلسات التحفيظ . _لا اذكر متى كانت أهر مرة يا أبى ، أنا اسفة فلم اكن قادرة على تركك والذهاب لمعلمتى ، وحتى بعد أن اطمئن قلبى عليك ، ظلت هناك غصة فى فؤادى تردعنى من التردد على معلمتى ، غصة لا ادرك سببها . كان يبدوا على عادل علامات الحزن منها ، ورأت ذلك فى مقله ، كما ترى الشمس والقمر , قال لها وقد هدأ صوته:_انا اريدك أن لاتكرى أنقطاعك عن القرآن الكريم ، فهو ربيع قلوبنا ، وبدونه نحن بلاهوية نتوه كالاطفال الصغار الذين تركو طرف عبائات امهاتهم وسط زحام شديد . وعدته أن تعود للحفظ مرة أخرى بدأ من الغد ، فأبتسم لها فهو يدرك أنها ماوعدت بشئ قط واخلفت . قال لها بينما بطفئ مشاعل الغرفة:_عمتى مساءا يا يارا واصبحتى على جمال يضاهى جمالك . تدثرت بغطائها ، وقرأت الفاتحة بينما تنام ، وكلها امل فى اليوم الجديد . وبينما يغادر الضوء بيتها ، يعبر ليسبق خطوات كل من فى القرية إلى زمن قريب، يأتى بعد ليلتين من الأن ، فى ذلك الوقت نادى المؤذن بما تقشعر له الأبدان و تستعر به الأنفس ، وتفيض به العيون . _يا اهل القرية ، لقد مات الشيخ ، يا اهل القرية لقد مات الشيخ ، يا اهل القرية لقد مات الشيخ. كانت الحياة منعدمة فى ذلك المساء ، البيع متوقف والشراء متوقف الاطفال محتجزون فى بيوتهم والأهل جميعهم يرتدون الأسود أستعدادلجنازة الشيخ ، الحناجر ترثي و الطيور تنوح والسماء تمطر وكأنها تقطر دمعا مصاغ من الالم ، اتجه الجميع لبيت الشيخ وقد صمت الاذان وكأن الصوت لم يخلق فى هذا العالم فما عاد أحد يسمع إلا تسابيح اخيرة وادعيه لا تقال الا والرمال تنذر على اجساد من نحب فلم نعد نرى منهم إلا الثرى،وعند بيت ياقوت ،كانت النساء تبكى و الرجال يزجرونهن عن ذلك الفعل المشين، فالميت له حرمته وواجبنا فقط ان نستغفر له ، والاشجار ايضا شاطرت البشر ذلك المأتم ، فتهاوت فروعها كأنما حل الخريف قبل أوانه ، وفى غرفة الغسل ، وقفت كوثر وبناتها ينظران له ، كانت عشق تطالعه للمره الأخيرة ، وهى تسرد فى عقلها ما حدث منذ ليلتين .***قبل ليلتين ، استيقظ النيام فجراً وبدأ اليوم طبيعياً فى القرية ، كانت الطيور تغرد والورود اكثر ازهارا من أى وقت مضى ، اما الشمس فعبقها احتضن البحر بحنو مسلط ما اختزنة من دفء على القرية ، رددت يارا بينما تغادر سريرها قاصده الحوض للوضوء:_اصبحنا واصبح الملك لله .كانت قد عزمت أن يكون يومها مختلف عن ما سبقة من الأيام ، وما اجمل من بدأ اليوم بصلاة و تضرع إلى الله ، اما عادل فكان يقاسمها سجادة الصلاة ويأمها فى صلاتها كما امها فى حياتها حتى هذه اللحظة ودفع عنها كل سوء,بعد انتهوا من الصلاة راحو يعطرون افواههم بالذكر كما اعتادو , حتى شقشق الصبح ليلامس حوائط الدار كانه يحتضنها , تجهز عادل للخروج الى ارضة فقد اشتاق لضربة الفأس ورائحة الطين المبتل من تحته , اما يارا فارتدت نقابها الذى كان لونه زاه هذه المرة فرحا منها بسلامة عادل وعودة عافيتة , انطلقت هى قبلة مغادرة الدار قاصدة منزل كوثر اما هو فتحرك بعدها بمايقرب من عشرين دقيقة , وعندما وصل الى الارض وجد بدر ييقوم باعمال الفلاحة فساله :_ هل انت بدر بن يزيد تاجر السمك ؟.مسح بدر جبهته من العرق وقال له متبسما :نعم انا بدر يا عماه , حمدا على سلامتك .اردف عادل بينما يقترب من بدر الذى لفت انظارة بمدى اخلاصة فى العمل وخبرتة فى الزراعة :_لقد حدثتنى ابنتى عنك وانك استوصيت بها خيرا فى مرضى وعن تفانيك , لا اعرف ماذا اقول لك ولكن ...توقف كل شئ عند ولكن لانها غالبا تجلب خلفها مالايسر المسامع وما يقلق المضاجع , ولكن لا مفر من سماع ما ييتبعها .:_ لم نعد بحاجة الى خدماتك .مد عادل سرة من الفضة على بدر , معطيا له اجرة وزيادة عن ذلك ولكن لو يعلم انه لم يفعل ذلك لاجل المال ما اقدم قط على فعلته تلك. قال له بدر بينما يرد يده بعيدا رافضا ان ياخذ السرة منه : انا لم اقم بما قمت به من اجل المال , فى الحقيقة انا احب ابنتك واريد الزواج بها .تمنى عادل لو لم ييسمع ماسمعه , متى حدثت هذه المصيبة ومتى تسلل هذا الفتى وشغفها حبا , ولماذا اخفت عنه صغيرته انها تحب , هل باتت خائفة منه ام خائفة عليه , تغيرت معالم وجهه فكأن عروق وجهه وقتها كادت ان تنفجر , وصفع بدر حتى كاد ان يزيح كفة اسنان الفتى من محلها ثم قال له :_ تريد الزواج منها , هل تعرف من هى وما ثمن الزواج منها ايها الفتى , ابنتى غالية ولن تتزوج الا من عين من اعيان القرية وليس بن سماك يعمل بالسخرة وياخذ اجرة منى .اراد عادل ان يحطم قلبه , ليس كره فيه فالفتى قد راق له ولكن تحطيما للامل الذى قد يتلف الامل , فامل القرية فى البقاء خير من امل يارا و بدر فى الحب واحيانا التضيحة تكون واجبة حتى بما نريدة بشدة اكثر من اى شئ اخر فى هذه الدنيا .امسك عادل سرة الدنانير الفضية , والقى بها على الارض ثم طلب من بدر جمعها والذهاب الى حيث اتى وان لا يرية وجهه ابدا , اما بدر فرفض مجددا اكذب ن يلتقط القطع وحفا منكبا على وجهه نحو دارة ولا يحمل فى جعبته الا خيبة الامل , لقد كان يردد بينما يسير :_ما كان على ان اقول له اننى احبها كان على ان اتريث قليلا والان ضاع منى كل شئ .تناقصت المسافة بينه وبين دارة الى ان وجد نفسه عند عتبه الدار , وعهود تنتظرة مع امه فى الخارج , سار نحوهما واول ما رات عهود كان خد بدر الذى كان مزهرا كانما نبتت به الف مردة حمراء , قالت له بقلق :_ بدر اين كنت وماذا حدث لك ؟كذب عليها قائلا انه كان فى السوق مع موسى فسالته :_ واين موسى منك الان ؟_هو قادم خلفى .قبل ان يكملا حديثهما خرج موسى من باب الدار , يخفى ابتسامته خلفة بينما يضحك بداخله بلا توقف , لقد اثبت لها ان بدر كاذب دون ان يتحدث ودون ان يشك بدر فيه , وكانها صدفة دون ان تكون كذلك, وباتت اللحظة متوترة , بعدها بات كل شئ ثابتا وكان الثلج قد سقط و غمر جسد بدر فى اوج الربيع , تقد خطوة ولايدرى ماذا يقول , هل يكمل الكذبة ام يخبرها بحقيقة حبه ليارا وهو يعلم انها تكن له المشاعر ._موسى متى اتيت , كنت اظنك خلفى .لقد اختار اسوء اختيار , فالكذب كالقناع وكل قناع مهما كان متماسكا سياتى يوم ويسقط لا محالة , وما كان لايحتمل لها هو لسانة وملامح وجهه ونظرتة , وكان الكذب عليها هواية قد الفها , قالت له صارخة :_ يكفى .حاول ان يرد عليها او ان يبرر ولكنها لم تعطة اى فرصة واستبقت شفتاه :_ يكفيك كذبا ياحبيب قلبى , او يامن كنت حبيب قلبى , اخبرنى يابدر الم تشفق على حالى بينما ترانى اتعلق بك يوما بعد يوم , الم تشفق على وانت ترانى اغسل ثياب امك و احممها و اثقل كاهلى بثقل ليس لى , لقد حملت الجبال من اجلك ,ولم تحمل لى الا الكذب .خفض بدر يدة اليمنى فاصبحت الى جانبه كمن استسلم امام الحقيقة , حقيقة انه كان انانيا دون ان يشعر , ولكن هل كان فعلا انانيا , اتسغلها دون ان يشعر , ام ان التفاحة التى لاحقها وطمع فى ان تكون له هى م الت به الى هذه اللحظة , ام ان القلب قد غدر بها وبه فلا احبها مثلما احبته ولا صارحها بانه لن يكون ابدا لها , قال والندم يتسلل على شفتيه على استحياء:_ انا اسف , لم اكن اريد ان اخبركى اننى اذهب للقائها , لا اعلم لماذا , ولكنى اطلب منكى الان ان تسامحينى , وان تساعدينى ان انالها فانا لا احب احد سواها .علمت وقتها انه لن يحبها ابدا , وانه كان يشعر بحبها له ولكنه لا يحفل بذلك , فبكت دون ان تشعر وربما روحها من بكت قبل ان تغرق جفونها , ولم يتوقف الدمع عند الجفون , وكانه نهر كان منبعة كل شئ عانته من اجله حتى الان , كان احساسها بينما تنهمر تلك القطرات على شفتيها بانها تتذوق الحزن .ورغم كل مابها ، وان القلب يقاوم سكتاته ، إلا أنها تقبلت كل ذلك ، كان صعباً عليها ولكنها قررت أنها لن تتخلى عنه ، وستساعدة وتكمل اعتنائها بنغيمة ، فهى لا ذنب لها فى كل ذلك , تقدمت نحوه قائلة:_كل مايهمنى هو ان ارى امك بخير حال ، فلن أبكى مجدداً على ماليس لى . كان موسى مغتاظا من مايرى ، كيف لها بعد كل ماعلمت أن تقبل أن تخدم أمه ، هل وصل بها الامر الى تلك الحالة ، ام ان العشق اعمى إلى هذا الحد ، وكيف يحكم عليها وهو مثلها ، ولكنه تمنى ان يوجه قلبها نحوه. دخلت عهود إلى الداخل مع والده بدر ، بينما اقترب الاخير من موسى قائلاً:_لقد جأت فى وقت مناسب ايها الاحمق كعادتك .نظر موسى اليه لائما:_وما ادرانى انا عن مواقيت كذبك ، ولكنى حذرتك منذ الوهلة الاولى ، ولم تستمع لى وكانت النتيجة قلب مكسور وخمس اصابع تزغرد على وجهك فبات خدك كتميمة تمنع الحسد .وضع بدر يده على كتف موسى قائلاً:_ كنت اظن أن كل انسان ذو قيمة وفكر حتى اصبحت صديقى .ضحك موسى ثم قال:_ لست ذو قيمة ولكن ، خدى ليس به اثر للكفوف . كعادتهما راحا يتشاجران ولكن سرعان ما سقط الثنائى على الأرض ممددين جسدهما جوار بعضها يتنفسان بقوة بينما يقول بدر بنبره هادئة . _لا ادرى ماذا افعل ، اعتقد ان كل شئ قد انتهى ، فوالدها لم يقبلنى ، قال لى انى اقل منهم فى المستوى ، وانها لايليق بها ان تكون زوجة لسماك . ضحك موسى قائلا:_ صحيح ان والدها يمتلك الكثير من الاراضى وهو غنى مقارنة بنا وبيته افضل من بيوتنا ، ولكن ليس المال كل شئ ، فالحب يعوض تلك الاشياء .نهض بدر مستند على يدية قائلا بحماس:_نعم ، انت على حق ، وأخيراً خرج من هذا الفم حكمة ما وعرف التفكير طريقا إلى عقلك ، دائما ما كنت اقول ان الذكاء يبحث عنك يا موسى ولكنك سيد فى الاختباء .نهض موسى مدرك بشكل متأخر ما تعرض له من سخرية مبطنة قائلاً:_نعم ، نعم .....،ماذا ؟! ثم وكز بدر بجانبه وشرعا فى مشاجرة جديدة . وعلى الجانب الأخر من القرية ، لم يكن سليمان قد نام منذ البارحة ، كل ما كان يفكر فيه هو العبوة التى يخبأها فى صندوق خشبى أسفل سريره , وكيف لايفكر فى ذلك وقد طلب منه أن يقتل من قال عنه ابنه فى يوماً ما ، دون حتى أن يسأل لماذا ، بأى ذنب يموت الشيخ بعد يوم من الأن ، وماذا يريدون بموته ، كل تلك الاحاديث كانت تسرى داخل عقله فى آن واحد حتى كاد يفيض بها إلى الخارج ، اما عشق فشاركته الفراش ولكنها شعرت بأن الفجوة التى بينهما أصبحت أكثر اتساعاً ، ولن يملأها شئ ، اعتدل بعد دقائق لينهض من السرير قائلاً:_استيقظى يا عشق اريد أن احكى معاكى فى شئ ما .سألها دون أى مقدمات:_هل سوف تظلين تحبيننى مهما حدث ؟ردت عليه دون تردد أو لعثمة ، ففى قراره نفسها حبه هو اليقين الوحيد وإن كان مزيفا :_نعم يا سليمان ، وكيف لا احبك وانت بالدنيا وما بها ، هل تذكر ليلة زفافنا . _نعم ، كأنها كانت البارحة ، لم تتغيرى من وقتها نفس الحياء كأنك ترينى لأول مرة كل يوم، نفس النظرة كأن مابيننا يتجدد كنهر عذب لايفتر . عانقت كفوفها يداه ثم قالت:_اذا لقد جاوبت على نفسك ، خلقت عشق الجمال لسليمان ، مثلما خلقت حواء لأدم . لم يغير كلامها شعورة فاذا اعلن بما اسر عنها لقتلته دون تردد , فالشيخ ياقوت بمثابة والدها ولن تدع شئ يؤذية حتى وان كان من تحب , نهض سليمان من سريرة ثم ذهب بعد ذلك للاغتسال تاركا اياها خلفة بالها مشغول لكنها تخفى اى اثر لذلك الانشغال , وبعد ان اتم اغتساله لبس عبائتة وعمامته البيضاء وذهب للحاق بطلابة فى المسجد حتى يعطى لهم درس الفقه والشريعة كعادتة كل جمعة ,بينما يترك البيت قاصدا المسجد ظل يتردد اليه الخوف اكثر واكثر كانه مس لا يستطيع التخلص منه , كم يشعر انه منافق فى هذه اللحظة يصلى ويدعو الله ويعطى دروس فى الفقة والشريعة للصغار بينما يينوى قتل شيخة خفاءا حتى ينقذ من قال لها احبك وبادلته الكلام , هل حقا هو على صواب ؟ , ام انه من الذين ضلوا سعيا فى الحياة الدنيا ويحسبون انهم يحسنون صنعا , هل هكذا هو ينقذ نفسا ليحى الناس جميعا ام ينقذها حتى يموت الضوء الذى يدفع عنهم ظلمة الوادى وجبال القمر واخطار البحر , منذ صغرة كان دائما هكذا يدور فى متاهات واسعة ولا يجد نفسه الا بعد ان يكون الاوان قد فات , وكانه فئر صغير مهما راى المصيدة امامة او اخبروه بخطرها سيظل يقع بها فى كل مرة , كم مرة اخبرة والده بان لا يينجرف خلف هواه وكم مرة حذرة ياقوت من ذلك ولكنه لم يكن يصغى , وهاهى النتيجة , وللاسف لن يتحملها وحدة بل سيدفع ثمن غرورة وطيشة كل من عرفهم او احبوه او امنوا له , بعد دقائق لم يحسبها لانه لا يريد ان يشعر بالزمن بينما يمر , دخل الى المسجد ليجد الشيخ ياقوت واقفا فوق المنبر متبسما يلقى درسا للشيوخ الصغار امامة , كان الشيخ ينظر له وهو يتحرك بين الجموع , ولكن نظرتة كانت مختلفة عن اى يوم مضى , وكانه يعلم شئ ما او هكذا شعر سليمان , بعد ان انتهى الشيخ من درسة هبط من المنبر وتوجه نحوه قبل ان يبدا سليمان درسه . _سليمان اريدك فى امر هام لا يحتمل التاخير . كان قلب سليمان ينبض بشدة , بل يكاد ان يغادر اضلعة , لم يكن يفكر الا فى ان الشيخ علم شئ ما , كان فقط ينتظر ان ينطق لسان الشيخ لا اكثر ولكنه بنفس الوقت كان سعيدا لانه لن يقتل من استامنه يوما على روحة , بدت علامات الضيق تظهر على وجه الشيخ ثم قال بينما وجهه مقابل لوجه سليمان :_ ........