أبي - قطعة صغيرة من السعادة
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

أبي - قطعة صغيرة من السعادة

جاري التحميل...

أبي

.....

تحميل الفصول...
المؤلف

إن كان نقيض السعادة هي التعاسة فهل بالضرورة أن تكون التعاسة مصير كل من فشل في الحصول على السعادة، أليس من الممكن أن يكون إختيارا و ليس نتيجة؟، أي أنه مثل من هناك من يبحث عن السعادة فهناك أيضا من يبحث عن التعاسة، و مثل من هناك من إختار أن يكون سعيدا فهناك أيضا من إختار أن يكون تعيسا. و إن كان السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا قد يختار أي شخص أن يكون تعيسا؟، و من أجل الإجابة عن هذا السؤال علينا معرفة السبب، و معرفة الدافع، و معرفة الظروف. فبعض الناس قد يختارون التعاسة لأنهم لم يستطيعوا الحصول على السعادة فكفوا عن المحاولة و استسلموا للتعاسة، أو أنهم يملكون السعادة لكنهم فقدوها و لأنهم لا يستطيعون استرجاعها مجددا قاموا باختيار التعاسة كبديل، أو ربما ببساطة لأنهم قد وجدوا في التعاسة ما لم يجدوه في السعادة. و إن كان هناك من يستطيع التحكم في ما يريده من سعادة و تعاسة فإن من يمتلك فائضا من بين الإثنين فسيكون بالتالي تحقيق التوازن بينهما أمرا صعبا، و مهما طال الوقت فإن النتيجة ستكون واحدة لأن الكفة في النهاية ستميل لإحداهما دون الأخرى.
بالنسبة لأبي فقد تنطبق عليه جميع الإحتمالات السابقة، و إن تحدثت عن أبي فإنني سأتحدث عن سنوات طويلة من التعاسة، سنوات طويلة قضاها حدادا على المرأة التي أحبها.. المرأة التي فقدها، سنوات طويلة جعلت منه رجلا كتوما، صامتا في أغلب الأوقات، منعزلا عن الجميع و مدفونا في وحدته. كان قد استسلم لحزنه، و كان قد أشاح بنظره بعيدا عن الجانب الآخر من الحياة، الجانب الجيد منها، حتى أنه تأقلم مع الواقع المرير الذي رسمته أفكاره السلبية و أقنع نفسه بأن لا مهرب له منه. لقد تقبل هذا المصير البائس الذي فرضه على نفسه غير مدرك أنه لم يدمر حياته فحسب بل حياة كل من حوله، خاصة أولئك الذين يهتمون لأمره.
إن كانت الحياة هي من تصنع شخصية الإنسان، فإن الظروف التي يمر بها هي من تتلاعب بمشاعره و أفكاره و الزمن هو من يصقلها و يعطيها شكلها النهائي، و إن ألقيت نظرة على حياة أبي و ما مر به عبر السنوات، فقد كان يوما ما شخصا اجتماعيا، حيويا، متفائلا و محبا للحياة، لقد اشتغل كسائق سيارة أجرة و كان قد أحب عمله كثيرا. لقد كان شغفه بالقيادة كفيلا بأن يجعله يقود لساعات طويلة من شروق الشمس إلى غروبها دون ملل و دون أن يشكو من التعب، لقد كان معروفا لدى الكثير من الناس و لديه الكثير من الزبائن الذين يتسابقون لحجزه من أجل قضاء حوائجهم، فكان محرك سيارته لا يتوقف عن العمل و كان هاتفه لا يتوقف عن الرنين، كانوا يتصلون به و يقولون كريم أريدك أن توصلني لهذا المكان، كريم أريدك أن تأتيني لهذا المكان، كريم أريدك الآن، كريم لا تنسى أن تقلني غدا. و كان هو يعمل بجهد و يقبل طلبات الجميع، لقد كان شخصا جديا و يعرف قيمة العمل. ثم أتى ذلك اليوم الذي تلقى فيه اتصالا من أخته التي على وشك إنجاب ابنتها الثانية، فذهب إليها و أقلها بسرعة للمستشفى، و بعد أن اطمأن على سلامتها أوصل ابنتها الصغيرة للمدرسة، و لأنه تأخر في إيصالها فقد بقي معها ليشرح لمدرستها سبب تأخيرها، فلم يكن يتوقع أنه في نفس ذلك اليوم سيتعرف على امرأة  استثنائية و يقع في حبها، امرأة ستصبح مستقبلا زوجة له و تصبح أما لي، و بالتأكيد لم يتوقع أن حياته معها لن تطول أكثر من سنوات قليلة. لذلك تمنيت دائما لو أنها لا تزال حية، ليس من أجلي فقط بل من أجله هو أيضا.
لم يكن لأبي سوى أخت واحدة، و منذ أن تزوجت و هي تقطن في نفس الحي الذي يقع فيه منزلنا، لذلك عندما ماتت أمي أخذني أبي للعيش معها، و بما أنه لم يكن يسأل عني أو يأتي لزيارتي فقد كنت أعتقد بأن عمتي هي أمي، و أن زوجها هو أبي، و أن ابنتيهما الاثنتان هما أختاي الكبيرتان، و استمررت على هذه الحال حتى بلوغي سن السادسة عندما قررت عمتي بأنني كبيرة كفاية لمعرفة الحقيقة. لقد كانو طيبين معي و يعاملونني كأنني أنتمي إليهم، كأنني فرد من عائلتهم، حتى بعد أن صارحتني عمتي بحقيقة موت أمي و أن أبي هو ذلك الرجل الذي يعيش في الطرف الآخر من الحي فقد أخبرتني بأنها تحبني و أنها لن تتخلى عني، كما أنها استمرت هي و زوجها بمعاملتي مثل واحدة من بناتهم.
أتذكر أنها في نفس ذلك اليوم أخذتني لأقابل أبي، لقد أرادت فقط أن تجمع بين أب و إبنته، بين رجل منعزل بائس و فتاة صغيرة لا تعرف طعم الأبوة الحقيقي، كانت قد أمسكتني من يدي و رافقتني طول الطريق حتى باب منزله، و هناك أمرتني بأن أقف في مكاني و لا أتحرك ثم رنت الجرس مرتين متتاليتين و تراجعت عدة أمتار للخلف و تركتني بمفردي لأقابل أبي، أنا.. الفتاة الصغيرة التي لا تعرف أباها و لم تتحدث إليه من قبل، نفس الفتاة التي اكتشفت لتوها بأن أمها ميتة و هي لا تعرف بعد كيف تحزن على الموتى. كنت خائفة، و كنت مترددة، و كنت قد التفت للخلف طلبا للمساعدة، لأسأل عمتي لماذا تركتني بمفردي، و الأهم من ذلك أن أطلب منها أن تعود و تأخذني معها لأنني لم أقوى على الحراك، لكنني عندما رأيتها، و رأيت عينيها و طريقة نظرها نحوي، و حركة يدها السريعة، علمت أنه يجب علي أن أبقى في مكاني و أنتظر، و علمت أنه لا مهرب لي في تلك اللحظة و أنه لا خيار لي سوى مواجهة  الشخص القادم من الجهة الأخرى من الباب، لا خيار سوى مواجهة أبي.
كان هناك صوت خطوات أقدام تقترب لم أتمكن من سماع أي شيء غيرها، تلتها لحضات قليلة ساد فيها الصمت و انعدمت فيها الحركة، و فيما انفتح الباب ببطء و ظهرت تلك العيون من الظلام  لتحدق مباشرة نحوي من خلال ذلك الشق الصغير بتلك الطريقة الغريبة أحسست بالخوف، فاقشعر جسدي و خفق قلبي بشدة و حبست أنفاسي حتى كادت تنقطع، ،و قبل أن أتمكن من إلقاء نظرة جيدة في ذلك الوجه و التمعن في ملامحه، و قبل أن أتمكن من سماع أي شيء من صوته، و قبل أن أتمكن على الأقل من إقناع نفسي التي كانت على وشك الإختناق بضرورة التنفس كان الباب قد انغلق و كان الظل الذي يقف خلفه قد تراجع و اختفى.
سمعت صوت خطوات أقدام تقترب لكنها هذه المرة كانت من الخلف، ثم امتدت يد دافئة لتمسك بيدي الصغيرة العاجزة، و بكلمات قليلة حزينة صاحبتها نظرات طويلة محبطة حاولت عمتي تبرير تصرف أبي الذي لم تفهمه هي نفسها، فكل شيء حدث بسرعة كما أنه حدث عكس ما كانت تتوقع. كنا بالفعل قد استدرنا، و كنا قد بدأنا بالسير و ابتعدنا بخطواتنا البطيئة عدة أمتار عن المنزل، لكن لسبب ما كنا قد توقفنا و كانت عمتي تنظر نحوي و هي تبتسم.
" انه يريد رؤيتك، أنا لم أكن مخطئة."
كنا قد التفتنا نحو المنزل بعد أن توقفنا، و رأيت تلك الإبتسامة، و سمعت تلك الكلمات، فكان ما رأيته هو باب مفتوح لكن لا أحد يقف أمامه.
" حسنا لا تقفي هكذا، هيا أسرعي لرؤيته. ستجدينه في الداخل.. جالسا في مكان ما، منتظرا"
قالت عمتي هذه الكلمات بحماسة، ثم صمتت و هي تنظر نحوي، و سرعان ما رفعت يديها و دفعتني بلطف نحو الأمام عندما لاحظت ترددي، دفعتني نحو أحضان أبي التي لم أتذوق طعمها بعد.
أنا التي لا تعرف أباها و لا تعرف طباعه، أو صوته، أو وجهه،  كم كنت خائفة. أنا التي على و شك مقابلة أباها و لا تعرف كيف ستكون ردة فعله، أو ماذا سيقول لي، كم كنت متوترة. لقد عشت أربعة سنوات من حياتي و أنا أستعد، أستعد لهذه اللحظة، لكن هل أنا بالفعل مستعدة؟، هل أنا كبيرة كفاية لأكون في هذا المكان و أقابل هذا الرجل؟، هل كان تصرف عمتي صائبا عندما اختارت ذلك الوقت بالذات لتخبرني بما خبئته عني طوال تلك السنوات الأربعة. دارت كل تلك الأسئلة داخل رأسي بينما كانت قدماي تحمل جسدي الصغير إلى داخل ذلك المنزل، لكنها لم تكن أسئلة بأتم معنى الكلمة بل كانت عبارة على عقل مشوش تلاعبت به مشاعر مختلطة و أفكار مرتبكة.
لم يكن باب المنزل مفتوحا بالكامل لكنني رغم ذلك لم أحتج لدفعه أو حتى لمسه لأتمكن من الدخول، لقد كان منزلا كبيرا و واسعا لكنه كان فارغا و مهملا، و لم تكن جدرانه الباهتة لتعكس أي صوت من داخل غرفه العديدة المظلمة و ذلك لأته لم يكن هناك أي صوت من الأساس، فقط الصمت و الهدوء، صمت قاتل و هدوء مخيف. سرت للأمام بعيون فضولية و خطوات حذرة، و بعد أن عبرت ردهة صغيرة وجدت نفسي داخل قاعة الجلوس، كنت قد توقفت للحظة ألقيت خلالها نظرة خاطفة على المكان ثم تابعت سيري نحو ذلك الباب الوحيد الذي كان يتسرب الضوء من داخله.
بماذا شعرت عندما رأيته لأول مرة بوضوح؟، أنا لا أعلم تماما، كل ما أتذكره أن قلبي خفق بشدة في ذلك الوقت. لقد كان جالسا إلى طاولة في منتصف المطبخ و كنت أنا واقفة عند الباب عندما التفت نحوي. بدا جسده منهكا و بدا وجهه شاحبا، أما عينيه التي سرعان ما أخفضها فقد كانت حزينة و كأنها فقدت السعادة منذ وقت طويل. لم أسمع صوته لكنني فهمت من حركة يده أنه يريدني أن أتقدم نحوه و أن أجلس على الكرسي الفارغ في الجهة المقابلة له. لقد قلت في نفسي بأنه أبي فلا داعي للخوف ثم استجمعت شجاعتي و تقدمت بخطوات سريعة و جلست حيث أشار إلي، ثم إنني لم أستطع النظر نحوه فبقيت مطأطأة الرأس، صامتة، ضامة ساقاي، و باسطة يداي اللتان لا تكفان عن الإرتعاش فوق ركبتاي. ثم فجأة أحسست بالإطمئنان، و أحسست بشيء دافئ قد اخترق قلبي و احتظنه من الداخل فتلاشى منه الخوف و الإرتباك، حدث ذلك عندما سمعت صوته، صوت رغم خشونته كان صداه في أذناي رقيقا و دافئا.
قال: ابنتي.. أميرة.. ابنتي العزيزة، لقد كبرت و ازددت جمالا منذ رأيتك آخر مرة. أنا.. أنا سعيد لأنني قابلتك أخيرا.
عندما سمعت صوته رفعت رأسي و نظرت نحوه و تأملت مطولا في وجهه، و في ملامح وجهه، و في تلك الإبتسامة الصغيرة التي بدا أنه واجه صعوبة في رسمها و واجه صعوبة أكبر في الإحتفاظ بها و ذلك ليشعرني بالإطمئنان و ليبين لي بأنه يهتم لأمري، ثم استمررنا في التحديق في بعضنا البعض في صمت لبعض الوقت حتى بادر هو بالحديث للمرة الثانية.
قال بصوت يتخلله بعض الإرتباك: يجب أن أرحب بك، أنا أعتقد أنك لم تكبري كثيرا على شرب الحليب، فأنا لا أملك سوى الحليب في الوقت الحاضر.
ثم سارع نحو الثلاجة و أحضر منها زجاجة الحليب و سكب منها في كأس صغير كان قد وضعه أمامي، و كنت قد ظننت أنه اختار ذلك الكأس الصغير لأنني فتاة صغيرة لكن الحقيقة أنه كان القطعة الوحيدة النظيفة من كومة المواعين المكدسة فوق المغسلة. 
لقد نظر نحوي مبتسما و راقبني بتمعن كيف أشرب الحليب بتأن وخجل، ثم إنه قد مد يديه نحوي ليحتضن بهما يداي الصغيرتين، ليسترجع شعورا فقده و ليستعيد ذكريات منسية، ليتأكد بأنه لم يفقد كل شيء، و ليعرف بأن إحساس الأبوة الذي تخلى عنه يوما ما لا يزال موجودا داخله، بأنه لم يفت الأوان ليكون أبا مرة أخرى. كان قد تحول في لحضات قليلة من رجل بائس حزين إلى رجل جديد، رجل مستعد لتجاوز الماضي و المضي قدما في حياته.
كان قد قادني نحو غرفة الجلوس، متمسكا بيدي رافضا إفلاتها، و هناك جلسنا بجانب بعضنا البعض، و بينما كنت أنا قد بدأت للتو في التأقلم مع صوته، و رائحته، و حركاته، فقد أمسك هو بين يديه ألبوما و غاص بي في عالم من الصور، عالم من الذكريات، غاص بي عميقا داخل عقلي ليحفزه على تذكر أوقات كنت قد عشتها و لم أعرف حتى تلك اللحظة بأنني قد عشتها. كنت قد رأيت الكثير من الصور، رأيت أمي لأول مرة، و رأيت نفسي عندما كنت رضيعة، و رأيت أبي كم كان سعيدا، ثم رأيت نفسي بينهما و هما يحملاني كما يحمل أي شخص شيئا ثمينا بين يديه، كما رأيت صورا أخرى لأقاربي و صورا من حفل زواج أمي و أبي، و قد كان أبي بين الفينة و الأخرى يحدثني عن طرائف قد وقعت عند التقاط بعض هذه الصور. لقد تحدث كثيرا في ذلك اليوم و أخبرني بالكثير من الأشياء، أشياء لم أفهم معظمها لكنها حركت مشاعري و فتحت قلبي لترحب بفرد مهم من عائلتي كان غائبا عن حياتي، أشياء كانت بداية لعلاقة متينة بين أب و ابنته. لقد كان صريحا معي و أخبرني بكل شيء كنت بحاجة لمعرفته ، كما أنه اعتذر إلي لأنه تركني كل تلك السنوات، ثم إعتذر لأنه لم يملك الشجاعة ليقابلني قبل ذلك الوقت. أما أنا فلم أتحدث كثيرا، فقط بعض الكلمات التي يمكن عدها بأصابع اليد، لكنني في المقابل استمعت إليه بانتباه شديد، و كنت قد تعلقت به منذ الدقائق الأولى من معرفته. 
إن الأبوة شيء عظيم و مهمة شاقة، خاصة خلال السنوات الأولى لحياة للطفل، فنحن لا يمكن أن نتحدث عن الأب دون أن نذكر التضحية التي يقدمها من أجل طفله و ذلك في سبيل بناء شخصية قوية قادرة على العيش في مجتمع متغير، مجتمع متناقض، مجتمع قد لا يكون مناسبا لضمان مستقبله، فالأب هو السند، و هو الحامي، و هو الوحيد الذي يمد يد المساعدة دون تردد عندما نتعثر أو عندما نسقط لأي سبب كان. بالنسبة لي لم يكن أبي رجلا مثاليا لكنه كان مثاليا بالنسبة لي، لقد فعل كل ما يستطيع ليجعلني سعيدة، ليعوض حنان الأم الذي فقدته، و ليقدم في نفس الوقت اهتمام الأب الذي أحتاجه، فإن كنت ممتنة في هذه الحياة لأحد ما فأنا ممتنة له لأنه موجود في حياتي.
 
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"