رواية بلا قلب - الفصل الأول
جاري التحميل...
الفصل الأول
"بلا قلب" رواية عن الانتقام اللي بيتنكر في صورة قوة وعن اللحظة اللي نكتشف فيها إننا وإحنا بنحاول نحمي نفسنا خسرنا الحاجة الوحيدة اللي كانت ممكن تنقذنا.
أنا ما كنتش دايمًا كده.
ولا اتولدت باردة.
ولا كنت بعرف أمشي وأسيب من غير ما ألتفت.
أنا كنت من النوع اللي بيصدق بسرعة
اللي يحط قلبه في إيد اللي قدامه من غير ما يفاصل.
بس ده كان زمان.
أول مرة اتكسرت فيها، ما كانش الكسر صوت عالي.
ما كانش خيانة فيلمية ولا مشهد درامي.
كان أبسط من كده وأوجع.
كان وعد صغير.
"أنا عمري ما هسيبك."
جملة قالها وهو بيبصلي بثقة، وأنا صدقته كأني بسمع قسم.
اسمه كان يوسف.
حبي الاول.
نضيف.
طفولي شوية.
كنت بحبه كأن الدنيا هتقفل عليه.
فاكرة اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة
ما حدش جه قال لي.
ما حدش حتى تعب نفسه يكدب.
شوفت الصورة صدفة.
هو واقف جنب بنت تانية، حاطط إيده على كتفها بنفس الطريقة اللي كان بيحضني بيها.
نفس الابتسامة.
نفس العيون اللي كنت فاكرة إنها ليا لوحدي.
ساعتها ما صرختش.
ما عيطتش قدام حد.
رجعت البيت، قفلت باب أوضتي، وبصيت لنفسي في المراية لأول مرة كأنها واحدة غريبة.
وقلت جملة واحدة:
"أنا عمري ما هبقى ضعيفة تاني."
من اليوم ده، بدأت أتعلم.
اتعلمت إن الزيادة في المشاعر خسارة.
وإن اللي يحب أكتر هو اللي بيتوجع أكتر.
وإن كلمة "بحبك" مش عقد ملكية.
واحدة واحدة، قلبي ما ماتش
هو بس اتعلم يلبس درع حماية.
أول حد حاول يقرب بعده كان اسمه كريم.
كان لطيف .. بيضحك كتير.
قال لي مرة وإحنا قاعدين في كافيه هادي:
"انتي غير أي بنت قابلتها."
ابتسمت.
زمان كنت هتكسف.
دلوقتي بقيت أعرف أرد.
قلت له وأنا بهز كتفي: "كلهم بيقولوا كده."
افتكرها هزار.
ما كانش يعرف إني بقولها بملل.
سيبته يتعلق.
يسأل.
يستنى.
يخطط.
وأنا؟
كنت دايمًا خطوة قدامه.
لما قال لي: "أنا بحبك."
ابتسمت بنفس الابتسامة اللي اتعلمتها قدام المراية.
ابتسامة ثابتة من غير حرارة.
وقلت له: "أنا مش جاهزة."
اختفيت بعدها بأيام.
من غير خناقة.
من غير تفسير.
عملت له بلوك.
وقفلت الصفحة.
ليلتها نمت مرتاحة.
أيوه مرتاحة.
حسيت لأول مرة إن الميزان اتعدل.
إن الدور اتبدل.
هو اللي بيتسأل: "أنا عملت إيه؟"
مش أنا.
بس الحقيقة اللي عمري ما قلتها لحد
إني كل مرة بسيب حد، كنت بسأل نفسي السؤال ده بصوت أوطى:
"هو أنا بقيت مين؟"
كنت بحاول أقنع نفسي إن ده حقّي.
إن دي عدالة.
إن اللي اتكسر مرة لازم يتعلم يكسر قبل ما يتكسر.
لحد ما ظهر هو.
ما كانش مختلف في الشكل.
ولا في الطريقة.
ولا حتى في البداية.
اسمه آسر.
أول مرة كلمني، ما قالش إني مختلفة.
ما حاولش يبهرني.
ولا جري ورايا.
بس قال جملة غريبة خلتني أرفع عيني له شوية:
"انتي بتضحكي بعينيك بس عينيك مش مبسوطة."
سكتُّ.
وأول مرة
ما عرفتش أرد بسرعة.
هو ما كانش بيحاول يحبني.
هو كان بيحاول يفهمني.
وده أخطر.
عشان الفهم بيقرب.
والقرب بيكشف.
والكشف بيعرّي كل الحيطان اللي بنيتها.
وأنا وعدت نفسي من زمان
إني أبقى بلا قلب.
حتى لو في حد أخير
كان ممكن يرجعه ينبض تاني.
كان المفروض أهرب من أول لحظة.
ده قانوني أنا.
أي إحساس زيادة = انسحاب فوري
لكن مع آسر القاعدة ما اشتغلتش.
بدأنا كلام عادي.
رسائل قليلة.
مكالمات أقصر.
هو عمره ما سألني:
"بتكلمي مين غيري؟"
ولا قال:
"عايزك ليا لوحدي."
كان سايب مساحة.
والمساحة دي كانت بتوترني.
مرة سألني بهدوء: "انتي ليه دايمًا مستعدة تمشي؟"
ضحكت وقلت: "عادي يعني لو الحاجة مش مريحة بمشي."
قال: "لا .. انتي بتمشي قبل ما الحاجة تبقى مريحة."
الجملة دي ضايقتني.
مش عشان غلط.
بس عشان صح.
بدأت أحس بحاجة مش مريحة
مش تجاهه.
تجاه نفسي.
كنت مستنية اللحظة اللي يقول فيها "بحبك"
عشان أكرر السيناريو.
أسيبه.
أثبت لنفسي إني أقوى.
بس هو ما كانش بيستعجل.
كان يقرب خطوة ويستنى.
كأنه فاهم إني لو اتحاصرت ههرب.
وفي مرة وإحنا قاعدين سوا، سألني فجأة:
"هو اللي قبلي وجعك أوي؟"
قلبي دق أسرع بس ملامحي ما اتحركتش.
قلت ببرود: "مافيش حد وجعني أنا اللي بسيب."
بصلي نظرة طويلة وقال: "أوقات اللي بيسيب بيبقى أكتر واحد خايف يتساب."
ساعتها حسيت إني مكشوفة.
وده كان كفاية يخوفني.
اللي حصل بعد كده كان متوقع.
في ليلة هادية، قالها أخيرًا.
"أنا بحبك يا مريم."
الكلمة اللي كنت مستنياها.
الكلمة اللي كانت دايمًا بتبقى إشارة النهاية.
ابتسمت.
نفس الابتسامة المحفوظة.
قلت: "آسر أنا مش شايفة الموضوع بالطريقة دي."
سكت شوية.
ما اتعصبش.
ما اتهمنيش.
بس سأل سؤال واحد:
"انتي بتهربي مني ولا من إحساسك؟"
ما رديتش.
تاني يوم، عملت اللي دايمًا بعمله.
اختفيت.
مافيش بلوك المرة دي.
بس تجاهل.
رسائله تقرأ وما تردش.
مكالمات تفوت.
كان أسهل من إني أواجه نفسي.
عدى أسبوع.
اتنين.
شهر.
في الأول كان بيحاول.
رسالة بسيطة: "لو زعلانة مني قولي."
بعدها: "مش هضغط عليكي."
آخر رسالة كانت: "أنا فاهم إنك مش مستعدة بس كنت أتمنى تحاربي شوية."
ووقف.
المرة دي ما جريش ورايا.
ما حاولش يكسر الباب.
وساعتها حصل حاجة غريبة.
أنا اللي بقيت مستنية يبعت.
بعد شهور، شوفته صدفة.
كان واقف بيضحك
الضحكة اللي كنت بحبها.
بس مش معايا.
جنبُه بنت عادية جدًا.
مش متكلفة.
مش بتمثل القوة.
كانت بتبص له بأمان.
هو شافني.
ابتسم ابتسامة هادية، مهذبة.
"إزيك يا مريم؟"
ولا عتاب.
ولا وجع ظاهر.
سألته: "عامل إيه؟"
قال: "كويس."
وبص للبنت اللي جنبه وقال: "دي سلمى."
قالها ببساطة من غير استعراض.
حسيت بحاجة بتنضغط جوا صدري.
مش غيرة.
مش أنانية.
حاجة أقسى.
إدراك.
*
أنا ما كنتش قوية.
أنا كنت بخاف أتحب بجد.
عشان اللي بيتحب بجد بيتوجع بجد.
كنت فاكرة إني لما أبقى بلا قلب، هحمي نفسي.
بس الحقيقة؟
أنا كنت بقفل الباب في وش الحاجة الوحيدة اللي كانت ممكن تشفيني.
آسر ما كانش ضعيف.
ولا ساذج.
كان شجاع كفاية يحبني وأنا متحجرة.
وأنا كنت جبانة كفاية أمشي.
النهارده، وأنا ببص في المراية،
مش بسأل: "أنا بقيت مين؟"
أنا عارفة.
أنا واحدة قررت تنتقم من جرح قديم
فخسرت حب جديد.
والدرس اللي اتعلمته متأخر؟
اللي يختار يبقى بلا قلب
مش بيبطل يحس.
هو بس بيتأخر قوي
لما يحب.
*
وفي النهاية
مش كل خسارة بنحسبها صح غير لما نقف قدام نفسنا من غير تبرير.
أنا فضلت أقول لنفسي إني كنت برد كرامتي.
إني بعمل اللي اتعمل فيّ.
إني بستحق أعوض وجعي.
بس الحقيقة اللي ما حبيتش أعترف بيها ..
إن اللعب بقلوب الناس مش قوة.
وإن التعلق اللي من غير نية صادقة ظلم.
والظلم لو متغلف بكلمة "أنا موجوعة"عند ربنا مش سهل.
ربنا ما أباحش المشاعر تبقى لعبة.
ولا سمح إننا نستحل قلوب الناس بحجة إننا اتأذينا.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
يعني حتى لو اتظلمت ما تظلمش.
وكم قلب اتعلق بكلمة؟
وكم روح اتكسرت بسبب مزاح تقيل اسمه "مش جاهزة"؟
وكم دعوة طلعت من حد موجوع في نص الليل؟
إحنا ساعات بننسى إن القلوب أمانة.
وإن الوعد لو ما كانش رسمي حسابُه عند ربنا مش بسيط.
الحب اللي من غير إطار واضح،
والقرب اللي من غير نية حلال،
والتلاعب اللي بنسميه "تجربة"
كل ده مش بس بيوجع البشر،
ده بيبعدنا عن الطمأنينة.
لأن الطمأنينة ما بتيجيش من السيطرة.
بتيجي من رضا ربنا.
وفي الختام نصيحة من قلب :
ما تدخلش حياة حد وإنت مش ناوي تكمل.
ما تفتحش باب تعلق وإنت عارف إنك هتمشي.
ما تستخدمش كلمة "بحبك" عشان تملأ فراغ.
لو اتكسرت اتعالج، ما تبقاش سبب في كسر غيرك.
خاف من دعوة المظلوم، حتى لو كان مجرد قلب بيعيط في سكون.
وإفتكر دايمًا ..
اللي يسيب ربنا برا علاقاته،
هيفضل تايه فيها.
واللي يختار يبقى "بلا قلب"،
ممكن يكسب لحظة انتقام
بس هيخسر راحة عمر.
اللهم طهر قلوبنا،
واجعل نياتنا صادقة،
ولا تجعلنا سببًا في كسر خاطر أحد.
تمت.