موت وولادة - حارس غرفة الأميرة
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

موت وولادة - حارس غرفة الأميرة

جاري التحميل...

موت وولادة

الملكة تلد.. ولادتها الرابعة، لكنها هذه المرة كانت تبدو وكأنها تصارع الموت لا الولادة. كانت الهمسات الخافتة للخادمات تتسلل كالأفاعي بين الممرات، تصل أصداؤها المشؤومة إلى أذني الملك: "إنها ضعيفة للغاية.. لن تنجو هذه المرة".

تحميل الفصول...
المؤلف

انفجرت صرخات الملكة لتمزق السكون المهيب لجدران القصر الملكي الفخم، وكأنها كانت تعطي الإشارة لتلك الليلة العاصفة لتبدأ جنونها. في الخارج، تعالت ضربات البرق لتضيء عتمة السماء، وفي الداخل، كان الخدم يهرولون بارتباكٍ شديد، يحاولون تفادي غضب الملك الذي كان يذرع الممر أمام غرفة زوجته جيئة وذهاباً كالأسد الحبيس.
​كان صوت الملك يزمجر فوق صوت العاصفة، آمراً بإحضار الأطباء فوراً، ليأتيه رد وزيره المرتجف: "جلالة الملك، لقد حشدنا كل أطباء المملكة وحكمائها داخل الغرفة بالفعل.. ليس بيدنا سوى الانتظار".
​الملكة تلد.. ولادتها الرابعة، لكنها هذه المرة كانت تبدو وكأنها تصارع الموت لا الولادة. كانت الهمسات الخافتة للخادمات تتسلل كالأفاعي بين الممرات، تصل أصداؤها المشؤومة إلى أذني الملك: "إنها ضعيفة للغاية.. لن تنجو هذه المرة".
​لكن همسة واحدة سقطت كالجمرة فوق قلبه الثائر؛ حين مالت إحدى الخادمات على زميلتها قائلة بسخرية لاذعة: "لو كانت ابنة هذه المرة أيضاً، فستكون الرابعة.. مملكتنا ستظل بلا وريث ذكر، والعرش سيضيع".
​انتفضت الخادمة، وشحب لونها حتى صار كالكفن حين التقت عيناها بعيني الملك الثائرتين. تجمدت الدماء في عروقها وهي تهمس لنفسها برعب: "مُحال.. لقد كنتُ بعيدة، كيف سمعني؟". لم ينطق الملك بكلمة، بل أشار بيده إشارة قاطعة بالانصراف، لتفر الخادمتان وكأن الموت يطاردهما.
​عاد الصمت ليطبق على صدر الملك وهو ينظر للباب الموصد، محاولاً صمّ أذنيه عن صرخات زوجته التي بدأت تخبو تدريجياً، وعن نداءات الأطباء المتلاحقة.
​وفي تلك اللحظة، وسط العاصفة الهوجاء في الخارج، كان هناك من يراقب المشهد بصمتٍ مريب. أعلى تلك الشجرة العتيقة المواجهة للقصر، لمحت عيونٌ لامعة ما يحدث. كانت أفعى ضخمة، تقف بشموخٍ أسطوري، عيناها تشعان ببريقٍ غريب وهي تحدق بثبات في النافذة التي يظهر منها وجه الملكة المرهقة.
​لم تكن مجرد أفعى، بل كانت "أفعى شجرة الزمرد" النادرة.. كائنٌ أسطوري لا يظهر إلا ليرسم قدراً جديداً. كانت تنظر وكأنها تدرك تماماً ما سيخرج من ذلك الرحم المنهك، وكأنها تنتظر صاحبتها.
......................... 

مضت خمس سنوات، وكأنها دهورٌ ثقيلة على صدر الملك. كان يجلس على عرشه بسكونٍ مهيب، وقد أمر وزيره بمنع أي كائن من تعكير خلوته. جلس شارداً، يداعب لحيته التي غزاها الشيب، بينما تتقاذفه أمواج الذكرى ليعود إلى وجه ملكته الراحلة. ترقرقت الدموع في عينيه حين ارتسمت ابتسامتها العذبة أمام ناظريه، ليهمس بصوتٍ مخنوق: "لقد أكل الشوق قلبي يا إلينور.. كيف رحلتِ وتركتِني في هذا القفر؟".
​طوال تلك السنوات، حاول وزيره مراراً كسر حصار الوحدة الذي فرضه الملك على نفسه، فكان يأتيه بأجمل وصيفات المملكة، لكن الملك كان يصرفهن بنفورٍ وازدراء. لم تحتمل روحه فكرة وجود امرأة أخرى في حيزٍ كانت تملؤه إلينور، حتى انتهى به الأمر بإصدار قرارٍ صارم: "لا تدخل وصيفةٌ هذا القصر مجدداً.. وإلا كان الثمن رأس من أحضرها".
​وسط هذا الشجن، اخترق سكون القاعة الصوت الوحيد القادر على بث الحياة في عروقه؛ ضحكات فتياته الصغار. نهض عن عرشه بخطىً متثاقلة، واتجه نحو النافذة المطلة على حدائق القصر. هناك، رأى بناته الثلاث يركضن ويمرحن، فارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة غابت طويلاً.
​لمحته الأميرات، فأسرعن نحوه بلهفة الأطفال. صاحت الكبرى، "إيفيا" (12 عاماً)، بزهو: "أبي! لقد هزمتُ الجميع في لعبة الأحجيات، لم يصمد ذكاؤهم أمام عقلي!".
قاطعتها الثانية، "إيريس" (10 سنوات)، وهي تلهث: "وأنا يا أبي، لقد طرتُ بجوادي كأنني الريح، لم يستطع أحدٌ اللحاق بي، أنا أميرة الخيول بلا منازع!".
أما الثالثة، "إيماندا" (8 سنوات)، فقالت وهي تلوح بسيفها الخشبي: "وأنا هزمتُ الجميع في المبارزة، سأكون درعك الحصين يا والدي!".
​ضحك الملك من قلبه قائلاً: "يا لبارعتي الصغيرات! أنتنّ حقاً فخرٌ لهذا العرش.. ولكن، أين شقيقتكن الصغرى؟ أين كورا؟ لمَ لا تشارككن اللعب؟".
​في لحظة، انطفأ حماس الأميرات واكفهرت وجوههن. ردت إيفيا بهدوءٍ يخفي خلفه الكثير: "إنها لا تشاركنا أبداً يا أبي.. تقضي وقتها دائماً مع الحارس الشخصي في الخارج، وكأننا غرباء عنها".
أضافت إيريس بحدة: "نعم، إنها ترفضنا، وتفضل الغابة والسيوف على صحبتنا".
أما إيماندا، فلم تستطع كبح لسانها فصاحت بعصبية: "لقد ماتت أمي بسببها! كيف نلعب مع من سلبتنا والدتنا؟".
​تجهم وجه الملك، وساد صمتٌ ثقيل قبل أن يقول بصوتٍ جهوري محذر: "ألم أحذركُنّ من هذا التفكير؟ كورا شقيقتكن، وهي لم تختر قدرها!".
قالت إيفيا بحكمةٍ محاولةً تلطيف الجو: "أقسم لك يا أبي، نحن لم نرفضها.. هي من تختار العزلة دائماً".
​تنهد الملك بيأس، ونظر إلى الأفق البعيد حيث تختفي الغابة، وقال: "حسناً.. عدن إلى لعبكن، سأنتظر عودتها لأتحدث معها بنفسي".

............ 

فرك الحارس الكهل يديه بتوترٍ جلي، ونظر بحذر إلى الأشجار الكثيفة التي بدأت تبتلع الضوء. التفت إلى الأميرة الصغيرة كورا التي كانت تسير بجانبه بصمتٍ لا يقطعه سوى حفيف خطواتها الواثقة، وقال بنبرة قلقة: "يكفي هذا يا صغيرتي.. لقد تعمقنا في الغابة أكثر مما ينبغي، والظلام مخيف جدا لكي. 

​توقفت كورا بغتة. لم تلتفت بجسدها كله، بل أمالت رأسها قليلاً ونظرت إليه بعينيها الزمرديتين؛ نظرة حادة، صلبة، وخالية تماماً من براءة الأطفال. قالت بهدوءٍ تقشعر له الأبدان: "لا تنادني بصغيرتي.. نادني كورا، وسأناديك معلمي. اتفقنا؟".
​ابتسم الحارس بلطف وجثا على ركبتيه ليكون في مستواها، وأمسك كتفيها بلطف قائلًا: "سأوافق على أي شيء تطلبينه يا كورا.. ولكن، أخبريني الآن، ما الذي يدور في هذا الرأس الصغير؟ ولماذا أصررتِ على المجيء إلى هنا تحديداً؟".

​نظرت إليه كورا بثباتٍ يسبق عمرها وقالت: "أريد منك تدريبي.. أريد تعلم المبارزة، الصيد، وكل فنون القتال التي تعرفها.. 
​شحب وجه الحارس، وسقطت يداه عن كتفيها بذهول: "عجباً! ظننتُ أنكِ ستطلبين دمىً جديدة، أو نزهة لجمع الزهور.. أنتِ في الخامسة يا ابنتي، جسدكِ الصغير لن يقوى على حمل سيف حقيقي!".

​لم تجبه كورا، بل سألت ببرود غريب: "هل تعلم أنني أجيد الحديث مع الأفاعي؟".

اتسعت عينا الحارس بعدم فهم، لكن كورا لم تنتظر تفسيراً. تقدمت نحو شجرة ضخمة ملتوية الأغصان، وغابت خلف جذعها لثوانٍ، ثم عادت.. وتجمدت الدماء في عروق الحارس.. 

​كانت تحمل على كتفيها أفعى ضخمة تلتف حول عنقها الصغير كعقدٍ من الجحيم. أمسكت كورا برأس الأفعى بيدها الصغيرة، ومسحت عليها بحنان وهي تقول: " لا تخف هذه صديقتي.

​تراجع الحارس بذعر، صائحاً: "كورا! ارمِها حالاً! ستقتلكِ!".
لمعت عينا كورا ببريقٍ زمردي نافس بريق جلد الأفعى، وقالت بفحيحٍ خافت يشبه صوت صديقتها: "هل ستدربني الآن؟".
​في حضرة الملك
​حين عاد الحارس مساءً، توجهت كورا إلى غرفتها بصمتها المعتاد، بينما هرع هو لمقابلة الملك. وقف أمام العرش يرتجف، والكلمات تتعثر في جوفه.
​قال الملك بصلابة: "كنتُ بانتظارك منذ الشروق.. لماذا تأخرت معها كل هذا الوقت؟".
أجاب الحارس بصوتٍ متهدج: "جلالة الملك.. لقد رأيتُ اليوم ما يعجز العقل عن تصديقه. ابنتك.. كورا.. ليست كأي طفل رأيته في حياتي".
​قصّ الحارس على الملك ما حدث في الغابة، وكيف استدعت الأفاعي بفحيحها، وختم كلامه برعب: "لقد أطلقت صوتاً غريباً من حنجرتها، وفي ثوانٍ.. كانت الشجرة تفيض بالأفاعي التي هبطت عند قدميها بقدسية، وكأنها تؤدي التحية لملكتها. إنها تريد مني تدريبها على القتل.. أنا خائفٌ عليها يا مولاي، وخائفٌ منها في آن واحد!".
​اتسعت عينا الملك، وساد صمتٌ طويل في القاعة. كان يراها دائماً طفلة منطوية، خجولة، تلوذ بالصمت هرباً من كراهية شقيقاتها.. لم يكن يعلم أن خلف ذلك الهدوء يكمن إعصار.
​داعب الملك ذقنه، وغرق في أفكاره:
(هل يمكن أن تكون هي؟ هل كانت تلك الأفعى التي شهدت ولادتها علامة سماوية وليست لعنة؟ إلينور.. هل تركتِ لي محاربة في جسد طفلة لتنتقم لموتكِ؟ إن بناتي الثلاث الأخريات يملكن المهارة، لكن كورا.. كورا تملك السلطة على الطبيعة نفسها. إنها لا تحتاج لمن يحميها، بل تحتاج لمن يحرر الوحش القابع في داخلها ليكون عرشي في أمان).
​نظر الملك إلى الحارس، وقص شريط أفكاره بكلمة واحدة حازمة هزت أركان القاعة: "نفذ كل ما تطلبه منك.. حرفياً".
​انحنى الحارس بذهول، بينما كان الملك ينظر إلى النافذة، يترقب العاصفة القادمة التي ستقودها أصغر بناته.
..................... 
بينما كان الحارس يغادر القاعة بخطىً متعثرة وعقلٍ مشتت، ظل الملك واقفا أمام النافذة يراقب انعكاس ضوء القمر على حدائق القصر. وفجأة، شعر ببرودة غير طبيعية تسري في المكان، وصوت "فحيح" خافت ينبعث من خلف عرشه مباشرة.
​تجمد الملك في مكانه، لكنه لم يلتفت.. فقد عرف ذلك الصوت جيداً. كانت كورا تقف هناك، بثيابها التي تلطخت بتراب الغابة، وفي يدها خنجرٌ صغير سرقته من جناح الحراس، تلمع نصلته تحت ضوء الشموع.
​قالت بصوتٍ هادئ كهدوء الأموات: "أبي.. لقد أخبرتني أمي قبل رحيلها أن هذا العرش لا يُمنح للضعفاء.. هل كنت تقصدني أنا حين قلت للحارس أن ينفذ ما أطلبه؟"
​ارتبك الملك؛ فزوجته ماتت وهي تلدها، ولم تنطق بكلمة واحدة أمام الطفلة! التفت إليها بذهول وسألها: "ألينور؟ كيف سمعتِ صوتها وهي قد فارقت الحياة منذ سنوات؟"
​ابتسمت كورا ابتسامة غامضة، ولمعت عيناها الزمرديتان في الظلام وهي تهمس: "الأفاعي لا تكذب يا أبي.. ولكنها فقط تطلق الفحيح. 

........................... 
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"