نوفلو | Novloo: روايات فانتازيا
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

الفصل الثامن عشر: الفراغ والهيمنة (سراب II)

جاري التحميل...

الفصل الثامن عشر: الفراغ والهيمنة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

في اليوم التالي، لم تعد المملكة كما كانت. لم تكن التغييرات صاخبة ولا واضحة من النظرة الأولى، لكنها كانت محسوسة، كأن المكان نفسه قد أعاد شدّ أوتاره. الناس يتحركون بحذرٍ أقل، لا لأن الخطر زال، بل لأنهم اعتادوا فكرة أنه موجود. الحراس انتشروا بنمط جديد، لا يحرسون فقط، بل يراقبون، يتبادلون إشارات قصيرة، أعينهم لا تتوقف عن القياس.
في إحدى القاعات الجانبية، كانت تولين تقف أمام رهاف، لم يكن التدريب قتالًا هذه المرة، بل صمتًا مركزًا.
قالت بهدوء صارم:
- ما الذي تعرفه عن المعالجين؟
أطرق ثم قال:
- أنهم يعالجون الجراح ويعيدون القوة للأجساد.
هزت رأسها نافية ثم أكملت:
- لا، المعالج هو من يتحكم في المحيط حوله أكثر من الحارس نفسه. إن لم تستطع التحكم في محيطك وهالتك لن تستطيع الصمود.
اقتربت منه خطوة أثارت القلق في داخله، أكملت:
- أراهن على أنك تشعر بالقلق مني الآن.
أجاب بملامح مترددة:
- نعم.
ابتسمت ثم قالت:
- هذا ما يمكن للمعالجين فعله، أنت لست مجرد شخص يداوي، أنت من يحدد كيف ستسير الحرب، أنت خط الدفاع الأول والأخير.. 
استدارت وسارت للأمام ورهاف يتابعها بتوجس حتى اختفت فجأة من أمامه وصارت خلفه مباشرة. قربت فمها من أذنه بينما لم يستطع أن يحرك ساكنًا كأنه مقيد. همست:
- هل تظن أنك قويٌ بما يكفي لتتخطى تأثير قوتي؟
انساب عرق بارد على جبينه فأكملت:
- ما بك هل أكل القط لسانك؟ أم أن الضعف يغمرك..
في الساحة المقابلة، كان هاشم يقف وسط دائرة محفورة في الأرض. أمامه سيرين، هالتها الزرقاء مشدودة حولها بدقة.
كان هاشم غير مفعلٍ لهالته بينما سيرين كانت تخطط داخل عقلها للهجوم عليه ومباغتته من الخلف عن طريق الاختفاء والظهور المفاجئ، كل شيء كان يسير وفق خطتها، هاجمت هجمات عشوائية ضعيفة في مختلف الاتجاهات لتشتيت انتباهه وماريس بفضل تشتت قوة هالته في مختلف الاتجاهات كان يساعدها دون علمٍ منه.
انتظرت اللحظة التي تشتت عينا هاشم عنها وفي لحظة اختفت وظهرت من خلفه ويدها مشدودة بقوة هالتها، ولكن في اللحظة الأخيرة وقبل أن تصل يدها إليه، سقطت على الأرض هي وماريس بتأثير قوته.
فعل هاشم هالته لأقصى حد فأنشأ ضغطًا بدد هالتيهما في لحظة ليسقط كلاهما على الأرض في الحال.
قال:
- أتعتقدين أن خطة كتلك قد تنطلي على عجوزٍ مثلي؟ وأنت يا ماريس، ما بال الضعف الذي يغمرك؟ جسدك صلبٌ لكن عقلك.. دعنا نقل أنّه فارغ.
***

أما في قاعة التدريب، فكان الصمت مختلفًا..
اختار سراب إيلان تحديدًا ليدربه بنفسه، كان يرى فيه نفسه القديمة، تلك النفس التي لم تقدر على فعل شيء سابقًا، تلك النفس التي كانت تنتظر من يرشدها إلى الطريق الصحيح.
وقفا متقابلين. لا مسافة تدريب رسمية، لا خطوط أرضية والعشب الأخضر من حولهما يتراقص بفعل انبعاث هالتهما.
قال سراب ناظرًا لعيني إيلان وقد لاحظ فيهما تغيرًا:
- هل تعلم أين نحن؟
أجاب:
- قاعة التدريب، تلك القاعة التي اتخذت منها المستقر.
لم يبتسم، لم تتغير تعابير وجهه الهادئة، زاد من انبعاث هالته حتى باتت مقارعة لهالة إيلان، عقد يديه خلف ظهره وقال ببرود لم يعهده إيلان:
- اقترب.
اتخذ إيلان وضعية مناسبة وراقب سراب بعينيه. قال في نفسه:
"استقامة ظهره، عقد اليدين خلف ظهره، نظرته الباردة، كل ذلك يوحي بثقته أنني لن أصيبه. متعجرف بقوته حتى أنه ترك أمامي ثغرات متاحة لمهاجمته، بالرغم من أن قوته لابد وأنها تناقصت منذ رحيل عاصف."
شد قبضتيه وبات ينتظر اللحظة المناسبة للهجوم بينما سراب يراقبه بصمت ثقيل. ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة. قال بنبرة مستهزئة:
- إن كانت قوتي ما يربكك فسوف أبطلها.
ثم أخمد هالته، شعر إيلان أنه قد تم الاستهزاء به وأثار ذلك غضبه، اندفع بكل قوته وسرعته نحوه بلا إدراك منه أن هذا ما كان سراب يريده.
وبمجرد أن انطلق كان قد خسر المواجهة.. تبدل المشهد حوله في لحظة وكسا السواد كل شيء حوله. اختفى سراب من أمامه وبقي هو يطفو في الفراغ. التفت حوله، يمينًا ويسارًا، نفس السواد لا شيء آخر. اتخذ وضعية دفاعية تحسبًا لأي هجمة غير متوقعة. وبالفعل كانت غير متوقعة.
لم يهجم عليه سراب ولم يقترب منه حتى، بل تركه يغرق في بحر ذكرياته المؤلمة، تركه يرى المشهد ذاته مرة أخرى..
بيته وهو يحترق، قاسم وثامر أمامه وأجساد عائلته على الأرض.. الابتسامة الخبيثة على محيا ثامر..
ارتفع صدره وانخفض بسرعة عدة مرات، صرخ بأعلى صوته طالبًا من سراب أن يتوقف، بعد لحظات اختفى كل شيء كما كان. ساحة التدريب الخضراء من حوله وسراب أمامه.
أما هو فكان جاثيًا على الأرض وعيناه غارقتان بالدموع. رفع نظره إلى سراب، نفس النظرة الباردة لم تتغير. قال سراب:
- لن يمهلك أحد الوقت ولن يعطف عليك الآخرون، سيستغلون كل لحظة تكون فيها مندفعًا بمشاعرك.. هكذا هي الحرب وهكذا تكون المكيدة. القوة ليست فيمن يملك الجسد الأقوى أو الهالة التي لا مثيل لها.. القوة هي أن تدعس على ألمك وتسير أمام الناس مبتسمًا، أن تخفي كل ما تشعر به، أن تتحكم في انفعالاتك.. هذا ما سأعلمه إياك.
في تلك اللحظة تحديدًا ومن بين كل اللحظات أدرك إيلان أمام من يقف، هو لا يقف أمام مجرد ملك، ولا مجرد حارس أو مختار هو الأقوى كما قيل.. 
شعر أن بداخله شيء قد تغير، لا يعرف إن كان ذلك التغيير للأفضل أم للأسوأ لكن ما أيقنه أن دموعه التي كانت تتدفق من عينيه بغزارة توقفت وباتت كأن لم تكن.
سار سراب نحوه حتى باتت تفصل بينهما خطوة واحدة، نزل على ركبته، أكمل:
- مرحبًا بك في عالمي الخاص. مرحبًا بك في مملكتي الخاصة التي لا يعرف أحد عنها شيئًا. هنا يجب أن تعلم أنني من أضع القوانين بما يرضي تقلباتي الباردة والمجنونة، تلك هي طريقتي في النجاة وقريبًا ستكون طريقتك كذلك. أما الآن، وحتى الغد وما بعد الغد وحتى نصل إلى أعماق قوتك الضئيلة التي لا معنى لها أمام قوتي سأبقى أدفع بك إلى أسوأ ما يمكنك تخيله وما لا يستطيع عقلك التخيل. لن أكذب عليك إن قلت أن الجانب المجنون مني يريد قتلك أثناء الرحلة ولكنك في الوقت ذاته تعتبر شخصًا مميزًا بالنسبة لي فسأتساهل معك أحيانًا لكنني لن أتهاون أو أتردد لحظة واحدة في دفعك إلى أعماق اليأس. أتمنى لك رحلة ممتعة يا صديقي السرابي. السراب سيصبح عنوانك شئت أم أبيت.
في تلك اللحظة كان المرح قد بدأ بالنسبة لمن فقد صديقه، أطلق هالته البيضاء بأقصى ما يستطيع الوصول إليه، دفع بها لأن تملأ المكان بأكمله، لم يرفع قوته بالهدوء المعتاد بل رفعها دفعة واحدة بشكل مفاجئ كي يدب الرعب في قلب الذي يجثو أمامه وجفت دموعه على وجنتيه. 
إيلان كان متجمدًا في مكانه، كل البرود واللامبالاة التي كان يمتلكها لا تشكل الآن شيئًا أمام ما يرى من القوة والجنون، عيناه التي كانت ذات مرة حادة مخيفة تشبه الآن عيون القطط المبتلة أمام عيون سراب المتوهجة الباردة. لم يشعر فقط بالخوف منها، شعر بأن عيني سراب تلتهمه، تبث داخله كل شعور ممكن بالخوف والاضطراب.
شعر بالضياع فيهما، تلك العينان الباردة، ما الذي جعلها تكون هكذا؟ هذا ما كان يفكر به وروحه ترتعش داخله. 
***

قرر سراب بعد يوم كامل في القاعة من تدريب إيلان أن يتركه قليلًا ليهدأ عقله من كم الاضطرابات والصدمات التي سببها له.. كان يعلم علم اليقين أنه مهما كانت قوة إيلان النفسية قوية فإنها لن تصمد أمامه.
تركه يستريح في القاعة بينما عاد للمملكة مرة أخرى ليتابع آخر التطورات في تدريب المتدربين وإن توصل ثلاثتهم لشيء.
كي يعود للمملكة كان عليه أن يمر بقرية القمر التي كان ذات يوم ساكنًا لها. حدث نفسه بمجرد خروجه من قاعة التدريب قائلًا:
- قاعة الحراس.. حيث كانت البداية، تلك الفتحة الدائرية في السقف التي يسقط منها ضوء القمر الأزرق على تلك الصخرة التي أعلمها جيدًا. كل شيء مر سريعًا، انظر أين أصبحنا الآن؟
مر بعينيه سريعًا على نقوش وجوه الحراس على الجدران حتى وصل لنقش قماريس، حارس القمر الأول الذي بدأت من عنده ومن عند كاروس القصة كلها. لم يبد أي شيء، على النقيض تمامًا، التفت نحو الممر الطويل الذي تؤدي نهايته إلى قرية القمر. لم يرد السير هذه المرة، أراد أن يدفع بنفسه نحو هلاكه باستهلاك كل قوته بالرغم من علمه المسبق أن احتمالًا مثل ذلك غير قابل للتحقق.
فعل هالته وانتقل لحظيًا لنهاية الممر وجلس على أطرافه باسطًا هالته في الأرجاء كأنه يريد التحقق أنه ما يزال حيًا وأن كل ذلك ليس حلمًا. 
تأمل نافورة القمر في منتصف القرية، النافورة نفسها التي كانت بداية للكثير من اللحظات المثيرة للاهتمام.
- من يصدق أن نافورة كتلك هي مركز الاتصال بين القرى الخمس، أو حتى العالم خارج القرى؟ ذلك العالم الذي أبيد، حياة غريبة! كل شخص يريد الوصول لما يريد يتشكل بالهيئة التي يريد حتى يصل مبتغاه.. آنذاك قاسم وثامر كانا مالك وضياء وكنت أنا الأحمق الذي سلم كل شيء لهما!
تنهد بمرارة:
- قماريس، ظافر، تولين، هاشم.. 
ثم تذكر إيميليا، ليست إيميليا بالتحديد، بل الرؤيا التي رآها فيها للمرة الأولى. ابتسم لا شعوريًا، قال بارتياح بملامح هادئة:
- جاءت ملامحكِ المنامَ فأشرقت حتى تلاشى الحزنُ من أركاني، إن كان طيفُكِ في الرؤى متكرمًا فدعيني أعيش العمرَ في أحلامي.
تنهد بارتياح كأنه أفرغ كل ما بجعبته، نهض مكانه وتوجه للنافورة وسط أزقة وأكواخ القرية الساكنة.. انتقل مباشرة خراج القرية ثم بعدها لحظيًا للمملكة. كان يعلم أنه لا وقت بالنسبة له كي يتجول في الأرجاء باحثًا عن أطلال الماضي.
أرسل إشارات إلى ثلاثتهم كي يحضروا أمامه في الحال.. بعد وقت قليل كان الثلاثة أمامه. تمعن وجوههم بملامح هادئة مخفيًا ما خلفها، ثم قال بهدوء:
 - مرحبًا بعودتي.
قال هاشم:
- بالطبع لم تأتِ بنا إلى هنا كي ترحب بنفسك، دعني أخمن بما أنك أغلقت منافذ عقلك، تريد معرفة الأخبار الأخيرة عن تدريبهم، أليس كذلك؟
- بارعٌ في القراءة كعادتك. أصبت يا والدي.
ابتسم هاشم، قال:
- سيرين وماريس تطورهما ملحوظ، ماريس يتحكم في هالته بشكل أفضل من السابق وسيرين هادئة لكنها تفتقر لبعض القوة.
- وردود أفعالها؟
- أعمل عليها.
هز رأسه ثم نظر لآدم، فقال:
- المملكة آمنة حتى الآن، لا تحركات مشبوهة.
- والمحاربون؟
- في مواقعهم حول المملكة.
هز رأسه مرة أخرى ثم قال:
- جيد، شكرًا لكما وآسف على إحضاركما إلى هنا.
ابتسم كلاهما دون أن يضيفا أي شيء وبقيت تولين معه منتظرة ما يريد إخبارها به، انتظرت بوجه كسته الملامح القلقة على حالته، لكنه لم يسألها عن رهاف.
- هل صار شيء لإيميليا؟
لم تتفاجأ، فأجابت بسرعة:
- في الحقيقة لا أعلم.
أومأ متفهمًا وشكرها ثم فعل هالته وانتقل لمكانها، باحة القصر تحت شجرة الزيتون.
               

سراب II الفصل الثالث عشر: هالتي وأثرها

جاري التحميل...

الفصل الثالث عشر: هالتي وأثرها

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يقل الحارس شيئًا حين خرجنا من الفسحة المنعزلة، فقط أدار ظهره وسار، كأنه واثق أنني سأتبعه. لم أسأله إلى أين، ولم أطلب تفسيرًا لما حدث. كنت أعلم أن أي سؤال في هذا المكان يُعد إعلانًا بعدم الفهم، وأنا لم أكن أفهم بعد.
سرتُ إلى جواره بخطوات متساوية، لا متعجلة ولا متباطئة. كان الحارس أطول مني قليلًا، عريض الكتفين، حركته هادئة لكن محسوبة، كأن الأرض نفسها تعرف خطوه قبل أن يطأها. ملابسه الجلدية داكنة، ليست مصقولة ولا فاخرة، لكنها محكمة، تحمل آثار استعمال طويل لا إهمال فيه. لم يكن يشبه حراس القمر؛ لا هالة صارخة، ولا حضور ضاغط. وجوده كان أقرب إلى الجذور ثابت، صامت، يصعب اقتلاعه.
قال بعد مسافة من الصمت:
- الناس هنا لا تحب الأسئلة المفاجئة.
أجبته دون أن أنظر إليه:
- وأنا لا أحب الإجابات الجاهزة.
لم يبتسم، لكنه أمال رأسه قليلًا، كأن الجملة سُجِّلت لا أكثر. دخلنا طرقات أوسع، وبدأت القرية تكشف نفسها لي ببطء. الشوارع لم تكن مرصوفة، لكنها مستوية على نحو غريب، كأنها تشكّلت مع الزمن لا بيدٍ بشرية. الحجر الأملس ذاته، التوهج الخافت ذاته، لكن هنا كانت الحياة تتحرك داخله.
الناس يسيرون بهدوء، لا استعجال ولا تردد. لا أحد يصطدم، لا أحد يرفع صوته. كل حركة لها مسار، وكل توقف له سبب. كانوا ينظرون، نعم، لكن دون فضول فاضح. نظرات قصيرة، تقييم سريع، ثم عودة لما كانوا يفعلونه.
لاحظت ملابسهم. الجلد حاضر في كل شيء: صدريات، أردية، أحزمة، وحتى الأحذية. جلود مختلفة، ألوانها تميل إلى البني الداكن، الرمادي، وبعضها فضي باهت. لم تكن زينة، بل امتدادًا للجسد، كأن القماش هنا شيء ثانوي، بينما الجلد هو اللغة الأساسية للحماية والهوية.
مررنا بجانب امرأة مسنّة تجلس قرب مدخل بيت حجري منخفض، يداها تعملان على شريط جلدي طويل. رفعت رأسها، نظرت إليّ، ثم قالت للحارس:
- هذا ليس من هنا.
أجابها ببساطة:
- أعلم.
نظرت إليّ مرة أخرى، أطول هذه المرة، ثم قالت:
- عيونك مشغولة أكثر مما يجب.
توقفت للحظة، التفتُّ إليها:
- ربما لأنني أرى أكثر مما أفهم.
هزّت رأسها ببطء:
- الفهم يأتي متأخرًا دائمًا.
ثم عادت لعملها، وكأن الحديث انتهى. واصلنا السير، لكن كلماتها بقيت معلقة داخلي، مثل حجر صغير في الحذاء، لا يؤلم لكنه يُذكّر.
قال عاصف داخليًا:
- أهل هذه المملكة لا يضيعون كلماتهم.
أجبته داخليًا:
- هذه المملكة تشعرني بالضجر، الناس هنا كلامهم غريب ليس هناك إلا ذاك العجوز الذي أفضل التعامل معه.
اقتربنا من مجموعة أطفال يلعبون بشيء يشبه الأقراص الحجرية، يرمونها فتعود إليهم بطريقة لا أفهمها. أحدهم توقف فجأة، نظر إليّ، ثم ابتسم ابتسامة واسعة بلا خوف. ركض نحوي خطوتين ثم توقف، كأنه تذكر نفسه، وعاد إلى لعبه.
سألت الحارس بصوت منخفض:
- لا يخافون؟
أجاب:
- الخوف هنا ليس افتراضيًا.
تابعنا السير حتى بدأ المكان يتغير تدريجيًا. الأبنية صارت أوسع، الشوارع أكثر انتظامًا، والضوء أكثر كثافة، لا أقوى بل أوضح. شعرت وكأننا نقترب من قلبٍ ما، مركز لا يُعلن عن نفسه لكنه يجذب كل شيء نحوه.
شعرت بذلك الإحساس مرة أخرى. ليس مراقبة مباشرة، بل إدراك متبادل. كأن المكان نفسه يختبر وزني فيه. توقفت دون قصد. لاحظ الحارس، فتوقف هو الآخر. 
- هل هذا هو قلب القرية؟
نظر أمامه ثم إليّ:
- القلب لا يُسمّى كذلك إلا بعد أن يُختبر.
في تلك اللحظة، لم أعد أبحث عن إجابة، بل عن نهاية لهذا الهدوء المستفز. شعرت أنني إن سمحت لجملةٍ أخرى أن تمرّ دون معنى، فسأختفي أنا لا صبري. 
قلت بنفاد صبر:
- هل أنت أحمق أم ماذا؟ 
نظر لي باستنكار وقال:
- ما الذي قلت؟!
أضفت:
- تحدثني بالألغاز لحظة التقيتك وتسمي ذلك ارشادًا؟! أتظن أنك نوع من المخلوقات النادرة التي خُلقت فقط لإظهار برودها وثقلها على الغير؟!
استدار نحوي بقبضة مشدودة وقال:
- أعد ما قلته أخرى وسأريك من فينا البارد.
قال عاصف داخليًا:
- الآن أصبحت الأجواء أكثر حماسًا، فلنطح بذلك المتعجرف.
ابتسمت موافقًا وللمرة الأولى منذ دخولي أطلقت هالتي السوداء وقلت بحماس:
- الآن بدأت تفهمني. 
ثم قلت مشيرًا بيدي نحو الحارس:
- اقترب أو سيكون أنا أول من يقترب.
***

استقام الحارس أمامي، وتبدلت وضعيته في لحظة. لم يعد مجرد دليل صامت، بل جسدٌ يعرف كيف يقف حين تُختبر الأرض تحته. قدماه انغرستا قليلًا في الحجر، كتفاه انخفضتا، ونَفَسه صار أبطأ.. أثقل.
قال بهدوء لا يشبه التهديد:
- إن كنت ستكشف نفسك، فافعلها كاملة.
لم أنتظر، اندفعت نحوه بخطوة واحدة، لا هالة، لا تمهيد. قبضتي عبرت الهواء حيث كان رأسه قبل جزءٍ من الثانية. اختفى. ليس انتقالًا، بل انزلاقًا جانبيًا، كأن المشهد نفسه أعاد ترتيب موضعه. تبادلت الضربة مع الفراغ، والفراغ لم يكن فارغًا.
ضربة ثانية. ثالثة ولا واحدة اصابت.
قال عاصف داخليًا، بنبرة ملاحِظة:
- هو لا يهرب هو يحاول أن يقرأ تحركاتك ويسبقك بخطوة.
قبل أن أستوعب الجملة، رفع الحارس يده، لكن بدل أن يضرب، رسم. لم تكن تقنية طاقة كما اعتدت. الهواء أمامه تشكّل إلى خطوط ضوئية شفافة، متداخلة، أشبه بتموجات ماءٍ مضاء من الداخل. تحركت نحوي ببطءٍ خادع، لا تحمل ضغطًا، بل جمالًا.
توقفت دون وعي، الألوان لم تكن بيضاء ولا فضية، بل شيء بينهما، ألوان لا تُسمّى. شعرت أن عقلي يلين، أن الفكرة نفسها تفقد حوافها. أردت أن أمد يدي، لا لأصدّ، بل لألمس.
قال عاصف صارخًا:
- سراب! لا تنظر… هذه ليست ضربة، هذه خدعة!
انتفضت في اللحظة الأخيرة. انحرفت بجسدي، لا بالقوة بل بالحدس. مرت التقنية بمحاذاة كتفي، ثم اصطدمت بالأرض خلفي.
لم يكن هناك انفجار بل كان انكسار. تشقق الحجر في خطوط متفرعة، عميقة، كأن القرية نفسها شهقت. تراجع الهواء، واهتز الضوء للحظة قصيرة، ثم عاد كل شيء إلى هدوئه ما عدا المكان الذي لم يعد كما كان.
تنفست بعمق، ابتسمت.
- جميل.. وخطير.
لم يجب. فقد ظهروا بجانبه. من أطراف الشوارع، من خلف الأعمدة، من فوق الأسطح المنخفضة. حراس آخرون، رجال ونساء، أعمار مختلفة، لكن النظرة واحدة: تركيز بلا غضب. لم يصرخوا، لم يهددوا. فقط أخذوا أماكنهم، دائرة غير مكتملة تحيط بي.
قال عاصف:
- الآن أصبحت ضيفًا رسميًا.
ضحكت بخفة، ورفعت رأسي. وفي تلك اللحظة أطلقت هالتي بقوة أكبر. البياض لم ينفجر، بل انبسط. خرج من حولي كمدٍّ صامت، ليس نورًا أعمى، بل حضورًا نقيًا، كثيفًا، يجعل كل لون آخر يبدو مترددًا أمامه. انعكس على الحجر، على الجلود، على الوجوه التي لم تتراجع لكنها شدّت أنفاسها.
في تلك اللحظة تفرست وجوههم فلم أجد من الخوف ما يعتريها بل استعد كل منهم واتخذ وضعيته للهجوم. شعرت بشعور لم أشعر به من قبل، شعرت براحة غريبة لإطلاق قوتي في العلن برغبتي الشخصية لإطلاقها.
أطلق كل حارس تقنيته وقبل أن أتمكن من الصد أو الرد توقفت تقنياتهم وتوقف انبعاث هالتي. شيء من أمامنا مر سريعًا لدرجة أن عيناي لم تستطع اللحاق به. لم يكن حركة، كان عبورًا.
شبحٌ سريع، أسرع من الإدراك، مرّ أمام كل واحد منهم في اللحظة ذاتها. لم يضرب، لم يدفع. فقط وضع يده على كتف كل حارس لمسة خفيفة، عادية، كأنها لا تعني شيئًا. لكنها فعلت. خمدت الهالات وانطفأت التقنيات وسقطت القوة كما تسقط فكرة انتهى وقتها.
وقف الجميع مذهولين، أما أنا فقد شعرت به قبل أن أراه لكنه برغم ذلك نجح في اخماد قوتي.
قال صوت مألوف، هادئ، يحمل ثقل السنين دون أن ينحني لها:
- كفى.
التفتُّ، وكان العجوز ليهار واقفًا هناك، عصاه الجلدية بيده، لحيته البيضاء تتحرك مع نسمة خفيفة، وعيناه.. عيناه لا تنظران لتقيّم، بل لتعرف. قال للحارس الأول، بنبرة ودودة لا تخلو من توبيخ:
- هكذا نستقبل من يأتي ضائعًا؟ بالعروض القتالية؟
انحنى الحارس فورًا:
- سيدي أردت فقط...
قاطعه ليهار مبتسمًا:
- أردت أن تختبره. وقد فعلت. والآن اختبر نفسك، واهدأ.
ثم نظر إليّ، اقترب خطوة ووضع يده على صدري. لم يسحب قوتي ولم يدفع هالتي، فقط قال:
- أهلًا بك يا سراب تأخرتَ كثيرًا.
***

نظرت باستغراب، لا انفعال؟ لا استياء من طريقتي؟ لا أي ذرة غضب منه نحوي؟! بل على النقيض تمامًا شعرت أنه مرحبٌ بي بشكل بالغ.
لم يطلب ليهار مني أن أتبعَه، ولم يُشر بيده. فقط استدار وبدأ السير، وكنت أعرف أن الطريق إن لم أمشِه الآن فلن يُعاد عرضه مرة أخرى. أطفأت هالتي تمامًا دون أن يطلب، وسرت إلى جواره.
كان يمشي ببطءٍ يناقض كل ما رأيته منه قبل لحظات. خطواته قصيرة، غير متعجلة، عصاه الجلدية تلامس الأرض كأنها تعدّها لا تستند إليها. قال فجأة، وكأنه يُكمل حديثًا بدأه منذ زمن:
- لا تقلق، هم لن يهاجموك بعد الآن.
أجبت:
- لم أكن قلقًا، فقط متحفزًا.
ضحك ضحكة خفيفة، صافية:
- وهذا أسوأ. التحفز الدائم يُتعب الروح أكثر مما يُخيف الجسد.
سرنا بين الطرقات التي بدأت أعرفها دون أن أحفظها. الحراس الذين كانوا قبل قليل مستعدين لتمزيق المكان عادوا إلى أماكنهم، بعضهم أومأ لي، بعضهم تجاهلني تمامًا، وكأن ما حدث لم يكن إلا تمرينًا قصيرًا خرج عن مساره.
قلت وأنا أنظر حولي:
- هؤلاء ليسوا كحراس القمر.
أجاب فورًا:
- بالطبع لا. حراس القمر يحمون بفكرة الواجب. حراس هذه القرية يحمون بفكرة الفهم.
توقفت لحظة:
- الفهم؟
نظر إليّ من طرف عينه:
- أن تعرف متى تستخدم قوتك ومتى تكون القوة نفسها عبئًا.
تابعنا السير، وبدأت ألاحظ تفاصيل لم أرها من قبل. علامات محفورة على الجدران، ليست رموزًا سحرية، بل آثار تدريب. أرضيات صُقلت في أماكن محددة، زوايا لم تُصمَّم للسكن بل للحركة. قلت:
- هذه ليست قرية فقط.
ابتسم:
- أخيرًا لاحظت.
ثم أضاف بعفوية:
- نحن لا نُسمي أنفسنا مملكة. نحن مكان يختفي كي لا يُستخدم.
سألته:
- ولماذا أنا؟
لم يتوقف عن المشي:
- لأنك دخلت دون أن تطلب، وغادرت دون أن تهرب. هذه صفة نادرة.
ساد صمت قصير، قطعته أنا:
- كيف أعود؟
توقف ليهار هذه المرة. التفت إليّ ببطء، وقال:
- قبل أن أخبرك كيف تعود يجب أن تعرف متى.
قطبت حاجبي:
- ماذا تعني؟
- الوقت هنا ليس كريمًا مع الخارج.
شرح ببساطة، كأنه يتحدث عن الطقس:
- اليوم الواحد في هذه القرية يمرّ كثلاثة أيام في مملكتك.
تجمدت للحظة ثم قلت ببطء:
- هذا يشبه قاعة التدريب.
تغيرت ابتسامته. لم تختفِ، لكنها صارت أعمق:
- لأن الفكرة ليست تشابهًا.
توقفنا أمام ساحة دائرية، مألوفة على نحوٍ صادم. نفس الإحساس. نفس الضغط الخفيف على الصدر. قال:
- قاعة التدريب التي تعرفها أصلها هنا. نحن من وضعنا الأساس.
نظرت إليه:
- لكن القاعة في مملكتي؟
- نُقلت الفكرة، لا المكان. حين عقد التحالف، لم يكن مسموحًا أن نكشف عن القرية. فاخترنا أن نترك أثرًا فقط. نسخة أقل خطورة.
أطرقت رأسي:
- وأنتم؟
- بقينا حيث يجب أن نبقى.
ثم أشار بعصاه إلى ممر ضيق بين صخرتين:
- العودة من هناك. لا تحتاج قوة، ولا اختفاء. فقط قرارًا واضحًا أنك تريد الرحيل.
نظرت للممر، ثم عدت إليه:
- ولماذا تخبرني بكل هذا؟
اقترب خطوة، وضع يده على كتفي، نفس اللمسة التي أطفأت الحراس:
- لأنك ستعود، وسيتغير شيء. ومن الأفضل أن تعرف من أين بدأ.
تنفست بعمق:
- سنلتقي ثانية؟
ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تعطي وعدًا ولا تنفيه:
- القرى التي تختفي لا تودّع.
ابتسمت له بخفه شاكرًا إياه في داخلي ثم استدرت لأسير نحو الممر لكنني توقفت واستدرت نحوه مرة أخرى بوجه به آثار الدهشة:
- لكنني لم أخبرك أنني ملك ولدي مملكة؟
ضحك بخفة:
- لم تكت تحتاج أن تخبرني نحن من تحالف حراس القمر معهم.
هنا فقط فهمت ما كان ينقصني وابتسمت له مرة أخرى واستدرت لأكمل طريقي. استدرت، وسرت نحو الممر. مع كل خطوة، خفّ الضوء، ثقل الهواء، حتى شعرت بذلك الانسحاب الهادئ، نفس الإحساس الذي لم أشعر به حين دخلت.
               

ملوك الظلال - الفصل الحادي عشر

جاري التحميل...

الفصل الحادي عشر

إن الرجال لا يعرفون البكاء إلا على أشياء منحوها قداسة في قلوبهم ثم فقدوها بغتة.

تحميل الفصول...
المؤلف

مملكة النار تجهم وجه سديم حتى بدت تقاسيمه كأرض قاحلة ضربها جفاف مفاجئ، وانحسرت عيناه داخل محجريهما وهما تصطبغان بلون أحمر داكن غلب على شحوب بشرته التي بدت كأن الدماء غادرتها تماما. كانت نبضات قلبه تدق في صدره كطبل حرب غاضب، وشعر باضطراب حاد في أحشائه يجعله يغص بكل أنفاسه، وكأن جسده من الداخل يتمزق بصمت. تحرك بخطوات ثقيلة وغير متزنة، مدفوعا بقوة داخلية لم يدرك كنهها، ليجد نفسه وسط ساحة القتال الصاخبة التي تضج بعرق الجنود وهم يتدربون،  ترك خلفه جارج تحت رعاية حكيم القصر، ذلك الرجل الذي كانت تنبعث منه رائحة نفاذة لأعشاب قديمة ومتعفنة.  وقف سديم بمواجهة أقوى مقاتلي المملكة، أربعة رجال ضخام البنية، جلودهم مائلة للحمرة وشعرهم أبيض ناصع، يقفون بثبات كأنهم أعمدة مثبتة في الأرض. كانت ملامحهم تنضح بالغضب، وأنفاسهم تخرج مسموعة في هدوء الساحة الذي سبق كلماته.  رفع سديم رأسه، وبصوت خرج عميقا ومهتزا بحدة غير معهودة، قال لهم: - سوف نبحث عن لينا... الإنسية... صمت فجأة، وانقبضت حنجرته بشدة، وشعر بمرارة لاذعة تسكن حلقه، وكأنه يحاول ابتلاع جزيئات حادة تجرح عنقه من الداخل، أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو ينظر إليهم بإصرار يائس وتابع قوله: -  يجب أن ننقذها، الآن وبشكل عاجل. تبادل المقاتلون نظرات صامتة، وارتفع حاجب أحدهم مستنكرا، بينما بدت الحيرة واضحة على وجوههم من نبرة سديم التي كانت تمزج بين الأمر والرجاء المكتوم. كانت يدا سديم ترتجفان قليلا عند جانبيه، لكنه شد قبضيته بقوة، محاولا السيطرة على ذلك الانهيار الذي يهدد جسده.  بدت الفكرة في جوهرها كأنها سخرية مريرة في عالم جاف لا يعترف بالرحمة ولا يكن للبشر إلا البغض. ضيق سديم عينيه حين شعر بتردد المقاتلين ورفضهم المكتوم الذي ملأ الصمت بينه وبينهم، جعلت الحمرة في عينيه تزداد توهجا حتى صارتا كقطعتي فحم مشتعلة، ثم هدر بصوت حاد يحمل تحذيرا صريحا: - أهناك اعتراض من أحد؟ اهتزت أجساد المقاتلين، وسارعوا بهز رؤوسهم نفيا، وكأن رعبا خفيا يحرك أطرافهم رغما عنهم، ثم تابع سديم بنبرة أكثر صرامة: - حسنا، أريد لينا عندي قبل غروب شمس هذا اليوم، سنبدأ البحث في الغابة أولا. سكت قليلا، وظهرت على وجهه ملامح تفكير سريع، ثم أردف بحماس مفاجئ غلف صوته: - لا، بل سننقسم... أنا و"بلانو" سنتجه إلى الغابة، وأنتما الثلاثة إلى الجبال البيضاء التي تقع خلف الصحراء. الخاطف لن يبتعد كثيرا إذا كان من البشر، فأقرب مكان من الغابة هي تلك المنطقة الجبلية. لم يجد المقاتلون بدا من طاعة أوامر أمير مملكة النار، رغم ملامح الاستغراب التي ارتسمت على وجوههم. وبينما هموا بالرحيل، أوقفتهم وطأة خطوات ثقيلة هزت ردهات المكان، ودخل الملك دهمان بوجه صارم وقسمات تنطق بغضب عارم، كان يرتدي تاجا ذهبيا مرصعا بألماس أخضر يشبه في بريقه عيون الأفاعي، وجسده الضخم يمنح مشيته ثقلا يجعل الأرض من تحته تبدو وكأنها ترتجف. بدا جسد سديم بجانب ضخامة والده ضئيلا للغاية، وظهر شحوبه واضحا أمام حضور الملك المهيب الذي يفيض قوة، حدق دهمان في ابنه بحنق ظاهر، وخرج صوته غليظا محملا بالانزعاج: - قيل لي إنك ستخرج للبحث عن الإنسية التي أخذت دمها، أصحيح هذا؟ أجابه سديم بثبات: - نعم.  سأله الملك مستنكرا، والازدراء يملأ نبراته: - ومنذ متى وأنت تهتم لأمر البشر؟ أنسيت ماذا فعلوا بنا؟ رد سديم وهو يرفع رأسه عاليا، مثبتا نظره مباشرة في عيني والده السوداوين بتحد لم يعهده الملك منه من قبل: - منذ الآن، إن أمرها يهمني كثيرا، ولا دخل للينا بما فعلوه البشر في هذا العالم. أطال الملك دهمان النظر في وجه ابنه، كانت عيناه تغوصان في تفاصيل ملامح سديم بحثا عن تفسير يعيد للأمور منطقها، وظن في البداية أن الأمر لا يتعدى كونه رغبة في رد دين لتلك الإنسية التي منحته دمها، لكن بريق الدموع الذي استقر في عيني سديم كان يحكي قصة مغايرة، قصة تفيض بالانكسار العاطفي الذي لم يعهده فيه، هدأ ثوران دهمان قليلا، وانخفض صوته ليصبح همسا جافا وهو يسأل: - أهو الحب؟ شعر سديم بوهن شديد يغزو أطرافه، وازداد ذلك البريق لمعانا تحت ضوء المشاعل المتراقصة وخيوط الشفق المتسللة، بينما كانت النسائم الباردة تلطم وجهه، فتزيد من اضطراب دقات قلبه التي كانت ترتفع وتهبط في صدره بلا انتظام، بدا السؤال بسيطا في كلماته، لكنه وقع على مسامع سديم كسؤال فلسفي غامض شائك يصعب فك رموزه أو الإجابة عنه بكلمة واحدة. اكتفى بالتحديق في وجه والده، لكن تلك الدموع التي جاهدت جفونه لاحتجازها فضحت كل مستور، كان دهمان يؤمن يقينا أن الرجال لا يعرفون البكاء إلا على أشياء منحوها قداسة في قلوبهم ثم فقدوها بغتة، وهنا أدرك حجم المكانة التي تحتلها تلك البشرية عند ابنه. تنهد الملك بقوة جعلت صدره الواسع يهتز، وقال بنبرة غلبت عليها المرارة: - يا بني، الحكم والعشق لا يجتمعان في قلب واحد، وإن كان لا مفر من الحب، فليكن للسلطة ولفرض السيطرة والنفوذ فقط. انظر لنفسك، كيف تضطرب وتغرق عيناك بالدموع من أجل بشرية، لا ينبغي أن يكون لك نقطة ضعف يا سديم، فالملك الذي يشرع أبوابه ليعرف الأعداء مكان خنقه، ليس ملكا، بل هو ضحية تنتظر دورها في السقوط. زم سديم شفتيه بقوة، وأحس بكلمات والده كأنها تنغرس في عقله، فقد كانت تحمل حقيقة ومرة لا يمكنه إنكارها، فهو يشعر فعليا بأنه فقد الزمام على نفسه، لكن تلك الغريزة التي تدفعه لحماية لينا كانت تصرخ في داخله بقوة تفوق أي منطق سياسي، فرد على والده بهدوء مشوب بالحذر: - سنتحدث في هذا الأمر لاحقا، أما الآن فلدي مهمة يجب أن أنجزها. لمعت عينا الملك بشرر الغضب وسأله بحدة: - يعني أنك ما زلت مصرا على رأيك؟    أجابه سديم بصوت خفيض ونبرة أسف: - للأسف يا أبي. انسحب سديم تاركا والده واقفا في الساحة كأنه تمثال من الغضب المكتوم، قبل أن يعود الملك نحو القصر المهيب المنحوت في قلب جبل عظيم، نُحتت المملكة الصخرية التي تنبثق من منحدرات الجبل كأنها جزء من تكوين الأرض منذ زمن قديم، وعند بوابتها الشاهقة التي صُبّت من الحديد والذهب، يقف حارسان من حجر، عملاقان يمسكان سيوفهما الضخمة، ويحرسان مدخلا يبتلع الضوء ليعيده في الداخل وهجا خافتا يرتد عن الجدران المصقولة.  تنسال الشلالات رقيقة ضعيفة من شقوق الجبل العالي، كخيوط من الحرير الأبيض فوق الجسور المقوسة التي تربط بين أطراف المنحنيات، بينما يلف الضباب أقدام القلعة في الأسفل، ما يجعل البنيان يبدو وكأنه يطفو فوق غيمة من رذاذ بارد.  كل غرفة أو قاعة نُحتت بدقة متناهية في صدر الجبل، تطل على الوديان البعيدة والقمم المكسوة بتيجان حمراء من حمم البركان، في مشهد يجمع بين قسوة الحجر وهيبة الارتفاع.  لاح الفجرُ في الأفق، وتسللت خيوطٌ رمادية هزيلة لتبدد الظلام، ومع تمدد الضياء شيئا فشيئا، تقهقرت الرماديةُ خجلا أمام زرقةٍ شاحبة بلون الجليد، بينما استمرت الأشجارُ في ارتجافها المرير، تنحني برقة مع النسائم الباردة. وصل سديم ومعه المقاتل بلانو، ذلك الرجل الذي يمتلك جسدا نحيلا يوحي بالضعف لكنه يضمر قوة فتاكة، واتجها مباشرة إلى أعماق الغابة بحثا عن أي أثر يدل على الخاطف. عاد سديم إلى البقعة ذاتها التي اختطفت منها لينا، وجابت عيناه الأرض بتركيز حاد، حتى وقع نظره على أثر دم لينا الملطخ فوق العشب الأخضر، كان اللون الأحمر القاني يبدو صارخا وسط خضرة المكان الداكنة. جثا سديم على ركبتيه ببطء، وأطلق زفيرا طويلا كأنه يخرج بقايا روحه، مدركا أن غيابها لم يكن  خطف  عابر، بل كان انتزاعا عنيفا يشوبه شعور بالذنب لأنه لم يحمها. بدأ عقله يصور له مشاهد مخيفة لما قد يفعله بها الخاطف المجهول، فاحمرت عيناه من جديد حتى بدتا وكأنهما ستنزفان دما، وارتفعت حرارة جسده لتلفح الهواء البارد من حوله، فهمس لنفسه بتهديد، وكأنه المجهول أمامه: - أقسم، إن لمستها سأقتلك. وسط لجة غضبه العارم، لمح سديم طيفين رماديين يمرقان بين جذوع الأشجار بسرعة خاطفة تجعل ملامحهما مجرد ظلال مبهمة، انتفض واقفا، وخرج صوته هادرا يملأ جنبات الغابة بالتهديد: - اخرجا، هذا أفضل لكما... من أنتما؟ توقف الطيفان بغتة، ثم بدآ بالتقدم نحوه بخطوات بطيئة وحذرة، يخرقان صمت المكان بوقع أقدامهما على الأوراق الجافة، ومع اقترابهما، بدأت التفاصيل تتضح تحت الضوء الباهت المنكسر بين الأغصان؛ كانت الساحرة إيزميرا، وبجانبها مساعدها الذي لا يفارقها كأنه ظلها الملتصق بها. ما إن وقع بصر سديم عليها حتى سرى اضطراب حاد في جسده، كأن تيارا من النار ضرب عروقه، تقدم نحوها بخطوات واسعة والشرر يتطاير من عينيه، غير أن إيزميرا رفعت يدها بحركة هادئة ومتزنة، وكأنها تضع جدارا غير مرئي من الهواء البارد بينهما، وقالت بنبرة واثقة لا تهتز: - أعرف جيدا من أخذ لينا. تسمر سديم في مكانه وكأن الأرض قد قبضت على قدميه، وانطفأت حمرة الغضب في عينيه فجأة، وحل مكانها سواد عميق يعكس حيرة وخوفا دفينا بدأ يتسلل إلى قلبه.  ارتخى توتر كتفيه المشدودين، وسألها بصوت خافت غلفه الارتباك: - من؟... من؟! أمالت الساحرة رأسها جانبا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، وردت بصوت أجش: - لن أقول إلا بشرط. اشتعلت ملامح سديم مجددا، واصطكت أسنانه بحدة وهو يزمجر بنبرة حادة: - لا بد أنك تكذبين... أقسم إن كنت تلعبين بي... قاطعته إيزميرا ببرود تام وهي تشير بسبابتها نحو السماء، حيث كان غراب أسود يحلق في دوائر ضيقة ومقبضة فوق رؤوسهم: - لا، أنا لا أكذب. غرابي شاهد كل شيء، وعيناه لا تخطئان أبدا. امتعظ وجه سديم، وظهرت تجاعيد الضيق والنفور على جبهته؛ فهو يمقت هذه الساحرة منذ أمد بعيد ويرى فيها أصل المشكلة، لكن صورة لينا وهي تواجه مصيرا مجهولا بين يدي الغرباء لاحت أمام ناظريه مرة أخرى، فاستسلم لواقع الحال المرير.د، زفر بضيق يملأ صدره، وسأل بصوت متهدج: - ما هو شرطك؟ نظرت إليه إيزميرا بعينين تلمعان بإصرار يائس، وقالت: - أن تساعدني في إخراج ابنتي من قبضة الملك شهام. اتسعت عينا سديم بذهول صاعق، ثم خرجت منه ضحكة قصيرة مشوبة بالمرارة: - تمزحين، أليس كذلك؟     - لا أمزح. ارتسمت علامات الحيرة والتشتت على وجه سديم، ورفع يده يمسح وجهه كأنه يحاول الاستيقاظ من كابوس، ثم قال بنبرة ملؤها الاستغراب: - تعرفين جيدا أنه من ألد أعداء المملكة والأقوى، وبالأمس فقط تم الصلح بيننا بصعوبة بالغة، ثم ماذا تفعل ابنتك عنده؟ هل خطفها؟ أخفضت إيزميرا بصرها نحو الأرض، وتغيرت نبرة صوتها لتصبح أكثر حدة ووجعا، وقالت: - نعم، أخذها عنوة عقابا لي ولابنه، لأنه لم يوافق قط على زواجنا... لقد قتل ابنه بدم بارد، واختطف ابنتي. جمدتْ الصدمة ملامح سديم، وردد بذهول: - مستحيل... أتقصدين أنك كنت متزوجة من وريث مملكة آسن؟ لم نسمع بهذا قط في أرجاء الممالك. - لأنه كان زواجا سريا، تم بعيدا عن ضجيج الحياة وصراعات الحكم. طأطأت إيزميرا رأسها، وغابت في لحظة صمت ثقيلة، بدأت خلالها ملامح وجهها القاسية تلين وتتكسر تحت وطأة الذكريات الأليمة، استرجعت في مخيلتها أيام زواجها القليلة والجميلة، قبل أن يقتحم الحرس مخبأهم الصغير وينتزعوا زوجها منها ليقتل لاحقا دون أن تودعه الوداع الأخير.  تذكرت كيف هربت بطفلتها وهي تلهث والذعر ينهش قلبها، قبل أن يعثروا عليها وينتزعوا الصغيرة من بين يديها بقسوة. لسنة كاملة، عاشت إيزميرا وهي تعتقد أن ابنتها قد فارقت الحياة، إلى أن وصلها خبر يقيني بأنها ما تزال تتنفس خلف جدران القصر.  لم يكن سحرها وحده كافيا لاختراق حصون الملك شهام، فهم يملكون من السحرة ما يفوق قوتها بمراحل.  نظرت إلى سديم بعينين يملؤهما الأمل الممزوج بالانكسار؛ فهي تدرك الآن أن خطتها لن تكتمل إلا بوجوده، وبمساعدة مساعدها المخلص وبعض الحلفاء الذين جمعتهم في الخفاء، لعلها تستعيد قطعة من روحها المفقودة.

منزل هاوثورن ( الوصول إلى المنزل)

جاري التحميل...

الوصول إلى المنزل

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

سارت العربة الموحلة على طريق البلدة القديمة متجهة نحو التل المُطل على الغابة الشمالية. لم تكن العائلة قد رأت المنزل بعد، سوى في رسومات مهترئة أرسلها الوكيل العقاري، لكن شيئًا ما فيهم، خصوصًا في عيني الأب إدوارد هاوثورن، بدا وكأنه يعرفه.
جلست هلينا بجواره، شاحبة الوجه، تشد على كف ابنها الأصغر فيليب، بينما صامويل يحدق عبر زجاج النافذة بصمت المستكشفين. إنجيل، الطفلة الوسطى، كانت تراقب انعكاس وجهها على النافذة وتتنهد.
ظهر المنزل.
شاحبًا، شامخًا، ذا سقفٍ حاد مائل كقبعة أرستقراطية مائلة على وجه رجل عجوز. بني بالحجر الرملي في عام 1580، يقف على ربوة وحيدة وسط أراضٍ سكنها الضباب منذ قرون. نوافذه طويلة، ضيقة، تشبه عيونًا تراقب بصمتٍ حذر. الباب الأمامي كان مغلقًا، كأن المنزل لم يعتد على الغرباء، أو أنه ينتظرهم منذ زمن بعيد.
ترجّل إدوارد أولًا، نظر إلى السماء الرمادية، ثم إلى الساعة الذهبية المعلقة في جيبه. "وصلنا."
فتحت ميسز هاركنس الباب. لم تبتسم، لم ترحّب بهم، فقط انحنت برأسها قليلًا وقالت بصوت خافت:
"الغرف جاهزة."
دلفوا إلى الداخل، والهواء بدا أقدم من أعمارهم. رائحة العتق، الخشب القديم، والرماد البارد كانت تملأ الصالة الكبرى.
وقف الطاهي ليوناردو عند المدفأة، شاربه الرمادي يرتجف قليلاً وهو يراقب العائلة. من خلف النافذة الزجاجية في المطبخ، ظهر ريتشر، البستاني، ينظف أدواته وهو لا يلتفت.
دخلوا غرفهم، واستقرت العائلة.
ليلتها، لم ينم أحدهم بعمق.
أما فيليب، الطفل الصغير، فقد جلس عند حافة سريره، يحدق في باب الخزانة المغلق، دون أن يرمش.
وبعد دقائق طويلة، التفت إلى أمه وقال بهدوء:
"هل كانت هذه الغرفة دائمًا هكذا؟"
نظرت إليه هلينا باستغراب:
"ماذا تعني؟"
صمت.
ثم هز كتفيه، وانزلق تحت الأغطية دون أن يضيف شيئًا.
               

رواية حديقة النجوم

رواية حديقة النجوم
1.9

رواية حديقة النجوم

مشاهدة

قصة الرواية

كانت الأرض قد تحولت إلى كرة زجاجية عملاقة محاطة بطبقة من الغلاف الاصطناعي الشفاف

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - خيال علمي - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية الأسرار المدفونة

الأسرار المدفونة
1.0

الأسرار المدفونة

مشاهدة

قصة الرواية

"كل سر مخفي له ثمن، وكل كشف للحقيقة يترك أثرًا لا يُمحى. بين الصمت والكذب، وبين الصداقة والثقة، تتشابك الأسرار لتدمر ما كان يومًا مقدسًا. بعض الأسرار تظل دفينة في الظل، وبعضها ينهال علينا فجأة، ليكشف وجوهًا لم نعرفها من قبل، ويُعيد تشكيل علاقاتٍ اعتقدنا أنها لا تنكسر. هذه قصة عن الأسرار التي تكمن بين القلوب، عن الصداقات التي تنهار تحت وطأة الحقيقة، وعن اللحظة الحاسمة حين يُكشف كل شيء، وتدفع الأرواح ثمن ما خبأته طويلاً."

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - غموض وتشويق - جريمة وتحقيق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية سيف الظل والنور - الليلة التي غيرت كل شيء

جاري التحميل...

الليلة التي غيرت كل شيء

في مملكة أوريثيا، حيث تلامس قمم الجبال البيضاء عنان السماء، ينهض التنين الأزرق أيزوروس من سباته الألفي. لا ليحرق القرى كما يفعل تنانين الأساطير، بل بحثًا عن فارس وحيد... ثيدوريك، الذي لم يُهزم في قتال قط، يجد نفسه أمام عدو لا يستطيع هزيمته بالسيف. التنين لا يطلب معركة، بل يطلب ما هو أثمن من النصر: لم شمل قلب العالم المكسور. رحلة تمتد من أروقة القصور إلى أغوار الكهوف المسحورة، حيث يكتشف الفارس العظيم أن أقوى سيوف التاريخ هي تلك التي لا تُسَلّ، وأن أعظم الانتصارات لا تُكتب بالدم. "قلوب البشر تتغير...لكن قلوب التنانين لا تفعل."

تحميل الفصول...
المؤلف

الأبطال الحقيقيون لا يولدون في ضوء الشمس، بل يُصنعون في ظلام الليالي التي لا يراها أحد."

____________
_____ 

إهداء إلي كل من ينتظر، وللنبتة الصغيرة التي تكبر...

_______________________
______

كانت الرياح في تلك الليلة تحمل رائحة غريبة، رائحة لم يشمها ثيدوريك من قبل في سنواته السبعة والثلاثين: خليط من الثلج والحديد المحمى، وشيء آخر يشبه برد الصقيع في منتصف أغسطس.

وقف على شرفة برجه العالي، يتأمل الغابات الممتدة تحت ضوء القمر، كان درعه الفضي معلقًا على حامل خشبي خلفه، وسيفه مانديكور موضوعًا على طاولة من خشب البلوط، يلمع كأنه يشرب نور القمر.

الفرسان الآخرون ينامون، الخدم يغطون في أسرّتهم، حتى الكلاب السلوقية الثلاثة التي ترافقه في الصيد كانت نائمة بجوار المدفأة.

لكن ثيدوريك لم يستطع النوم.

كان جسده متعبًا، تدريب الفرسان الشباب من الفجر حتى المغرب، ثم جلسة مجلس الملك حتى منتصف الليل، ثم مراجعة حسابات الإقطاعية التي ورثها عن والده.

كان متعباً كرجل حمل جبلاً على كتفيه.

لكن شيئًا ما في الهواء جعله يقظًا، كأن الغابة بأكملها كانت تحبس أنفاسها.

"بورياس،" 
همس باسم فرسه، وكأن الحصان الأسود العملاق في إسطبلات الطابق الأرضي يمكنه سماعه.

"هل تشعر بها أيضاً؟"

كان بورياس يضرب الأرض بحافره، مرة، مرتين، ثلاثًا، إيقاع غريب يشبه قرع طبول الحرب.

ثم رأى ثيدوريك النور.

لم يكن نورًا عاديًا، لم يكن برقًا، ولم يكن نارًا، ولم يكن ضوء فجر كاذب.

كان نورًا أزرق، أزرق كقلب لهب الغاز حين يحترق بلا دخان، أزرق كلون البحيرة المتجمدة في قمم الجبال البيضاء.

تصاعد من عمق غابة القرميز، خيطًا رفيعًا أولًا، ثم عمودًا يلامس السحب.

وفي تلك اللحظة بالذات، شعر ثيدوريك بشيء غريب في صدره.

ألم، ليس ألمًا جسديًا، بل ألمًا روحيًا، كأن يدًا باردة لمسَت قلبه من الداخل، كأن شيئًا كان نائمًا فيه لألف عام استيقظ فجأة.

سمع خطوات خلفه.

"أنت أيضًا رأيته."

كانت الملكة إلينور واقفة في مدخل الشرفة، ترتدي ثوب نومها الأبيض، وشعرها الذهبي منسدلاً على كتفيها.

كانت الملكة أصغر من ثيدوريك بعشر سنوات، لكن عينيها كانتا تحملان حكمة امرأة عاشت ألف عام.

قالوا عنها إنها من نسل حارسات التنين القديمات، وإن دماء الكهانة تجري في عروقها.

"ما هذا النور يا مولاتي؟"

اقتربت الملكة من الشرفة، ونظرت إلى عمود الضوء الأزرق البعيد.

"التنين الأزرق،" همست.

"أيزوروس، حارس الجبل الأبيض، حارس القلب."

"قلب العالم؟"

"كنت صغيرة حين روت لي جدتي القصة، قالت إن التنين الأزرق لم يشارك في حرب البشر والتنين، قالت إنه نام في أعمق كهوف الجبل، واحتضن شظية القلب التي في صدره، وانتظر."

سألها:
"بماذا كان ينتظر؟"

ضحكت وقالت: "ينتظر من يستحق."

صمت ثيدوريك طويلًا، كان عمود الضوء الأزرق يتوسع ببطء، ينشر خيوطًا دقيقة في السماء كعروق شجرة عملاقة.

"لماذا الآن؟" سأل أخيرًا.

نظرت الملكة إليه، كانت نظرتها غريبة، كأنها ترى فيه شيئًا لا يراه هو نفسه.

"ربما لأن الزمن نفد...

ربما لأن الظلام الذي كنا ننتظره أصبح أقرب مما نظن، أو ربما..."

توقفت.

"أو ربما ماذا؟"

"ربما وجد أخيرًا من كان يبحث عنه."

في تلك اللحظة، سمعا وقع أقدام مسرعة في الممر، دخل القائد رودريك، درعه نصف مرتدي وسيفه في يده.

"سيدي ثيدوريك! جلالة الملكة!" 
كان يلهث. 

"الحراس على السور الشرقي رأوا شيئًا... شيئًا لا أستطيع وصفه."

"التنين،" 
قال ثيدوريك بهدوء. 
"لقد رأيناه."

هز رودريك رأسه، كان وجهه شاحبًا كالثلج.

"ليس التنين يا سيدي، ما رأوه هو... الناس، كل الناس في الغابة، يخرجون من منازلهم وحقولهم، الرجال والنساء والأطفال، وكلهم يسيرون باتجاه عمود الضوء."

شعر ثيدوريك بقشعريرة تسري في عموده الفقري.

"يسيرون؟ كالموتى الأحياء؟"

"لا يا سيدي، يسيرون كالحالمين، كأن أحدًا يناديهم، وكأنهم لا يستطيعون المقاومة."

نظر ثيدوريك إلى الملكة، كانت ترتجف، رغم أن الليل لم يكن باردًا.

"قلتِ إن قلوب البشر تحمل شظية من قلب العالم،" قال.
"قلتِ إن التنانين تحمل النصف الآخر."

أومأت الملكة بصمت.

"إذاً،" 
قال ثيدوريك، ويداه تتجهان لا إرادياً نحو درعه الفضي
"هو لا ينادي البشر، هو ينادي الشظايا التي في صدورهم."

ارتدى درعه في صمت، كان وزنه هذه الليلة أخف من المعتاد، أو ربما كانت ذراعاه أقوى، شد سيفه إلى وسطه، ونظر للحظة في المرآة البرونزية المعلقة على الجدار.

رأى رجلاً لا يشبهه.

لم يكن وجهًا مختلفًا، كان الأنف نفسه، العينان الرماديتان نفسهما، الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر التي تركها سيف مدرب السيف حين كان في الثانية عشرة، ونفس الوجه الحاد.

لكن شيئًا ما تغير، كان هناك ضوء خافت في عينيه، أزرق، شديد الخفوت، يكاد لا يُرى.

نظر إلى الملكة، هل رأته أيضًا؟

لكن الملكة لم تكن تنظر إلى وجهه، كانت تنظر إلى صدره، حيث يرتكز الدرع الفضي، تمامًا في المكان الذي يخفي القلب تحته.

"اذهب،" همست.
"اذهب وانظر ماذا يريد منك."

"مولاتي، إذا تركت القلعة الآن، والملك نائم، والمجلس لا يعلم..."

"سأخبرهم."

"إذا كان التنين يخطط لهجوم..."

"ليس هذا ما يخطط له."

"كيف تعرفين؟"

ابتسمت الملكة ابتسامة حزينة، للحظة، بدت أكبر من عمرها بكثير، بدت كامرأة رأت ألف شتاء وسترى ألفًا آخر.

"لأن التنين الأزرق،"
قالت، 
"لا يطلب المعركة، يطلب من يكمل ما بدأناه قبل ألف عام."

________________
_____

نزل ثيدوريك إلى الإسطبلات، كان بورياس ينتظره، لا ينام، عيناه تتقدان في الظلام، سرج الحصان كان معلقًا على الحائط، جاهزًا كأن أحدًا أعده مسبقًا.

أم خادم الإسطبلات هو من نسي تعليقه في مكانه الصحيح؟

لم يسأل ثيدوريك نفسه هذا السؤال، كان يعرف الجواب.

وعند البوابة الشمالية، وقف الحارس مرتعبًا.

"سيدي، لا يمكنك الخروج وحدك! إذا كان هناك تنين..."

"لهذا يجب أن أخرج وحدي،" 
قال ثيدوريك. 
"إذا كان هناك تنين حقًا، فعدد الفرسان لن يغير شيئًا. سيف واحد يكفي، أو لا يكفي."

دفع البوابة الثقيلة بيد واحدة، وانطلق بورياس في الليل كسهم أطلق من قوس.

خلفه، كانت القلعة تستيقظ، وأمامه، كانت الغابة تنادي.

____________
____

لم تكن غابة القرميز في الليل كما في النهار.

في النهار، كانت أشجار القرميز العالية تظلل ممرات جميلة، والطيور الملونة تغرد على أغصانها، والينابيع الصافية تتفجر من تحت جذورها.

كان الفرسان يتدربون في أطرافها، والصيادون يصطادون غزلانها، والأطفال يلعبون في مساحاتها الخضراء.

في الليل، كانت الغابة شيئًا آخر.

كانت جذوع الأشجار تبدو كأعمدة معبد مهجور، وظلال الأغصان تتشابك فوق الرأس كشبكة عنكبوت عملاقة.

لم تكن الطيور تغرد، بل كان هناك صمت كثيف يضغط على الأذنين، حتى حوافر بورياس كانت تكتم صوتها، كأن الأرض نفسها تطلب الصمت.

ورائحة الثلج والحديد المحمى كانت أقوى الآن.

الناس...

كانوا يسيرون كما وصف رودريك، عشرات، مئات، ربما آلاف. فلاحون من القرى المجاورة، تجار من المدينة، صيادون من أكواخ الغابة، حتى راهبات من دير القديسة مارتيلا.

كانوا يسيرون ببطء، خطوة خطوة، عيونهم مفتوحة لكنها لا ترى، أقدامهم تعرف الطريق.

توقف ثيدوريك قرب عجوز تحمل طفلًا بين ذراعيها.

"جدتي،" ناداها. 
"أين تذهبين؟"

لم تره، نظرت من خلاله، إلى العمود الأزرق في الأفق.

"يسمونه،" همست. 
"قلبنا يسمعه، ألف عام انتظر، الآن ينادي، يجب أن نذهب."

"من ينادي؟"

نظرت العجوز إليه، للحظة، بدا وكأنها تراه فعلًا.

"الجزء الآخر منا،" قالت. 
"الجزء الذي فقدناه، يريدنا أن نعود كاملين."

ثم تابعت السير.

شعر ثيدوريك بشيء يتحرك في صدره، ذلك الألم الخافت عاد، أقوى قليلًا، وضع يده على درعه، فوق قلبه مباشرة.

"ماذا تريد مني؟" همس في الظلام. 
"إن كنت تناديهم جميعًا، فلماذا أرسلت النبية إلى القلعة لتقول إنك تبحث عني وحدي؟"

لم يأته جواب، لكن بورياس تحرك من تلقاء نفسه، متبعًا التيار البشري البطيء.

عمقًا فعمقًا، توغلا في غابة القرميز، الأشجار أصبحت أطول، الظلام أصبح أكثف، والهواء أصبح أبرد.

كان الجو كأنه تتغير درجة حرارته درجة درجة، من دفء الصيف إلى برد الخريف، ثم برد الشتاء.

وفجأة، توقفت أفواج البشر عن السير.

وقفوا جميعًا في دائرة واسعة حول فسحة كبيرة من الأرض العارية، في وسط الفسحة، لم يكن هناك تنين، كان هناك حجر.

حجر أسود، أملس كالمرآة، يصل ارتفاعه إلى صدر رجل. وفوقه، كان عمود الضوء الأزرق يتصاعد إلى السماء، هادئًا، منتظمًا، كأنه كان هناك منذ ألف سنة وسيبقى ألف سنة أخرى.

نزل ثيدوريك من صهوة جواده، وخطا خطوة نحو الحجر.

حين وضع يده عليه، سمع صوتًا.

لم يكن الصوت من الخارج، بل من الداخل، لم يسمعه بأذنيه، بل بقلبه، كان عميقًا، هادئًا، قديمًا قدم الجبال.

"أخيرًا أتيت."

"من أنت؟"

"أنا أيزوروس، أنا الحارس، أنا النصف الذي يبحث عن النصف الآخر، أنا الذي انتظر ألف عام."

"ماذا تريد مني؟"

صمت طويل، ثم:

"لست أنا من يريد شيئًا منك. أنت من سيطلب مني، اسأل قلبك يا ثيدوريك، ماذا تتمنى؟"

أغلق الفارس عينيه، للحظة، كان صامتًا تمامًا، والبشر الواقفون في دائرة من حوله يتنفسون نفسًا واحدًا في الظلام.

ثم همس:

"أتمنى... أن أفهم، لماذا أنا بالذات؟ لماذا الآن؟ ولماذا، رغم كل معاركي وانتصاراتي، أشعر أنني لم أنجز شيئًا حقيقيًا بعد؟"

"سؤال جيد،" قال الصوت. 
"تعال إذاً، تعال إلى كهفي، تعال لترى ما لا يراه إلا من يستحق."

رفع ثيدوريك يده عن الحجر الأسود، كان يعلم أن هذه الليلة لن تنتهي كما بدأت.

كان يعلم أن شيئًا قد تغير إلى الأبد.

_____________
_____

عاد إلى القلعة مع بزوغ الفجر، كانت الملكة تنتظره في الشرفة نفسها، وكأنها لم تبرح مكانها منذ غادر.

"رأيته؟" سألت.

"رأيت حجره، سمعت صوته."

"ماذا قال؟"

نظر ثيدوريك إلى الأفق، حيث كان نور الشمس الذهبي يزحف ببطء ليغطي الأزرق الذي ملأ السماء ليلة أمس.

"قال إنه ينتظرني، قال إن علي أن أذهب إليه."

صمتت الملكة، ثم قالت:

"إذاً ستذهب."

لم يكن سؤالاً، كان تأكيدًا.

"سأذهب،" قال ثيدوريك. 
"لكن ليس اليوم، ليس غدًا؟ علي أن أستعد، علي أن أفهم ما الذي سأواجهه."

"التنين."

هز رأسه.

"لا، لست متأكدًا من أن التنين هو العدو، ما سأواجهه هو... شيء آخر، شيء في داخلي، في داخلنا جميعاً."

وضعت الملكة يدها على ذراعه، كانت باردة، كبرد ذلك الحجر الأسود.

"عد إلينا،" همست. 
"مهما وجدت هناك، مهما اكتشفت، عد إلينا."

نظر إليها ثيدوريك، كانت المرة الأولى التي يرى فيها الملكة تخاف، لم تكن تخاف من التنين، لم تكن تخاف من الحرب، كانت تخاف من أن يذهب وألا يعود.

"سأعود،" قال. 
"لم أخلف وعدًا في حياتي."

ابتسمت الملكة ابتسامة خفيفة.

"أعرف، وهذا ما يخيفني."

_________________
______

أسرار حقيقية وتحديات صعبة، 

هل الشعاع الأزرق سيكون بداية حرب باردة؟
أم سلام مريح؟

ثيدوريك ليس أمام أي معركة كسابقاتها....وإنما هذه المرة غير سابقاتها تمامًا

أجراس النهاية قد بدأت الآن...

أخبروني ما أكثر ما أعجبكم بالفصل وماذا تتوقعون أن يحدث تاليًا
               

سيف الظل والنور | SWORD of SHADOW and LIGHT

سيف الظل والنور | SWORD of SHADOW and  LIGHT
7.0

سيف الظل والنور | SWORD of SHADOW and LIGHT

مشاهدة

قصة الرواية

في مملكة أوريثيا، حيث تلامس قمم الجبال البيضاء عنان السماء، ينهض التنين الأزرق أيزوروس من سباته الألفي. لا ليحرق القرى كما يفعل تنانين الأساطير، بل بحثًا عن فارس وحيد... ثيدوريك، الذي لم يُهزم في قتال قط، يجد نفسه أمام عدو لا يستطيع هزيمته بالسيف. التنين لا يطلب معركة، بل يطلب ما هو أثمن من النصر: لم شمل قلب العالم المكسور. رحلة تمتد من أروقة القصور إلى أغوار الكهوف المسحورة، حيث يكتشف الفارس العظيم أن أقوى سيوف التاريخ هي تلك التي لا تُسَلّ، وأن أعظم الانتصارات لا تُكتب بالدم. "قلوب البشر تتغير...لكن قلوب التنانين لا تفعل."

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
ثيدوريك
فارس المملكة وبطل الرواية
اسم الشخصية
إيلينور
ملكة مملكة أوريثيا
اسم الشخصية
أيزوروس
التنين الأزرق وحجر مهم بالرواية
اسم الشخصية
ليديا
وصيفة الملكة إيلينور ولها لغز غير محلول

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

الفصل الثالث " أوتار مشدودة " | رواية خارج حدود الفترة

جاري التحميل...

الفصل الثالث " أوتار مشدودة "

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

​"لا يُخيفني عدوٌ يجلس في الطرف الآخر من الطاولة، بل ذاك الذي يجلس بجانبي ويملأ لي الكأس وهو يتمنى أن تغصّ به أنفاسي؛ فالخراب الحقيقي يبدأ من اليد التي تظنها سنداً."

​لفّ السكون أرجاء غرفة مريم وهي تفرغ من صلاتها، متشبثة بتلك اللحظات الربانية التي سبقت اقتحام الضجيج لعالمها. سجدت طويلاً كأنها تستمد من رطوبة الأرض ثباتاً لمواجهة "مغربٍ" لا يشبه غيره، غير مدركة أن الصخب كان يتربص بها فوق منضدتها الصغيرة.
​كان هاتفها يرتجف بإلحاح محموم، يمزق وقار الصمت برنين لا يهدأ. وحين انتهت مريم وسلّمت، التقطت الهاتف لتجد اسم "نور" يسطع على الشاشة للمرة الخامسة؛ تردد نبضها قليلاً، فندوب الأمس لم تزل دامية، وكلمات نور الجارحة لم تتوقف عن الطنين في أروقة ذاكرتها، لكن شيئاً ما في تواتر الاتصال أجبرها على سبر أغوار المكالمة.
​لم يكد صوت مريم يخرج بالتحية، حتى باغتها سيل من النحيب المرير، صوت يقطر ذلاً وانكساراً كأن الروح تخرج مع كل شهقة:
"مريم.. استحلفتُكِ بالذي غرس الصدق في قلبكِ ألا ترفضي. أنا أتفتت.. أنا أحترق بنار لم أحسب لها حساباً! هاجر أوصدت في وجهي أبواب روحها، وأقسمت ألا يجمعنا حديث، وأنا ما عدت أقوى على التلفت في فراغ صمتها المميت."
​حاولت مريم أن تستجمع ثباتها وقالت بنبرة هادئة مشوبة بالحزم:
"يا نور، ثقوب الأمس أعمق من أن تُردم بمكالمة، واليوم يحمل من الثقل ما تنوء به جبال صبري..."
​قاطعتها نور بصراخ متهدج يمتزج فيه اليأس بالتوسل:
"أرجوكِ يا مريم.. اذهبي إليها الآن، ائتي بها إلى منزلي بعد قليل. قيدتني الجدران التي تضيق بي، وما عدت أجرؤ على مواجهة العالم بوجه كسته الخيبات. مريم.. أنا لا أقوى على خسارة عمر وهاجر في كفة يوم واحد! لقد انفرط عمر من يدي، فلا تتركي هاجر تضيع في تيه جفائي.. ائتي بها لأجل أيام مضت، ولا تتركيني أموت غصّة بذنبي وحده."
​أغمضت مريم عينيها، واضعة يدها على جبينها المثقل، تشعر بوطأة هذا الاستجداء المباغت، وتتساءل في سرها: أهو ندم حقيقي يسعى للترميم؟ أم أنه فصل جديد من فصول ذاك "الخراب" الذي ينمو في كف من اعتبرناه يوماً مأمناً وسنداً؟
​حسمت مريم أمرها، ليس ضعفاً أمام استجداء نور، بل رغبة في إغلاق ثغرات الماضي قبل أن تفتح صفحة مستقبلها مع "المغرب". قامت مسرعة، وارتدت ثياب خروجها بهدوء يشوبه التوتر، ثم توجهت نحو الصالة حيث كان إسماعيل جالساً يراجع بعض أوراقه. وقفت أمامه وقالت بصوت حاولت جاهدة أن يبدو طبيعياً:
"أبي.. سأخرج قليلاً لزيارة صديقتي نور، لن أتأخر، سأكون هنا قبل الموعد الذي حددته."
​رفع إسماعيل عينيه عن أوراقه ونظر إليها بنظرة فاحصة، كأن وقاره يقرأ ما وراء كلماتها. هز رأسه بالموافقة وقال بهدوء:
"اذهبي يا ابنتي.. لكن لا تنسي أن قلوبنا الليلة على موعد مع قرار كبير، كوني بخير."
​في تلك اللحظة دخلت مها، وبمجرد سماعها اسم "نور"، قطبت حاجبيها باستنكار لم تستطع إخفاءه، وقالت بنبرة حادة:
"لنور؟ في هذا الوقت يا مريم؟ ألم تكن زياراتكِ لها قد انقطعت منذ زمن؟ وما الداعي لهذا الاستعجال واليوم هو يومكِ المنتظر؟"
​ساد صمت ثقيل. لمحت مريم ارتعاشة خفيفة في عين والدها، وكأن كلمات مها قد زرعت بذور شك أو تساؤل كان يحاول كتمانه. نظر إسماعيل إلى مريم بصمت طويل، ثم أشاح بوجهه عائداً لأوراقه، كاتماً استغرابه خلف قناع الحكمة، لكن مريم شعرت أن موافقته الصامتة باتت مثقلة بالتساؤلات.
​خرجت مريم، والتحقت بها هاجر التي وافقت على مضض بعد إلحاح مريم الشديد بأنها "تحتاج للهواء الطلق وللحديث معها بمفردها". كانت هاجر تظنها مجرد جولة للتنفيس عن ضيق الصدر.
​خرجت مريم من منزلها وهي تحمل في صدرها ثقلاً لا تراه الأعين، والتقت بـ هاجر عند ناصية الطريق. كان السلامُ بينهما قصيراً، مشوباً بحذرِ الصديقة التي تشعر بضيق رفيقتها. لم تُضع مريم وقتاً، فأشارت لإحدى سيارات الأجرة التي كانت تمر بالمكان. انحنت مريم نحو نافذة السائق، وبصوتٍ خافتٍ كوشوشة الريح همست له بالوجهة: "حيّ.. منزل نور". أومأ السائق بتفهم، فالتفتت مريم إلى هاجر قائلة بابتسامةٍ باهتة: "اركبي يا هاجر، نحتاج لمكانٍ هادئ نتحدث فيه بعيداً عن عيون المارة".
​ما إن استقرتا في المقعد الخلفي وانطلقت السيارة، حتى بادرت هاجر بكسر حاجز الصمت كأن سؤالاً كان ينهش قلبها منذ ليلة الأمس:
"مريم.. منذ أن رأيتكِ حزينة بالأمس وأنا أتساءل، تلك الرسالة التي قلبت حالكِ، ماذا كان يحوي سواد حبرها؟ وما الذي حدث؟"
​وجدت مريم في هذا السؤال "طوق نجاة" لتشغل به انتباه هاجر عن الطريق. تنهدت بعمق وبدأت تقصُّ عليها الحكاية من مبتداها؛ حكت لها عن كلمات عبد الرحمن التي كانت كبلسمٍ وُضع فوق جرحٍ قديم، وعن اعترافه الذي جاء في وقته، ثم انتقلت لوصف حال البيت..
​مريم (بصوتٍ منخفض يمتزج فيه الأمل بالخوف):
"أتصدقين يا هاجر؟ أبي وافق.. لقد رأى في عبد الرحمن رجلاً يليق بأن يُؤتمن على ابنته، حتى إخوته سيخبرهم اليوم. أما أمي.. فأنتِ تعرفين قلقها المزمن، هي تراه غريباً، لكن أبي حسم الأمر؛ واليوم عند المغرب، سأسمع صوته لأول مرة في مكالمة رسمية يباركها الجميع."
​استرسلت مريم في وصف تفاصيل "رأي أهلها" وتقلبات مشاعرهم، كانت تراقب بطرف عينها ملامح هاجر التي اندمجت تماماً في القصة، ناسيةً مراقبة الشوارع التي تمر من خلف النافذة. كانت هاجر تسأل وتستفسر، ومريم تجيب بإسهاب، حتى بدأت السيارة تتباطأ أمام ذاك الزقاق المألوف.
​توقفت السيارة تماماً. نظرت هاجر من النافذة وفجأة ساد صمتٌ حاد كشفرة سكين. تلاشت حماسة الحديث عن عبد الرحمن، وحلت مكانها صدمةٌ جمدت ملامح هاجر وهي تدرك أنها تقف أمام بيت نور.
هاجر (بنبرةٍ اهتزت من فرط المفاجأة):
"مريم! لماذا نحن هنا؟ هل كنتِ تقصين عليَّ حلمكِ لتقوديني إلى كابوسي؟"
​لقد نجحت خطة مريم في إيصالها للباب، لكن المواجهة الآن أصبحت حتمية. تصلَّبت هاجر في مقعدها، ويدُها تقبض على مقبض الباب كأنها تحاول منع الواقع من الاقتحام. التفتت إليها مريم ووجهُها يحمل مزيجاً من الذنب والإصرار، وهمست بنبرةٍ مُلِحَّة:
"هاجر، أرجوكِ.. دقيقة واحدة فقط. لا يمكنني أن أقف مكتوفة الأيدي وأنا أرى خيوط حياتنا تنفرط هكذا. انزلي معي، لنخسر معركة المواجهة خيراً من أن نعيش في هزيمة الهروب."
​كانت هاجر تهز رأسها برفضٍ قاطع، والدموع تحتقن في عينيها:
"لا يا مريم، لقد خدعتِني.. كنتِ تدركين أنني لن آتيَ بمحض إرادتي!"
​نزلت مريم من السيارة، ووقفت عند الباب المفتوح تستجدي صديقتها بنظراتها، لكن هاجر ظلت متسمِّرة، تكاد تأمر السائق بالتحرك، لولا أن اليأس بدأ يتسرب إلى قلب مريم. وفجأة، وقبل أن تنطق مريم بكلمة الوداع الأخيرة أو تستسلم لرحيل هاجر، انشقَّ صمت الزقاق بصوت مفصلات الباب الحديدي وهي تُفتح على مصراعيها. لم تكن "نور" هي من ظهرت، بل كانت "منى"، والدة نور.
​وقفت منى على العتبة بوجهٍ تظهر عليه آثار التعب والقلق، وما إن وقع بصرها على الفتاتين حتى انفرجت أساريرها بابتسامةٍ باهتة لكنها دافئة، وقالت بصوتٍ متهدج:
"مريم؟ هاجر؟.. يا لبركة هذا اليوم! كنتُ أشعر أن قلبي سيقف من حزن نور في الداخل، وكأن الله أرسلكما الآن لتُعيدا الروح إلى هذا البيت."
​تسمَّرت هاجر مكانها؛ فوجود "منى" بوقارها ومحبتها القديمة لهما جعل من التراجع فعلاً يتجاوز حدود الأدب. لقد قُطع طريق العودة تماماً، فكيف تهرب من يدٍ طالما أطعمتها، ومن امرأةٍ تعتبرها ابنةً ثانية؟ نظرت مريم إلى هاجر نظرةً اعتذاريةً صامتة كأنها تقول: "لقد فُتح الباب، ولا مجال للالتفات إلى الخلف الآن."
​ترجَّلت هاجر من السيارة بخطواتٍ مثقلةٍ بالرصاص، وعيناها معلَّقتان بالأرض، بينما كانت منى تفتح ذراعيها لاستقبالهما، غير مدركةٍ أن خلف هذا اللقاء صراعاتٍ قد تحرق ما تبقى من وُدّ. ما إن وطئت أقدامهما صالةَ المنزل، حتى باغتتهما نور ووالدتها بهجومٍ عاطفيٍّ موحَّد؛ أمسكت منى يدَ مريم بلهفةٍ مصطنعة، بينما ارتمت نور في ذات اللحظة على كتف مريم، وانطلق صوتاهما في آنٍ واحد باعتذارٍ منسَّقٍ ومريب كأنَّ لسانيهما يتحرَّكان بخيطٍ واحد:
"سامحينا يا مريم.. سامحي ابنتي، لقد كانت غيمةٌ سوداء غطَّت بصيرتنا، ونحن ندرك أن فضلكِ وصبركِ كانا أكبرَ من طيشها.. اعذرينا يا ابنتي."
​كان هذا الاعتذار الجماعي المتزامن كفيلاً بأن يمتصَّ شطرَ غضب هاجر؛ فالحياءُ من انكسار الكبار يُخرس الألسنةَ الحادَّة. سكنت ملامح هاجر قليلاً، بينما انفصلت نور عن مريم وتقدَّمت نحو هاجر بخطواتٍ متعثِّرة وصوتٍ يقطر ذلاً:
"هاجر.. أنا لا أعتذر فقط عن الكلمات، بل عن تلك الغيرة الحمقاء التي أعمتني. لقد كسر عمر قلبي يا هاجر وتركني حطاماً، فظننتُ واهمةً أن إشعال النار فيمن حولي سيُدفئ بردَ روحي. أنا آسفة.. أقسم لكِ أنني آسفة."
​تحوَّل الحوار إلى دفَقاتٍ من الشجن، وانسحبت منى بهدوء لتتركهنَّ في عزلتهن، لكنها لم تبتعد؛ بل وقفت خلف الباب، تدفن أذنها في خشبه بملامحَ تخلو من الطيبة، تتنصَّت بخبثٍ مريب لكل همسةٍ ونأمة، وكأنها تُحصي ثغراتهنَّ لاستخدامها في فصلٍ قادم. استغلَّت هاجر رحيلَ الأم فالتفتت إلى نور، ونبرتها ما زالت تحمل آثارَ العتب اللاذع:
"الوجع لا يمنحنا الحقَّ في ذبح الآخرين يا نور.. عمر اختار رحيله، لكنكِ أنتِ من اخترتِ خسارتنا."
​بينما كانت نبرات التوبيخ والمصالحة تختلط في هواء الغرفة، زاغت عينا مريم نحو الأرض حيث لمحت قصاصةَ ورقٍ مهملةً بجانب منضدةٍ منزوية. كانت صورةً فوتوغرافيةً التهمت النارُ أطرافَها، وتفحَّم وجهُ الرجل الظاهر فيها تماماً. انحنت مريم ببطء والتقطت الصورة بأطراف أصابعها وهي تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم يكن الوجه ظاهراً، لكن تلك الوقفة.. ذلك الجسد الممشوق برزانةٍ معيَّنة، وتلك الثياب.. كلُّ شيءٍ في هيئة هذا الرجل المحترق كان يصرخ في ذاكرتها بالألفة.
​مريم (تحدِّث نفسها بذهولٍ صامت):
"أنا أعرف هذا الرجل.. هذه الوقفة لا تخطئها عيني. لكن من يكون؟ ولماذا صورتُه محترقةٌ هنا، وتحت قدمي نور؟"
​لم تكن مريم وحدها من استرقت النظر إلى تلك القصاصة البائسة؛ فقد لمحت هاجر الصورة وهي ترتعش في كفِّ مريم، فقطَّبت حاجبيها وسألت بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالشك:
"مريم.. ماذا تحملين؟ ما هذه الصورة؟"
​قلبت مريم الصورة ناحيتهما ببطء كأنها تفتح باباً لسرٍّ لم يحن أوانه. في تلك اللحظة، فرَّت نظرةٌ مريبة من عيني نور؛ نظرةٌ خاطفةٌ مرتجفةٌ ومحمَّلةٌ بذعرٍ حاولت وأده سريعاً قبل أن تستجمع شتات صوتها وتقول بنبرةٍ خافتة:
"كانت هذه لعمر.. أحرقتها لأحرق معها كل ما يربطني به."
​وقعت الكلمة على مسامع مريم كطنينٍ مسموم: "عمر؟". مريم التي لم تلتقِ به يوماً ولم تعرفه إلا صدىً باهتاً في حكايات نور، وجدت نفسها أمام تناقضٍ ينهش ثباتها. ارتجفت يدها وهي تحدِّق في الجسد الممشوق والوقفة الرزينة المحترقة، وسألت نفسها في جنونٍ صامت: "إذا كان هذا عمر حقاً كما تزعم نور.. فلماذا أشعر تجاهه بكل هذه الألفة؟"
​الألفة لا تُخلَق من العدم، والتعرُّف الروحي لا يضلُّ طريقه؛ فكيف لغريبٍ لم تلمحه عيناها قط، ولم تسمع عنه سوى قصص الخذلان، أن يبعث في روحها هذا الفيض من السكينة والتعوُّد؟ شعرت مريم بالغرابة تنهش روحها؛ فالألفة لا تُصطنع إنما تبقى كوشمٍ في الذاكرة، وهذه الوقفة المحفورة في الورق المحترق كانت تهمس لروحها بلغةٍ تعرفها جيداً، لغةٍ لا تنتمي لأحاديث نور عن عمر المزعوم.
​أشعل هذا التناقض ظنوناً محمومةً في نفس مريم، وشعرت بأن الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً بوجود منى خلف الباب وصدى كذبة نور أمامها. غامت الرؤية في عينيها واهتزت ملامحها وهي توشك على الانفجار بكاءً؛ ليس وجعاً، بل رعباً من هذا التعرُّف الغامض الذي يربطها بجسدٍ محترقٍ في بيتِ صديقتها. لكن صديقاتها، وبدافعٍ من القلق، سارعْن إلى إشغالها بالحديث. بدأت نور تفيض في سرد تفاصيل رحيل عمر، وراحت هاجر تواسيها بكلماتٍ مبعثرة في محاولةٍ منهما لردم الهوة التي فتحتها تلك القصاصة، بينما ظلت مريم حاضرةً بجسدها، وعقلُها يسأل في ذعر:
"كيف للألفة أن تخونني؟ ومن يكون هذا الذي يرتجف قلبي لوقفته وهو غريبٌ عني؟"
​وسط ضجيج الكلمات المبعثرة التي حاولت بها نور وهاجر ردمَ هوَّة الصمت، وبحركةٍ خاطفةٍ بلغت ذروةَ الحذر، انسلَّت أصابعُ مريم لتطوي تلك القصاصةَ المحترقة وتواريها في عتمة حقيبتها؛ وكأنها لا تُخَبِّئ ورقةً، بل تدفن سرّاً قد يُغيِّر وجهَ الحقيقة إلى الأبد. لم تمضِ دقائقُ على ذاك الوجوم، حتى انشقَّ سكونُ الصالة بصوتٍ جهوريٍّ يفيض ابتهاجاً مباغتاً؛ إنه عمُّ أحمد، والدُ نور، الذي دخل المنزل مهلِّلاً يرنُّ صوته في الأرجاء كوقع البشارة وهو ينادي زوجته:
"يا منى! أين نور؟ أين أنتِ يا ابنتي؟"
​تسمرت الأجساد داخل الغرفة، وانعقدت الألسنة في انتظار المجهول. وقبل أن تستجمع نور شتاتَ أنفاسها، اندفع الأب نحو الغرفة بزهوٍ غريب واقتحم الباب بابتسامةٍ عريضة غطّت تقاسيم وجهه وهو يهتف بنبرةٍ هزت أركان المكان:
"يا نور عيني.. استعدي، فسأزفكِ عروساً لـ..."
​لكنه فجأة وبشكلٍ مباغت صمت، وكأن الكلمة قد غصّ بها حلقه حين وقع بصرُه على مريم وهاجر. اعتراه ارتباكٌ مفاجئ، فاعتذر باقتضاب وسحب نفسه بوجلٍ متراجعاً نحو ردهة المنزل، وكأن الكلمات التي حبسها في صدره كانت أثقل من أن تُنطق في حضور الغرباء. غير أن نور لم تترك له مساحةً للفرار؛ إذ ركضت خلفه بلا حسبان متجاهلةً وجود صديقتيها اللتين تراقبان الموقف بذهول، وقد صار الفضول في صدرها ضيقاً يزداد أجيجاً مع كل خطوة. لحقت به عند زاوية الصالة، فقبض الأب على كتفيها وعيناه تلمعان ببريقٍ متهدج، وأكمل بصوتٍ ملأ الفراغ رعباً ودهشة:
"لعمر.. لقد عاد يا نور، عاد ليطلبكِ اليوم."
​كانت مريم تراقب المشهد بذهولٍ شلّ أطرافها، وبينما كانت نور تغرق في لجة ذهولها واندفاعها خلف والدها، تبدلت ملامح منى في لحظةٍ خاطفة؛ فاستحالت تلك الطيبة المصطنعة إلى حنقٍ مكتوم، واشتعل وجهها بامتعاضٍ لم تملك حيالَه ستراً. كانت نظراتها تفيضُ بالضيق لأن أحمد قد ألقى بهذا السر أمام آذانٍ لم يكن يُفترض بها أن تسمع، فنظرت إلى مريم وهاجر بنظراتٍ حادة كأنها تطردهما بوقع أجفانها قبل أن تنطق بكلمة. أما نور، فقد غابت عن الوجود تماماً، ومضت في تجاهلها التام لصديقتيها، وكأنَّ حبال الود التي كانت تفتلها قبل دقائق قد انقطعت عند عتبة اسم عمر.
​هنا، شعرت هاجر بوطأة الموقف، وأدركت أن كرامتهما باتت على المحك تحت نظرات منى التي تقطر تطفلاً مسموماً وشعوراً بالامتعاض جلياً. لم تنتظر هاجر كلمةً أخرى، بل قبضت على يد مريم بقوة وسحبتها نحو الباب في مشيةٍ تفيض أنفةً، لتخرجا من ذاك الجو المشحون قبل أن يبتلعهما شعور التطفل. خرجتا من الدار والكرامةُ تسبق خُطاهما، تاركتين خلفهما منزلاً يضجُّ بعودة الغائبين، بينما كانت مريم تسير كالمغيبة؛ يدٌ تقبض عليها هاجر لتقودها نحو الطريق، ويدٌ أخرى تضغط داخل الحقيبة على الصورة المحترقة، وكأنها تقبض على جمرةٍ من الحيرة لا تنطفئ.
​استنشقت مريم هواءَ الشارع البارد، وكان مغيبُ الشمس يزحف على الأفق بخجل، بينما ينهش الشكُّ يقينها: أيُّ حقيقةٍ تلك التي عادت مع عمر؟ احتراق الورق وعودة الغائبين الذين ظنت أنهم رحلوا للأبد. كان وقعُ خطواتهما على رصيف الطريق الشاحب كوقع طبولٍ تدق في الفراغ. سارت هاجر بخطىً حثيثة ونبرة صوتها تتصاعد بحدةٍ تعكس غليان صدرها، بينما كانت مريم تجرُّ خطاها كجسدٍ بلا روح، تومئ برأسها آلياً لتجاري ثورة صديقتها، بينما كان عقلها يحترق في مكانٍ آخر تماماً.
​قالت هاجر وهي تلوح بيدها في الهواء بذهول:
"أرأيتِ يا مريم؟ هل رأيتِ ملامح منى كيف تبدلت في لحظة؟ كأننا أصبحنا غريباتٍ في الدار التي لم تجف بعد دموعنا فيها مواساةً لهن! والخبر.. أيُّ عودةٍ هذه التي يتحدث عنها عم عاصم ؟ كيف لعمر أن يعود هكذا فجأة وبلا مقدمات كأن شيئاً لم يكن؟"
​لم تُجب مريم، بل اكتفت بهزة رأسٍ باهتة، فاستطردت هاجر بحدةٍ أكبر:
"والأدهى من ذلك، كيف لنور أن تنسى وجودنا في طرفة عين؟ ركضت خلفه وكأننا لم نكن يوماً سنداً لوجعها. أهذا هو عمر الذي ذبلت عيناها من أجله؟ ما هو السر الذي خلفه هذا الرجل وراءه ليعود بمثل هذا الجبروت ويقلب الدار رأساً على عقب؟"
​كانت كلمات هاجر تمرُّ عبر أذني مريم كأنها صدى بعيد، فقد كان السؤال الذي ينهش لُبّها أشد ضراوة: "لماذا وقفتُه؟". كانت تتذكر ملامح الصورة المحترقة في حقيبتها، تلك الوقفة الرزينة التي لم ترَ عمر فيها يوماً، ومع ذلك كانت روحها تهمس لها بأنها تعرفها.. تعرفها بأكثر مما ينبغي.
​قطعت هاجر حبل أفكارها وهي تقول بسخرية مريرة:
"لكن الصدمة الحقيقية ليست في عودته يا مريم.. بل في 'الخبر'. سأزفكِ عروساً لعمر! هكذا قالها أحمد بملء فيه. أيعقل أن يتقدم لها اليوم؟ في ذات اللحظة التي كنا فيها نعزيها على ضياعه؟ كيف تجرأ؟ وما الذي فعله ليجعل والديها ينسيا غدره القديم ويرحبان به هكذا؟"
​جمدت مريم في مكانها للحظة، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري. جارت هاجر في سيرها بصعوبة، وصورة "الوقفة" في الحقيبة بدأت تكتسب وزناً أثقل من الجبال. لم تكن الصدمة من تقدم عمر لنور هي ما يؤرقها، بل صدمتها في نفسها.. في ذلك التعرف الروحي الذي لا تجد له تفسيراً.
قالت مريم بنبرة خافتة كأنها تستحث نفسها على البقاء في الواقع:
"ربما.. ربما كان لديه عذر يا هاجر، لا نعلم."
ردت هاجر باستنكار:
"عذر؟ أيُّ عذرٍ يبيح هذا العبث؟ مريم.. أنتِ لستِ معي! يبدو أن صدمة الخبر قد شلّت تفكيركِ أيضاً. انظري إلى الشمس.. لقد أوشكت على المغيب، وكأن العالم ينتظر شيئاً آخر ليُكمله."
​لم يكن في بالها حينها سوى الهروب من ثرثرة هاجر ومن لغز الصورة، لتستقبل صوتاً آخر قد ينزعها من هذه الدوامة. قطعت هاجر سيل تساؤلاتها حين أبصرت سيارة أجرة تلوح في الأفق، فرفعت يدها بحزم لتوقفها وسحبت يد مريم خلفها وهي تدفعها داخل السيارة كأنها تسابق شبحاً يطاردهما. استقرت هاجر في مقعدها وألقت بعنوان منزل مريم للسائق باقتضاب، ثم التفتت لتستأنف حديثها بنبرة يملؤها الحنق:
"تلك المرأة.. منى لا تُطاق! أرأيتِ كيف كانت تطعننا بنظراتها؟ وكأننا نحن من اقتحمنا خلوتها، لا نحن من جئنا لنضمّد جراح ابنتها."
​مضت هاجر في بثِّ شكواها ممتعضةً من نظرات الأم وغدر الموقف، بينما كانت مريم تركن برأسها إلى زجاج النافذة تراقب أضواء المدينة الباهتة وهي تنزلق في صمت، محاولةً الهروب من ثرثرة صديقتها إلى فوضى حواسها. لكن صمت مريم لم يطل، إذ انقطع تذمّر هاجر فجأة حين اهتز هاتفها برنينٍ مباغت. لمحت هاجر اسم زوجها على الشاشة فتبدلت نبرتها فوراً إلى الجدية. ردت بكلمات قصيرة لتغلق الهاتف بوجه يحمل ريبةً جديدة وقالت:
"إنه زوجي.. يقول إنه ينتظرني في المنزل، وأن هناك أمراً يودُّني فيه على عجل."
​خيم الصمت داخل السيارة هذه المرة ثقيلاً ومحملاً بتوجساتٍ لا تُقال. وما هي إلا دقائق معدودة حتى توقف التاكسي أمام عتبة منزل مريم. ترجلت مريم بملامح متجهمة وودعت صديقتها بكلمات مقتضبة وجافة، فغادرت هاجر في عجلها تاركةً خلفها مريم وحيدة أمام بابها. وقفت مريم في مواجهة سكون منزلها تقبض على حقيبتها التي تسكنها تلك الصورة الغامضة، بينما كان الغسق قد أسدل ستائره تماماً. وفي تلك اللحظة، وسط وجوم ملامحها وتلاطم ظنونها، بدأ هاتفها يعلن عن قدوم "مكالمة المغرب".. المكالمة التي جاءت لتطرق باب قلبها في أكثر اللحظات اضطراباً.
​كان رنين الهاتف في كفها صوتاً عادياً يطالب بحقه في وقتها. رفعت مريم السماعة وهي تضع قدمها على أولى درجات السلم نحو الطابق الثاني، وكان نهج أنفاسها يشي بتعب الرحلة، لتسمع صوتاً رزيناً نطق بكلمة واحدة سبقت كل شيء:
"آنستِ.."
ثم أتبعها بهدوء ولباقة: "السلام عليكم ورحمة الله."
ردت مريم وهي تحاول موازنة حقيبتها وهاتفها وصوتها يخرج خافتاً يقطر جهداً وتشتتاً: "وعليكم السلام ورحمة الله."
​على الجانب الآخر، لم يكن صوته يحمل سحراً أسطورياً، بل كان صوتاً عادياً، رجولياً بوقارٍ هادئ. اعتذر بنبرة شعرت فيها ببعض القلق وهو يكمل:
"أعتذر إن كان اتصالي قد صادف وقتاً غير مناسب، لكن صوتكِ يبدو مجهداً.. مجهداً جداً يا مريم، وكأنكِ غارقة في زحامٍ من الأفكار. هل أنتِ بخير؟"
​بلغت مريم عتبة شقتها، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل دون أن تضيء الأنوار، جلست على طرف المقعد وهي لا تزال تمسك الهاتف بأذنها، بينما انسلّت يدها الأخرى لتخرج تلك "القصاصة المحترقة". بسطت الورقة أمام عينيها وراحت تتأمل تلك الوقفة المألوفة تحت ضوء الشارع المتسلل من النافذة، بينما كان عبد الرحمن يتحدث بكلماتٍ منتقاة محاولاً جس نبض صمتها. أجابت مريم وهي تغيب في تفاصيل الصورة متجاهلة بروتوكولات التعارف الأولى:
"لست بخير.. هناك ضجيج في رأسي لا يهدأ، وأشياء لم أعد أفهمها."
​كان يتحدث بلباقة لا تتجاوز حدود الأدب محاولاً استيعاب تخبطها، بينما كانت هي غائبة عنه تماماً؛ أذن تستقبل صوتاً غريباً تعتبره مجرد فرصة قد تكتمل أو تفشل، وعين ترصد وقفة رجل في ورقة محترقة؛ وقفة تعرفها جيداً وتجهل أين ومتى التقت بها. عبر أثير الهاتف، انسلَّ صوته بلطفٍ حذر وهو يسأل بنبرةٍ لامست مكامن تعبها:
"ما الذي يُرهق روحكِ بهذا القدر يا مريم؟"
سكت قليلاً ثم أردف بصراحةٍ يغلفها التوتر:
"أخشى أنني -وبطريقةٍ ما- كنتُ عبئاً إضافياً على يومكِ، أو أن طرقي لباب حياتكِ هو ما أورثكِ هذا الشتات."
​ساد صمتٌ قصير كانت مريم فيه تلملم شتات نفسها. تنفست بعمق ثم أجابت بوقارٍ هادئ:
"أعتذر.. ليس للأمر علاقةٌ بشخصك، واطمئن.. فأنت لست السبب كلياً فيما أنا عليه الآن."
​التقط عبد الرحمن طرف الخيط بذكاءٍ لم يخلُ من دعابةٍ رصينة وقال:
"كلياً؟ إذن أنا جزءٌ من هذا التشتت بطريقةٍ ما!"
ضحك بخفةٍ لا تخدش وقاره، ثم انطلق يفتح أبواب الحديث بجسارةٍ مهذبة مسترسلاً في تعريف نفسه. كان يتحدث بوضوحٍ ينمُّ عن شخصيةٍ تعشق النور، يسرد ما يحب وما يكره بأسلوبٍ يخلو من التكلف؛ فتحدث عن ميله إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة، ونفوره من الأقنعة، وعن شغفه بالتفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الرجال مواقفهم.
​في تلك اللحظة، أعادت مريم الصورة إلى عتمة حقيبتها بيدٍ حازمة كأنها تُغلق فصلاً من الغموض لتتفرغ لمهمةٍ أكثر واقعية. بدأت تُنصت إليه بتركيزٍ حاد، تُفصِّل صفاته التي كان ينثرها في الهواء؛ تزن كلماته بميزان عقلها، وتمرر قناعاته على مصفاة مبادئها. كانت تبحث في ثنايا حديثه عمّا يتسق مع تطلعاتها وما ينفر منه وجدانها، محوِّلةً المكالمة من مجرد تعارفٍ عابر إلى عملية "تشريح" دقيقة لشخصيةٍ قد تكون الملاذ، أو مجرد محطةٍ أخرى في طريق رحلتها الطويل.
​بدأ عبد الرحمن يسردُ تفاصيل شخصيته بنبرةٍ غلفتها خفةُ ظلٍ باغتت رصانة مريم، قال وهو يضحكُ بتهكمٍ على نفسه:
"انظري يا مريم، لكي أكون صادقاً معكِ، أنا رجلٌ أعاني من ميزةٍ فادحة هي في الحقيقة 'عاهةٌ اجتماعية'؛ أنا صبورٌ بشكلٍ مرعب. صبري هذا قد يجعلكِ تظنين أنني تمثالٌ من الرخام، لا يهتزُّ لي جفنٌ لو قامت القيامة في المطبخ مثلاً! أستطيع انتظار قطارٍ فاته الأوان بعشر سنوات دون أن أشعر بالحنق.. أليس هذا صبراً أيوبياً يُحسد عليه؟"
​ابتسمت مريم لا إرادياً، وأرخت كتفيها المشدودتين ليردف هو بسرعةٍ قبل أن تستعيد صمتها:
"أما عن عيبي الذي سيسحبُ تلك الميزة إلى الهاوية، فهو العناد. أنا لا أعاند الآخرين فحسب، بل أعاند نفسي أحياناً! إذا قررتُ أن الطريق المسدود هو الطريق الصحيح، فربما سأحاول اختراق الجدار برأسي لمجرد أنني قلتُ ذلك. أنا من النوع الذي يضيع في الصحراء، ويرفض استشارة الخريطة لأنني 'أعرفُ قلبي أين يتجه'، وغالباً ما يتجه قلبي نحو أقرب منحدر!"
​لم تتمالك مريم نفسها، فأطلقت ضحكةً خافتة تكسرت بها حدةُ التجهم التي سكنت وجهها طوال المساء. كان وصفه لنفسه بهذه الكوميديا السوداء، وبطريقةٍ لا تُجمِّل القبح بل تسخر منه، قد جعلها ترى فيه إنساناً حقيقياً لا يرتدي أقنعة الخطّاب التقليديين. أجابت مريم بنبرةٍ رقيقة شابتها مسحةٌ من المرح:
"إذن أنت تجمعُ بين صبرِ الحكماء وعنادِ الأطفال.. ألا تخشى أن يسحقَ أحدهما الآخر؟"
​قهقه عبد الرحمن وقال:
"بلى، يسحقان بعضهما يومياً، وأنا أقفُ متفرجاً بانتظار من سيفوز! لكنَّ الأهم يا مريم أنني لا أدّعي الكمال، فالكمالُ مُمل، وأنا رجلٌ يفضلُ أن يكون 'مكسوراً' بطريقةٍ ممتعة على أن يكون 'كاملاً' بطريقةٍ كئيبة."
​في تلك اللحظة شعرت مريم أن ثقل "الصورة المحترقة" في حقيبتها قد خفَّ قليلاً، وكأنَّ حيوية هذا الرجل الواقعي الذي يتحدث معها الآن قد بدأت تسحبُ البساط من تحت أقدام ذاك الغامض القابع في ذكرياتٍ مجهولة. أدركت مريم أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن هذا الرجل قد سحبها من منطقة الوجوم إلى منطقةٍ أكثر رحابة. تنفست بعمق، ولأول مرة منذ ساعات، تخلّت عن دور "القاضي" لترتدي ثوب "المتهم" بذات السخرية اللاذعة التي بدأها هو.
​قالت مريم بنبرةٍ غلّفتها ضحكة مكتومة:
"بما أننا فتحنا دفتر العيوب والميزات بروحٍ رياضية، فإليك اعترافي.. أنا يا عبد الرحمن أعاني من ميزةٍ هي في الواقع 'مرض مزمن'، وهي قوة الملاحظة. أنا لا أرى الأشياء فقط، بل أرى ما وراءها، وما وراءَ الوراء! قد أجلس معك في مطعم وأنشغل بتحليل زاوية ميلان ربطة عنق النادل، ولماذا اختار هذا اللون تحديداً، وهل يكره حماته أم لا.. وبحلول الوقت الذي أعود فيه إليك، تكون قد أتممت طعامك ودفعت الحساب، وأنا لا أزال عالقة في تحليل شخصية النادل!"
​ضحك عبد الرحمن بصدق، فاستطردت مريم وهي تزداد حماساً وخفة:
"أما عيبي الذي يكسر هيبة تلك الميزة، فهو الشرود الهيستيري. أنا من النوع الذي قد يبدأ قصةً مشوقة وفي منتصف الجملة ألمح فراشةً تمر، فأتبعها بعقلي وأنسى تماماً أنني كنت أتحدث معك! قد تجدني صامتةً تماماً فتظن أنني غارقة في التفكير في مستقبل البشرية، بينما أنا في الحقيقة أحاول أن أتذكر اسم الشخصية الثانوية في كرتون شاهدته عام 1998."
​وأضافت وهي تبتسم لا إرادياً، متناسيةً كل ما مرّت به في بيت نور:
"أنا 'صيّادة تفاصيل' تضيع في التفاصيل التي تصطادها! فهل تعتقد أن صبرك الذي تدّعيه سيتحمل امرأةً قد تسألك فجأة -في منتصف نقاشٍ مصيري- عن رأيك في 'ثقب الأوزون' لمجرد أنها لمحت سحابة غريبة؟"
​قهقه عبد الرحمن وقال بنبرةٍ يملؤها الاستمتاع:
"إذن نحن ثنائي مثالي؛ أنا سأنتظركِ بصبري الأيوبي وأنتِ شاردة، وحين تعودين من رحلة البحث عن اسم الكرتون ستجدينني لا أزال أعاند الجدار بانتظار تكملة الجملة!"
​في تلك اللحظة شعرت مريم بخفة لم تعهدها، وكأن هواء الصالة البارد قد بدأ يدفأ. سحبت يدها عن حقيبتها تماماً، وصار العالم الآن ينحصر في هذه المكالمة التي بدأت كفرصةٍ باهتة وتحولت إلى مرآة ساخرة تعكس حقيقتها دون زيف. أغلق عبد الرحمن الهاتف بكلماتٍ تقطر أدباً، تاركاً خلفه فيروزاً من الودّ تلمع في أذني مريم. ظلت شاخصةً ببصرها نحو شاشة الهاتف التي انطفأ نورها، والابتسامة لا تزال عالقةً على ثغرها كوشمٍ من الفرح، متناسيةً تماماً تلك الصورة المحترقة التي كادت أن تسمّم ليلتها.
​وفي خضمّ تلك اللحظة الوردية، انشق صمت العتمة عن صوتٍ مباغت كوقع السهم حين تنحنحت مرام قائلةً بنبرةٍ ساخرة:
"شخصٌ ما هو الذي يغرق هنا يا مريم.. ويبدو أن النجاة ليست من نصيبه!"
​انتفضت مريم وكأن صاعقةً ضربت أركان الصالة؛ فقد كانت تظن أن الصالة خاليةٌ إلا من حيرتها. سرت في أوصالها رعشةُ ذعرٍ امتزجت بخجلٍ قرمزي غطّى تقاسيم وجهها. ركضت نحو مقبس النور وبأصابع مرتجفة ضغطت عليه لتزيح ستائر الظلام وهي تهتف بصوتٍ متهدّج:
"مرام! منذ متى وأنتِ هنا؟"
​لم تكد الكلمات تخرج من فمها حتى انطلقت ضحكة سوسن المجلجلة لترن في المكان مع تدفّق الضوء قائلةً بتهكمٍ مبهج:
"ليست مرام فقط يا عروس.. بل كلنا هنا نشاهد مراسم الغرق!"
​ومع انجلاء العتمة اكتملت فصول الصدمة؛ فقد أبصرت إسماعيل جالساً بوقاره المعتاد وابنتيه اللتين كتمتا ضحكاتهما بصعوبة، وحتى سوسن التي كانت عيناها تلمعان بفضولٍ مرح. تجمّدت الدماء في عروق مريم، وشعرت بأن جدران المنزل تضحك معهم على انكشاف خلوتها الرومانسية أمام الملأ. لم تحتمل مريم نظراتهم التي كانت تقرأ خجلها ككتابٍ مفتوح، فاستدارت في لمح البصر وركضت نحو غرفتها كغزالةٍ تفرّ من سهام المزاح، تاركةً خلفها صالةً تضج بالضحك، وقلباً يخفق بين مطرقة الخجل وسندان تلك الكلمات التي آنست وحدتها قبل قليل.
​بينما كانت مريم تحاول التقاط أنفاسها خلف باب غرفتها المغلق، والرجفة لا تزال تسكن أطرافها من أثر الخجل، اهتز هاتفها مرة أخرى. لم يكن عبد الرحمن هذه المرة بل كان اسم نور يلمع على الشاشة كأنها تلاحقها لتنفث في أذنها بقايا ذلك الزلزال الذي ضرب دارهنّ قبل قليل. أجابت مريم بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعله مستقراً رصيناً. وقبل أن تنطق نور بكلمة، بادرتها بنبرةٍ لاهثة تفيض بالاعتذار:
نور: "مريم… أعتذر بشدة عمّا حدث. أقسم أنني لم أكن أعلم بقدومه، ولم أقصد تجاهلكما. لكن خبر عودة عمر سلبني عقلي. أردتُ فقط أن أوضح لكِ أنني…"
قاطعتها مريم بنبرةٍ حازمة، مغلّفةٍ ببرودٍ مهذّب لم تعهده نور منها:
مريم: "لا عليكِ يا نور، فالأمر لم يعد يحتاج إلى توضيح. لكنني الآن بصدد النوم؛ فغداً ينتظرني يومٌ طويل، يومٌ ممتلئٌ بالترتيبات والوعود… غداً هو يوم الاتفاق الخاص بي."
​ساد صمتٌ مباغت على الطرف الآخر قبل أن يأتي صوت نور مذهولاً مشوباً بلومٍ مرير:
نور: "عبد الرحمن؟! أبهذه البساطة يا مريم؟ كنتُ أعلم بأمره، لكن أن يصل الحد إلى تحديد يوم الاتفاق ورسم المصير دون أن تهمسي لي بكلمة؟ أهكذا تُقضى الأمور بيننا؟ في اللحظة التي كنتُ أحترق فيها انتظاراً لكلمة منكِ تواسيني، كنتِ ترسمين خارطة مستقبلكِ في صمتٍ موحش! لم أتوقع أن أصبح غريبةً عن أسراركِ إلى هذا الحد."
​لم تهتز مريم أمام هذا الهجوم بل أجابت ببرودٍ صقيعي:
مريم: "الأيام تدور يا نور، ولكلٍّ منّا غائبه الذي يعود، أو حاضره الذي يبدأ. نلتقي غداً لنتحدث. طاب مساؤكِ."
أغلقت مريم الهاتف بحزم محاولةً إنهاء ذلك الجدال عند حدّه. لكن الهاتف عاد يهتز في يدها كنبضٍ غاضب. نور تتصل مجدداً. ترددت مريم لثوانٍ ثم أجابت. جاء صوت نور هذه المرة أكثر حدّة وقد سقط عنه قناع الذهول ليحلّ مكانه عتابٌ فجّ:
نور: "حقّاً يا مريم؟ تُغلقين الخط في وجهي؟ منذ متى أصبح الاتفاق أهمّ من صداقتنا؟ أم أن وجود رجلٍ في حياتكِ ألغى ما بيننا دفعةً واحدة؟ يبدو أنني كنتُ أعيش وهماً اسمه الوفاء!"
​ساد صمتٌ قصير. لم ترفع مريم صوتها ولم تتعجّل الرد. وحين تكلمت كان صوتها ثابتاً لا يحمل انفعالاً بل قراراً:
مريم: "الكلّ مشغولٌ بحريقه يا نور. كنتِ غارقةً في عودة غائبكِ، وكنتُ أنا غارقةً في ترتيب حاضري. غداً سيكتمل النصاب، وسأعرف إن كان هذا الطريق هو المبتغى أم لا. الآن، استبيحي لي عذراً… فأنا بحاجةٍ إلى النوم."
​لم تنتظر تعليقاً. أنهت المكالمة بهدوءٍ يشبه إغلاق بابٍ لم يعد يُفتح إلا بشروطٍ جديدة. في تلك اللحظة لم تكن القسوة ما يملأ قلبها، بل اتزانٌ متأخر. لم يكن في الأمر تحدٍّ ولا انتصار، بل حدٌّ فاصل؛ حدٌّ تعلّمت فيه مريم أن بعض القرارات لا تحتاج جمهوراً بل تحتاج وضوحاً مع النفس فقط..
​في الجهة الأخرى من المدينة، كان الصمت يلف شقة عبد الرحمن إلا من أنين مذياع قديم يصدح بصوت خفيض. لم يكن عبد الرحمن من النوع الذي تغلبه الحيرة، لكنه منذ أن أغلق الهاتف مع مريم شعر بأن شيئاً ما قد تغيّر في رتابة أيامه. كان يجلس في شرفته يراقب أضواء الشوارع المنعكسة على زجاج نظارته، وابتسامة هادئة -لا تشبه سخرية مكالمته- ترتسم على وجهه. تذكر نبرة صوت مريم حين حذرته من "الغرق"، وأعاد صدى ضحكتها في مخيلته مراراً؛ كانت ضحكة تحمل خلفها حزناً دفيناً لاحظه بـ"صبره" الذي ادعاه، وكأنها تخرج من تحت ركام التعب.
​قام عبد الرحمن من مقعده واتجه نحو "طقمٍ" رسمي معلق بعناية، وبدأ يتفقده بتركيزه المعتاد على التفاصيل. لم يكن قلقاً من المقابلة بقدر ما كان متحمساً لاختراق الغموض الذي يحيط بمريم. تمتم لنفسه وهو يمرر يده على ثنايا القماش:
"إذن هي 'صيادة تفاصيل' وتضيع فيها.. حسناً يا مريم، سنرى غداً من منا سيصطاد الآخر، ومن منا سيعثر على طريقه وسط الزحام."
​لم يكن عبد الرحمن يرى في هذه الخطوة مجرد "فرصة" أو اتفاق تقليدي، بل كان يراها معركة فكرية وروحية اختارها بمحض إرادته. كان يعلم أن وراء تلك العيون التي تلمح ما وراء السحب امرأة تحتاج لمن يفهم صمتها قبل كلامها. أخرج مسبحته وجلس يسبّح بهدوء وهو يرسم في خياله سيناريوهات لقاء الغد. لم يطلب من الله النجاة من "الغرق" الذي حذرته منه، بل كان يطلب القوة ليجعل ذلك الغرق رحلة ممتعة لكليهما. وبينما كان يستعد للنوم، كانت كلمته الأخيرة لنفسه قبل أن يغمض عينيه:
"غداً.. سأعرف إن كان عنادي كافياً لترميم شتات تلك الروح."
​وقف عبد الرحمن أمام المرآة يُعدّل من وضعية "الطقم" الرسمي الكحلي، ثم التقط هاتفه وصوّره بعناية فائقة لم يعهدها في نفسه من قبل. وبينما كان يهم بوضع الهاتف على الطاولة الجانبية، التفت ليجد والدته "سلوى" تقف عند إطار الباب تتأمله بصمت ممزوج بابتسامة حانية؛ ابتسامة الأم التي تقرأ في عيني ابنها ما لا ينطقه لسانه. لم تكن مجرد ابتسامة عابرة بل كانت نظرة "شامتة" بمحبة كأنها تقول بلا كلمات: "أين ذهب وقارك وبرودك الذي كنت تتباهى به يا رصين؟"
​لم يستطع عبد الرحمن إخفاء ارتباكه المحبب فضحك بخفة وهو يعيد ترتيب ياقة القميص بفرط توتر مفاجئ، ثم التقط هاتفه بسرعة والابتسامة لا تزال تخيّم على وجهه ليرسل لمريم رسالة مفعمة بالشغف بعيداً عن منطق الجدل المعتاد بينهما:
"هاه.. ما رأيكِ الآن؟ أخبريني بصدق إن كان يليق؟ لقد ضبطت أمي 'سلوى' تلمحني وأنا أصور الطقم، ويبدو أنها قرأت في ملامحي شغفاً لم أكن أخطط لإظهاره بهذه السرعة!"
​كانت كلماته تحمل اعترافاً ضمنياً بأنها لم تعد مجرد "ترتيبات" في حساباته، بل أصبحت هي "الوجهة". ظل ينتظر ردها وعيناه معلقتان بالشاشة، بينما كانت والدته تهمس من خلفه بدعاء خفي تبارك ذلك "الغرق" الجميل الذي اختاره ابنها بملء إرادته. بعد أن ضغط "إرسال"، وضع عبد الرحمن الهاتف على الطاولة الجانبية بسرعة كأنَّه يهرب من فعلته. حاول أن يستعيد قناع البرود الذي يرتديه دائماً، فبدأ يتحرك في الغرفة بهدفٍ مصطنع؛ يرتب أوراقاً لا تحتاج إلى ترتيب ويعدل وضع ساعة الحائط، ثم يعود ليتفقد ياقة قميصه للمرة العاشرة.
​مرت دقيقتان.. لم يصل الرد. خمس دقائق.. والهدوء في الغرفة أصبح ثقيلاً كالجبال. عشر دقائق.. وبدأ نبضه يتسارع بوقعٍ مسموع. تمتم لنفسه بقلق: "أيعقل أنها غضبت من جرأتي؟ أم أنها تضيع الآن في تفاصيل الطقم كما ادعت؟". كان يتعمد الانشغال بعيداً عن الطاولة، لكن عينيه كانتا تسرقان النظر نحو الشاشة المظلمة في كل ثانية.
​وفجأة انشق صمت الغرفة عن وميضٍ خاطف؛ أضاءت شاشة الهاتف معلنة عن وصول رسائل متتابعة بصوت تنبيهات متلاحقة لم يتوقف. لم يمشِ عبد الرحمن نحو الهاتف بل ركض إليه بلهفةٍ لم يستطع كبحها. التقطه بيدٍ مرتجفة وضغط على الإشعارات، لكن الصدمة كانت بانتظاره كصفعةٍ باردة جمدت الدماء في عروقه. لم يكن هناك نص، بل كانت سلسلة من الصور المتلاحقة التي تجاوزت ست صور. اتسعت عيناه خلف زجاج نظارته وهو يمرر أصابعه بذهول وقلق؛ في كل صورة كانت مريم تظهر مع رجل مختلف.. رجل واحد فقط في كل كادر. في الصورة الأولى كانت تبتسم بجانب شاب غريب، وفي الثانية تظهر في جلسة هادئة مع رجل آخر، والثالثة والرابعة والخامسة.. رجال مختلفون تماماً في ملامحهم وأعمارهم، لكن القاسم المشترك في كل تلك الصور هو مريم وجلوسها بجانب كل واحد منهم بمفردها.
​تراجع خطوة إلى الخلف وسند ظهره إلى الحائط وهو يحدق في الشاشة بغير تصديق. هل هؤلاء هم "الغارقون" السابقون؟ أم أن مريم تتعمد إرسال "تاريخها" له في هذه الليلة تحديداً؟ شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه؛ فمن يكون هؤلاء الرجال الستة الذين يظهرون في صورها الخاصة في اللحظة التي يظن فيها أنه بدأ يلمس شاطئها؟
​بينما كان عبد الرحمن غارقاً في دوامة تلك الصور ومحاولاً استيعاب ملامح الرجال الذين يحيطون بمريم في لقطات منفردة، اهتز الهاتف في يده من جديد. لم تكن صورة هذه المرة بل كانت رسالة نصية قصيرة لكنها كانت كوقع النصل البارد على عنقه، كلمات نُسجت بعناية خبيثة كأنها تحذير أخير:
"اهرب قبل أن تتورط.. فمريم بئر بلا قاع، وامرأة لا ضمان للنجاة من فخاخها، ستكون أنت الرقم القادم في قائمة الراحلين!"
​تسمر عبد الرحمن في مكانه وشعر بأنفاسه تضيق. ضغط بسرعة على أيقونة الرد وتطايرت أصابعه فوق لوحة المفاتيح ليكتب بحدة: "من أنت؟ وماذا تقصد؟"، ولكن قبل أن تلامس إبهامه علامة الإرسال ظهرت له العبارة الصاعقة أسفل الشاشة: (لا يمكنك الرد على هذه المحادثة). لقد فعلها صاحب الرسالة؛ ألقى بـ"سمّه" في عروق عبد الرحمن ثم أغلق باب التواصل تماماً بحظر قاطع، تاركاً إياه في عتمة غرفته يواجه مئات التساؤلات. هل كانت تلك الصور تحذيراً صامتاً؟ وهل هؤلاء الرجال هم "أرقام" سابقة سقطت في تلك المتاهة؟
​جلس عبد الرحمن على حافة فراشه بجسد أثقله الذهول وقد غطت حبات العرق جبينه رغم برودة ليل المدينة. كان صدره يعلو ويهبط في اضطراب وأصابعه لا تزال ترتجف وهي تضغط على حواف الهاتف بشدة. أغمض عينيه محاولاً طرد تلك الصور المتلاحقة التي انطبعت في ذاكرته؛ صورة رجل تلو الآخر وكلمة "الرقم القادم" تتردد في أذنه كفحيح أفعى. ظل ساكناً لدقائق يصارع رغبة عارمة في فهم هذا الهجوم المفاجئ من رقم مجهول، لكنه وفجأة سحب نفساً عميقاً ثم زفره ببطء وهدوء غريب كأنه يفرغ رئتيه من كل ذلك التوتر.
​فتح عينيه ونظر إلى الهاتف مرة أخرى لكن هذه المرة بنظرة مختلفة؛ نظرة الرجل الذي "يعشق التفاصيل" ولا يرضى بالسطحية. مسح العرق عن جبينه بظهر يده وتمتم لنفسه بنبرة بدأت تستعيد ثباتها:
"اهرب؟.. هذا الكلام لا يصدر إلا عن حاقد أو مهزوم يريد لي أن ألحق به في قائمة المنسحبين. من هذا الذي يراقب خطاي ويحاول تسميم فكري قبل الفجر؟"
​بدأ شريط تفكيره ينعطف نحو تبرير أهدأ؛ أخذ يتأمل الموقف بعين الفاحص لا الضحية. فكر في مريم، تلك الفتاة التي كانت تمازحه منذ قليل بذكاء، هل يعقل أن يكون لها ذنب في غلّ هذا المجهول؟ قال في سره وهو يبتسم ابتسامة واهنة بدأت تشق طريقها وسط ركام القلق:
"ربما تكون هذه الصور والرسالة هي الثمن الذي تدفعه مريم لكونها مختلفة.. ربما هناك من يطاردها ويريد كسر أي بصيص نور يقترب منها. لو كانت كما يدعون، لما جاء التحذير من مجهول يختبئ خلف شاشة ويحظرني قبل أن أنطق بحرف."
​استند بظهره إلى وسادته وعاد الهدوء يسري في عروقه. قرر أن هذه الصور ليست إلا وسيلة رخيصة لزعزعة ثقته. وضع هاتفه جانباً ونظر إلى طقمه الكحلي مرة أخرى ولكن هذه المرة بعين التحدي.
"مريم.. إن كانت هذه هي العواصف التي تسبق الوصول إليكِ، فأنا لست الرجل الذي يغير وجهته بسبب رسالة من جبان. غداً سأسمع الحقيقة من عينيكِ أنتِ ولا أحد غيرك."
​أشرق وجه عبد الرحمن وهو يقرأ كلمات مريم كأن رسالتها جاءت في توقيتها لتطرد ما تبقى من غيوم الشك التي زرعها ذلك المجهول. قرأ النص مرة واثنتين وتذوق جرأة الحروف التي تعكس روحاً تأبى الانكسار. لم يكد عبد الرحمن يضع هاتفه جانباً حتى أضاءت الشاشة من جديد، ولكن هذه المرة كان الاسم هو "مريم". انقبض قلبه للحظة ثم انبسط وهو يقرأ كلماتها التي جاءت كطلقات نور في عتمة حيرته:
"لا زلت تريد المغامرة يا عبد الرحمن؟ ألا تخاف أن أكون تلك التي لا ترضى إلا بالعناد، ولا تفعل إلا ما يمليه عليها قلبها وعقلها وما تراه مناسباً؟ ألا تخاف كوني امرأة لا تروض ولا تلتزم ولا تخاف؟"
​سكنت ملامح عبد الرحمن تماماً وتلاشت حمرة التوتر عن وجهه لتحل محلها نظرة إعجاب عميقة. لم تكن رسالتها تحذيراً بقدر ما كانت "ميثاقاً" للحرية كأنها تضع النقاط على الحروف قبل أن تبدأ الحكاية. زفر بهدوء وشعر بزهو غريب؛ فهذه المرأة التي تصف نفسها بأنها "لا تروض" هي ذاتها التي يبحث عنها، هي "التفصيلة" الأهم التي تجعل للمغامرة معنى. لم يعد يرى في الصور المجهولة إلا محاولات بائسة لتشويه كبرياء هذه الروح التي تخاطبه الآن. أمسك هاتفه وكتب وهو يبتسم بصدق هذه المرة:
"الخوف لا يليق برجل اختار الغرق في بحركِ يا مريم.. أما عن 'الترويض'، فأنا لم أبحث يوماً عن امرأة تلتزم بالقيود، بل بحثت عن امرأة تلتزم بصدقها. عنادكِ هو البوصلة التي سأهتدي بها، وموعدنا غداً سيثبت لكِ أنني أعشق المغامرات التي لا ضمانات فيها."
​أرسل الرسالة ثم تمدد في فراشه وقد استعاد سكينته تماماً. أغلق عينيه وهو يردد في سره: "غداً.. سأواجه العالم كله من أجل هذه المرأة التي لا تخاف."
​أطبقت مريم جفونها بعد أن أغلقت الخط مع نور وألقت بهاتفها على الفراش كأنها تلقي بجمرة من التساؤلات. قامت لتتوضأ وفي تلك اللحظات التي كان فيها الماء ينساب على وجهها ليغسل عناء اليوم، أضاءت شاشة هاتفها في الغرفة المجاورة بوميض لم تره. قاومت فضولها وقررت أن تبدأ صلاتها أولاً؛ ففي حضرة السجود كانت تبحث عن سكينة لا يمنحها إياها البشر. وبعد أن فرغت من صلاتها وجلست على سجادتها للحظات من السكون، اتجهت نحو الهاتف.
​فتحت الشاشة لتتجمد عيناها أمام صورة الطقم الكحلي الرصين. لم تكن الصورة مجرد "قماش" بل كانت حضوراً طاغياً لعبد الرحمن في عتمة غرفتها. شعرت برجفة خفيفة في أناملها وهي تكتب له ردها، كلمات صاغتها من كبريائها وعنادها كأنها تضع حداً فاصلاً بين "الخضوع" و"الاختيار":
"لا زلت تريد المغامرة يا عبد الرحمن؟ ألا تخاف أن أكون تلك التي لا ترضى إلا بالعناد، ولا تفعل إلا ما يمليه عليها قلبها وعقلها وما تراه مناسباً؟ ألا تخاف كوني امرأة لا تروض.. ولا تلتزم.. ولا تخاف؟"
​أرسلتها ثم ضمت الهاتف إلى صدرها بقوة وأسندت رأسها إلى الخلف وهي تحدق في سقف الغرفة. في تلك اللحظة هجمت عليها أطياف "الخطاب السابقين"؛ وجوه مرت في حياتها كالسراب ومشاريع حكايات تكسرت عند أول عثرة. تذكرت كيف كان كل واحد منهم ينسحب أمام قوتها، أو يفر من غموضها كأنها لغز استعصى على الحل. تساءلت بمرارة: "هل ستنجح هذه المرة؟ أم أن عبد الرحمن ليس إلا نسخة أكثر ذكاءً ممن سبقوه، سيهزمه الموج كما هزمهم؟"
​بينما كانت مريم تظن أن الكلمات قد بلغت منتهاها، اهتز الهاتف في كفها مجدداً بردٍّ حمل في طياته مزيجاً طاغياً من الرقي والثبات. قرأت قوله: "الخوف لا يليق برجلٍ اختار الغرق في بحركِ يا مريم"، فشعرت لثوانٍ أن هذا الرجل يمتلك قدرةً سرية على امتصاص عواصفها، وتحويل غضبها العارم إلى دهشةٍ ساكنة. لكن وبالرغم من "لطف الشعور" الذي أغدق به على جفاف روحها إلا أن غريزة "الصيادة" داخلها استيقظت فجأة من غفوتها. تسلل إليها شعورٌ غامض بالريبة تجاه هذا الاندفاع المثالي؛ كان هناك صوتٌ خفي يحذرها من أن الأمور تسير بنعومةٍ لا تشبه وعورة واقعها وبمثاليةٍ تكاد تثير الشك.
​دست توجسها خلف قناعٍ من الدلال فأرسلت له أولاً إيموجي "بعينين بريئتين" (🥺)، كأنما تحتمي بتلك البراءة قبل أن تلقي بصاعقتها. ثم وبأنامل لم تعرف التردد خطّت رسالةً مقتضبة حادة الأطراف كأنها نصلٌ بارد يختبر صلابة درعه:
"أتوريدُ حقاً خوض غمار هذه المغامرة؟ أتعرفُ أنك الرجل السابع يا عبد الرحمن؟"
​أطلقت رسالتها في فضاء الصمت وألقت بالهاتف على الطاولة ببرودٍ مصطنع، بينما كانت دقات قلبها تقرع طبول الحرب. "الرجل السابع".. ذلك الرقم الذي يختصر تاريخاً طويلاً من الخيبات المتراكمة، ووجوهاً عبرت ردهات منزلها ثم انمحت كأثرٍ على الرمل. كانت تصر على إشراكه في "العبء" منذ الخطوة الأولى لترى أستصمد بوصلته أمام حقيقة أنها ليست "صفحة بيضاء" بل هي "ناجية" مثقلة بندوب ست معارك سابقة. وعلى الجهة الأخرى من المدينة وفي سكون غرفته، أضاء هاتف عبد الرحمن بهذا السؤال الذي زلزل أركان هدوئه. حدق في الشاشة بذهول ليرى الرقم "7" يلمع في العتمة كنبوءة مشؤومة، تماماً كما نفث المجهول في أذنه قبل قليل: "ستكون أنت الرقم القادم". تلاقت الحقيقتان في ذهنه؛ حقيقة مريم الصادمة، ووعيد المجهول المريب، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام لغزٍ لم يعد يحتمل التأجيل.
​أضاءت الشاشة بسؤالٍ هزّ ثباتها: "هل يخيفكِ أن أكون السابع؟"
ارتجف قلب مريم بين ضلوعها وشعرت بوخزة ذنبٍ لم تكن في الحسبان. لم تكن تخشى عليه من عنادها بقدر خشيتها من "عدالة" الموقف. ترددت ثم كتبت بصدقٍ يقطر وجعاً:
"بل أشعر بالذنب تجاهك.. أنا أحمل إرثاً من ست تجارب فاشلة، أثقالاً من خيباتٍ لا ذنب لك فيها. أليس من الظلم أن تبدأ رحلتك معي وأنا أحمل كل هذا الركام؟"
​لم يتأخر رد عبد الرحمن وجاءت كلماته هذه المرة مغلفةً بذلك المزيج العجيب من الثبات والكوميديا السوداء التي يتقنها:
"ظلم؟ مريم، هل تعتقدين أني كنت أقضي سنواتي الست الماضية في الصلاة لقيام الليل؟ أنا أيضاً لدي نصيبي من 'الندوب' التاريخية. ثم إن الرقم (7) رقمٌ مبارك، ألم تلاحظي؟ أيام الأسبوع سبعة، وعجائب الدنيا سبعة.. يبدو أن الأقدار كانت تدخرني لأكون العجيبة الثامنة في حياتك، أو ربما الضحية السابعة التي ستموت 'بأناقة' على يديكِ."
​ابتسمت مريم رغماً عنها وشعرت بأن ثقل الجبال الذي كان يربض على صدرها بدأ يتلاشى أمام خفة ظله. كتبت له:
"تتحدث عن الموت بأناقة وكأنك تختار لون ربطة عنقك! ألا تأخذ الأمر بجدية؟"
فأجابها ببراعته المعهودة:
"الجدية المملة هي التي أطفأت شمعة الستة السابقين يا مريم. أنا رجلٌ يؤمن بأن شرور الحياة لا تُهزم إلا بابتسامة ساخرة. لا تشغلي بالكِ بالركام، فالبناء فوق الأنقاض دائماً ما يكون أكثر متانة.. لأنه يمتلك أساساتٍ عرفت طعم الانكسار ولم تسقط."
​ساد الصمت للحظات شعرت فيها مريم أن ليلها الطويل بدأ ينجلي. نظرت إلى الساعة التي تجاوزت منتصف الليل بكثير وكتبت له برقةٍ لم تعهدها:
"ألن تنام؟ لقد أرهقتُ ليلك بتفاصيلي."
جاء رده كخاتمةٍ موسيقية لليلةٍ لن تنسى، جملة بدت وكأنها خُبئت لسنوات لتُقال لها الآن:
"أتى الأوان الذي أقول فيه الجملة التي تعجبني.. في حضرة من نطمئن به، يصبح الليل طفلاً يحبو."
​ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن تبدأ مريم في نبش تلك التفاصيل التي تؤرقها، لا كقائمة اتهام بل كحكاياتٍ تودّ إلقاءها خلف ظهرها. قالت له بنبرة يملؤها العتب القديم:
" على مثلاً كان رجلاً لا يعرف للمرونة سبيلاً. أتذكر ذات مرة أني تأخرتُ في العمل لظرفٍ قاهر، وكان هاتفي صامتاً في حقيبتي فلم أجب على اتصالاته. وحين وصلتُ إلى المنزل واتصلتُ به فوراً لأعتذر وأشرح له ما حدث، لم يمهلني ثانيةً واحدة؛ زمجر في الهاتف وتعصّب وانفعل بجنون، وكأنني ارتكبتُ خطيئةً كبرى. لم يكن يرى في تأخيري إلا إهانةً لشخصه."
​ردّ عبد الرحمن بهدوءٍ واثق وكتب لها:
"يبدو أن على كان يبحث عن جنديٍّ يطيع الأوامر، لا عن شريكة حياة. صدقيني يا مريم، المشكلة ليست في تأخيركِ، بل في قلقه الهشّ الذي لم يستوعب أن للحياة ظروفاً لا تخضع لساعته. بالنسبة لي، الأمان الذي بيننا أهمّ من عقارب الساعة، ولو تكرر الموقف معي، لانتظرتُ حتى تهدئي لأطمئن عليكِ أولاً؛ فالعصبية لم تكن يوماً حلاً، بل هي مجرد استعراض قوةٍ فاشل."
​استرسلت مريم في الحديث تحكي له عن آخر كان يضيق ذرعاً بطموحها وعن ذاك الذي كان يفسّر صمتها تمرّداً. كانت تسرد المواقف بمرارةٍ واقعية، وفي كل مرة كان عبد الرحمن يمتصّ حزن الحكاية بردٍّ رزين يقلب تراجيدية الموقف بلمحةٍ ساخرة تجعلها تبتسم رغماً عنها، موضحاً بأسلوبٍ مرح أنه متقبّل لكل تلك "الندوب"، بل ويرى أن من رحلوا هم من خسروا الرحلة في منتصفها.
​تجاذبا أطراف الحديث لساعات تداخلت فيها الضحكات بالتنهيدات، حتى شعرت مريم أن العبء الذي حملته لسنوات بدأ يتلاشى أمام نضج هذا الرجل ورؤيته الهادئة للحياة. قبل أن ينطفئ وهج الشاشة وتُطوى صفحة تلك الليلة الطويلة، وقبل أن تنسحب مريم إلى هواجسها، أبى عبد الرحمن إلا أن يترك أثراً أخيراً في وجدانها المتوجّس. كانت الرسائل قد توقفت لكن صوته هذه المرة جاء عبر اتصالٍ قصير أراد من خلاله أن يثبّت تلك الطمأنينة بنبرةٍ حيّة تتجاوز جمود الحروف. رفع الهاتف إلى أذنه وبالرغم من المسافات وصل صوته إليها دافئاً رخيماً وبنبرةٍ تحمل من المودة ما جعل ارتباك مريم يهدأ قليلاً لتسمع ما سيقول. تمتم عبد الرحمن بكلماتٍ خافتة تليق بسكون الفجر: "مريم..."
​ردّت عليه بـ"همهمة" رقيقة كانت أشبه بزفيرٍ طويل ينمّ عن إنصاتٍ تام كأنها تقول له بغير كلمات: "أسمعك... أنا هنا، منصتة بفضولٍ وحذر." ساد صمتٌ قصير غلّفه حفيف الأنفاس الهادئة قبل أن يضيف بلطافةٍ بالغة وصوتٍ يبتسم: "آنستِني يا مريم... آنستِ ليلي، وآنستِ تلك الزوايا التي كانت تستوحش الانتظار."
​نزلت الكلمة على مريم كقطرة ندى مباغتة. "آنستِني" لم تكن في أذنيها مجرد كلمة شكر بل كانت اعترافاً بأن وجودها -برغم حكاياتها المريرة- كان الأنيس الذي تقبّله بصدرٍ رحب. أحسّت مريم بابتسامةٍ باهتة ترتسم على ثغرها في العتمة وشعرت أن حواراتهما التي بدأت بريبةٍ شديدة انتهت بهدوءٍ لم تألفه من الستة الذين عبروا قبل "السابع". وبنفس الهدوء البلاغي الذي غلّف حديثهما، أغلقت الخط وهي تحمل كلمته الأخيرة بذهنٍ شارد، بينما ظل هو يحدّق في هاتفه بابتسامةٍ ساكنة مدركاً أن الليل بالفعل قد أصبح -في حضرة هذا الاطمئنان- طفلاً يحبو.
​في اللحظة التي استكانت فيها روحها وظنّت أن مرافئ الاطمئنان قد شرعت أبوابها أخيراً، اخترق سكونَ الليل صوتُ ارتطامٍ مفاجئٍ صلب. حجرٌ طائش أُلقي بيقينٍ غريب ليخترق عتمة شرفتها ويستقرّ عند قدميها بوقعٍ أيقظ كلَّ كوامن الفزع في صدرها. تسمّرت مريم في مكانها وشعرت ببرودةٍ تسري في أطرافها وهي تحدّق في ذلك الدخيل الصخري. لم يكن مجرد حجر بل كان يحمل في أحشائه رسالةً ملفوفةً بعنايةٍ مريبة كأنها نذيرُ شؤمٍ قطع عليها خلوتها. تراجعت خطوةً إلى الخلف وصراعٌ مريرٌ يدور بين رغبتها في الهرب وفضولٍ موجعٍ ينهش تفكيرها.
​غالبت دقات قلبها المتسارعة وانحنت ببطءٍ لتلتقط الورقة بأصابع ترتجف. فتحتها بحذر لتجد كلماتٍ خُطّت ببرودٍ مرعب كأنها نُحتت من صَوّان:
"حسنًا... اللعبة ابتدأت الآن، وأنا الحكم، وغدًا أولُ جولة؛ فهل أنتِ مستعدة؟"
​شحب وجه مريم وشعرت فجأةً بآلاف الأعين تراقبها من وراء ستر الظلام. تلك الطمأنينة الهشّة التي شيّدها عبد الرحمن قبل دقائق تهاوت أمام هذا الوعيد المجهول. لم تكن مجرد رسالة بل كانت إعلاناً لحربٍ لا تعرف ميدانها وتذكيراً بأن "الرجل السابع" لن يكون مجرد رقمٍ عابر بل هدفاً في مرمى قنّاصٍ مجهول. نظرت من خلف زجاج الشرفة إلى الشارع الساكن فبدا لها السكونُ غادراً والليلُ الذي كان قبل قليل "طفلاً يحبو" استحال فجأةً غولاً يتربّص بها في العتمة.
​وبينما كانت تحاول استيعاب وقع الكلمات القاسية في الورقة، تسمرت نظراتها نحو الزاوية المقابلة لشرفتها، هناك حيث يبتلع الظلامُ معالم الشارع. لمحته... ظلًّا بشرياً منتصباً كأنه جزءٌ من معمار الليل. حبست أنفاسها وهي تراه يخرج من عتمة الزاوية قليلاً لا ليقترب بل ليعلن عن حضوره الطاغي. وبحركةٍ بطيئةٍ مستفزّة رفع يده مشيراً إليها بتحيةٍ باردة؛ إيماءةٌ غامضة كانت كفيلةً بأن تجعل الدماء تتجمّد في عروقها. وفي تلك اللحظة خُيّل إليها -تحت ضوء المصباح الباهت- أنه ألقى نحوها بابتسامةٍ خبيثة؛ ابتسامةٌ لم تكن تشبه الودّ في شيء بل كانت توقيعاً مرئياً على رسالته وإعلاناً صريحاً بأنها أصبحت تحت مجهر مراقبته.
​انقبض صدرها وهي تراه يتراجع ببطءٍ ليتلاشى في السواد خلف المنعطف، تاركاً إياها في مواجهة رجفةٍ لم تفلح جدران غرفتها في صدّها. غابت الابتسامة التي رسمها عبد الرحمن قبل قليل وحلّ محلّها هذا الطيف الذي حوّل "الرجل السابع" من بدايةٍ محتملة إلى جولةٍ في لعبةٍ خطرة لم تختر مريم أن تلعبها، لكنها وجدت نفسها فجأةً في قلب ميدانها. أغلقت ستائر شرفتها بقوة وأسندت ظهرها إلى الخشب البارد، والورقة لا تزال مجعّدةً في قبضتها، بينما صدى تلك الابتسامة الخبيثة يتردّد في مخيّلتها كأنه يهمس لها:
"لقد انتهى وقت الأمان... وبدأ وقت المواجهة."
​

​"من هو ذلك القناص الذي يتربص بمريم في اللحظة التي قررت فيها أن تطمئن؟ وهل "الرجل السابع" هو من استدعى هذا الظل من عتمة الماضي، أم أن اللعبة أكبر من مجرد حكاية زواج لم تكتمل؟"
               

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.