الفصل الثامن عشر: الفراغ والهيمنة (سراب II)
الفصل الثامن عشر: الفراغ والهيمنة
.........
في اليوم التالي، لم تعد المملكة كما كانت. لم تكن التغييرات صاخبة ولا واضحة من النظرة الأولى، لكنها كانت محسوسة، كأن المكان نفسه قد أعاد شدّ أوتاره. الناس يتحركون بحذرٍ أقل، لا لأن الخطر زال، بل لأنهم اعتادوا فكرة أنه موجود. الحراس انتشروا بنمط جديد، لا يحرسون فقط، بل يراقبون، يتبادلون إشارات قصيرة، أعينهم لا تتوقف عن القياس.
في إحدى القاعات الجانبية، كانت تولين تقف أمام رهاف، لم يكن التدريب قتالًا هذه المرة، بل صمتًا مركزًا.
قالت بهدوء صارم:
- ما الذي تعرفه عن المعالجين؟
أطرق ثم قال:
- أنهم يعالجون الجراح ويعيدون القوة للأجساد.
هزت رأسها نافية ثم أكملت:
- لا، المعالج هو من يتحكم في المحيط حوله أكثر من الحارس نفسه. إن لم تستطع التحكم في محيطك وهالتك لن تستطيع الصمود.
اقتربت منه خطوة أثارت القلق في داخله، أكملت:
- أراهن على أنك تشعر بالقلق مني الآن.
أجاب بملامح مترددة:
- نعم.
ابتسمت ثم قالت:
- هذا ما يمكن للمعالجين فعله، أنت لست مجرد شخص يداوي، أنت من يحدد كيف ستسير الحرب، أنت خط الدفاع الأول والأخير..
استدارت وسارت للأمام ورهاف يتابعها بتوجس حتى اختفت فجأة من أمامه وصارت خلفه مباشرة. قربت فمها من أذنه بينما لم يستطع أن يحرك ساكنًا كأنه مقيد. همست:
- هل تظن أنك قويٌ بما يكفي لتتخطى تأثير قوتي؟
انساب عرق بارد على جبينه فأكملت:
- ما بك هل أكل القط لسانك؟ أم أن الضعف يغمرك..
في الساحة المقابلة، كان هاشم يقف وسط دائرة محفورة في الأرض. أمامه سيرين، هالتها الزرقاء مشدودة حولها بدقة.
كان هاشم غير مفعلٍ لهالته بينما سيرين كانت تخطط داخل عقلها للهجوم عليه ومباغتته من الخلف عن طريق الاختفاء والظهور المفاجئ، كل شيء كان يسير وفق خطتها، هاجمت هجمات عشوائية ضعيفة في مختلف الاتجاهات لتشتيت انتباهه وماريس بفضل تشتت قوة هالته في مختلف الاتجاهات كان يساعدها دون علمٍ منه.
انتظرت اللحظة التي تشتت عينا هاشم عنها وفي لحظة اختفت وظهرت من خلفه ويدها مشدودة بقوة هالتها، ولكن في اللحظة الأخيرة وقبل أن تصل يدها إليه، سقطت على الأرض هي وماريس بتأثير قوته.
فعل هاشم هالته لأقصى حد فأنشأ ضغطًا بدد هالتيهما في لحظة ليسقط كلاهما على الأرض في الحال.
قال:
- أتعتقدين أن خطة كتلك قد تنطلي على عجوزٍ مثلي؟ وأنت يا ماريس، ما بال الضعف الذي يغمرك؟ جسدك صلبٌ لكن عقلك.. دعنا نقل أنّه فارغ.
***
أما في قاعة التدريب، فكان الصمت مختلفًا..
اختار سراب إيلان تحديدًا ليدربه بنفسه، كان يرى فيه نفسه القديمة، تلك النفس التي لم تقدر على فعل شيء سابقًا، تلك النفس التي كانت تنتظر من يرشدها إلى الطريق الصحيح.
وقفا متقابلين. لا مسافة تدريب رسمية، لا خطوط أرضية والعشب الأخضر من حولهما يتراقص بفعل انبعاث هالتهما.
قال سراب ناظرًا لعيني إيلان وقد لاحظ فيهما تغيرًا:
- هل تعلم أين نحن؟
أجاب:
- قاعة التدريب، تلك القاعة التي اتخذت منها المستقر.
لم يبتسم، لم تتغير تعابير وجهه الهادئة، زاد من انبعاث هالته حتى باتت مقارعة لهالة إيلان، عقد يديه خلف ظهره وقال ببرود لم يعهده إيلان:
- اقترب.
اتخذ إيلان وضعية مناسبة وراقب سراب بعينيه. قال في نفسه:
"استقامة ظهره، عقد اليدين خلف ظهره، نظرته الباردة، كل ذلك يوحي بثقته أنني لن أصيبه. متعجرف بقوته حتى أنه ترك أمامي ثغرات متاحة لمهاجمته، بالرغم من أن قوته لابد وأنها تناقصت منذ رحيل عاصف."
شد قبضتيه وبات ينتظر اللحظة المناسبة للهجوم بينما سراب يراقبه بصمت ثقيل. ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة. قال بنبرة مستهزئة:
- إن كانت قوتي ما يربكك فسوف أبطلها.
ثم أخمد هالته، شعر إيلان أنه قد تم الاستهزاء به وأثار ذلك غضبه، اندفع بكل قوته وسرعته نحوه بلا إدراك منه أن هذا ما كان سراب يريده.
وبمجرد أن انطلق كان قد خسر المواجهة.. تبدل المشهد حوله في لحظة وكسا السواد كل شيء حوله. اختفى سراب من أمامه وبقي هو يطفو في الفراغ. التفت حوله، يمينًا ويسارًا، نفس السواد لا شيء آخر. اتخذ وضعية دفاعية تحسبًا لأي هجمة غير متوقعة. وبالفعل كانت غير متوقعة.
لم يهجم عليه سراب ولم يقترب منه حتى، بل تركه يغرق في بحر ذكرياته المؤلمة، تركه يرى المشهد ذاته مرة أخرى..
بيته وهو يحترق، قاسم وثامر أمامه وأجساد عائلته على الأرض.. الابتسامة الخبيثة على محيا ثامر..
ارتفع صدره وانخفض بسرعة عدة مرات، صرخ بأعلى صوته طالبًا من سراب أن يتوقف، بعد لحظات اختفى كل شيء كما كان. ساحة التدريب الخضراء من حوله وسراب أمامه.
أما هو فكان جاثيًا على الأرض وعيناه غارقتان بالدموع. رفع نظره إلى سراب، نفس النظرة الباردة لم تتغير. قال سراب:
- لن يمهلك أحد الوقت ولن يعطف عليك الآخرون، سيستغلون كل لحظة تكون فيها مندفعًا بمشاعرك.. هكذا هي الحرب وهكذا تكون المكيدة. القوة ليست فيمن يملك الجسد الأقوى أو الهالة التي لا مثيل لها.. القوة هي أن تدعس على ألمك وتسير أمام الناس مبتسمًا، أن تخفي كل ما تشعر به، أن تتحكم في انفعالاتك.. هذا ما سأعلمه إياك.
في تلك اللحظة تحديدًا ومن بين كل اللحظات أدرك إيلان أمام من يقف، هو لا يقف أمام مجرد ملك، ولا مجرد حارس أو مختار هو الأقوى كما قيل..
شعر أن بداخله شيء قد تغير، لا يعرف إن كان ذلك التغيير للأفضل أم للأسوأ لكن ما أيقنه أن دموعه التي كانت تتدفق من عينيه بغزارة توقفت وباتت كأن لم تكن.
سار سراب نحوه حتى باتت تفصل بينهما خطوة واحدة، نزل على ركبته، أكمل:
- مرحبًا بك في عالمي الخاص. مرحبًا بك في مملكتي الخاصة التي لا يعرف أحد عنها شيئًا. هنا يجب أن تعلم أنني من أضع القوانين بما يرضي تقلباتي الباردة والمجنونة، تلك هي طريقتي في النجاة وقريبًا ستكون طريقتك كذلك. أما الآن، وحتى الغد وما بعد الغد وحتى نصل إلى أعماق قوتك الضئيلة التي لا معنى لها أمام قوتي سأبقى أدفع بك إلى أسوأ ما يمكنك تخيله وما لا يستطيع عقلك التخيل. لن أكذب عليك إن قلت أن الجانب المجنون مني يريد قتلك أثناء الرحلة ولكنك في الوقت ذاته تعتبر شخصًا مميزًا بالنسبة لي فسأتساهل معك أحيانًا لكنني لن أتهاون أو أتردد لحظة واحدة في دفعك إلى أعماق اليأس. أتمنى لك رحلة ممتعة يا صديقي السرابي. السراب سيصبح عنوانك شئت أم أبيت.
في تلك اللحظة كان المرح قد بدأ بالنسبة لمن فقد صديقه، أطلق هالته البيضاء بأقصى ما يستطيع الوصول إليه، دفع بها لأن تملأ المكان بأكمله، لم يرفع قوته بالهدوء المعتاد بل رفعها دفعة واحدة بشكل مفاجئ كي يدب الرعب في قلب الذي يجثو أمامه وجفت دموعه على وجنتيه.
إيلان كان متجمدًا في مكانه، كل البرود واللامبالاة التي كان يمتلكها لا تشكل الآن شيئًا أمام ما يرى من القوة والجنون، عيناه التي كانت ذات مرة حادة مخيفة تشبه الآن عيون القطط المبتلة أمام عيون سراب المتوهجة الباردة. لم يشعر فقط بالخوف منها، شعر بأن عيني سراب تلتهمه، تبث داخله كل شعور ممكن بالخوف والاضطراب.
شعر بالضياع فيهما، تلك العينان الباردة، ما الذي جعلها تكون هكذا؟ هذا ما كان يفكر به وروحه ترتعش داخله.
***
قرر سراب بعد يوم كامل في القاعة من تدريب إيلان أن يتركه قليلًا ليهدأ عقله من كم الاضطرابات والصدمات التي سببها له.. كان يعلم علم اليقين أنه مهما كانت قوة إيلان النفسية قوية فإنها لن تصمد أمامه.
تركه يستريح في القاعة بينما عاد للمملكة مرة أخرى ليتابع آخر التطورات في تدريب المتدربين وإن توصل ثلاثتهم لشيء.
كي يعود للمملكة كان عليه أن يمر بقرية القمر التي كان ذات يوم ساكنًا لها. حدث نفسه بمجرد خروجه من قاعة التدريب قائلًا:
- قاعة الحراس.. حيث كانت البداية، تلك الفتحة الدائرية في السقف التي يسقط منها ضوء القمر الأزرق على تلك الصخرة التي أعلمها جيدًا. كل شيء مر سريعًا، انظر أين أصبحنا الآن؟
مر بعينيه سريعًا على نقوش وجوه الحراس على الجدران حتى وصل لنقش قماريس، حارس القمر الأول الذي بدأت من عنده ومن عند كاروس القصة كلها. لم يبد أي شيء، على النقيض تمامًا، التفت نحو الممر الطويل الذي تؤدي نهايته إلى قرية القمر. لم يرد السير هذه المرة، أراد أن يدفع بنفسه نحو هلاكه باستهلاك كل قوته بالرغم من علمه المسبق أن احتمالًا مثل ذلك غير قابل للتحقق.
فعل هالته وانتقل لحظيًا لنهاية الممر وجلس على أطرافه باسطًا هالته في الأرجاء كأنه يريد التحقق أنه ما يزال حيًا وأن كل ذلك ليس حلمًا.
تأمل نافورة القمر في منتصف القرية، النافورة نفسها التي كانت بداية للكثير من اللحظات المثيرة للاهتمام.
- من يصدق أن نافورة كتلك هي مركز الاتصال بين القرى الخمس، أو حتى العالم خارج القرى؟ ذلك العالم الذي أبيد، حياة غريبة! كل شخص يريد الوصول لما يريد يتشكل بالهيئة التي يريد حتى يصل مبتغاه.. آنذاك قاسم وثامر كانا مالك وضياء وكنت أنا الأحمق الذي سلم كل شيء لهما!
تنهد بمرارة:
- قماريس، ظافر، تولين، هاشم..
ثم تذكر إيميليا، ليست إيميليا بالتحديد، بل الرؤيا التي رآها فيها للمرة الأولى. ابتسم لا شعوريًا، قال بارتياح بملامح هادئة:
- جاءت ملامحكِ المنامَ فأشرقت حتى تلاشى الحزنُ من أركاني، إن كان طيفُكِ في الرؤى متكرمًا فدعيني أعيش العمرَ في أحلامي.
تنهد بارتياح كأنه أفرغ كل ما بجعبته، نهض مكانه وتوجه للنافورة وسط أزقة وأكواخ القرية الساكنة.. انتقل مباشرة خراج القرية ثم بعدها لحظيًا للمملكة. كان يعلم أنه لا وقت بالنسبة له كي يتجول في الأرجاء باحثًا عن أطلال الماضي.
أرسل إشارات إلى ثلاثتهم كي يحضروا أمامه في الحال.. بعد وقت قليل كان الثلاثة أمامه. تمعن وجوههم بملامح هادئة مخفيًا ما خلفها، ثم قال بهدوء:
- مرحبًا بعودتي.
قال هاشم:
- بالطبع لم تأتِ بنا إلى هنا كي ترحب بنفسك، دعني أخمن بما أنك أغلقت منافذ عقلك، تريد معرفة الأخبار الأخيرة عن تدريبهم، أليس كذلك؟
- بارعٌ في القراءة كعادتك. أصبت يا والدي.
ابتسم هاشم، قال:
- سيرين وماريس تطورهما ملحوظ، ماريس يتحكم في هالته بشكل أفضل من السابق وسيرين هادئة لكنها تفتقر لبعض القوة.
- وردود أفعالها؟
- أعمل عليها.
هز رأسه ثم نظر لآدم، فقال:
- المملكة آمنة حتى الآن، لا تحركات مشبوهة.
- والمحاربون؟
- في مواقعهم حول المملكة.
هز رأسه مرة أخرى ثم قال:
- جيد، شكرًا لكما وآسف على إحضاركما إلى هنا.
ابتسم كلاهما دون أن يضيفا أي شيء وبقيت تولين معه منتظرة ما يريد إخبارها به، انتظرت بوجه كسته الملامح القلقة على حالته، لكنه لم يسألها عن رهاف.
- هل صار شيء لإيميليا؟
لم تتفاجأ، فأجابت بسرعة:
- في الحقيقة لا أعلم.
أومأ متفهمًا وشكرها ثم فعل هالته وانتقل لمكانها، باحة القصر تحت شجرة الزيتون.
