الأثر - رواية لعنة البيت المهجور
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الأثر - رواية لعنة البيت المهجور

جاري التحميل...

الأثر

لم يعترض. كل خطوة نحو البيت كانت أثقل من سابقتها. كان حسن يشعر بأن الطريق يعرفه…كأنه عاد إلى مكان لم يغادره أصلًا. عند البوابة، توقف فجأة.

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يعد حسن ينام. لم يكن الأرق عاديًا، بل كان حالة من اليقظة القسرية، كأن النوم نفسه أصبح بابًا يخشاه. كلما أغمض عينيه، عاد إليه البيت، لا بصورته الخارجية، بل من الداخل، من قلبه هو.
كان يستيقظ فزعًا قبل الفجر، يتصبّب عرقًا، وصدره يعلو ويهبط كأن أحدًا كان جالسًا عليه ثم نهض للتو.
في الليلة الثالثة بعد خروجهم من البيت، جلس حسن على سريره، يحدّق في الظلام.
الجدران مألوفة… السقف مألوف… لكن الإحساس لم يكن كذلك. كان يشعر أن الغرفة لم تعد تخصّه بالكامل.
همس لنفسه، كأنه يختبر صوته:
- أنا فوق… ولا لسه جوه؟
لم يجبه أحد. لكن الصمت نفسه كان ثقيلًا، كأنه ينتظر دوره.
في الصباح، جاءت روان لزيارته. كانت تحمل في عينيها قلقًا لم تحاول إخفاءه.
روان: 
- إنت شكلك تعبان قوي.
حسن: 
- مش عارف… بحس إني صاحي بقالي أيام.»
روان:
- بتنام؟
حسن:
جسمي بينام… بس أنا لأ.
سكتت روان لحظة، ثم قالت بحذر:
- حسن… من ساعة الليلة دي، إنت اتغيّرت.
نظر إليها بسرعة وقال:
- اتغيّرت إزاي؟
ترددت، ثم قالت:
- نظرتك… بقت تقيلة. ساعات بحس إنك بتبص عليّا ومش شايفني.
ابتسم ابتسامة قصيرة، بلا فرح.
- يمكن لأني فعلًا مش شايف حاجة غيره.
في تلك اللحظة، ارتجف الكوب في يد روان، وسقط على الأرض وانكسر. لم يكن هناك سبب واضح. لا ريح، لا حركة.
نظر حسن إلى الشظايا، وقال بهدوء غريب:
- هو زعلان.
تجمدت روان.
- مين؟
سكت حسن، ثم قال بصوت أخفض:
- اللي في البيت.
في الأيام التالية، بدأت أشياء صغيرة تحدث. أشياء يمكن تفسيرها… لو اجتمعت وحدها. لكنها لم تكن وحدها. أصوات خطوات خلف حسن وهو يمشي في الطرقات. همسات باسمه تأتيه وهو وحده.
أحلام ليست أحلامًا، بل مشاهد:
رجال ونساء يقفون أمام المرآة، أيدٍ تمتد، وأبواب تُغلق من الداخل. وفي كل مرة، كان يرى نفسه بينهم.
ذهب حسن إلى الحاج عوض. كان الرجل العجوز جالسًا في مكانه المعتاد، لكن وجهه تغيّر عندما رآه.
- إنت رجعت؟
حسن:
- أنا… مخرجتش أصلًا. 
عم عوض:
- قولّي الحقيقة.
حسن:
- هو دخلني.
خفض عم عوض رأسه، وتمتم:
- يبقى حصل اللي كنت خايف منه.
حسن:
- يعني إيه؟
عم عوض:
- الشيطان لما يختار… مش بياخدك مرة واحدة. بياخدك حتة حتة.
رفع حسن رأسه فجأة وقال:
طب وأنا؟
نظر إليه العجوز نظرة طويلة، ثم قال:
- إنت واقف على العتبة.
في الليل، عاد الصوت. لكن هذه المرة لم يأتِ من المرآة، ولا من البيت. أتى من داخله.
الصوت:
- لسه مقاوم؟
ارتجف حسن، وضغط يديه على رأسه.
- امشي… سيبني في حالي.
الصوت:
- ده حالي أنا كمان.
فتح عينيه، فرأى انعكاسه على زجاج النافذة. لم يتحرك الانعكاس حين تحرّك هو. ابتسم الانعكاس…وقال بصوت ليس بصوته:
-إحنا قربنا.
وفي تلك اللحظة، أدرك حسن الحقيقة الكاملة:
البيت لم يكن مكانًا. كان امتدادًا. وهو…لم يعد خارج الدائرة.
في اليوم التالي، خرج حسن من البيت قبل شروق الشمس.
لم يكن يعرف لماذا خرج، ولا إلى أين يذهب، لكنه شعر بأن الجدران تضيق عليه، كأن المكان نفسه يرفض وجوده.
كان الطريق الترابي خاليًا، والهواء باردًا على غير العادة، رغم أن الصيف في ذروته.
كل شيء بدا طبيعيًا… أكثر من اللازم. مرّ بجوار الترعة، فتوقف فجأة. رأى انعكاسه على سطح الماء الساكن.
لم يكن الانعكاس مشوّهًا هذه المرة، بل واضحًا، ثابتًا، ينظر إليه بتركيز مزعج.
همس حسن:
- إنت عايز إيه؟
لم يتحرك الماء. لكن الشفاه في الانعكاس تحرّكت.
- فاكر نفسك بتسأل؟
تراجع حسن خطوة، فاصطدم بجذع شجرة خلفه.
اختفى الصوت، وعاد الانعكاس عاديًا، كأن شيئًا لم يحدث. لكن قلبه ظل يخبط بعنف.
عند الظهيرة، انتشر خبر في القرية. محمود الصغير، الطفل الذي كان يلعب دائمًا قرب البيت المهجور، اختفى.
اجتمع الناس أمام بيت أهله. صراخ أمه كان يمزّق الهواء، ووالده يجري في الطرقات ينادي اسمه.
وقفت روان وسط الجمع، ووجهها شاحب. رأت حسن قادمًا من بعيد، فتقدّمت نحوه بسرعة.
روان:
- حسن… محمود الصغير اختفى.
حسن:
-فين آخر مرة شافوه؟
روان:
- قريب من البيت.
ساد صمت ثقيل بينهما. قالت بصوت منخفض جدًا:
- قولي الحقيقة… ده ليه علاقة باللي حصل؟
فتح فمه ليتكلم… لكنه لم يستطع. لأن الصوت عاد، واضحًا هذه المرة، همسًا قريبًا من أذنه:
- لسه فاكر إنك لوحدك؟
ارتعشت يده دون إرادة منه.
قال، كأنه يعترف:
- هو… هو مش بيسيب حاجة من غير تمن.
توجهت الأنظار إلى البيت المهجور. لم يجرؤ أحد على الاقتراب. لكن حسن تحرّك.
روان:
- إنت رايح فين؟
حسن:
- لو ما روحتش… هيفضل ياخد.»
أمسكت بذراعه وقالت:
- إحنا نروح مع بعض
لم يعترض. كل خطوة نحو البيت كانت أثقل من سابقتها. كان حسن يشعر بأن الطريق يعرفه…كأنه عاد إلى مكان لم يغادره أصلًا. عند البوابة، توقف فجأة.
قال بصوت مبحوح:
- روان… لو حسّيتي إني اتغيرت… أو قلت حاجة مش أنا… اهربي.
روان:
- واسيبك؟
حسن:
- ساعتها… مش هكون أنا.
دخلوا البيت، البيت لم يكن مظلمًا. كان مضاءً بنور خافت لا مصدر له. والمرآة… لم تكن في مكانها.
جاء الصوت، هادئًا، راضيًا:
- كويس إنك جيت.
قال حسن بغضب مكبوت:
- الولد فين؟
ضحك الشيطان ضحكة قصيرة.
- مش كله بياخد نفس الطريق.
ظهرت على الجدار صور…مشاهد لمحمود الصغير
واقف أمام المرآة ينظر ويمد يده.
صرخت روان:
- إنت شيطان
ساد صمت. ثم جاء الرد، لأول مرة بلا سخرية:
- وأنتِ لسه فاكرة دي شتيمة؟
انطفأ الضوء فجأة وعاد البيت كما كان… مهجورًا، صامتًا. لكن حسن لم يعد كما كان.
خرج الاثنان، والقرية خلفهما تغلي بالخوف.
وفي عيني حسن، كان هناك شيء جديد…شيء يستجيب. لأنه أدرك أخيرًا:
الشيطان لا يحتاج أن يملكك بالكامل.
يكفي أن تفتح له الباب، وهو…فتح.
عاد حسن إلى غرفته قبل الغروب بقليل. أغلق الباب خلفه، وأسند ظهره إليه، كأن الباب وحده هو الحاجز الأخير بينه وبين شيء يطارده.
كان الصمت في الغرفة كثيفًا، لا يشبه صمت القرى، بل صمت الأماكن التي تسمع أكثر مما تتكلم. جلس على السرير، ودفن وجهه بين كفيه.
قال بصوت مبحوح، كأنه يخاطب نفسه:
- انت عايز مني إيه؟
لم يأتِ الرد فورًا. ثم جاء، هادئًا، قريبًا، كأنه فكرة وليست صوتًا:
- عايزك تفهم.
رفع حسن رأسه فجأة.
- أفهم إيه؟
اتاه الرد:
-إنك مش ضحية.
ضحك حسن ضحكة قصيرة، متعبة.
- مش ضحية؟ ده أنا حياتي بتنهار.
أجاب:
- لأنك لسه ماسك في فكرة إنك كنت حاجة… وبقيت حاجة تانية.
نظر حسن حوله.  الغرفة لم تتغير. لكن إحساسه بها تغيّر.
كأنها لم تعد مأوى، بل مسرحًا.
حسن:
- إنت دخلت حياتي غصب عني.
الصوت:
-انت اللي دخلت البيت.
حسن:
- وأنا ما كنتش عارف.
الصوت:
- ولا واحد بيكون عارف.
وقف حسن، وبدأ يمشي في الغرفة بعصبية.
- الولد… محمود… عملت فيه إيه؟
ساد صمت قصير ثم جاء الرد ببرود قاسٍ:
- ما عملتش حاجة، إنت اللي فتحت الطريق.
توقف حسن فجأة.
- كداب 
أجاب:
- لو كنت كداب… ما كنتش هتسمعني.
في تلك اللحظة، شعر حسن بشيء غريب. لم يكن خوفًا…كان قربًا. كأن الصوت لم يعد خارج رأسه، بل جزءًا من تفكيره، يكمّل الجمل قبل أن ينطقها.
جلس مرة أخرى، وهمس:
- يعني إيه؟
أجاب:
- يعني إن البيت كان دايمًا محتاج حد زيك.
طرق خفيف على الباب قطع الحديث.
صوت روان من الخارج:
– «حسن… افتح.»
فتح الباب ببطء.
كانت روان واقفة، وجهها شاحب، وعيناها حمراوان من البكاء.
- أم محمود… لسه بتصرخ.
لم يجب لكنها تابعت 
- الناس بدأت تخاف منك.
رفع حسن عينيه إليها نظت إليه ثم قالت:
- أنا خايفة عليك.
في تلك اللحظة، شعر حسن بشيء يتحرّك داخله.
ليس غضبًا…بل دفاعًا.
قال بصوت أكثر حدّة مما أراد:
- ما تقربيش أكتر.
توقفت روان مكانها وقالت:
- إيه؟
سكت حسن. هو نفسه تفاجأ بنبرته، مرّت ثوانٍ ثقيلة.
ثم قال بهدوء مصطنع:
- آسف… أنا تعبان بس.
لكن الشيطان كان قد لاحظ.
وقال، راضيًا:
- شايف؟ مش لازم أغيّرك… كفاية أظهر اللي جواك.
في تلك الليلة، نام حسن لكن ليس نومًا حقيقيًا.
رأى نفسه واقفًا أمام المرآة. لم يكن البيت حوله…بل الفراغ.
قال انعكاسه:
- لو وافقت… هتقدر توقفه.
حسن:
-أوقف مين؟
اتاه الرد:
- اللي جايين بعده.
حسن:
- والتمن؟
ابتسم الانعكاس وقال:
- مش كل تمن بيتدفع مرة واحدة.
استيقظ حسن مفزوعًا. والفجر يزحف ببطء من خلف النافذة. جلس على السرير، وهو يعرف الحقيقة الآن:
الشيطان لا يطلب الطاعة. هو يقدّم حلولًا.
وفي اللحظة التي يبدأ الإنسان فيها التفكير…
يكون الباب قد فُتح بالفعل.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"