رواية الراكب ذو رجل الحمار (كاملة)
الراكب ذو رجل الحمار
هل يمكن لليلة واحدة أن تسرق من عمرك 23 عاماً؟ في أزقة جدة القديمة، حيث الصمت يسبق العاصفة، والبيوت المهجورة تملك عيوناً تراقب المارة، كان فيصل يبحث فقط عن سد ديونه وتوفير دواء والدته. لم يكن يعلم أن قبول طلب توصيل راكب بـ 135 ريالاً من أسوار مقبرة حواء في ليلة غبراء سيكون بمثابة توقيع على عقد بالدم. حين تنفتح الأبواب ببطء، وتظهر 'الحوافر' من تحت السواد، يكتشف فيصل أن الراكب هذه المرة لا يبحث عن وجهة في عالمنا، بل يسحبه إلى عالمٍ لا تُحسب فيه الليالي بالساعات، بل بسنوات العمر.
من تأليف الكاتب ريان بن مزيان
تدور أحداث القصة في المملكة العربية السعودية
يبيع الإنسان أحياناً عمره من أجل أموال لا قيمة لها. أنا اليوم أحدثكم ولستُ في جدة، أنا بعيد، بعيد جداً. تركتُ كل شيء خلفي بسبب تلك الليلة. أنا متأكد أن نصفكم سيكذبني، والنصف الآخر سيقول فيصل يتوهم، ولكن مَن رأى الحوافر وهي تضرب أرضية سيارتي الكامري، والدماء التي رأيتها في المرآة، ليس كمن سمع.
بدأت هذه القصة عندما شرعتُ أشعر أن جدة التي أعرفها وأحبها، بدأت تُظهر لي وجهاً آخر، وجهاً شاحباً، وجهاً لا يشبهنا.
دعوني أعرفكم بنفسي بهدوء. اسمي فيصل، كان عمري آنذاك تسعة وعشرين سنة. إنسان عادي، من أسرة متوسطة، توفي والدي رحمه الله وأنا في الجامعة، وترك لي والدتي وأختي الصغيرة نورة وعمرها سبعة عشر سنة. كنت أنا المسؤول عنهما، ولم يكن لدي سوى وظيفة بسيطة في شركة تأمين، راتبها يكاد يغطي الفواتير والديون.
في شتاء عام ألفين وواحد وعشرين، ضاقت عليّ الدنيا. بدأت والدتي تتعب، كانت تعاني من مشاكل في الصدر، والجو في جدة أحياناً ينقلب غباراً ورطوبة، وهذا يزيد من تعبها. كانت تحتاج لمراجعات في المستشفيات، وفحوصات، وأدوية باهظة الثمن. كنت أجلس في الليل، أنظر إلى فواتير الكهرباء والإيجار، وأشعر بغصة في حلقي. كيف سأستطيع توفير حياة كريمة لهما؟
فكرت وفكرت، ولم أجد حلاً إلا السيارة. كانت لدي سيارة كامري موديل ألفين وثمانية عشر، لا تزال نظيفة، قلت لنفسي سأعمل في أحد تطبيقات توصيل المشاوير المعروفة، المهم أي عمل يوفر لي مصروفاً يومياً. كنت أُنهي عملي في الساعة الرابعة عصراً، أعود للبيت لأتغدى، وأرتاح ساعتين، ومن بعد صلاة المغرب أخرج للعمل على السيارة حتى الفجر.
في البداية، كان الأمر ممتعاً. زحام جدة، الأحاديث مع الركاب، المشاوير التي تأخذك من حي النسيم إلى حي الخالدية، ومن أبحر إلى البلد. كنت أحب الليل في جدة، تشعر وكأن المدينة تتنفس. لكن مع الوقت، بدأت أختار المشاوير التي تكون في أطراف المدينة، لأن المكافأة المالية فيها عالية والزحام أقل.
تلك الليلة، كانت ليلة سبت، أذكرها جيداً. الجو كان فيه غبار خفيف يغطي السماء، لدرجة أن القمر كان يبدو بلون برتقالي باهت. رائحة التراب في كل مكان. خرجت من البيت الساعة التاسعة مساءً، أوصلتُ والدتي لبيت خالي لأنها ستسهر عندهم، وقلت لها، يا أماه، اليوم سأتأخر قليلاً، أريد أن أجمع مبلغاً جيداً من أجل موعدكِ غداً. قالت لي، الله يحفظك يا ولدي، انتبه من الطريق، واقرأ أذكارك.
تحركتُ، وبدأت المشاوير. أول مشوار كان من حي الروضة لمطار الملك عبد العزيز. راكب هادئ، أوصلته وعدت. ثاني مشوار كان من المطار لحي السلامة. الأمور تسير بشكل طبيعي. صارت الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل. بدأت أشعر بالتعب، بدأ ظهري يؤلمني من الكرسي، وعيناي بدأتا تغفوان. توقفت عند محطة وقود على طريق المدينة المتجه جنوباً، وطلبت شاياً عدنياً من بوفيه هناك.
جلست على طرف غطاء المحرك، أشرب الشاي وأراقب الشارع. السيارات بدأت تقل. رائحة الشاي العدني مع رائحة البنزين والغبار، كانت خلطة غريبة، لكنها كانت توقظ حواسي. كنت أتصفح تطبيق التوصيل، أرى الخريطة، كل شيء هادئ. قلت في نفسي، يا فيصل، خذ آخر مشوار، ثم اذهب لإحضار والدتك وعُد للبيت.
وفجأة، رن الهاتف. نظرت في الشاشة. الطلب كان من موقع غريب نوعاً ما، بالقرب من مقبرة حواء. هذه المقبرة قديمة جداً، تقع في حي العمارية الشعبي، وسط جدة القديمة. المنطقة هناك ضيقة، والبيوت فيها قديمة، وبعضها مهجور. من الذي يطلب من هناك في هذا الوقت؟ استغربتُ.
نظرت إلى الوجهة، حي البلد، أزقة حارة المظلوم. لكن السعر؟ هنا كانت الصدمة. الرحلة تظهر لي بمائة وخمسة وثلاثين ريالا! مسافة لا تتعدى ثلاثة كيلومترات تقريباً، بمائة وخمسة وثلاثين ريالا! في العادة هذه الرحلة لا تتعدى ثلاثين ريالا. قلت ربما التطبيق فيه مكافأة عالية بسبب الغبار أو الوقت المتأخر. ضغطت على قبول دون تفكير. مائة وخمسة وثلاثين ريالا ستفعل الكثير، ستشتري دواء والدتي لشهر كامل.
شغلت المحرك، وخرجت من المحطة. دخلت في شوارع حي الشرفية ثم اتجهت جنوباً ناحية العمارية. كلما اقتربت من منطقة المقبرة، تبدأ الإضاءة تضعف. الشوارع تصبح أضيق، والبيوت الطينية المهجورة تبدأ بالظهور على جوانب الطريق. رائحة الغبار صارت أقوى، كأنها رائحة تراب قديم. وصلت إلى الموقع. كان بالضبط عند السور الغربي لمقبرة حواء. السور عالٍ، والأسلاك الشائكة فوقه يبدو لمعانها مع المصباح الوحيد في الشارع. الشارع كان ميتاً. لا توجد حتى قطة تمشي. أوقفت السيارة، وأطفأت الأنوار العالية، وأبقيت فقط على إضاءة خفيفة. نظرت في الجوال مكتوب، لقد وصلت إلى العميل.
مرت دقيقة، دقيقتان، خمس دقائق. لا يوجد أحد. أنزلت الزجاج قليلاً، رائحة المقبرة، يا جماعة، لا أدري كيف أصفها، رائحة رطوبة مع تراب مع شيء يشبه رائحة السدر. كنت أشعر بضيق في صدري من الجو. قلت في نفسي، يا فتى، يبدو أنك تعرضت لخدعة، سأُلغي المشوار وأرحل.
أمسكت الهاتف لأضغط على إلغاء، وفجأة، ودون أن أسمع صوت خطوات، أو حتى صوت سحب المقبض، انفتح باب السيارة الخلفي الذي خلفي مباشرة. انفتح ببطء، وسمعت صوت حفيف عباءة تُسحب على الأرض.
السيارة انخفضت من الخلف، كأن الذي ركب وزنه ثقيل جداً، أو كأن شيئاً كبيراً دخل السيارة. قلت وأنا أحاول أن أكون طبيعياً، السلام عليكم، الوجهة لحي البلد، صحيح؟ لم يأتني رد. هدوء تام. التفتُّ للخلف بسرعة، رأيت خيالاً طويلاً جالساً في المقعد الخلفي. امرأة، طويلة لدرجة أن رأسها كان مائلاً لأن سقف السيارة ضايقها. ترتدي عباءة سوداء، سوادها غريب، كأنه يمتص النور الذي حوله. متغطية بالكامل، حتى يداها لم تكونا ظاهرتين.
قلت مرة ثانية، ونبرة صوتي بدأت ترتجف، يا خالة، هل تسمعينني؟ الموقع يقول حي البلد، صحيح؟ تحركت ببطء، وهزت رأسها فقط. لم تنطق بحرف. حركت المرآة الداخلية لأرى عينيها، لكن المنقبة كانت تخفض رأسها، ولم أكن أرى إلا سواداً.
قلت باسم الله وتوكلت على الله. بدأت أمشي. الشوارع كانت ضيقة، والسيارة أشعر بها ثقيلة بشكل غير طبيعي، كأني أسحب خلفي مقطورة. كنت أضغط على دواسة الوقود والمحرك يئن، كأن هناك قوة تشدنا للخلف.
دخلنا في عمق الأزقة القديمة. البيوت هناك رواشينها خشبية مكسرة، وتشعر وكأن هناك من يراقبك. الغبار صار يضرب في الزجاج الأمامي بشكل غريب، كأنها أصابع تمسح على الزجاج. شغلت المساحات، والمساحات بدأت تُصدر صوت صرير يشنّج الأعصاب. كنت أحاول فتح حديث، أي حديث لأهدئ نفسي. قلت، والله يا خالة، هذه المنطقة قديمة جداً، وأنا منذ زمن لم أدخل هنا في الليل، الجو اليوم غريب، ألا تشعرين بالضيق؟ وفجأة، ردت. وليتها لم ترد والله. صوتها يا جماعة، لم يكن صوت امرأة طبيعية. كان صوتاً مبحوحاً، كأن هناك بحة نحاسية في حنجرتها، وصداه يأتي من كل زوايا السيارة. قالت كلمة واحدة، الغبار يغطي ما لا نريد رؤيته يا فيصل، امشِ ولا تلتفت.
أنا هنا، تجمد الدم في عروقي. فيصل؟ من أين عرفت اسمي؟ التطبيق يكتب لها الكابتن فقط. أنا لم أعرف بنفسي، ولا يوماً رأيتها. قلت لها بقلب يدق بسرعة، عفواً يا خالة، هل نعرف بعضنا؟ من أين عرفتِ اسمي؟ سكتت، ولم ترد. رجعت أنظر في المرآة، ورأيت شيئاً جعلني أريد أن ألقي بنفسي من السيارة وهي تمشي. العيون، العيون التي كانت تحت النقاب، بدأت تظهر. لم تكن عيوناً عادية. كانت واسعة بزيادة، ولونها أصفر فاقع مثل عيون القطط في الظلام، ولم تكن ترمش، كانت مركزة في قفاي، كأنها تخترق الكرسي وتصل لقلبي. لكن قلت في نفسي ربما المرأة مريضة، لأني ذات مرة رأيت فيديو لأفارقة عيونهم صفراء بسبب مرض على ما أتذكر، كل هذه الأفكار فقط لأطمئن نفسي.
في هذه اللحظة، تعطلت السيارة! في منتصف زقاق ضيق، لا توجد إضاءة، والبيوت مهجورة حولنا. حاولت تشغيلها لكنها لم ترغب في العمل. البطارية سليمة، والمحرك يحاول، لكن الماكينة ترفض الدوران. قلت برعب، يا خالة، ثواني فقط، لا أدري ما أصاب السيارة. أنزلت عيني لوحة العدادات، ورأيت إبرة الحرارة قد وصلت إلى اللون الأحمر! كيف؟ أنا بدأت السير للتو، والسيارة جديدة وأحافظ عليها.
وفجأة، سمعت الصوت الذي غير حياتي. طق، طق، طق. صوت آتٍ من تحت المقعد الخلفي. كأن هناك مطرقة تضرب في الحديد الخاص بأرضية السيارة. طق، طق، طق. نظرت في المرآة، المرأة جالسة مكانها، لم تتحرك. لكن الصوت مستمر وتزداد قوته. أنزلت رأسي أنظر تحت المقعد من بين الكراسي، ومن نور شاشة الهاتف الذي كان ملقى على الأرض، رأيت العباءة مرفوعة قليلاً من الأسفل. لم تكن هناك أرجل بشرية، ولا كانت ترتدي حذاءً. رأيت حوافر حمار، سوداء، مشققة، وعليها شعر خشن، وهي التي كانت تضرب في أرضية السيارة بقوة طق، طق، طق.
أنا هنا، فقدت عقلي. صرخت بأعلى صوتي، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! باسم الله! باسم الله! فتحت باب السائق وركضت، ركضت في الزقاق المظلم وأنا لا أرى أمامي. كنت أسمع خلفي صوت ضحكة عالية، صوت يشبه نهيق الحمار ممزوجاً بضحكة امرأة شمطاء. هااااا، هااااا، يا فيصل، أين ستذهب من أمك؟
كنت أركض والبيوت المهجورة كأنها تتحرك معي. كلما دخلت في زقاق، أجد نفسي أعود لنفس المكان الذي فيه السيارة. السيارة كانت واقفة، والباب الخلفي مفتوح، والمرأة الطويلة واقفة خارج السيارة الآن، طولها كان يصل للدور الثاني من البيوت القديمة. كانت تنظر إليّ، ومدت يدها، يدها كانت طويلة، وأظافرها سوداء ومقوسة. قالت بصوت هز جدران حي البلد، الهروب لا فائدة منه، العهد كُتب بدمك منذ اليوم الذي قبلت فيه الرحلة. سقطت على ركبتي، وبدأت أقرأ آية الكرسي وأنا أبكي. الدنيا بدأت تدور بي، والرائحة، رائحة السدر والعفن خنقتني. وفجأة، أغمي عليّ ولا أدري ماذا حدث بعدها.
استيقظت، وأنا مستلقٍ على أرضية خيمة. دقيقة، كيف خيمة؟ أين أنا؟ فتحت عيني بصعوبة، رأيت ناراً مشتعلة في وسط الخيمة، ورأيت رجالاً جالسين حولي، يرتدون ملابس قديمة جداً، وشعرهم طويل، ووجوههم ليس فيها ملامح واضحة بسبب الدخان. واحد منهم اقترب مني، كان غريباً وكأنه قزم، طوله لا يتعدى المتر، يرتدي بشتاً مقصباً بالذهب. قال لي بصوت حاد، صح النوم يا عريس، جهز نفسك، المعازيم وصلوا.
عريس؟ عريس ماذا؟ أنا كنت في سيارتي في حي البلد! حاولت النهوض، لكن جسمي كان مربوطاً بسلاسل جلدية غريبة، رائحتها نتنة. سمعت خارج الخيمة صوت طبول وصوت زغاريد، لكن الزغاريد كانت تشبه صياح الغربان. دخلت الخيمة المرأة، والصدمة هنا أنني تذكرت أن هذه هي نفسها أم غيلان التي كان آباؤنا وأمهاتنا يحذروننا منها ويحكون لنا قصصها. كانت ترتدي ذهباً يغطي صدرها بالكامل، وهذا الذهب كان عليه نقوش عين تتحرك وتنظر إليّ. قالت لي وهي تضحك، ابنتي أحبتك يا فيصل، وقررت أن تكون السلالة الجديدة في قرية الجماجم. أنا هنا عرفت أنني أصبحت في عالم آخر، عالم لا يعود منه إلا مَن كُتب له عمر جديد.
يا جماعة الخير، السلاسل التي كانت على يدي وقدمي لم تكن حديداً، كانت جلداً، لكن ملمسه غريب، ملمس بارد ومقزز مثل جلد الثعبان، ورائحتها، رائحة زفر ودم قديم. كنت أحاول شد يدي، أريد فك نفسي، لكن كلما شددت، كانت السلاسل تضيق أكثر، كأنها كائن حي يشعر بحركتي ويخنقني. الخيمة من الداخل كانت واسعة بشكل لا يقبله العقل، يعني من الخارج تبدو خيمة عادية، لكن من الداخل؟ كانت كأنها صالة أفراح ملكية، لكن ملامحها مرعبة. السجاد الذي تحتي كان لونه أحمر، لكن ملمسه خشن، كأنه شعر بشري منسوج. والنار التي في المنتصف، يا ساتر من تلك النار، لهبها كان لونه أزرق يميل للخضرة، ولم تكن تصدر حرارة، بالعكس، كانت الخيمة ثلجاً، لدرجة أن عظامي كانت تطقطق من البرد.
القزم الذي كان يرتدي البشت الذهبي، اقترب من وجهي أكثر. وجهه، يا ساتر، وجهه كان كأنه قطعة عجين مضغوطة، ليس فيه ملامح واضحة، عيناه كانت مجرد ثقوب سوداء غائرة، والضحكة التي تخرج منه كانت تشبه صوت احتكاك الصخور ببعضها. قال لي وهو يمسح على البشت الذي ألبسوني إياه غصباً، يا فيصل، لا تتعب نفسك. غداً ستصبح واحداً منا، وسنسكن في عروقك ونعيش في ظلك. ابنتي حلمت بك منذ سنين، واليوم حلمها صار حقيقة.
قلت له، ابنتك؟ أي بنت؟ أنا لم أرهم يوماً ولا عرفتهم! نظرت إليه وقلت، يا ابن الحلال، أنا لا ذنب لي، أنا مجرد سائق، والله العظيم لدي أم وأخت تنتظرانني، فكوني وخذوا السيارة، خذوا كل شيء! ضحك القزم، والضحكة انتشرت في الخيمة كلها، كأن هناك مئة شخص يضحكون في نفس الوقت. ردت أم غيلان من خلفي، وصوتها كان كأنه رعد مكتوم، السيارة يا فيصل؟ السيارة الآن أصبحت في قاع الأربعين، أما أنت، فمهرك غالٍ، ومهرك هو سنينك القادمة.
وفجأة، دخلت العروس. يا جماعة، والله العظيم إن لساني انربط. كانت ترتدي فستان عرس أبيض، لكن الفستان كان مهلهلاً ومقطعاً، وعليه بقع سوداء كأنها زيت محروق. كانت طويلة، أطول من أمها. طولها كان يجعلها تضطر للانحناء كي لا يضرب رأسها في عمود الخيمة. كانت تغطي وجهها بطرحة ثقيلة، لكني كنت أرى من تحت الطرحة حركة غريبة، كأن وجهها يتحرك أو يتبدل تحت القماش.
جلست بجانبي على الكرسي العالي. رائحتها فاحت في المكان، رائحة جثة متحللة قوية لدرجة أن رأسي بدأ يدور، وبدأ يغمى عليّ من قوة الرائحة. أمسكت يدي، كانت يدها ناشفة مثل خشب الشجر الميت، وأظافرها كانت طويلة وحادة، غرزتها في كفي حتى شعرت بدمي يسيل. قالت بكلمات متقطعة، كأنها لا تزال تتعلم الكلام، فيصل أنا أحبك. هنا رأيت شريط حياتي أمام عيني. المهم في تلك اللحظة، بدأ العرس الحقيقي. الأقزام الذين كانوا بالخارج، دخلوا الخيمة. بدأوا يرقصون رقصاً غريباً، رقصاً دائرياً حول النار الزرقاء. كانوا يضربون الأرض بحوافر حمار، نفس الصوت الذي سمعته في السيارة طق، طق، طق. الصالة بدأت تضيق عليّ، والوجوه بدأت تتلاشى في الدخان.
جاء واحد منهم، يحمل صينية نحاسية كبيرة. الصينية كان فيها شيء يهتز. قربها من وجهي، وهنا كانت الصدمة. تخيلوا وجدت فيها، أكباد لحيوانات لا تزال تنبض، وعليها سائل أسود لزج. قال القزم، كُل، هذا زاد العريس، لكي تستطيع إكمال ثلاث وعشرين ليلة. قلت له وأنا أرتجف، ثلاث وعشرين ليلة؟ ماذا تقصد؟ قال، كل ليلة في عالمنا، تساوي سنة في عالمكم، أنت هنا ستقضي ثلاث وعشرين سنة من عمرك في ليلة واحدة، ولما تعود، ستجد نفسك قد كبرت، وأهلك نسوك، أو لحقوا بالقبور.
أنا هنا انهرت. بدأت أبكي وأصرخ بكل ما أوتيت من قوة، يا رب! يا رب رحمتك! يا ذا الجلال والإكرام! أول ما نطقت اسم الله، الخيمة اهتزت! النار الزرقاء انطفأت لثانية وعادت واشتعلت بلون أحمر مخيف. أم غيلان صرخت صرخة شقت أذني، واقتربت من وجهي، وعيناها التي كانت صفراء صارت جمراً يغلي. قالت لي وهي تخنقني بيدها الطويلة، لا تنطق هذا الاسم هنا! هنا قانوننا نحن!
يا جماعة، ما حدث بعدها كان أغرب من الخيال. بينما هم مشغولون بصرختها، والعروس كانت تهتز بجانبي، لمحت في زاوية الخيمة شخصاً غريباً. كان شيخاً، يرتدي ثوباً أبيض نظيفاً بزيادة، وشماغه لونه أحمر زاهٍ، كان يشبه أبي رحمه الله بكل تفاصيله. ركزت في السلاسل، ووجدت أن مكان ما غرزت العروس أظافرها وسال دمي، السلاسل بدأت تذوب! دمي كان كأنه نار تحرق الجلد الملعون الذي يربطني.
أخذتني العزة، وشددت يدي بكل قوتي. السلسلة انقطعت بصوت يشبه صوت تمزق القماش. الأقزام التفتوا إليّ، وجوههم الممسوحة بدأت تخرج منها أسنان حادة وطويلة. أم غيلان صرخت، أمسكوه! لا يهرب العريس! نهضت من الكرسي، ودفعت العروس بكل قوتي. سقطت على الأرض، وطارت الطرحة عن وجهها، وهنا رأيت الكارثة. العروس لم يكن لها وجه. كان مكان وجهها فتحة واسعة، داخلها أسنان دوارة، وكأنها مفرمة لحم. ركضت خارج الخيمة، وأول ما خرجت، انصدمت بالمنظر.
لم أكن في جدة، ولا كنت في حي البلد. كنت في صحراء غريبة، رمالها لونها رمادي مثل الرماد، والسماء لونها بنفسجي غامق، وليس فيها نجوم. البيوت التي كنت أراها في حي البلد، كانت هنا عبارة عن هياكل عظمية لبيوت قديمة. بدأت أركض كالمجنون لا أعرف أين سأذهب، والحوافر خلفي طق، طق، طق، طق. وفجأة كلاب بدأت تلاحقني الآن، لكن أحجامها كانت بحجم الخيول، وعيناها تبرق في الظلام. كنت أشعر بالأرض تحت قدمي تغوص في الرمل، كأنها تريد ابتلاعي.
فجأة، سمعت صوت سيارة! التفتُّ جهة الصوت، ورأيت أنواراً بعيدة، أنواراً صفراء مألوفة. ركضت باتجاه الأنوار، وكنت أسمع أم غيلان تناديني بصوت يشبه فحيح الأفاعي، فيصل، لا تذهب للضوء، الضوء سيحرقك! لم أسمع لها، أكملت ركضي حتى وصلت عند شارع معبد بالأسفلت. وقفت السيارة أمامي، كانت كامري موديل ألفين وثمانية عشر. سيارتي! لكن السيارة كانت مصدومة من الأمام، والزجاج مكسر، وداخلها غبار كثيف.
فتحت باب السائق وركبت. المفتاح كان في مكانه. حاولت تشغيلها. لكن الكلاب اقتربت، أحدها قفز على غطاء المحرك وبدأ يكسر في الزجاج الأمامي برأسه. صرخت، يا رب! يا رب أنت سندي! وضعت ناقل الحركة في وضعية الرجوع وضغطت على الوقود، المحرك اشتغل بصرخة قوية، وانطلقت السيارة للخلف بسرعة جنونية. العالم من حولي بدأ يتفكك كأنه ورق يحترق. البيوت العظمية تلاشت، والسماء البنفسجية بدأت تنقلب سوداء. وفجأة، شعرت بضربة قوية في رأسي، وكأن السيارة انقلبت بي. وأغمي عليّ.
فتحت عيني، رأيت قماشاً أبيض فوق رأسي. قلت في نفسي، أنا في الكفن؟ هل مت؟ حاولت تحريك يدي، وجدت فيها إبرة مغذٍ. سمعت صوتاً ينادي، فيصل؟ فيصل هل تسمعني؟ كان صوت نورة أختي. لكن صوتها كان ثقيلاً. فتحت عيني بالكامل، وانصدمت. نورة كانت واقفة بجانبي، لكن وجهها كان أكبر، كبرت ملامحها، وصارت ترتدي لباس الموظفات. قلت بصوت مبحوح، نورة؟ ماذا حدث؟ أين أمي؟ نورة بدأت تبكي بكاءً يقطع القلب. جاء الدكتور، شيخ سعودي محترم، نظر إليّ وقال، الحمد لله على السلامة يا فيصل، هذه معجزة، والله العظيم معجزة.
قلت له، يا دكتور، أنا ماذا جرى لي؟ أنا كنت في مشوار في حي البلد، وتعطلت السيارة عند مقبرة حواء، أين سيارتي؟ الدكتور نظر إلى نورة، وبعد ذلك جلس بجانبي وقال، فيصل، استهدِ بالله. أنت كنت مفقوداً. قلت له، أعرف، نمت ليلة في الخيمة مع أولئك المجانين، لكن أكيد الوالدة حزنت لأني تأخرت. نورة صرخت وهي تبكي، ليلة يا فيصل؟ أنت اختفيت لمدة ثلاث وعشرين يوماً وبعد أن وجدناك دخلت في غيبوبة لمدة ثلاث سنوات! تجمدت في مكاني. ثلاث سنوات؟
قالت نورة، وجدنا سيارتك بعد أسبوع من اختفائك، كانت واقفة في شاطئ السيف جنوب جدة، والسيارة كانت في منتصف البحر. الشرطة سحبوا السيارة، ولم يجدوا فيها أحداً، وكاميرا السيارة كانت ممسوحة تماماً. قلت برعب، حسناً، والوالدة؟ نورة خفضت رأسها وسكتت. الدكتور قال بصوت هادئ، الوالدة تعبت بعد اختفائك بأسبوع، دخلت العناية، ولم تتحمل الصدمة، الله يرحمها ويغفر لها. أنا هنا، الدنيا دارت بي يا جماعة. أمي ماتت؟ بسببي؟ صرخت صرخة هزت المستشفى كله، وبدأت أنزع المغذي من يدي.
لكن نورة أمسكتني وقالت، فيصل، هناك شيء آخر يجب أن تعرفه. قلت لها، ماذا؟ ماذا بقي أكثر من ذلك؟ قالت، الشرطة عندما فحصوا السيارة بعد سحبها من البحر، وجدوا شيئاً في المقعد الخلفي. قلت بقلب يرتجف، ماذا وجدوا؟ قالت، وجدوا خصلة شعر طويلة جداً، لونها أبيض، ووجدوا طبعة حوافر محروقة في جلد المقعد، كأن هناك حديداً حاراً طبع عليها، والأسوأ من ذلك، وجدوا رسالة مكتوبة بالدم على سقف السيارة من الداخل.
بلعت ريقي وقلت، ماذا كُتب فيها؟ نورة غطت وجهها بيدها وقالت، مكتوب، العريس هرب، لكن المهر لا يزال عندنا، سنعود إليك في ليلة الغبار القادمة. أنا بعدها دخلت في صدمة نفسية كبيرة، تأكدت أن القصة لم تنتهِ، وصرت إنساناً موسوساً من كل شيء.
بعد أن خرجت من المستشفى، لم أستطع البقاء في جدة. بعت السيارة بثمن بخس، سكنت في قرية نائية في الشمال، أعمل في مزرعة بسيطة، وبعيد عن أي تكنولوجيا أو تطبيقات توصيل. نورة تزوجت واستقرت في الرياض، وكلما كلمتني تقول لي، يا فيصل، عُد، الدنيا أمان. لكني أعرف أنها ليست أماناً.
أتدرون لماذا؟ لأني منذ يوم عودتي، وأنا أشعر بجسمي يتغير. عندما أنظر في المرآة، أرى شعري صار أبيض بالكامل، رغم أني لا أزال في الثلاثين. وعظامي، أشعر فيها بآلام لا يشعر بها إلا الشيوخ فوق الثمانين. كأن كلام القزم كان صدقاً، أنا فعلاً قضيت ثلاث وعشرين سنة في تلك الليلة، والآن جسمي يطالب بسنينه الضايعة.
قبل أسبوع، استلمت رسالة على هاتفي الجديد. الرسالة كانت من رقم أمي رحمها الله. فتحت الرسالة، ولم يكن فيها إلا تسجيل صوتي مدته خمس ثوانٍ. شغلته، ولم أسمع إلا صوت طق، طق، طق، وصوت ضحكة أم غيلان وهي تقول، الغبار بدأ يهب يا فيصل، جهز نفسك للزفاف الثاني.
يا جماعة الخير، أنا حكيت لكم قصتي ليس من أجل إخافتكم فقط. أنا حكيتها لكي أقول لكل واحد فيكم، هذه الدنيا فيها فجوات، وفيها بوابات تفتح في أوقات لا نتوقعها. لا يغرنك المال، ولا يغرنك السعر العالي لمشوار في منتصف الليل. إذا كنت سائق تطبيق، وجاءك طلب من مكان مشبوه أو بسعر عالٍ في وقت متأخر تعوّذ من إبليس وألغِ المشوار. تحصنوا بأذكاركم، ولا تتركوا صلاتكم، لأن أم غيلان لا تزال تبحث عن عرسان، وحوافرها لا تزال تضرب، تنتظر ليلة غبار ثانية، لكي تسرق سنيناً جديدة من أعمار الغافلين. في أمان الله، وربي يحفظكم من كل شر.
:تنبيه وإخلاء مسؤولية ⚠️
كل الحقوق محفوظة للكاتب ريان بن مزيان. جميع القصص المعروضة هي من وحي الخيال ومن تأليف الكاتب، وإن تشابهت الأحداث أو الأسماء مع أي قصة حقيقية فهذا من باب الصدفة المحضة، والأماكن المذكورة في القصص تُستخدم لأغراض السرد الدرامي فقط، ولا يُقصد بها الإساءة لأهلها أو سكانها الكرام.
