رواية خوفاً من نبضة - الفصل الثالث
جاري التحميل...
الفصل الثالث
.........
كان مكتب أركان يشبه محراباً للصمت؛ الجدران مكسوة بالخشب الداكن الذي يمتص الأصوات، والإضاءة مسلطة فقط على سطح المكتب الرخامي، وكأن العالم الخارجي لا يستحق أن يُرى.
أركان لا يشرب القهوة ليبدأ يومه، بل ليشحذ حواسه. يمسك بالكوب الخزفي الأسود، يراقب بخار الإسبريسو "الريستريتو" الكثيف. يرشفها ببطء، يستمتع بمرارتها التي تضرب سقف حلقه، يرفض إضافة حتى ذرة سكر واحدة؛ فالحلاوة في قاموسه "تزييف للواقع". بالنسبة له، هذا الكوب هو العلاقة الأصدق في حياته: مرّة، واضحة، ولا تخدعه بوعود وردية.
حين دخلت هي، لم يتحرك جسده الضخم قيد أنملة. ظل منكباه العريضان ثابتين كصخرة غرانيتية. كانت ترتدي فستاناً يحاول لفت الانتباه، لكنها أمام هيبته وشعرت وكأنها عارية من القوة.
رفع أركان رأسه ببطء، عيونه الزيتونية المايلة للرمادي كانت تلمع ببرود معدني، نظرة لا تقرأ الجمال، بل تقرأ "مدى الصمود". وضع القلم الذهبي جانباً، وأشار بسبّابته نحو الورقة الملقاة أمامه.
صوته الرخيم، العميق، الذي يخرج من حنجرته بهدوء مخيف، قطع حبال صمتها:
"قبل أن تمسكي القلم، هناك بندان لا يقبلان النقاش، وإن كُسرا، يُلغى العقد ويُرمى بكِ خارج أسوار مملكتي دون ليرة واحدة."
ثبّت نظره في عينيها ليكمل:
"أولاً: الاهتمام. لا تطلبي مني سؤالاً عن يومك، ولا تنتظري مني التفاتة إذا مرضتِ، ولا تتوقعي أن ألاحظ قصة شعرك أو لون ثيابك. أنتِ هنا لإكمال صورة اجتماعية، لا لملء فراغ عاطفي لا أملكه أصلاً."
ابتلع ريقه ببرود وتابع وكأنه يقرأ حكماً بالإعدام:
"ثانياً: كلمة (حب). هذه الكلمة محرمة في جناحي الخاص وفي مكاتب شركتي. لا تنطقيها، لا تلمحي لها، ولا تحلمي بها. من يوقع عقداً مع أركان، يوقع على صفقات مالية، وليس على نبضات قلب. أنا رجل بلا قلب، والورقة التي بين يديكِ هي الميثاق الوحيد الذي يربطنا."
كانت هي تحاول استجماع شتات نفسها، بينما كان هو يراقب الساعة ببرود. الوقت بالنسبة له أثمن من دموعها التي بدأت تلمع في عينيها.
"لديكِ عشر ثوانٍ.. إما التوقيع والدخول إلى عالم الرفاهية الميتة، أو الخروج والعودة لحياتك البسيطة المليئة بالأوهام الورادية."
لم يكن أركان يمزح، ولم يكن يحاول إخافتها؛ كان ببساطة يعرض حقيقته العارية. خلف قميصه الأبيض المشدود الذي يخفي أسرار ظهره، وخلف هيبته التي تزلزل الجبال، كان هناك رجل قرر أن يعيش في "منطقة الصفر"، حيث لا مشاعر، لا خذلان، ولا ألوان.. فقط "أركان".
حبر على ورق.. ومشاعر تحت الصفر
ساد صمت جنائزي في المكتب، لم يقطعه سوى طنين جهاز التكييف الخفي الذي يحافظ على درجة حرارة الغرفة عند 19 درجة مئوية؛ وهي الدرجة التي يفضلها أركان ليبقى ذهنه حاداً كالشفرة. كانت الورقة ملقاة على سطح المكتب الرخامي الأسود، تبدو كأنها وثيقة تنازل عن الروح وليست عقد شراكة اجتماعية.
أركان لم يكن ينظر إليها، بل كان يراقب حركة القلم في يدها. كان يرشف من قهوته السوداء ببطء، وعيونه الزيتونية المائلة للرمادي تلمع تحت إضاءة المكتب الخافتة مثل عيني صياد يراقب فريسته وهي تقع في الفخ بكامل إرادتها. منكباه العريضان كانا ثابتين، وقميصه الأبيض المشدود يعكس انضباطاً عسكرياً لا يلين.
ترددت أصابعها فوق خانة التوقيع، رفعت رأسها لتنظر إليه محاولةً إيجاد ثغرة إنسانية واحدة في ملامحه الرخامية.
* هي (بهمس مرتجف): "أنت حقاً تعني كل كلمة هنا؟ (يُمنع طلب الاهتمام).. (يُمنع التعبير عن أي عاطفة).. (يُمنع لمس اليد إلا للضرورة البروتوكولية)؟ ألا تظن أنك تبالغ في قسوتك؟"
وضع أركان كوب القهوة بهدوء أصمّ، وسند ظهره المستقيم على كرسيه الضخم، وشبك أصابعه الطويلة أمام وجهه، ونظر إليها بنظرة جردتها من كل دفاعاتها.
* أركان (بصوته العميق الهادئ): "أنا لا أبالغ، أنا أضع حدوداً. العالم الذي أعيش فيه لا مكان فيه للصدفة أو للمشاعر العابرة. أنتِ الآن تبرمين صفقة مع أركان ولستِ في موعد غرامي. الاهتمام الذي تبحثين عنه هو "ضجيج" لا أحتاج لسماعه، والكلمات الدافئة هي وقود للضعفاء.. وأنا لم أصل إلى هنا بالضعف."
سحبت الورقة لتقرأ البند الأخير مرة أخرى: "في حال حدوث أي محاولة لكسر الحاجز العاطفي أو التلميح بكلمة (حب)، يُعتبر العقد لاغياً وتُصادر كافة الامتيازات المالية."
أمسكت القلم الذهبي الثقيل الذي قدمه لها. كان ملمس المعدن بارداً تماماً كصاحبه. في اللحظة التي لامس فيها سن القلم الورقة، شعرت بهيبة أركان تزداد ضغطاً على أنفاسها. بدأ الحبر الأسود يسيل ليرسم اسمها بجانب ختمه الخاص.
بمجرد أن انتهت من التوقيع، لم يبتسم أركان، لم يقل "مبروك"، ولم يمد يده ليصافحها. بل قام بمد يده ببرود تام وسحب الورقة من أمامها بلمحة سريعة. جفف الحبر بقطعة من الورق النشّاف، ووضع العقد في ملفه الجلدي.
"الآن، أنتِ رسمياً تحت حمايتي، وضمن ممتلكاتي الاجتماعية. غداً سيبدأ تدريبك على كيفية الظهور بجانبي. تذكري دائماً.. نحن نمثل (القوة)، والقوة لا تبكي، لا تشكي، ولا تحب."
قام من خلف مكتبه، طوله الفارع جعل سقف الغرفة يبدو منخفضاً. مشى باتجاهها، وحين صار بجانبها مباشرة، توقف للحظة. شعرت بحرارة جسده رغم برود روحه، وفاحت رائحة عطره (الأخشاب المحروقة) التي تغلغلت في حواسها. وضع يده على طرف الكرسي، وانحنى قليلاً ليكون بمستوى أذنها، هامساً بصوت رخيم بعث القشعريرة في جسدها:
"لا تحاولي أبداً البحث عما يوجد خلف هذا العقد.. لأن ما ستجدينه لن يعجبكِ."
التف وأعطاها ظهره العريض، متجهاً نحو النافذة ليراقب المدينة، تاركاً إياها غارقة في صدمة هذا الكيان البشري الذي يرفض أن يكون بشراً.