الليلة الاربعون | الفصل الثانى:الباب المفتوح
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الليلة الاربعون | الفصل الثانى:الباب المفتوح

جاري التحميل...

الفصل الثانى:الباب المفتوح

كانت رائحة الطعام ممتزجه بنسيم البحر الذي يتسلل من الشرفة، والبيت كله بدا وكأنه يستعيد حياته من جديد. جلسا سويا على الطاولة، حديثهما ينساب بين الضحك والذكريات الصغيرة، وكل شيء حولهما ،من النوافذ المفتوحة إلى ألوان السماء عند الغروب يذكرهما بأن الحياة رغم كل شئ، ما زالت تمنح فرصًا للدفء والفرح، قالت يارا بينما ترى والدها يأكل:

تحميل الفصول...
المؤلف

فتح عادل الباب، شعور بارد يلتف حول كفيه، لكنه لم يعد نفس الخوف الذي عاشه في ذكرياته. كان الباب المفتوح هو الجسر بين الألم الذي خلفه والواقع الذي يفرض نفسه الآن. وراء الباب، كانت يارا واقفة، عيناها تبحثان عنه، تنتظره ليحميها من الحزن الذي لم يعد يملك قوة الإمساك بها طالما هو معها ، قال لها وهو يراها كالقمر امامه:
_هل تعرفين يا ابنتى ، انا لا اجد السعادة إلا على هذه العتبة ، وكلما طللت إليكى أشعر بأنى على قيد الحياة .

همت يارا إليه وعانقته بقوة قائلة تمازحه:
_كفاك من هذا الكلام المعسول وهيا فقد أعددت اشهى عشاء سوف تأكله فى حياتك. 

كانت رائحة الطعام ممتزجه بنسيم البحر الذي يتسلل من الشرفة، والبيت كله بدا وكأنه يستعيد حياته من جديد. جلسا سويا على الطاولة، حديثهما ينساب بين الضحك والذكريات الصغيرة، وكل شيء حولهما ،من النوافذ المفتوحة إلى ألوان السماء عند الغروب يذكرهما بأن الحياة رغم كل شئ، ما زالت تمنح فرصًا للدفء والفرح، قالت يارا بينما ترى والدها يأكل:
_ها، مارأيك ؟ ، هل أكلت طعاماً من قبل أشهى من هذا؟

ابتسم لها عادل بصفاء وقال :
_هذا اجمل ما اكلت طوال حياتى ، ربما لان الحب هو المكون الاساسى لهذه المائدة .
ابتهجت يارا ثم قالت ممازحة أياه :
_وربما ببساطة لأننى أفضل طاهية فى القرية .

شعرت يارا بأن والدها حزين رغم تلك البسمة المرتسمة على شفتاه ، فأردفت قائلة:
_ولكن بالتأكيد أنا لن اضاهى أبدا فاطمة حبيبة القلب .

نظر لها عادل ثم اتسعت ابتسامته وضحك على حين غره من ماجعل يارا تتعجب ولكنه سرعان مابرر الأمر:
_منز زواجى بفاطمة ومن الليلة الاولى وهى لم تضع قدرة على الموقد قط ، انا من كنت اطهو لذلك يجب عليكى شكرى يا فتاة فلقد ورثتى الموهبة عنى .

قامت يارا من جلستها ثم قالت بتعجب:
_لم تكن تعرف كيف تطبخ ؟؟ ، لقد كانت دائما تقنعنى انها امهر طباخة على وجه البسيطة .

زادت ضحكات عادل حتى ادمعت عيناه ثم قال بنبره جاده:
_كفانا لهوا يا صغيرتى ولتستعدى للغد فأمامنا يوم طويل جداً، أريدك أن تنامى جيداً.

سادت لحظة صمت قصيرة، لم يقطعها سوى صوت الموج البعيد. كانت يارا تجمع الصحون ببطء، بينما ظل عادل جالسًا مكانه، يراقب انعكاس الضوء على الحائط بينما تتزاحم العديد من الافكار داخله.

قال فجأة، بنبرة بدت هادئة أكثر مما ينبغي:
يارا...

التفتت إليه فورًا:
نعم يا أبي؟

تنحنح عادل، ثم نهض واقترب من النافذة، فتحها قليلًا، فاندفع هواء بارد إلى الغرفة. قال دون أن ينظر إليها:
غدًا، بعد أن تنتهي من درسِك في الكُتّاب، سنذهب إلى حضرة الشيخ ياقوت،توقفت يارا عن الحركة، وحدقت في ظهره قائلة :
الشيخ ياقوت؟... ولكننى لم أزره منذ زمن.

أومأ عادل ببطء، ثم استدار إليها، وكانت ملامحه جادة على غير عادتها:
أعلم... ولكن الغد ليس كغيره من الأيام،اقتربت يارا خطوة، وقد تسلل القلق إلى صوتها:
ولِمَ هو يوم مهم إلى هذا الحد؟

نظر إليها طويلًا، كأنه يزن كلماته قبل أن يتركها تسقط:
لأن بعض الأمور، يا ابنتي، لا يجوز تأجيلها أكثر من ذلك. هناك أشياء يجب أن تُقال، وأبواب يجب أن تُطرق قبل أن تُغلق إلى الأبد.

شعرت يارا بقشعريرة خفيفة تسري في ذراعيها، لكنها حاولت أن تبتسم:
هل أخطأت في شيء؟
هز رأسه سريعًا، واقترب منها ووضع يده على رأسها بحنان:
أبدًا... ولكن الغد سيكون بداية فهم، وليس نهاية براءة.

ابتلعت يارا ريقها، ثم قالت بصوت خافت:
سأذهب إلى الكُتّاب باكرًا إذن.

ابتسم عادل ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عيون يارا :
جيد... أريدك أن تكوني مستعدة. فغدًا، يا يارا، لن نعود كما نذهب.

انقضى الوقت ساعة تلو الاخرى ، وانشق الظلام ليكشف عن شمس الصباح ، استيقظت يارا وارتدت عبائتها السوداء الطويله و نقابها الذى غطى كل وجهها إلا عينيها ، ثم اخذت مصحفها الذى ورثته عن امها تحت فى حقيبة قماشيه بنيه اللون حاكتها بنفسها، ارتدت حذائها الاسود وقفازين بنفس اللون حتى تغطى يديها ثم توجهت تودع والدها قبل أن تسلك الدرب الطويل نحو الكتاب،كانت بينما تسير تسبح وتردد بعض الأيات مثل عادتها فى كل مرة تسير بها فى هذا الطريق ، هذا يشعرها بالامان ويغلف قلبها بالطمأنينة على جانبى الطريق كانت الاشجار المثمرة تشكل سلسال مستمر وكأنها سور عظيم ، بينما كان الطريق مصنوع من الرخام ورمال البحر ، بعد مسيرة طويلة ، وصلت إلى الكوخ الذى تعيش به كوثر ، كانت هى محفظتها ومعلمتها ورغم أن كوثر ثرية إلا أنها كانت زاهدة فى الحياة ، تعيش فى ذلك الكوخ الصغير مع ابنتيها أما جلسات التحفيظ فكانت تقام فى الساحة امام الكوخ ، طرقت يارا الباب ثلاث مرات وسمعت صوت انين يأتى من الداخل ثم تبعة سؤال:
_من الطارق ؟ 

كانت كوثر التى استندت على عصاها العاجية وسارت بخطوات بطيئة نحو الباب وهى تردد:
_من الطارق ؟

فى المرة الثانية سمعتها يارا لتجيب مسرعة:
_هذا أنا يا شيختى الجليلة تلميذتك يارا.

وضعت كوثر يدها على مقبض الباب وفتحت ليارا بينما تبتسم قائلة:
_ابنه الغالية ، اشتقت لكى كثيراً ، كم مضى منذ أن رأيتك أخر مرة .

اجابت يارا :
_جمعتين .

امتعضت كوثر ولكنها اخفت ذلك ثم نظرت إلى عيون يارا قائلة:
_اننظرينى هنا ، سوف احضر مصحفى ووسادتى واعود اليكى .

دخلت كوثر إلى غرفتها واحضرت حاجياتها ثم توجهت إلى الخارج .

عند خروجها، كان ضوء الصباح قد افترش الرمال، حتى لمعت حباته ك اللؤلؤ المكنون، نظرت كوثر برويه إلى الساحة ثم سارت خطوة تلو الاخرى بوقار ، وتبعتها يارا ، عند وصولهم إلى الساحة جلست كوثر على مصطبة حجرية واسندت ظهرها إلى وسادتها ووضعت عصاها جوارها ثم نظرت إلى الفتيات امامها وقالت : 
_افتحوا مصاحفكم ولنبدأ القرأة من بداية سورة الكهف . 

كانت يارا تقرأ أيه تلو الأخرى مع الفتيات ولكن لسانها كان اثقل من بقيتهن وقلبها كان غير مطمئن و على غير عادتها لم تكن تتدبر ما تقرأه 
كل ما كان يشغل فكرها هو كلام والدها لها ليله البارحة عن وجوب الذهاب معه إلى حضرة الشيخ ، تلك الربكة لفتت نظر كوثر التى كانت رغم بلوغها الستين فطنه ومتيقظة بما يكفى لتقرأ الخواطر من اقل التعابير ، كان لديها موهبة فطرية فى ذلك ، بعد ان انتهى الفتيات وعددهن خمسون فتاة من القرأة ، قالت لهن:
_معذرة يا بناتى فشيختكم صارت عجوزة ، وقد غلبنى التعب ، سوف نتوقف هنا ونكمل الجمعة القادمة بحول الله . 

كان شعور الفتيات ممتزج بين الحزن على عدم اكتمال الجلسة والقلق على صحة معلمتهن ، أما يارا فدق قلبها عند انتهاء الجلسة لانها كانت تخشى هذه اللحظة ، انصرف جميع الفتيات وعندما حانت اللحظة لتنصرف يارا لمقابلة والدها ، سمعت كوثر تناديها بصوت جهور:
_إلى أين تظنين أنكى ذاهبة أيها البليدة.

ألتفتت يارا إليها غير مدركة لسبب غضب معلمتها.

حتى اردفت كوثر:
_منذ قدومك إلى هنا وانا اشعر انكى مختلفة ، وان هناك شئ تريدين ان تزيحيه عن كاهلك ولكننى صبرت ، وكان صبرى سيصل إلى نهاية الجلسة حتى استوقفتنى قرأتك لكتاب الله دون تركيز منك أو تدبر ، وكأنكى لستى أنتى .

اقتربت منها يارا وقالت بنبره هادئة نادمة لانها ادركت فعلتها:
_انا جد أسفة يا شيختى الجليلة ولكنى ....

توقفت يارا عن الكلام فقالت كوثر بغضب:
_افصحى عن مبررك ، ازيحى هذا الحجر العظيم الذى يؤرقك .

اكملت يارا وصوتها مرتجف:
_لقد طلب منى أبى أن أذهب معه إلى حضرة الشيخ ياقوت بعد الكتاب مباشرة .

عم صمت مهيب تخلله هديل الرياح الباردة ليتسلل سؤال كوثر بين ثناياه :
_هل أخبرك ما هو سبب هذه الزيارة .

اومئت يارا :
_قال أن الوقت قد حان لاعرف الحقيقة واغلق الباب المفتوح .

صمتت كوثر لأنها أدركت أن اليوم من الايام الثقال ، التى لاتحب أن تشهدها ، اليوم سوف تعرف الفتاة سبب وجودها فى الحياة ، كم سوف يكون هذا شاق عليها وكم تشفق عليها من كل حرف سينطق به لسان الشيخ ، تغيرت ملامح كوثر من الغضب إلى السكينة والهدوء وقالت بحنو:
_لاتخافى يابنيتى فالشيخ ياقوت رجل طيب يحبك أنتى ووالدك وكل ماسوف يقال لكى سيكون لصالحك وصالحنا جميعا ، أريدك أن تصغى إليه جيدا فكلماته كالقارب الذى سيحملك إلى بحر النور . 

بجوار بيت ال ريان قبل ساعة من الأن كان عادل يحرث الأرض التى تجاور البيت بثلاث كيلومترات ، مشمرا عن ساعدية كان يطرق على الأرض بكل قوة بينما جسده كان يتصبب عرقا من فرط الجهد الذى بذله ، ومع كل طرقة خيل له أن الصدوع تطلق همسات فى اذنية ، هذه الأرض التى تحمل الماضى والحاضر والمستقبل ، الكذب والحقيقة ، وتسمح بأن يسير فوقها الصالح والطالح ، منذ خمس سنوات كانا يقفان سويا هنا فى نفس هذه البقعة هو والشيخ ياقوت ، منذ خمس سنوات ومازال يرى تلك اللحظة مرارا وتكرارا وكانها نسخت فى كل ورقة فى صحيفته ، وقتها قال الشيخ:
_اسمعنى يا عادل ، يجب أن لا تتردد فى اتباع وصيه زوجتك ، التردد يعنى هلاك كل فرد على هذه الأرض .

ابتلع عادل ريقة ثم قال:
_اخبرنى يا شيخ كيف اتبع واطيع ما لا افهمه .

جذب ياقوت لحيته قائلا:
_مثلما أتبع نبى الله موسى سيدنا الخضر ، ولكن الفرق أننى سأمهلك فرصة واحدة فقط ، فرصة لتنقذنا او تودى بنا جميعا.

قال عادل متسائلا:
_ما السبب ، لماذا أبنتى لايمكنها أن تحب مثل باقى الفتيات وتتزوج ويكون لها مستقبل ، اخبرنى .

بدى على الشيخ ملامح تشفق على عادل فهو يفهم مشاعره ، هو ايضا كان أب فى يوم ما :
_عندما تبلغ الفتاة سن الخامسة عشر ، تعال بها إلى الحضرة ، سوف أكون بانتظاركم سويا لأخبرك بكل شئ . 

انصرف الشيخ ياقوت تاركاً عادل يغرق فى تساءلاته ، تمزقه نار المجهول ، فما أسوء أن لاتعلم ، ومع اقراب فتى صغير منه يدرك عادل أن السنين قد مرت وان الوقت حان ، قال له الفتى:
_إن شيخنا الكبير قد ارسلنى لك يطلب منك المرور على كوثر لاحضار ابنتك ثم التوجه مباشرة إلى اليه.

توقّف عادل عن الحرث فجأة.
ظلّ الفأس مرفوعًا في الهواء لحظة، قبل أن يتركه يسقط على الأرض سقوطًا أجفل الطيور من حوله. التفت إلى الغلام الصغير الواقف غير بعيد، وقد بدت على وجهه علامات الترقّب.
قال عادل بصوتٍ خافتٍ لكنه حازم:
_عُد إلى شيخك، وأبلغه أننا قادمون.

أومأ الغلام برأسه، ثم انطلق مسرعًا، بينما بقي عادل واقفًا مكانه، يتنفّس بعمق، كأنه يلتقط أخر أنفاسه فى الحياة ،نظر إلى الفأس الراقدة عند قدميه، ثم ركلها بعيدًا، وتمتم: 
_اللهم سلّم.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدّل ثيابه، وارتدى جلبابه النظيف، وشدّ عمامته بإحكام، كأنما يُهيّئ نفسه لمواجهة قدرٍ مؤجَّل. ثم توجّه بخطى ثابتة نحو ساحة كوخ الشيخة كوثر،حين بلغ الساحة، وجد كوثر جالسة على مصطبتها الحجرية وامامها يارا تقف مطرقة الرأس والقل يضطرب فى عينيها . 

رفعت كوثر بصرها إليه، وقالت بهدوء:
_اهلا يا عادل، لقد كنا بأنتظارك.

تقدّم عادل خطوة، ثم قال:
_لقد آن الأوان يا يارا.

رفعت يارا رأسها و اقتربت من أبيها دون أن تنطق. نظر إليها عادل نظرة طويلة، ثم قال: 
_هل أنتِ مستعدة؟

أجابت بصوتٍ خافت: 
_إن شاء الله.

أشارت كوثر بيدها:
_امضيا إلى طريقكما ولتصحبكما السلامة ولا تتوقفا أبدا إلى أن تصلا إلى وجهتكما المنشودة.

مضى عادل ويارا جنبًا إلى جنب، والطريق من حولهما مكتظّ بالحركة. وفى طريقهما مرا عبر سوق القرية ، كان السوق في ذروته؛ نداءات الباعة، وصياح الصبية، وروائح السمك والبخور تتداخل في الهواء. غير أنّ التوتّر كان يخيّم عليهما كغيمة ثقيلة، وعلى مقربةٍ منهما، كان هناك شاب في الثامنة عشرة من عمره يدعى بدر الدين يدفع عربة خشبية مليئة بالسمك بينما وجواره صديقة موسى ، كان بدر شاب أسمر صقلته الشمس، بعينين سوداوتين تجمعان بين الذكاء والحلم. ملامحه جادة متمردة، وشَعره الأسود المتموّج يعكس فوضى طبعه. يداه خشنتان من العمل، لكن قلبه رقيق وعنيف في حبه، يترك أثرًا عميقًا أينما حلّ.

قال بدر محدثا صاحبة موسى بينما يدفع العربة:
رأيتُ في منامي الليلة الماضية فتاةً لم أرَ مثل حسنها قط، كأن القمر قد استقرّ في ملامحها، وعيناها كانتا تلمعان كالعقيق الأسود.

ابتسم موسى وقال ساخرًا: 
_ دع عنك الأحلام، وبِع ما لديك قبل أن يفسد السمك.

قال بدر له بأمتعاض:
_دائما ما تستمتع بتعكير مزاجى و تحطيم احلامى .

قال موسى:
_أنا أريدك أن تهبط إلى أرض الواقع ، حيث سوف نأكل التراب أنا وأنت إن عدنا خالى الوفاض . 

واثناء الحديث توقّف بدر عن السير، وتجمّد صوته في حلقه، ولم يعد يرى السوق ولا يسمع ضجيجه. هو فقط كان غارقا فى تلك العيون الواسعة كعيون الحور ،لقد كانت تلك اللحظة اتى اصبح فيها قلبه اسيرا داخل مقلتيها ، ولكن سرعان ما استفاق على صوت عادل يصيح به قائلاً:
تنحَّ قليلًا يا فتى، فنحن على عجلة من امرنا.

ازاح بدر بسرعة العربة من امامهما وتركهما يعبران ولكنه ظل يتابعهما بعينية حتى كاد يبتلعهما الزحام ، قال لموسى بينما يربت على كتفه:
موسى، تولَّ أمر العربة.

قال موسى متعجبا:

إلى أين تذهب ايها المجنون؟

اجابة صارخا : لقد وجدتها ، لقد وجدتها

اندفع بين الناس، يشقّ الصفوف، يتتبع أثرها حتى رأى وجهتهما نحو الحضرة. أسرع الخطى، ودخل من خلفهما، لكن الأصوات ارتفعت:
ذكرٌ، ومديحٌ، ودفوفٌ، وبخورٌ كثيف، وحشودٌ متلاصقة.

اخفت اثرهما من امامه، ظل واقفا لبرهه فى مكانه ، ثم اكمل السير بين الحشود المتلاصقة شاقا طريقة إلى قلب الحضرة كلما اقترب خطوة كان صوت المنشد يعلوا : 
_الله ، الله، الله ، الله 

في صدر الحضرة، جلس الشيخ ياقوت في سكينة مهيبة.
تقدّم عادل، وإلى جواره يارا، وقلبها يخفق بعنف.
رفع الشيخ يده، فسكن الضجيج.
تأمّل يارا طويلًا، ثم قال بصوتٍ راسخ:
- مرحبًا بكِ، يا ابنة الوعد.
لقد آن الأوان أن يُكشف السر.

اقتربا له أكثر وكانت الحشود حولهم تشكل دائرة غير مكتملة ، اغلقت شئ فشئ ، وكأنها باب يوصد بأحكام مانعاً نسيم الهواء من نقل الكلمات ، طرق ياقوت بعصاه فى الأرض فعم الصمت لدقائق  ثم قال:
_"أهلًا بكِ يا ابنة العهد القديم" ، اطمئى هنا الناس لايفكرون فى شئ الا ذكر الله ، فالترددى ورائهم حتى يسكن خوفك  .

بدأت اصوات الحشد تعود لتمليها وعادل ما يقولونه ، وعلت نبرة الاصوات شئ فشئ :
— الله… الله… الله… الله…
يا مولى النِّعَم،
الله… الله… الله… الله…
يا قوي، يا صبور، يا ودود، يا غفور،
يا مُثبّت القلوب ومالك النِّعَم،
ثبّتْنا على الصراط، واسقِ قلوبَنا فراتًا،
يقوّي إيمانَنا، ويشدّ عزمَنا، ويُثبّتُ الهِمَم.

وقف الشيخ ياقوت بينام يقول:
_ سيرا خلفى .

بدأ بالسير وسط الحشد مخترقا الدائرة وشئ فشئ هدأت الاصوات مجدداً ، وعندما اختفت الاصوات التفت نحوهم وقال:
_الأن  ، حان الوقت لأكشف لكى المستور ، عن ذلك العهد المحمول سرا منذ سنين من شيخنا القديم ، الذى أسس هذه القرية ، عهد ميثاقة الدم الذى يجرى فى عروقك .

اتسعت حدقتا يارا بينما تستمع كلمات الشيخ بينما كان والدها ممسك بيدها ليشد من أزرها، اردف ياقوت قائلا:
_منذ اليوم الأول لمولدك وانتى مميزة ، فتاة لستى كغيرك ولدتى فى ليلة الاسراء والمعراج ، وميزتكى تلك العلامة المدفونة اسفل شعرك ، علامة الهلال واهلتكى لتكونى حامله لواء العهد خلفا لفاطمة  .

كانت اذان عادل ويارا لاتكاد تصدق ماتسمع، وعيونهم غير قادرة على ان ترجف لجزء من الثانية ، اما قلوبهم فكانت على وقع مطرب وسريع يكاد أن يقتلهما واقفين ، قالت يارا وجسدها يرتجف:
_ماهو هذا العهد؟

اقترب الشيخ خطوة تلو الاخرى حتى اصبح لايفصله عنهما الا عصاه ثم قال:
_أن تكونى الحجاب الذى يحفظ هذه القرية ويمنع شرورهم من أن تمس ساكنيها بسوء.

قال عادل :
_من هم ايها الشيخ ياقوت .

رد الشيخ:
_هم ساكنوا البحر ، اصحاب خطوات الشيطان الذين لايردعهم  عن أن يعيثوا فساداً فى الأرض إلا الحجاب الذى كان معلق بدم فاطمة والأن هذا الحجاب تحمله يارا فى دمها .

لماذا يحرم على الحب والزواج بينما امى احبت ابى وانجبتنى 

كانت تلك كلمات يارا النابعة من استنكارها  لهذا المصير وخوفها الشديد، والتى رد عليها الشيخ قائلا:
ولقد دفعت ثمن ذلك الحب غاليا  ، فوهن جسدها شئ فشئ بعد مولدك ومع مرور السنوات ماتت امام اعيننا ولم نستطع ان نحرك ساكنين ، والأن هم ينتظرون أن يصبح جسدك فى اضعف حاله له وعيونهم تراقب من بعيد ، ينتظرون ان يفتح ذلك الباب حتى ينقضو علينا بلا أى رحمة. 

طلب الشيخ من يارا ان تعاهده بالحفاظ على نفسها وان تتقبل دورها فى الحياة، وكانت يارا تحاول جاهدة ولكن الأمر صعب لاستعابه مرة واحدة، كأنك تطلب منها أن تحمل جبل فوق ظهرها وتسير به دون توقف أو تعب .

ولكن كلمات الشيخ فى النهاية زرعت بفؤادها بعض الأمل:
_منذ أن كنت صغيراً وانا أبحث عن طريقة للتخلص منهم مرة وإلى الأبد، لم أترك كتاب لم اقرأة ولم ادخر جهداً ، واشعر أننى اقتربت من الوصول للأجابة ، كل ما امله ان تعينينى يا يارا وتكونى عزيمة لا تنبرى فى هذه الحرب .

غادرت يارا ووالدها الحضرة بعد أن أذن لهما الشيخ بذلك ، وبعد رحيلها دمعت عينيه وقال:
_لقد اشتقت لصوتك يا فاطمة ، رحمك الله يا ابنتى الغالية واسكنكى الفردوس الاعلى.

هنا ندرك أن الشيخ ياقوت هو والد فاطمة ، وجد يارا ، ولكن ترى لماذا يخفى هذا الامر عن حفيدته؟ ، بعد دقائق معدودة ، دخل إلى وسط الجموع من جديد وبينما يسير أرتطم به شاب جعل عصاه تسقط ، قال ياقوت:
_احترس يابنى ، لماذا أنت على عجلة من امرك.

ابتسم له الفتى والخجل مرتسم على وجهه:
_عذرا ايها الشيخ الكبير ، كنت فقط أبحث عن شخص ما ولكنى أضعته، وهذا من سوء حظى.

قال له الشيخ :
_لا يوجد سوء حظ أو يوم سئ ، يوجد فقط قدر ، قدر مكتوب به سطور من الخير والشر على حد سواء وايمان يقاس بتقبلك لكل منهما.

كان الشاب ينصت لكلام ياقوت بتمعن ثم فاجئ الشيخ قائلا:
_وماذا عن الحب ، هل الحب خير أم شر ؟.

قال الشيخ بنبره هادئة:
_هو نجاة وايمان لا يتزعزع .

ارتسمت البسمة على وجه الفتى ، ثم اتى ذلك السؤال :
_اشعر أننى أعرف ايها الشاب من مكان ما  وكأننى رأيتك من قبل ، من هو والدك؟

انحنى الشاب ليلتقط العصا وبينما يمد يده ليعطيها لياقوت أجاب:
_انا بدر ، بن يزيد الصياد .

نظر له الشيخ وبدأت معالمة تتغير كمن رأى شبحا ، وفجأة تغيرت نبرته مع بدر وطلب منه الرحيل وعدم القدوم إلى الحضرة مجدداً.

غادر بدر بينما يقلب كفيه متعجباً من ماحدث،  قلبه كان مشغول بيارا ، نظر إلى القمر ثم قال:
_لن أياس حتى أجدك ، أنتى قدرى وانا قدرك .

مهما أغلقنا من أبواب، ومهما أحكمنا حراستها، سيظل دومًا هناك باب خلفي… باب لم نره قط في أعماقنا، يكمن في قلبنا، مفتوحًا… ينتظر لحظة ضعفنا، يهمس بما نخاف أن نسمع، ويدعونا لعبور المجهول حيث لا عودة، حيث تتلاقى مصائرنا مع من نهوى .
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"