الدب الأحمر - العودة للشوارع
جاري التحميل...
الدب الأحمر
البداية
تنهد أوسكار بعمق، مهدئًا نفسه. نظر إلى ساعته التي أشارت إلى الثالثة وسبعٍ وأربعين دقيقة، ثم التفت إلى السائق قائلًا: — هل يمكنك أن تسرع قليلًا يا سيد؟ نظر السائق إليه عبر المرآة ولم يعلّق. كان أوسكار مدركًا أن السائق لن يسرع أكثر من ذلك في هذا الشارع المزدحم، حتى لو أراد، لكنه لم يكن في وضعٍ يستمع فيه للمنطق على أي حال. «مهمة جديدة» فكّر أوسكار، الذي استمع لأنفاسه المتوترة بينما كان يراقب شوارع رونبرغ عبر زجاج النافذة. كانت المدينة كغيرها من مدن أوروبا؛ مبانٍ قديمة بواجهات حجرية منمقة تتخللها أخرى حديثة بواجهات زجاجية بسيطة في تناغم جميل. — لقد وصلنا. توقفت السيارة، قاطعة شرود أوسكار، الذي استغرق لحظة ليستوعب كلمات السائق ذات اللهجة الإسبانية الواضحة. رد باقتضاب: — نعم. دفع بعض أوراق العملة للسائق، وخرج من سيارة الأجرة ذات التصميم الحديث المريح. عقد زر بدلته وسوّى أطرافها بيديه. زفر بعمق بينما تأمل المبنى الذي وقفت أمامه السيارة. كانت واجهة المبنى المنمقة تحمل الطراز الفرنسي المعروف. تدلّت من السواري المعلقة فوق بابه ثلاثة أعلام: علم الاتحاد الأوروبي الأزرق بنجومه، علم مملكة إسبانيا، وعلم مدينة رونبرغ: سيفان طويلان متقاطعان، ذهبيّان على خلفية زرقاء. وتحت هذه الرايات لافتة ذهبية كُتب عليها: (فندق الدب الأحمر). «لا بد أن لهذا الرجل ذوقًا رفيعًا» فكّر أوسكار، الذي وقف محدقًا في واجهة الفندق لبرهة. كان هذا أحد أفضل ثلاثة فنادق في المدينة بأسرها، وإن كان أكثرها احتفاظًا بالطابع الكلاسيكي المحافظ؛ فمن يأتون هنا يعتبرونه فندقًا حقيقيّا، لا نادٍ ليليٍ عامٍ كبعض الفنادق الأخرى المطلة على الشاطئ. تنحنح أوسكار، ثم صعد الدرجات القليلة نحو بوابة الفندق الخشبية. تنحّى جانبًا بينما خرج أحد عمال الفندق يدفع عربة تكدست عليها الحقائب، وخرج وراءه نزيلان، قبل أن يتمكن أخيرًا من الدخول. ما ان دخل حتى أفعمت انفه رائحة عطرية بعثت في نفسه بعض الهدوء. توجه إلى مكتب الاستقبال، الذي وقفت خلفه شابة ترتدي الزي ذا اللون الأزرق الغامق المميز لموظفي الفندق. قابلت أوسكار بابتسامة شمعية جامدة: — مرحبًا بك في الدب الأحمر يا سيدي، هل تريد حجز غرفة؟ أم هل تود أن... قاطعها أوسكار بهدوء قبل أن تكمل بقية الرد الآلي قائلًا: — أنا هنا لرؤية السيد هنري مور يا سيدتي… سكت للحظة، ثم أكمل: — إذا كان الوقت مناسبًا بالطبع. أومأت الموظفة برأسها قائلة: — حسنًا، حسنًا… هنري ماذا؟! — مور. — هل تعلم أين يقيم السيد هنري يا سيد...؟ التفت أوسكار، الذي كان يرمق إحدى الثريات الكريستالية المتلألئة، نحو الموظفة بحدّة. تنحنح، ثم قال: — أنا أوسكار، أوسكار روبنسون. سكت لثانيتين، ثم أضاف: — والسيد هنري يقيم في جناح B4. نقرت الموظفة لوحة المفاتيح بأصابع خبيرة، بينما اقتربت بوجهها من شاشة الحاسوب حتى ظن أوسكار أنها ستصطدم بها لا محالة. رفعت سماعة الهاتف الأرضي وأجرت محادثة قصيرة، ثم نادت أحد زملائها وأعطته بطاقة بلون أزرق غامق قائلة: — اصطحب السيد أوسكار إلى جناح B4. أومأ أوسكار لموظفة الاستقبال برأسه، وسار بجانب زميلها، الذي بدا أقصر منها قامةً وأكبر منها سنًا. رمق زي الموظف الأزرق، الذي التمع تحت ضوء المصعد، مفكرًا بحنق: «أزرق، أزرق، أزرق… كل شيء أزرق في هذه المدينة اللعينة» كان هو يرتدي بذلة بسيطة سوداء مع قميص أبيض بلا ربطة عنق. راقب الموظف، الذي بدا الإرهاق جليًا على ملامح وجهه المجعد، بينما امتدت يده تتحسس المسدس المعدني الصغير ذا الساقية المستقر في جيبه، ثم أعادها إلى مكانها بخفة. انفتح باب المصعد أخيرًا. امتدت يد الموظف نحو الخارج قائلًا بنبرة رسمية: — أول باب إلى اليمين يا سيدي. — شكرًا لك. سار أوسكار بتمهل نحو الباب الخشبي في نهاية الممر المفروش بالسجاد الأحمر الفاخر. كانت فخامة الفندق علامة جيدة بالنسبة له، إذ إن هذا يعني أن هناك احتمالية جيدة جدًا أن تكون أموال المهمة مجزية. توقف أمام الباب. مسح بيده على شعره الأسود متأكدًا من تسويته، وشد أطراف أكمام بدلته وياقتها، ثم تنحنح وضغط زر الجرس بجانب إطار الباب، ووقف عاقدًا يديه أمامه. تناهى إلى مسامعه صوت خطوات سريعة، ثم دار مقبض الباب وانفتح مُصدرًا صوتًا إلكترونيًا خافتًا. كانت امرأة ما تقف خلف الباب ممسكةً بحافته. قالت بنبرة رسمية: — تفضل يا سيد أوسكار، السيد هنري بانتظارك. خطا أوسكار للداخل دون أن ينطق بكلمة، مفكرًا: «الكثير من السادة هنا…» عبر ردهة صغيرة ليقف فيما بدا أنه غرفة معيشة متسعة ذات نوافذ طويلة، تتسرب أشعة شمس أواخر الصيف منها. كان ينظر من أحدها رجل جلس على مقعد متحرك، موجهًا ظهره نحو أوسكار. قال الرجل بنبرة هادئة: — يمكنك المغادرة الآن يا إيلين. — حسنًا يا سيد هنري. دارت المرأة على عقبيها مغادرة الجناح بأكمله، بينما حدق أوسكار في الرجل المقعد مضيقًا عينيه: «مُقعد…بحق الجحيم!» دار الرجل بمقعده الكهربائي فور أن غادرت إيلين، ثم رمق الساعة ذات الأرقام اللاتينية المعلقة على الحائط: — أربع دقائق… لكن لا يهم. نظر أوسكار إلى الساعة المعدنية من طراز كاسيو على معصمه؛ كانت تشير إلى الرابعة وخمس دقائق. استطرد هنري، وهو يحرّك كرسيه ليستقر خلف مكتب خشبي بسيط: — تفضل، اجلس. جلس أوسكار بظهر متخشب منتصب؛ فرغم أنه قد عاش هذا الموقف مرات أكثر من ان يستطيع عدها، إلا أنه يتوتر بشدة في كل مرة، كأنها مرته الأولى. سكب هنري بعض الويسكي من زجاجة كريستالية في كأسين متماثلين، وقرّب أحدهما من أوسكار عبر طاولة المكتب قائلًا: — هيا. تردد أوسكار للحظة، ثم تناول الكأس ورفعه إلى فمه ليرتشف ببطء، بينما رمق هنري الذي تجرع ما في كأسه دفعة واحدة، كأنه شربة ماء. مضت دقائق تبادل فيها الاثنان نظرات كنظرات القطط بين رشفات الويسكي، حتى تحدث هنري أخيرًا، واضعًا كأسه جانبًا ومائلًا بجسده إلى الأمام نحو أوسكار: — إذًا، لندخل إلى الموضوع... تنفس أوسكار الصعداء، مفكرًا: «أخيرًا» ثم أصغى بانتباه إلى هنري، الذي أكمل: — المهمة المعروضة لا تختلف كثيرًا عما تفعله عادة. هناك شخص ما تريده الوكالة حيًا أو ميتًا. وظيفتك بسيطة: اقبض عليه… أو حيّده. ضيّق أوسكار عينيه ومال برأسه: — حيّده تعني... قاطعه هنري: — بالضبط، كما فهمت. ثم سحب عصا التحكم الصغيرة في كرسيه فعاد للخلف قليلًا. فتح أحد أدراج المكتب وأخرج منه ملفًا ورقيًا ذا دفتين، وضعه على المكتب وقرّبه من أوسكار: — هذا هو الهدف. رمق أوسكار سترة هنري البنية التي ارتداها فوق قميص وربطة عنق، ثم حول عينيه إلى الملف الورقي الأصفر. تنحنح، وانتظر لثانية، ثم فتحه ليقرأ ما بداخله.