البحث عن النجاة | الفصل الأول
البحث عن النجاة
والآن وبعد مرور ثمانية عشر عامًا، وفي أعقاب وفاة والدي، قررت أن أشارككم قصتي أنا وائل العدلي، في الخامسة والعشرين من عمري، خريج كلية الحقوق، وأعيش في قريةٍ ريفيةٍ تغمرها الخرافات والأساطير. لقد سئمت من الجهل، وضيق الأفق، وضجيج الماضي الذي يطارد الحاضر كأنه وصيٌّ عليه أليس من الطبيعي أن نستخدم عقولنا ولو لبضع ثوانٍ لنسأل: هل ما نفعله حقًا منطقي؟ لقد ترددنا طويلًا في مواجهة الأفكار البالية ومع ذلك ما زلنا نبادر إلى دعمها، حتى صارت جزءًا من ثقافتنا وهذا برغم من قبحها وضررها نحن محاطون بأساطير تُثير التساؤلات أكثر مما تُقدم إجابات نعيش بين خرافات وممارسات ومعتقدات تُنقل كالإرث دون فحص أو مساءلة وحين نجرؤ على السؤال، يُقال لنا بنفس اليقين الذي توارده عبدة الأصنام .
مدّ يده نحو كوب القهوة وأخذه ببطء إلى شفتيه، ارتشف منه بعض الرشفات قبل أن يُعيده إلى موضعه. تشبثت قدماه بالأرض بينما كان يُحرّك الكرسيّ الهزّاز، يتمايل ذهابًا وإيابًا، وينظر من الشرفة متأملًا القمر في تمام بدره. وضع يده على صدره وأخرج من جيبه ورقةً قديمةً تآكلت من أثر الزمن، ثم التفت إلى ابنه الصغير، وابتسم له ابتسامةً مليئة بالأمل. أطلق لسانه بالكلمات التي تحمل في طياتها أعباءه_ لا تخف ولا تُصدق ما تسمعه من الآخرين الناس يُبالغون في كل شيء، حتى في الكذب. والآن وبعد مرور ثمانية عشر عامًا، وفي أعقاب وفاة والدي، قررت أن أشارككم قصتي أنا وائل العدلي، في الخامسة والعشرين من عمري، خريج كلية الحقوق، وأعيش في قريةٍ ريفيةٍ تغمرها الخرافات والأساطير. لقد سئمت من الجهل، وضيق الأفق، وضجيج الماضي الذي يطارد الحاضر كأنه وصيٌّ عليه أليس من الطبيعي أن نستخدم عقولنا ولو لبضع ثوانٍ لنسأل: هل ما نفعله حقًا منطقي؟ لقد ترددنا طويلًا في مواجهة الأفكار البالية ومع ذلك ما زلنا نبادر إلى دعمها، حتى صارت جزءًا من ثقافتنا وهذا برغم من قبحها وضررها نحن محاطون بأساطير تُثير التساؤلات أكثر مما تُقدم إجابات نعيش بين خرافات وممارسات ومعتقدات تُنقل كالإرث دون فحص أو مساءلة وحين نجرؤ على السؤال، يُقال لنا بنفس اليقين الذي توارده عبدة الأصنام . "هكذا وجدنا آباءنا وأجدادنا" كأنّ العمى فضيلة وكأن الشكّ رجسٌ من عمل الشيطان. أنا الآن في بلدتي أحاول جاهدًا أن أسير على نهج والدي لا لأقلّد خطواته، بل لأفهم لماذا وقف وماذا رأى أسعى لمحاربة خرافةٍ راسخة، لا تزال متجذّرة في عقول القرويين البسطاء أسطورة أُحيطت بهالةٍ مرعبة، حتى حوّلتهم إلى كائنات شبيهة بالنمل خلال الشتاء، لا يجرؤون على مغادرة منازلهم خوفًا من الرعب الذي تسببه هذه الأسطورة التي تُعرف باسم "الندّاهة" لقد أدخلت الذعر إلى القلوب لا لأن فيها شيئًا خارقًا، بل لأننا اخترنا أن نصدق ورغم أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، إلا أنه ما تزال عقولنا متشابكة بعقائد قديمة، وتمييز غير مبرر، وكأن الزمن يدور في مكانه. كما كنت أقول دومًا: من يظن في نفسه شيئًا، يتحقق له ذلك. ومن يصدق الأكاذيب طويلًا، سيؤمن بأن كل كذبةٍ حقيقة، وأن كل حقيقة قد تكون كذبةٍ، فيا صديقي يا من ستقرأ هذه الكلمات، لا تأخذ كل ما يُقال لك على محمل الجد لا لأنهم كاذبون دائمًا، بل لأنهم خائفون و دعوني أروي لكم القصة من حيث بدأت، فلعلّي أجد فيكم سبيلًا للخلاص. _____________________ في عام 1850 كانت "العاقير" بلدة صغيرة معزولة ترقد كجسدٍ نائمٍ على كتف النيل. بيوتها طينية صُنعت يدويًا من خليط التبن والطين ثم شُيّدت على عجل، وأسقِفَت بالقش وسعف النخل، فتكوّنت منها منازل متواضعة لا تردّ حرًا ولا تمنع بردًا لكنها كانت تكفي لاحتواء الحكايات والقلوب. الأزقّة ضيقة ترابية تندثر فيها تشبه الشرايين في جسد القرية يمرُّ الحمار مُحمّلًا بالخُضرة وصوت نعل الدواب يُكمل سيمفونية الصباح الباكر. في هذا المكان عاشت البلدة في رخاءٍ هادئ أرض خصبة وسماء تمطر بقدر، وأحلام القرويين ترتفع كزهور الكتان في موسمها، زرقاء رقيقة لكنها شامخة. كان الجميع يعرف الجميع، وأبواب البيوت مفتوحة كقلوب أصحابها. وعند الغروب تُشعل قناديل الزيت في العتمة وتُحكى الحكايات على وقع السواقي البطيئة. لكن ذلك السلام لم يدم طويلًا بدأ الغموض يتسلل كالدخان، خفيفًا أولًا، ثم كثيفًا وكأن الأرض نفسها لم تعد مألوفة، فلقد انتشرت الأقاويل عن كيانٍ مرعب بدأ يطارد سكان العاقير اسمه تُهمس به الشفاه المرتجفة (النداهة) تلاشى ضجيج الزوّار وأطبق الصمت على الأزقة حتى السواقي التي طالما دارت كأنها لا تعرف التوقف بدأت تصدر أنينًا غريبًا، كأنها تبكي على شيء لا يُرى. السكان الذين كانوا يملؤون الحقول ويتبادلون التمر والحكايات، أصبحوا لا يغادرون منازلهم بعد الغروب. البيوت التي كانت مأوى تحوّلت إلى سجونٍ طينية جدرانها تهتز كلما سُمع صوت همسة في العتمة. في النهار ترتجف الأيادي وهي تختلع الكتان نظرات حذرة يتبعها خطوات متوجسة، وهمسات خافتة تتناقل عن كيان يسلب الطمأنينة قبل الأرواح. حتى تحولت (النداهة) من أسطورة تُحكى إلى كابوسًا حيًا فكل غروب شمس كان بداية طقس من الرعب جلسات الدعاء إغلاق النوافذ وتسمير الأبواب. لكن السؤال الذي ظل معلقًا: _هل هي وهمٌ صنعته الأقاويل ؟ أم لعنة قديمة أُيقِظت من سباتها؟ سُمّيت (النداهة) بهذا الاسم لأنها تستدرج ضحاياها بنداءٍ خادع، يحمل صوت أحبّائهم ما أن يسمعوه حتى يذهبوا خلفه ثم يُعثر عليهم قتلى في ظروفٍ غامضة خلال يومٍ واحد فقط. فهي تمتلك قدرة مرعبة على تقليد الأصوات البشرية بدقة مذهلة فتزرع الهواجس في نفوس ضحاياها ولا تأتي الهمسات إلا ليلًا حسب اعتقادهم فتشبه نبرة زوجة أو أم أو طفل صغير فيظن الضحية أنه يسمع صوتًا يعرفه حينها يخرج إلى العتمة ولا يعود لأن ما ينتظرهم ليس دفء اللقاء بل موتٌ وحشي. غالبًا ما يُعثر على الجثث إمّا فارغة الأحشاء أو مفصولة الرأس تقنع ضحاياها بأنهم يتّجهون نحو الخلاص، بينما هم في الحقيقة يركضون نحو حتفهم وهم يبتسمون. كان (حامد) الناجي الوحيد من قبضتها أو هكذا ظنّ الناس. روى تجربته بصوتٍ مرتجف: _ إنها خرجت لي من الظلام، كانت بشرتها سوداء تختبئ فيه كما يختبئ الظل داخل ظله عيناها تلمعان بلون أحمر دامٍ أشبه بمحيط من الدماء تتلاطم أمواجه داخل المحجِر ذراعيها طويلتين وأظافرها حادة حتي بدت أقرب إلى سكاكين ضخمة تقدر من خلالهم قطع الأشجار بسهولة. أما قدماها فقد كانتا ساقي شاة هرمة ناهزت السابعة من عمرها، غليظتين مشقّقتين وشعرها متجعد داكن كسواد الفحم، ينسدل خلفها كذيلٍ طويل يتبعها حيث سارت بعد أن حكى لهم عنها ظنوا أنه بطل، فأنى لشخصِ ان يهرب من وحشٍ بتلك الأوصاف لتكون المفاجأة بعد أيام حين وجدوه مصلوبًا على جذع نخلة، مقطوع الأطراف مشوّه البطن وقد فُقئت عيناه كأنّ (النداهة) أرادت أن تُسكت آخر من تجرأ على رواية ما رأها. منذ ذلك اليوم لم يعد الا قليلاً ينطقون اسمها بالمعنى المعروف فالأطفال أطلقوا عليها اسمًا آخر (الموت) ظنوا أن تسميتها بغير اسمها ربما يُخفف من رعبها لكنها لم تختفِ . استمر القرويون في فقدان أحبّائهم واحدًا تلو الآخر ومع مرور الأيام بلغ عدد القتلى خمسمئة وعشرين قتيلاً. ومن بين أبشع الجرائم التي وُلدت تحت ظلها مقتل طفلة لم تتجاوز ثمانِ سنوات كانت بثينة زهرة صغيرة تفتّحت في بيتٍ بسيطٍ يقع في الجهة الجنوبية من البلدة حيث يقيم رجل يُدعى مصطفى، برفقة زوجته درية وابنتيه رغدة وبثينة. كان بيتهم متواضعًا اقل حالاً عن باقي أهل القرية و لكنّه كان عامرًا بالمحبّة تغمره سكينة من نوعٍ نادر. من يمرّ بقربه يسمع ضحكات الصغيرتين، ويشمّ رائحة الخبز ويشعر أنّ البيت رغم فقره نابض بالحياة. لكن تلك الحياة انقلبت رأسًا على عقب ففي ليلةٍ واحدة مرضت رغدة. وحين حلّ المساء اشتدّ المرض عليها فلقد شحب وجهها لأن الحمى كانت تمتصّ لونها قطرةً قطرة. أخذت درية ابنتها على عجل وذهبت بها إلى بيت والدتها علّها تجد علاجًا عشبيًّا أو وصفةً قديمة تخفف وطأة ما ألمّ بالصغيرة. أما مصطفى فبقي في البيت ينتظر ومع مرور الوقت بدأت الهواجس تنهش عقله الى أن بلغ منتصف الليل والهدوء في البيت أصبح خانقًا. الريح تعوي وتجرّ أطراف القش عن السقف وبثينة تجلس وحيدة، تضم دميتها البالية وتراقب ظلال المصباح وهي تتراقص على الجدران الطينية. فجأة لم يعد قلب (مصطفى) يحتمل نهض من مكانه، وارتدى عباءته ثم اقترب من طفلته وانحنى عليها ووضع كفّه على رأسها برفق وقال: _ لا تفتحي الباب لأي طارق مهما كان، وسأعود قريبًا ومعي رغدة لتلعبي معها. رفعت (بثينة) عينيها إليه وقد تملكها القلق ثم قالت بصوتٍ مرتجف: – ولكن يا أبي ماذا لو جاءت الموت؟ ألن تلتهمني؟ أخشى البقاء وحدي ابتسم (مصطفى) ابتسامةً باهتة ومسح دموعها بإبهامه، ثم نظر إليها بعينين تتوسّدان الحب والحنان: – بثينة انظري إليّ جيدًا هل أخبرتكِ يومًا بشيء ولم أَفِ به؟ فأجابته وهي تحاول كبح دموعها:– لا، لم تفعل يا أبي. (مصطفى) :– فلماذا البكاء إذن؟ لقد وعدتك ولن تُخلفني النداهة وعدي، كوني قوية فأنتِ ابنتي الشجاعة. ثم طبع قبلةً على جبينها وغادر تاركًا خلفه صمتًا طويلاً وهنا بدأ كل شيء ينهار مرّت نصف ساعة كانت بثينة خلالها جالسة على كرسيّها الخشبي تعانق دميتها وتحدّق في السقف تتعقّب بخيالها صوت والدها وتُحصي الأنفاس التي تملأ قلبها خوفًا. وقتها دوّى طرقٌ خفيف على الباب ارتعشت والتصق جسدها بالكرسي ثم ضغطت اكثر على دُميتها نظرت نحو الباب، ثم تمتمت: _من الطارق؟ من هناك؟ لكن ما من مجيب ليعود السكون وخيّم من جديد يختلف عن المرة السابقة أنه أكثر ثقلاً من ذي قبل جلست مكانها تحاول كبت رعشة أطرافها، تُقضم أظافرها وتشدّ على دميتها الصغيرة كأنها آخر حصون الأمان. وبعد دقائق سُمِع الطرق مجددً قفزت من مكانها ثم ارتعش صوتها وهي تصيح: _من الطارق؟ أرجوك أجبني أأنت أبي؟ لماذا لا تتحدث؟ أنا خائفة من خلف الباب جاء صوتًا مألوفًا لكن مشوّهًا بعض الشيء :_أنا هنا افتحي يا صغيرتي ولا تخافي ترددت (بثينة) ثم سألت بصوتٍ مرتاب: _لماذا لم تُجبني منذ قليل؟ لماذا التزمتَ الصمت؟ (الصوت) بعد لحظة وهو يضحك ضحكة غريبة لا تشبه ضحكة أبيها: _كنتُ أختبر شجاعتك فافتحي الباب يا طفلتي الحنونة. اقتربت بثينة من الباب ببطء وما ذالت تحمل دميتها. بيدها الصغيرة امتدت نحو المقبض لكنها توقفت لتفكر في كلمات والدها التي طافت حولها:_لا تفتحي الباب لأي طارق مهما كان تراجعت خطوة إلى الوراء لكن الصوت لم يتوقّف بل أصبح أكثر إلحاحًا: _ألم تقولي إنك فتاة شجاعة؟ افتحي الباب لن أؤذيكِ انظري معي رغدة تريد أن تلعب معكِ. شيئًا غامضًا دفعها للمضي ربما كان الفضول أو الشوق لصوت أبيها وشقيقتها أو ذاك الخوف الذي يتحوّل إلى هوس فلا تدري من أثره ماذا تفعل. مدّت يدها نحو المقبض مجددًا وهمست بصوت طفولي بريء:_تعلم يا أبي لو جاءت النداهة، لكنتُ سألقّنها درسًا لا يُنسى. فُتح الباب وفي اللحظة التي انفرج فيها الخشب تجمّدت بثينة في مكانها. أمامها وقفت النداهة كأنها كابوس اقتُلع من أحلك كهوف الخيال ابتسمت ابتسامة واسعة كشفت فيها عن أسنانها الحادة ثم قالت بسخرية تقطر من صوتها: _ها أنا هنا يا شجاعة فلتلقنيني الدرس نظرت بثينة إليها مذهولة، فاغرة الفم عاجزة حتى عن التراجع. قدماها تجذّرتا في الأرض وجسدها الصغير بدأ يرتجف بعنف، حتى بللت ثيابها من شدّة الخوف دون أن تدري. _هل هذا حلم؟ هل هو الجاثوم؟ أين أبي؟ كيف أهرب؟ كانت هذه الأسئلة تتلاطم في رأسها، فيما اقتربت النداهة بخطى ثابتة، تمشي وكأن الأرض تنحني تحت قدميها: _خوفك حلو المذاق..سأجعلكِ عبرةً لكل من تجرأ على التلفّظ باسمي. (بثينة) وصوتها بالكاد يخرج:_لن تقدري علي فعل شيء، فلقد وعدني ابي أنني لن أُصاب بأذى، وهو لا يُخلف وعده. (النداهة) بنبرة أكثر قسوة :_والدك؟ أحقًا تظنين أن وعده له قيمة؟ وعده كان هواءً في هواء وأنا هنا لأثبت لكِ ذلك. ضحكت ضحكة مجنونة، ثم اقتربت أكثر وعيناها تلمعان بشهوة القتل. (النداهة) وهي تقلد صوت (الأب)بسخرية: _لن تتمكن النداهة من الاقتراب منكِ فأنتِ ابنتي الشجاعة..ثابري؟ ومن دون سابق إنذار غرست أظافرها الطويلة في بطن بثينة، شهقت الطفلة بصوتٍ مكتوم بينما جسدها الصغير بدأ يتلوى من الألم فتحت فمها لتصرخ لكن صوتها لم يخرج تابعت النداهة غرز أظافرها في أحشاء الصغيرة وهي تقول بسخرية :_ألم يقل والدك إنك شجاعة؟ هيا أرني شجاعتكِ الآن. كانت تشعر كأن الحياة تُسحب منها شبرًا شبرًا، كلما ضغطت النداهة عليها أكثر أنينها الصامت كان يعلو داخلها و روحها تتكسر ونظراتها البريئة بدأت تنطفئ شيئًا فشيئًا، حتى تجمدت ملامح وجهها على هيئة وجع لا يُحتمل وجزع لا يُنسى. ثم في لحظة مفجعة دفعت أظافرها الحادة لتخترق جسد الفتاة من الجهة الأخرى كأنها سكين مزّقت قطعة حرير. ترنّحت بثينة جسدها الضعيف لم يحتمل ما جرى لتموت في الحال لكن النداهة لم تشبع بعد. كانت عيناها تتلذذان بالرعب المتجسّد أمامها أمسكت برأس الطفلة الصغير بكلتي يديها وفي حركة وحشية وبضربة واحدة قاسيه فصلته عن جسدها. سقط الجسد النحيل أرضًا كدمية مكسورة ومازالت دميتها الحقيقية في يدها تشرب من الدم لتحصل على نصيبها مثل الأرض التي سقطت عليها بينما الرأس تدحرج ببطء حتى ارتطم بالقرب من النداهة. التقطت الرأس ثم حملته كما تحمل ساحرةً مرآتها لتبدأ في الدوران وسط المنزل وهي ترقص بجنون طفولي تُلطّخ الجدران بدماء بثينة، وتُدوّي بضحكاتها الهستيرية التي تداخلت مع صوت خطواتها، فكوّنت معًا لحنًا جهنّميًا لا يشبه أي شيء إلا صوت الخراب. بعد فترةٍ ليست بالطويلة، عاد الأب بصحبة زوجته وطفلته (رغدة) كان التعب بادياً على الوجوه حتى لمح الاب وهو في طريقه منزلهم من بعيد، فلاحظ أن الباب الأمامي مفتوح على مصراعيه. تسارعت نبضاته وضاق صدره بشعور غامض لم يعرف له تفسيرًا دون أن ينبس بكلمة، انطلق ركضًا متجاوزًا زوجته وابنته يصعد درجات المنزل بخطوات متعثّرة وكلما اقترب ازداد شعوره بالاختناق حتى تفاجأ بالكارثة التي تنتظره عندما دلف إلى الداخل تجمّد في مكانه وكأن الزمن توقف وانكسر الهواء من حوله رأى ابنته مُلقاة على الأرض جسدها الصغير مفصول الرأس، مغمور في بركة من الدماء لطّخت الأرض كأنها سجادة فُرشت. انهار على ركبتيه وصرخ صرخة مبحوحة شقت صمت السماء: _بثينة.. يا بُنيّتي.. يا الله صرخته الموجوعة تسربت إلى الخارج ووصلت إلى مسامع زوجته، التي أدركت من نبرة صوته أن شيئًا فظيعًا قد حدث توقفت في منتصف الطريق وجمدت نظراتها على الباب ثم انحنت تحت وطأة الخوف وضمت (رغدة) إلى صدرها بقوة تريد أن تحميها من هذا الواقع القاسي. مرّت أربع سنوات عجاف لم تهدأ خلالهم عاصفة الحزن في صدر الأب. ولم يعرف للراحة طعمًا فكل لحظة تمر كانت تعيد المشهد أمام عينيه، وكأن بثينة تموت من جديد في كل مساء. أفكار الانتقام صارت طيفًا ملازمًا له يطارده في يقظته وفي منامه. كان يسأل نفسه مرارًا وتكرارًا كيف أقتصّ لمن خطفتها النداهة؟ كيف أواجه الكيان الذي سلبني نور عيني؟ من يطفئ النار التي تستعر في قلبي منذ أن قُتلت بثينة؟ تخبّط بين الغضب والعجز، والذكريات تنهشه كأنياب الذئب كان كل شيء من حوله يشيخ.. إلا ألمه ظلّ شابًا يركض في دمه ولا يهدأ. .