صباح غريب - دي لوكا إرث الخطيئة
صباح غريب
شقّ صوت فينيسا شرودي وأعادني إلى الواقع. كنت أقف أمام المرآة منذ دقائق، أحدّق في انعكاسي دون أن أراه حقًا. اتصلت بها على عجل، بعدما اكتشفت أن حجر الجليد رتّب لعشاء عائلي في منزل عائلته دون سابق إنذار، ولم يخبرني إلا بعد الظهر.
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحببتم القصة، لا تنسوا وضع نجمة، فدعمكم يساعدها على الوصول إلى عدد أكبر من القرّاء.
قراءة ممتعة
لم أتوقع أن أنام تلك الليلة، لكنني نمت... وبعمق.
وعندما استيقظت، لم تكن آنا في الغرفة. أدركت فورًا أنها سبقتني إلى الاستيقاظ.
نهضت، غسلت وجهي ونظّفت أسناني على عجل، ثم خرجت من الغرفة.
كان المنزل في الصباح مختلفًا كليًا عمّا بدا عليه ليلًا؛ الضوء يملأ المكان بسخاء، والجانب الشرقي بأكمله من الزجاج، شيء لم أنتبه إليه في الليلة الماضية.
كانت الشمس تتسلل بهدوء، ترسم ظلالًا خفيفة على الأرض. وعلى الجدران، عُلّقت لوحات فنية بسيطة. لست من محبي الفن، لكن هدوءها كان جميلًا، غير قابل للتجاهل.
وأنا أنزل الدرج، وصلتني رائحة شهية... مزيج من مربى التوت والخبز المحمّص. عندها فقط أدركت كم كنت جائعة. تبعت الرائحة دون تفكير، حتى وجدت نفسي واقفة عند مدخل المطبخ.
داخل المطبخ، استقبلني مشهد لم أكن لأتخيله حتى في أكثر أحلامي غرابة.
كان هو هناك، يرتّب الفطور على طاولة الطعام بهدوء، بينما تجلس آنا على طاولة التحضير، تتأرجح قدماها الصغيرتان، وفي يدها تفاحة تأكل منها بتركيز طفولي.
تملكتني الدهشة وأنا أراقبهما.
هذا الهدوء… لم يكن مريحًا.
كان أشبه بسكون ما قبل شيء لا أعرفه.
وضع الطبق على الطاولة وقال دون أن يلتفت:
— اجلسي.
لم يكن طلبًا.
كان أمرًا قيل بنبرة لا تحتاج إلى تفسير.
تقدّمت وجلست.
المائدة مرتّبة بعناية: كورنيتو طازج، خبز محمّص، فاكهة، مربى، عصير مانجو.
بحثت بعيني عن شيء واحد.
القهوة.
رفعتُ نظري إليه.
— أين قهوتي؟
لم يرد فورًا.
حمل آنا بهدوء، أجلسها على الكرسي المقابل لي، ثم عاد إلى ماكينة الإسبريسو.
حضّر فنجانًا واحدًا فقط.
جلس.
— لا قهوة.
قلت بحدّة:
— ومن قرر ذلك؟
نظر إليّ أخيرًا. نظرة مستقيمة، باردة، بلا انفعال.
— أنا.
— ومن أنت لتمنعني؟
— الشخص المسؤول هنا.
ضحكت، ضحكة قصيرة خرجت رغمًا عني.
— لا تختبر صبري، ناثان.
نهضت.
اتجهت نحو ماكينة القهوة من دون أن أنتظر إذنه.
وضعت الكبسولة بين أصابعي.
قبل أن أُكمل الحركة، كانت يده فوق يدي.
لم يشدّها.
لم يعصرها.
أوقفها فقط.
— قلتُ لا
نظرت إليه.
— أتعلم؟ هذا أسلوب سيئ في التعامل.
لم يعلّق.
سحب الكبسولة من يدي ووضعها بعيدًا.
— الحمل ليس مجالًا لتجاربك.
— أنا لست جاهلة.
قلتُها بحدة.
— أستطيع شرب قهوة منزوعة الكافيين.
صمت لحظة.
ثم قال، بصوت أخفض:
— ليست القهوة.
توقّفت.
— إذًا ماذا؟
اقترب نصف خطوة.
— جلستِ على الأرض البارحة.
تتصرفين وكأنك تريدين دفع جسدك إلى الحدّ الأقصى.
رفعتُ ذقني.
— لا تفسّر أفعالي كما يحلو لك.
نظر إلى بطني نظرة سريعة… ثم عاد إلى عينيّ.
— الجنين ليس ملكك وحدك.
شعرتُ بالصدمة.
— ولا ملكك.
— لكنه مسؤوليتي.
كانت الكلمة الأخيرة ثقيلة.
مسقطة.
غير قابلة للنقاش.
— إن أردتِ القهوة، سنناقشها مع الطبيب.
أضاف بهدوء قاتل:
— لا في المطبخ، ولا بهذه الطريقة.
استدار.
أنهى فنجانه ببطء.
ثم قال دون أن ينظر إليّ:
— اجلسي. كلي.
تركني واقفة.
غاضبة.
ومرتبكة أكثر مما أحب أن أعترف.
جلست أُكمل فطوري، وذاكرتي تعود إلى ما فعله ليلة البارحة.
__البارحة__
_استيقظ من أوهامك، لن أشاركك غرفة، فكيف بسرير؟
خرجت الكلمات من فمي حادّةً، نهائية، ثم أدرت ظهري له ودخلت غرفة آنا قبل أن أمنحه فرصة للرد.
لم أشعل الضوء؛ خشيت أن أوقظها. ومع ذلك، لم تكن الغرفة غارقة في الظلام. كان ضوء خافت يتسلل من الخارج، يكفي لرؤية ملامحها وهي نائمة.
تمدّدت إلى جوارها على السرير. كان المكان مألوفًا، هادئًا... لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.
انفتح الباب بهدوء، ودخل حجر الجليد، ولا يزال يحمل الكأس نفسه على الصينية نفسها.
الشيء الوحيد الذي تغيّر كان ثيابه.
وضع الكأس على الطاولة بجانب السرير وقال:
- فقط اشربيه، وسأخرج بعد أن تفعلي.
لم أناقش. جلست دون تفكير، وشربت الكأس دفعة واحدة.
كل ما أردته هو التخلّص منه، وبالفعل كان عند كلمته.
ما إن أنهيت الكأس حتى أخذه مع الصينية وخرج.
كنت متعبة، والنعاس يثقل جفوني. لا أعلم إن كان السبب طول اليوم، أم الحمل، أم كلاهما معًا.
بعد نحو خمس دقائق، كان التعب قد تملكني تمامًا.
ثم دخل الغرفة مجددًا.
رفعت رأسي بصعوبة، أحاول أن أبقى مستيقظة:
- ماذا تفعل هنا؟ ألم تقل إنك ستخرج؟
أجاب بصوته البارد المستفز، كعادته:
- وقد خرجت.
تمتمت بصوت خافت، لا أعلم كيف سمعه:
- خرجت... وها أنت هنا.
قال بهدوء:
- قلت إنني سأخرج، ولم أقل إنني لن أعود.
ثم أضاف، وكأنه يغلق الموضوع:
- والآن، هلا تنامين؟
قالها وهو يصعد إلى الجانب الآخر من السرير.
أصبح وضعنا كالتالي:
هو في الجانب الأيمن، آنا في الوسط، وأنا في الجانب الأيسر.
أردت أن أجيبه، أن أقول أي شيء... أن أطلب منه الخروج، أن أتشاجر، أن أصرخ.
لكنني لم أستطع.
كنت أشعر بأن عضلاتي تثقل، وكأن جسدي ينسحب مني ببطء، مستسلمًا للنوم رغماً عني.
__الحاضر__
- لا تلبسي ذلك... هذا سيكون أجمل عليكِ.
شقّ صوت فينيسا شرودي وأعادني إلى الواقع. كنت أقف أمام المرآة منذ دقائق، أحدّق في انعكاسي دون أن أراه حقًا. اتصلت بها على عجل، بعدما اكتشفت أن حجر الجليد رتّب لعشاء عائلي في منزل عائلته دون سابق إنذار، ولم يخبرني إلا بعد الظهر.
لم يكن لدي وقت للتردد، ولا للرعونة. كنت بحاجة إلى شخص يملك ذوقًا هادئا وناضجا في آنٍ واحد... شخص يراني من الخارج حين أعجز عن ذلك.
بعد ما رأيته منهم في الزفاف، لم أعد أحتمل فكرة أن يضعوني في قالب الفتاة الطائشة. لا. هذه المرة، أردتهم أن يروا امرأة مختلفة؛ قوية، ثابتة، تعرف تمامًا أين تقف.
- في ماذا تفكرين؟ قلت لك لا تلبسي ذلك.
نظرت إلى الفستان بين يديّ، ثم إلى انعكاسي.
- لكنه جميل.
التفتت إليّ بعينين ضيقتين:
- إذا كنتِ لن تستمعي لي، فلماذا اتصلتِ بي أصلًا؟
تنهدت، وكأنني أساوم نفسي قبلها
- ومن قال إنني لن أستمع؟ أنا فقط أعطيت رأيي.
قالت بغيظ واضح:
- لو كان رأيكِ ينفع، لما احتجتِ إليّ من الأساس.
لم أعلّق. أخذت الفستان من يدها ودخلت غرفة التغيير. ارتديته ببطء، أراقب كيف ينسدل على جسدي، وكيف يحتضنني كما فعلت الفساتين السابقة تمامًا.
خرجت مجددًا وقلت:
- ما رأيك؟
تأملتني طويلًا، نظرة فاحصة لا تعرف المجاملة، ثم قالت:
- جميل... لكن هل أنتِ متأكدة أن ناثان هو من اشترى هذه الملابس؟ لم تكوني أنتِ من فعلتِ ذلك وقلتِ إنه هو؟
- قلت لك، عندما جئت كانت مرتّبة في الخزانة.
رفعت حاجبها:
- إذن فسّري لي كيف أن جميعها على مقاسك تمامًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تخلو من الحيرة:
- وأنا مستغربة مثلك. على أي حال، هل تقترحين خيارًا آخر أم استقر الرأي على هذا؟
تنهدت أخيرًا، وكأنها استسلمت:
- هذا هو الأنسب. لونه يليق بك، ويمنحك حضورًا قويًا. الآن اخلعيه واجلسي، لأضع لك المكياج
غيّرتُ الفستان وجلستُ على الكرسي أمام المرآة. بدأت فينيسا بترطيب بشرتي استعدادًا للمكياج، وحين انتهت شرعت في وضعه بهدوء، قبل أن تسأل فجأة:
- أين آنا؟
أجبتها دون أن أرفع عيني عن انعكاسي في المرآة:
- ألم تلتقي بها عند مجيئك؟ تركتها في غرفة الجلوس مع حجر الجليد.
رفعت فينيسا نظرها إليّ عبر المرآة، وقد ارتسم الاستغراب على ملامحها.
- لا، لم ألتقِ بها... ولا به. ولا يبدو أن هناك أحدًا في الطابق السفلي.
تجمّدت للحظة.
تركتُهما في الأسفل قبل أن أصعد... فأين يمكن أن يكونا قد ذهبا؟
- الحديقة الأمامية؟
سألتها وأنا أتمنى، بصدق، أن تقول إنها رأت ظل آنا هناك.
هزّت رأسها نفيًا.
- حارس البوابة فقط.
شعرت بنبضة خوف تعصف بصدري.
- ماذا يحدث؟ أين ابنتي؟
نهضت فورًا، وخرجت من الغرفة متجهة إلى الجانب الشرقي من المنزل، المطلّ على الحديقة الخلفية وجزء من المسبح. كنت آمل أن أجدها هناك... لكن المكان كان خاليًا.
نزلت الدرج بسرعة وأنا أرفع صوتي:
- فينيسا! أحضري لي هاتفي من الغرفة! سأتصل به... أسأله أين هو.
جاءتني بالهاتف بعدما كنت قد وصلت إلى الطابق السفلي دون أن أجد أحدًا. أخذته منها واتصلت به.
رنّ مرة... ثم ثانية... أعصابي كانت مشدودة حتى أجاب في الرنة الثالثة.
لم أترك له فرصة للكلام:
- هل آنا معك؟
- نعم.
نبرته الهادئة كادت تفقدني صوابي.
- لماذا أخذتها وخرجت دون أن تخبرني؟
- هل أحتاج إذنك لأخرج مع ابنتي؟
- ليست ابنتك، بل ابنتي أنا وستيفن. ونعم، تحتاج إذني لتخرج مع ابنتي. أعدها فورًا، أنا لا أثق بك لتخرج معها....
لم أكمل. سحبت فينيسا الهاتف من يدي وأغلقت الخط وهي تقول بحدة:
- ما هذا الذي تقولينه؟ اهدئي، ما بكِ؟
- لا أعلم... نبرته الباردة تثير أعصابي. خرج بالفتاة دون أن يخبرني، هل تتخيلين؟
- وهل لا يستطيع الخروج معها؟
- ليس الأمر أنه لا يحق له الخروج بها، لكن على الأقل كان عليه أن يخبرني قبل أن يذهب. هو يعلم أنني سأقلق عليها حين أبحث عنها ولا أجدها.
تنهدت فينيسا، ثم قالت بنبرة أهدأ:
- حسنًا، قال إنها معه، وهذا يعني أنها بأمان. أعلم أنك لم تقصدي ما قلتيه، لكن هل كان يجب أن تذكري ذلك الخائن؟
- ذلك الخائن هو والدها، شئتم أم أبيتم.
قلتُها وأنا أجلس على الأريكة، وقد أنهكني هذا الحديث كله.
كان واضحًا أنهم لا يطيقون ستيفن.
لولا حملي بآنا وإصراري على الزواج منه، لما سمحوا لي به أصلًا. حتى فينيسا نفسها لم تكن تطيقه؛ كان زميلنا الأكبر في الدراسة، ومع ذلك لم ترتح له يومًا.
وحين علموا بخيانته، وجدوا فيها الفرصة المثالية ليبرهنوا لي أن اختياري كان خطأ.
ليس وكأنني أنا من تعرّض للخيانة...
ومع ذلك، لم أندم.
عشت معه أيامًا لم أكن لأعيش مثلها مع شخص آخر، ومنحني أجمل هدية في الحياة: ابنتنا آنا.
والآن، هناك طفل آخر قادم... وهم لا يفهمون هذا. يريدون مني محوه من الوجود.
كلما نظرت إلى ابنتي تذكّرته.
كلما رأيت نفسي في المرآة تذكّرته.
وكلما رأيت حجر الجليد... تذكّرته.
لولا خيانته، ولولا ضغط عمتي، لما تزوجت رجلًا لا أعرفه.
كل شيء يذكرني به، وهم يريدون مني النسيان، وقتل مشاعري، وكأن الأمر بهذه السهولة.
- تفضلي، اشربي واهدئي. الغضب والقلق يضران بالجنين.
أخذت كوب الماء منها، شربت بعضه، ثم وضعته على الطاولة. تناولت هاتفي واتصلت به مرة أخرى.
أجاب، وكان صوته أبرد من المعتاد:
- نعم.
برودته استفزني أكثر من أي كلمة. كنت أريد تبريرًا، أي شيء...
- أين أنتم؟
- في الطريق.
قالها وأغلق الخط.
هذه المرة، هو من أنهى المكالمة.
كان صوته باردًا كالصقيع، مغلفًا بنبرة لم أفهمها.
لو كان شخصًا غير حجر الجليد، لقلت إن كلماتي السابقة جرحته...
لكن حجر الجليد لا يملك مشاعر لتُجرح.
- ماذا قال؟
سألت فينيسا.
- قال إنهم في الطريق.
- إذن تعالي نكمل ما بدأناه قبل أن يصلوا.
قال إنهم في الطريق، لكن الطريق - على ما يبدو - كان أطول مما توقعت؛ فقد استغرق أكثر من ساعتين.
حين وصلوا أخيرًا، كانت فينيسا قد غادرت، ولذلك كنت قد أنهيت المكياج وتسريحة الشعر، وارتديت الفستان.
كان الفستان طويلًا، بلا أكمام ولا حمّالات، بلون النبيذ الداكن، ينساب على جسدي بثقلٍ أنيق. نسّقتُ معه حذاءً بكعبٍ عالٍ باللون نفسه، وشالًا أبيض من الفرو، وحقيبة بيضاء صغيرة، وعقدًا من اللؤلؤ مع أقراطٍ مطابقة.
وقفت أمام المرآة لحظة أتأمل انعكاسي. بدوت فعلًا بمظهر المرأة الناضجة، وأدركت أنني راضية.
نزلت إلى الأسفل، وما إن وقعت عيناي على آنا حتى حبست أنفاسي لوهلة.
كانت ترتدي فستانًا أزرق سماويًا، ناعمًا كبراءتها، وقد صُفِّف شعرها بعناية تفوق المعتاد.
في تلك اللحظة فقط فهمت سبب تأخرهما...
لقد اصطحبها إلى مركز التجميل.
- أهلًا حبيبتي، اشتقتُ لكِ.
قلتُها وأنا أفتح ذراعيّ دون تفكير. اندفعت نحوي فورًا، وارتمت في حضني.
- وأنا اشتقتُ لكِ! انظري إلى فستاني، أليس جميلًا؟
ابتسمت، وفككت العناق ببطء، أمسكت يدها وسحبتها معي حتى أجلسْتها على إحدى الأرائك، وجلست بجانبها.
في تلك الأثناء، كان ناثان قد صعد إلى الأعلى فور دخوله، متجهًا مباشرة نحو الدرج، دون أن يلقي التحية... دون نظرة حتى.
- نعم حبيبتي، فستانك جميل، وأنتِ جميلة.
ترددت لحظة قبل أن أضيف:
- هل حجر الجليد هو من اختاره؟
- لا، ليس ابي، المصممة هي من اختارته.
- إذن ماذا فعلتما اليوم؟
- ذهبنا إلى المجمع، اشتريتُ مثلجاتي... وتخيلي، هي أيضًا المفضلة عند أبي. ثم ذهبنا إلى متجر الملابس، وهناك اختارت لي المصممة هذا الفستان، وبعدها إلى مركز التجميل وصففوا شعري.
توقفت لحظة، ثم أضافت بفخر طفولي:
- قال أبي إنه سيأخذني إلى حفل الليلة، ويريدني أن أكون أجمل واحدة... حتى أجمل منكِ.
ضحكتُ رغمًا عني.
حجر الجليد يأكل المثلجات، وله نكهة مفضلة أيضًا... كانت نكتة اليوم.
أما قوله إنه يريدها أجمل مني، فلم أفهمه.
هل يراني غايةً في الجمال... أم يراني طفلةً ليقارنني بها؟
- هل قال ذلك؟ أجمل مني؟
- نعم، هذا ما قاله أبي.
وبينما كانت تثرثر، شعرت بحركة في محيطي.
رفعت رأسي... وكان ينزل الدرج.
كان مختلفًا.
ليس في ملامحه ، بل في حضوره.
كان جميلًا على نحوٍ مزعج، ذلك النوع من الجمال الذي لا يطلب الانتباه، لكنه يفرضه.
اعترفت في داخلي (._.) علي مضض (._.) أن حجر الجليد، لولا شخصيته اللامبالية وبروده، لكان حلم أي فتاة.
لكن مع هذه الشخصية، أشك أن أحدًا يرغب حتى في البقاء قربه.
اقترب.
خطوة... ثم أخرى.
وأثناء نزوله، وصلتني رائحة عطره.
كانت قوية، خانقة.
شعرت بالغثيان يصعد سريعًا، يضغط على صدري، ويدوّر رأسي. حاولت التماسك، ابتلعت اللعاب، حبست أنفاسي... لكن جسدي لم يطاوعني.
استدرت واندفعت مسرعة نحو الحمام.
تقيأت بعنف، مرة... ثم أخرى، حتى شعرت أن جوفي على وشك أن يخرج.
العرق بلّل جبيني، والارتجاف سكن أطرافي.
- ما بكِ؟
جاء صوته من خلف الباب... لكنني لم أرد.
غسلت وجهي، واستندت إلى الحوض حتى هدأ الدوار قليلًا، ثم فتحت الباب.
— ما الذي يحدث؟
قالها بنبرة منخفضة، متحكّم بها، كأنه يسجّل ملاحظة ذهنية لا يسأل سؤالًا بينما يسدّ عليّ طريق الخروج.
وقفت أمامه، أتنفس بصعوبة، وأسُد أنفي بيدي.
- هلّا تبتعد قليلًا؟ رائحة عطرك تشعرني بالغثيان.
لم يعتذر.
لم يستغرب .
فقط نظر إليّ لثانيتين إضافيتين، وكأنه يعيد ترتيب معطياته.
ثم تنحّى خطوة واحدة.
خطوة محسوبة.
كافية… دون أن تكون ودية
تجاوزته بخطوات سريعة، متجهة نحو الباب الخلفي.
كنت أحتاج هواءً... شمسًا... أي شيء لا يحمل رائحته.
خرجت إلى الحديقة.
كانت الشمس على وشك الغروب، تنثر أشعتها الصفراء الأخيرة على العشب، بينما كانت الظلال تطاردها ببطء.
جلست على أحد كراسي الحديقة. لحقت بي آنا، وسألت بقلق:
- ما بكِ يا أمي؟
- لا شيء حبيبتي، أمك بخير... فقط شعرت ببعض الدوار، وسيزول بعد قليل.
كانت آخر أشعة الشمس كفيلة بأن تمنحني شيئًا من الدفء.
أغمضت عيني، وضعت يدي على بطني دون وعي،
وباليد الأخرى ربّتُّ على رأس آنا.
لم أستطع إطالة الجلوس في الحديقة، رغم ما منحته لي من راحة مؤقتة. كان هناك عشاء ينتظرني، وتأخري أكثر لن يُغتفر، لا في أعينهم... ولا في حساباتي أنا.
وأنا أسير باتجاه المنزل، وآنا تتبعني بخطواتها الصغيرة، تمنّيت-بلا وعي-أن أجد حجر الجليد قد غيّر ثيابه، أو تخلّص من ذلك العطر الثقيل، فكرة بسيطة، لكنها كانت كفيلة بتخفيف شيء من الضيق العالق في صدري.
لكن المفاجأة كانت مختلفة تمامًا.
دخلت المنزل... ولم أجده. لا في غرفة الجلوس، ولا قرب الدرج، ولا حتى أثر يدل على وجوده. كان المنزل فراغا باردا، صامتا، كأنه يعلن غيابه دون اعتذار.
تناولت هاتفي بعصبية خفيفة، أنوي الاتصال به، لكن رسالة كانت بانتظاري بالفعل. قصيرة. مباشرة:
السائق بانتظاركِ إن رغبتِ في الذهاب إلى العشاء.
هذا كل شيء. بهذه البساطة. يذهب، ويترك رسالة، وكأن الأمر لا يستحق أكثر من ذلك.
تساءلت: ألا يفكر في نظرة عائلته إلينا عند وصولنا متفرّقين؟ في الأسئلة التي ستُطرح؟ في الانطباع الذي سيتشكل؟
ثم توقفت. إن كان هو لا يهتم... فلماذا أُرهق نفسي بالتفكير؟
أصلحت تبرّجي، وعدّلت تسريحة شعري. وضعت الوشاح الأبيض على كتفيّ، وحملت حقيبتي، ثم التقطت وشاح آنا بعدما رفضت ارتداءه بإصرار طفولي، بحجة أنه سيفسد مظهر فستانها. كنت أعلم أنها ستطلبه ما إن تشعر بالبرد، لذلك حملته معي.
خرجنا.
كان السائق بانتظارنا بالفعل، واقفًا بجانب السيارة بوقار صامت. فتح الباب الخلفي، أجلست آنا في مقعدها المخصّص، ثم جلست إلى جوارها. أغلقت حزام الأمان، وانطلقت السيارة بسلاسة.
بدأت آنا تثرثر بحماس عن الحفل، عن الأضواء، والفساتين، والرقص. كنت أجيبها بابتسامات قصيرة، بينما ذهني كان في مكان آخر.
في ذلك اللقاء... وفي كيف سيكون.
توقفت السيارة أمام بوابة حديدية عالية، سوداء اللون، تتوسطها زخارف بسيطة تحمل اسم دي لوكا بحروف معدنية داكنة. فتح الحارس البوابة بصمت، فانكشف الطريق أمامنا ببطء.
لم يكن القصر صاخبًا كما توقعت. كان واسعًا، ثابتًا، كأنه يقف هناك منذ زمن طويل. مشيد بالحجر الكلسي الفاتح، تتخلله نوافذ طويلة مضاءة من الداخل، وأعمدة مستقيمة تمنحه هيبة هادئة.
لا زخرفة زائدة، ولا بهرجة… فقط اتساع، ونظام، ودقة.
توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. نزل السائق أولًا وفتح الباب. أنزلت آنا، وعدّلت فستانها قبل أن تمسك بيدي. كانت الأضواء تنعكس على الأرضية الرخامية، والدرج المؤدي إلى الداخل واسعًا، تحفّه نباتات خضراء مرتبة بعناية لافتة.
ما إن دخلنا حتى استقبلتنا امرأة في منتصف العمر، خمّنت أنها كبيرة الخدم.
رحّبت بي وبآنا باحترام واضح، ثم قادتنا إلى حيث مكان التجمع.
مع اقتربنا من القاعة، بدأت أسمع أصواتًا متداخلة، بعضها لم أتعرف إليه، مما دلّ على وجود أشخاص جدد. تساءلت في داخلي:
أليس هذا مجرد عشاء عائلي؟ أليس من المفترض أن يقتصر على أفراد العائلة فقط؟
توقفت لحظة أمام الباب، قبل أن أومئ للخادمة بفتحه. كنت بحاجة إلى أن أستجمع نفسي… شجاعتي… أي شيء.
وقبل أن أخطو إلى الداخل، شعرت به يقف بجانبي. مدّت آنا يدها الصغيرة، وأمسكت بيده بثقة.
لاحظتُ أنه تخلّص فعلًا من تلك الرائحة الثقيلة؛ فرغم قربه، لم تصلني إلا رائحة خفيفة، حلوة، أربكت حواسي.
ابتسمتُ بسخرية في داخلي:
ما الذي أهذي به؟ يبدو أن الحمل بدأ يعبث بي حقًا.
دخلنا القاعة، كنت أمسك بيد آنا، بينما كان حجر الجليد يمسك بيدها الأخرى.
لم أحتج إلى رفع رأسي لأدرك أن القاعة قد التفتت نحونا. شعرت بذلك في الهواء نفسه، في الصمت الذي سبق الهمسات، في تلك الثواني القصيرة التي بدا فيها كل شيء متوقفًا بانتظارنا.
كنت أمسك يد آنا، لكنها كانت هي من تشدّ عليّ، بثقة طفلة لا ترى ما أراه.
خطوت خلفه بنصف خطوة. لا متأخرة… ولا متقدمة. موضع غير محدد، يشبه وضعي تمامًا.
الأضواء كانت قوية، لكنها بلا دفء. انعكست على الوجوه، على العيون التي تفحّصتني دون خجل. بعضهم نظر إليّ باهتمام مبالغ فيه، بعضهم ببرود مدروس، وآخرون بنظرة سريعة، كأنهم سجّلوا ملامحي ثم انتقلوا إلى ما هو أهم.
كنت أعرف تلك النظرات جيدًا؛ ففي النهاية أنا أيضًا أنتمي إلى عائلة أرستقراطية، وأفهم طريقتهم في النظر، وفي التفكير.
أما هو، فكان يسير بهدوء، كأن القاعة امتداد طبيعي له، وكأن كل من فيها ضيوف في مساحته الخاصة. لم يكن متعجرفًا… كان واثقًا على نحو يربك.
رفعت آنا رأسها، نظرت حولها بفضول بريء، وابتسمت وهي تشدّ يده الصغيرة. فخفّف خطوته تلقائيًا، دون أن ينظر إليها، حتى أصبحنا نسير نحن الثلاثة بمحاذاة بعضنا، لا خلفه. حركة بسيطة… لكنها قالت الكثير، أكثر مما قاله صمته.
أما أنا، فكنت أحاول أن أبدو ثابتة.
أن أتنفّس بانتظام.
تقدّمنا نحو الطاولة التي يتجمعون حولها. كان سيباستيان يترأسها، وعن يمينه زوجته إيلينا، وبجانبها ابنتهما صوفيا، وإلى جوار صوفيا فتاة لم أتعرف إليها. وعلى يسار سيباستيان جلست روكي، تليها ماريانا، وبجانب ماريانا امرأة في منتصف العمر، يليها رجل يبدو في عمر حجر الجليد.
ألقيت التحية حين وصلنا، فردّ سيباستيان باقتضاب مهذّب.
عندما رأيت حجر الجليد يتجه للجلوس في الطرف الآخر من الطاولة، سحبت الكرسي المجاور للفتاة التي لا أعرف اسمها، وجلست عليه، بعد أن أجلست آنا أولًا على الكرسي المخصص للأطفال، الواقع بيني وبينه.
بعد جلوسنا بدقائق قليلة، دخل لورينزو، وتوجّه مباشرة إلى الكرسي الواقع عن يمين أخيه.
فبات ترتيب الجلوس على هذا النحو…
حجر الجليد
آنا | لورينزو
أنا | ؟
؟ | ؟
صوفيا | ماريانا
إيلينا | روكي
سيباستيان
بدأ الخدم بالتحرّك بانسجامٍ صامت، كأنهم جزء من تصميم القاعة لا أشخاصًا فيها. انسحب الحديث تلقائيًا إلى نبرات أخفض، واعتدل الجميع في جلستهم.
وُضعت أمامنا المقبّلات أولًا.
أطباق صغيرة، دقيقة الترتيب:
شرائح رقيقة من سمك السلمون المدخّن، تتوسّطها قطرات من زيت الليمون وقليل من الكبر، وبجانبها تارتار لحم العجل المفروم بعناية.
كان كل شيء خفيفًا، محسوبًا، لا يسرق الأضواء مما سيأتي لاحقًا.
تلاها الحساء.
حساء فطر بري كثيفة القوام، بلونٍ داكن يوحي بالعمق لا بالثقل، تفوح منها رائحة الزبدة والزعتر. كانت ملعقة واحدة كافية لتفهم أنها وُضعت هنا لتهيئة الحواس، لا لإشباعها.
ثم جاء الطبق الرئيسي.
استيك واغيو.
قُدّم على أطباق داكنة، كأنها اختيرت لتُبرز لونه وحده. اللحم بدا طريًا على نحوٍ غير واقعي، مشويًا بدقة، بلا أثر للمبالغة أو لمحاولة الإبهار. إلى جانبه هريس بطاطس ناعم بلمسة زبدة خفيفة، وخضار موسمية مشوية بخفّة.
رافقت الأطباق زجاجات من نبيذ «إسينسيا» الإصدار المحدود من دار رويال توكاجي، إنتاج عام 2008.
بدأ الخدم بسكب النبيذ في الكؤوس حول الطاولة.
وُضع أمام آنا طبق مختلف؛ أصغر، أبسط، بلا صلصات ولا بهرجة. حساء صافٍ، ولحم مطهو بعناية، كأن أحدهم قرر أن يحمي عالمها من تعقيدات هذا المكان.
انسحب الخدم بهدوء بعد أن انتهوا من ترتيب الأطباق على المائدة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ذلك الصمت الصادق، الذي لا يُفرض، بل يُنتزع حين يكون الطعام أبلغ من أي حديث
بدأ سيباستيان بالأكل ببطء؛ حركة بسيطة، لكنها كانت الإشارة التي انتظرها الجميع. تحرّكت الأيدي تباعًا، كأنها كانت معلّقة في الهواء وتلقّت أخيرًا الإذن بالهبوط.
عادت الأصوات، لا دفعة واحدة، بل متقطّعة ومحسوبة، كأن كل كلمة تُختبر قبل أن تُقال.
انحنى لورينزو قليلًا نحو آنا.
— هل يعجبكِ الحساء؟
هزّت رأسها بحماس طفولي، ثم همست:
— نعم، أحببته.
ابتسم، تلك الابتسامة السريعة التي لا تُمنح كثيرًا، وقال: — إذن أنهي طبقكِ.
نظرتُ إليهما من طرف عيني. كان المشهد بسيطًا، لكنه لم يكن عابرًا. لورينزو لم يكن يحاول أن يبدو ودودًا؛ كان طبيعيًا، وهذا نادر في مكان كهذا.
على الطاولة، انزلقت الأحاديث إلى مسارات مألوفة: مشروع جديد هنا، صفقة مؤجّلة هناك، تعليق ذكي يُلقى ثم يُترك دون متابعة، كأن الغاية منه أن يُسمع لا أن يُناقش. كنت أتناول طعامي بهدوء، أراقب أكثر مما أشارك. أعرف متى يكون الصمت مشاركة بحد ذاته.
سمعتُ الفتاة الجالسة إلى جانبي تهمس لي، فالتفتُّ نحوها.
ابتسمت ابتسامة صادقة، وقالت:
— أنا تايلور، ذاك أخي داميان، وتلك أمي جينا.
بادلتها الابتسامة وقلت:
— تشرفت بمعرفتك، أنا رؤى.
توسعت بتسامتها وهي تقول:
— اسمك غريب، لكنه جميل.
— هو اسم عربي، يعني البصيرة… كما كانت تقول أمي.
— أحببت معناه. لكنكِ قلتِ كانت، ألم تعد كذلك؟
— نعم… كانت، لأن أمي متوفاة.
— آه… أنا آسفة.
قالتها بصوت خافت، حزين، كأن وفاة أمي ذنبها.
— لا بأس،
قلت بهدوء.
__ كنت صغيرة عندما توفيت.
كنت أتحدث معها وأنا أتناول طعامي. كانت فتاة رقيقة، مرِحة، تتحدث بلا مبالاة، أقلّ تحفظًا من لورينزو بكثير. لم تحاول الالتزام بأي من قوانينهم.
كانت تضحك، تقاطع نفسها، وتعلّق على كل شيء تقريبًا. حضورها كان مختلفًا؛ أخفّ. لاحظتُ كيف تبادل بعضهم النظرات كلما ارتفع صوتها، وكيف تجاهلت ذلك تمامًا.
انتهينا من الطعام، وعاد الخدم لجمع الأطباق.
— ألا تحبين نبيذ «إسينسيا»؟ قولي للخادمة ما تفضلينه لتجلبه لكِ.
كانت تلك ماريانا. قالت كلماتها بعد أن لاحظت كأسي الذي لم ألمسه. كان بعضهم قد أعاد ملء كأسه مرة أو اثنتين، أما كأسي فلم أقترب منه منذ البداية، بسبب الحمل.
لم أعرف كيف أجيب. التفتُّ إلى حجر الجليد، لعلّه ينقذني، لكنه كان ينظر إليّ بملامح جامدة، كأنها نُحتت من جليد سيبيري.
عندها أدركت أنه لن يتدخل، وأن صمتي طال إلى حدّ جعل الجميع يلتفتون نحوي، ينتظرون جوابي.
— لا أتحمّل الكحوليات، لذلك لم ألمسه.
كان ذلك، بلا شك، أسخف عذر قلته في حياتي، لكن يبدو أنهم اقتنعوا… أو تظاهروا بذلك إذ عادوا إلى أحاديثهم، وانشغلت الخادمات بإكمال تنظيف الطاولة.
ما إن فرغت الطاولة حتى تبدّل إيقاع القاعة. لم يقف أحد، برغم فراغ الجميع من الأكل وسحب الأواني؛ إذ إن الوقوف الآن يُحسب موقفًا، لا مجرد فعلٍ عادي.
نهض سيباستيان أخيرًا. كان نهوضه المفتاح الذي كانوا بحاجة إليه، إذ ما إن نهض حتى نهض الجميع على أثره. نهضتُ متأخرة عن الجمع بثوانٍ لا تُحتسب، وسحبتُ يد آنا معي
اتجهنا إلى غرفة الجلوس، التي لم تكن أقلّ رقيًا وفخامة من قاعة الطعام، لكنها كانت أدفأ، والإضاءة فيها أخفّ. جلستُ على إحدى الأرائك، اجلست آنا في حضني، وجلست تايلور بجانبي،
كنت أظن أن تايلور وحدها هي من يهتم بالحديث معي هنا، الوحيدة التي تحاول كسر الحاجز بيننا. لذلك فاجأني وصول صوفيا وجلوسها إلى جانبي، بعد أن ألقت تحية خافتة، قبل أن يلحق بها لورينزو ويجلس إلى جانبها.
كنا نجلس في جهة، وكان سيباستيان مع إيلينا وروكي وجينا وداميان وماريانا في جهة أخرى. حجر الجليد لم يكن متواجدًا معهم، بل لم أره يدخل الغرفة أصلًا.
— كم عمرها؟
كسرت تايلور الصمت بسؤالها.
— ثلاث سنوات.
— إنها صغيرة. من هدوئها ظننتُ أنها أكبر.
كان المتحدث هذه المرة لورينزو.
— ليست هادئة، إنما خجولة. آنا بطبعها فتاة خجولة، لذلك قد تظنينها هادئة، لكن بمجرد أن تعتاد على الشخص، تُظهر له شخصيتها الحقيقية.
— أفهمك، فبجانبك تجلس نسخة آنا الكبيرة.
قالت تايلور وهي تضحك، وتشير إلى صوفيا.
التفتُّ إلى صوفيا، فوجدتها تبتسم لي ابتسامة خجولة، كأنها تعتذر عن وجودها. كنت قد لمحت خجلها منذ اللحظة الأولى، لذلك بدا جلوسها إلى جانبي لفتة خاصة؛ صغيرة لكنها دافئة، تحمل شجاعة لا يراها إلا من يفهم أشخاصًا مثلها.
— لكنها منفتحة على أخي، حتى إنها تناديه «أبي». أقرّ لورينزو بنبرة أقرب إلى الاستفهام.
— نعم، فقد كانت اختي فينيسا تُريها صوره حتى تعودت عليه.
— إذًا سأعطيكِ بعض صوري لتأخذيها معكِ إلى المنزل، إذا كانت هذه الطريقة تنجح معها.
قال لورينزو بصوت فكاهي، وقبل أن أتمكّن من الرد، مدّت تايلور هاتفها نحوي وهي تقول:
— لا أمتلك صورًا جاهزة، لكن أعطيني رقم هاتفك، وسأرسلها لكِ لاحقا.
أخذتُ الهاتف وسجّلت رقمي فيه، وأعدته إليها.
تأخّر الخدم بضع دقائق، كأنهم يمنحون المكان مهلة ليلتقط أنفاسه بعد العشاء. ثم فُتح الباب بهدوء، ودخلوا في صفٍّ متناسق، يحملون صواني فضية انعكس عليها الضوء الخافت لغرفة الجلوس.
وُضعت التحلية أولًا. أطباق صغيرة، متقنة الترتيب، لا تسمح بأي ارتجال:
كريم بروليه بسطحه الذهبي المشقوق بعناية، موس شوكولاتة داكنة في كؤوس زجاجية، وقطع فاكهة مقطّعة بإتقان، كأنها للعرض بقدر ما هي للأكل. لم يُسأل أحد عمّا يفضّل؛ فالاختيار هنا لا يُترك لأصحابه، كما هو حال معظم الأشياء.
ثم تلتها القهوة.
وُضعت فناجين الإسبريسو أمام الجميع تقريبًا؛ بيضاء ناصعة، يتصاعد منها بخار خفيف يحمل رائحة مركّزة، حادّة، تستقر في الحواس قبل أن تُرتشف.
تحرّكت الأيدي نحو المقابض بلا عجلة، كأن حتى هذا الفعل يخضع لإيقاع غير مرئي.
كنت أنا وتايلور الاستثناء.
وُضع أمامها فنجان قهوة بالحليب، وأمامي كأس يحتوي قهوة ممزوجة بالحليب والثلج.
تأمّلت تايلور فنجانها، ثم نظرت إلى كأسي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية وهي تقول بنبرة خفيفة:
— كنت أعرف أنهم لن يسلّموني القهوة المركّزة… لكن لم أكن أعلم أنكِ لا تفضّلينها أيضًا.
ابتسمت ابتسامة خافتة.
— لا أتحمّلها، لذلك أفضّلها مع الحليب،
لكن لا أعلم من الذي أخبرهم بذلك.
آنا لم يُقدَّم لها شيء من التحلية. بدلًا من ذلك، وضعوا أمامها كوبًا صغيرًا من الحليب الدافئ، وبجانبه قطعة بسكويت. انتظرت أن تمتد يدها، لكنّها لم تفعل.
حين نظرت إليها، وجدتها قد غرقت في نوم هادئ. في بعض الأحيان أغار من قدرة الأطفال على النوم في أي مكان، وكأنهم يشعرون بالأمان تجاه العالم أجمع.
غرست الملعقة في موس الشوكولاتة وتذوّقته. تمنّيت لو أرتشف من القهوة، لكنني لم أستطع المخاطرة.
في تلك اللحظة، دخل ناثان. كان يتّجه حيث يجلس عمّه، لكنه ما إن لمح آنا نائمة حتى غيّر مساره، وتقدّم نحونا، حيث كنت أجلس مع تايلور وصوفيا ولورينزو، الذين كانوا قد بدأوا بالتحلية.
ركع أمامها بهدوءٍ لافت، حركة محسوبة لا تحمل أي استعجال. مدّ ذراعيه وحمل آنا بحذر، كأنها شيء هشّ لا يُسمح للعالم أن يمسّه بخشونة.
تبعته العيون وهو يفعل ذلك.
نظرات ساكنة، متفحّصة، كأن ما يحدث لا ينسجم مع الصورة التي اعتادوا رؤيتها منه. وكان هذا حالهم طوال العشاء؛ كلما اقترب من آنا… أو اقتربت هي منه.
وقبل أن ينهض، مال قليلًا وهمس بصوت منخفض، لم يسمعه أحد غيري: — منزوعة الكافيين.
لم تكن جملة عابرة.
كانت تقريرًا.
نهض بها، واستدار دون أن ينظر إليّ، ثم ناولها لإحدى الخادمات وأمرها أن تأخذها إلى إحدى الغرف لتنام براحة.
لم يسأل.
لم ينتظر موافقة.
وكأن الأمر محسوم منذ البداية.
أخرجتُ هاتفي بسرعة، وكتبت له: «لماذا أرسلتها إلى إحدى الغرف؟ كنت سأُبقيها معي حتى نغادر. أم هل ستطول جلستنا؟»
رأيته ينظر إلى شاشة هاتفه.
ثانية… ثم أخرى.
عرفت أنه قرأ الرسالة.
لكنه لم يرد.
ألحقتُها بأخرى، أصابعي أكثر توترًا: «أنا متعبة، وأريد العودة إلى المنزل.»
مرة أخرى نظر إلى الهاتف.
ومرة أخرى… لا شيء.
عندما ادركت انه لن يرد أخذت قهوتي وبدأت أحتسيها. بعد دقائق، وعندما أنهيتها، رأيته ينهض. بدا كمن يودّع عمّه ووالدته. لم أسمع الكلمات، ولم أحتج إلى سماعها لأفهم.
وقفت بدوري، استأذنت بهدوء من المجموعة التي كنت أجلس معها، واتجهت نحو سيباستيان ومن معه.
حين وصلت، كان ناثان قد غادر الغرفة.
استأذنت سيباستيان ومن حوله، ثم خرجت أتبعه. لم أجده في الممرات، والقصر لم يكن مألوفًا لي بما يكفي لأعرف أين أبحث. لم يكن أمامي سوى الخروج إلى المدخل الخارجي والانتظار.
بعد لحظات، توقّفت سيارته أمام المدخل. كان أحد السائقين هو من أوقفها، نزل منها في اللحظة نفسها التي خرج فيها ناثان من القصر، حاملاً آنا بين ذراعيه. وضعها في المقعد الخلفي بعناية لافتة.
وحين أدركتُ أنه هو من سيقود، فتحتُ باب المقعد الأمامي، أرجعتُ المقعد إلى الخلف بعد أن ثبّتُّ حزام الأمان، ثم أغمضتُ عينيّ.
سمعت صوته وهو يغلق الباب بعد أن جلس، وشعرت بالسيارة تبدأ بالتحرّك.
لكنني كنت متعبة فعلًا، متعبة لدرجة أردت النوم طوال الطريق.
🌞🌞🌞
عندما استيقظتُ، وجدتُ نفسي على سريرٍ.
آخر ما أتذكّره أنني كنتُ داخل السيارة، فما الذي أفعله على سريرٍ وفي غرفةٍ غريبة؟
كانت الغرفة غريبة بعض الشيء؛ ليست غرفة آنا التي اعتدتُ النوم فيها. ألوانها بين الرمادي والبني، حين تأمّلتها أدركتُ أنها غرفة الملابس.
هي بالتأكيد ليست مجرد غرفة ملابس، بل غرفة نوم متكاملة، لكنني أطلقتُ عليها هذا الاسم لأنني لم أدخلها يومًا إلا لألتقط ثوبًا وأغادر.
حجر الجليد…
لا بدّ أنه هو من حملني إلى هنا، ومن غيره سيفعل ذلك؟
سأتفاهم معه عندما أراه.
نهضتُ من السرير، أخذتُ حمّامًا سريعًا، وغيّرتُ ثيابي.
خرجتُ وفي نيّتي التوجّه إلى غرفة آنا، لكنني رأيتها من خلال الجدار الزجاجي؛ كانت تلعب في الحديقة مع فتاةٍ غريبة، فتاة لم أرها من قبل.
لا أعلم كيف وصلت إلى الحديقة، لكنني وجدتُ نفسي أسحب آنا الجالسة على العشب من ذراعها وأُخبئها خلفي، بينما أسأل الفتاة بنبرةٍ ليست لطيفة على الإطلاق:
— من أنتِ؟ وماذا تفعلين مع ابنتي؟
— اهدئي، سيدتي، ما بكِ؟
قالت الفتاة بنبرة خوف، وقد بدا عليها التفاجؤ. لكنني لم أكن في موقف يسمح لي بالاهتمام بنبرتها الخائفة أو ملامحها المتفاجئة، فأعدتُ السؤال، وهذه المرة قد نفد صبري فعلًا:
— سألتكِ: ماذا تفعلين في منزلي ومع ابنتي؟
— أمي، كنا نلعب…
قالت آنا من خلف ظهري بصوتها الطفولي، لكنني رددتُ عليها بصوتٍ حاد، وكانت تلك أول مرة أرفع فيها صوتي عليها:
— لم أسألكِ، اصمتي.
شعرتُ بانكماش آنا، لكنني لم أهتم، وعدتُ أنظر إلى الفتاة الغريبة منتظرةً إجابة، إلا أن الرد جاء من شخصٍ آخر:
— إنها الخادمة الجديدة.
نظرتُ خلفي نحو مصدر الصوت. كان يقف هناك بملامح خاوية.
لماذا لم يُخبرني أنه سيُحضر خادمة؟ ليس وكأنني لم ألاحظ غياب الخادمات عن المنزل، وحين لاحظتُ ذلك ظننتُ أنه يريد ترك حرية اختيارهن لي. فلماذا يأتي هو بخادمة الآن ولا يُخبرني أيضًا؟
التفتُّ مجددًا نحو الفتاة، وعندها فقط انتبهتُ إلى مدى الرعب في ملامحها.
— أنا آسفة لإخافتكِ.
قلتُ ذلك وقد شعرتُ بالأسف تجاهها فعلًا؛ فهو من لم يُخبرني بوجودها، وليس ذلك ذنبها.
— لا عليكِ، سيدتي، أنا من لم أُعرّف بنفسي.
قالت بنبرة مهذبة، بلكنة أجنبية، ثم أردفت:
— اسمي آمبر.
— تشرفتُ بمعرفتكِ، آمبر. أنا رؤى، ناديني رؤى.
— حاضر، سيدتي.
قالتها بالنبرة نفسها، لكن هذه المرة مع ابتسامة خفيفة. غير أنها قالت «سيدتي» لا «رؤى». نظرتُ إليها بعتاب، فعادت تُصحّح خطأها بتوتر:
— عفوًا… سي… آه، أقصد رؤى.
— جيد. آمبر، من فضلكِ، أحضري لي شيئًا آكله، وقهوة مع حليب وثلج.
— حاضر.
قالتها وهي تتجه نحو المنزل.
جلستُ على أحد المقاعد، وأجلستُ آنا في حضني، وبدأتُ أعتذر لها عن إخافتها:
— أنا آسفة يا حبيبتي، لم أقصد الصراخ عليكِ. أتعذرينني؟
— نعم.
قالت بصوتها الطفولي الذي أعشق سماعه، وهي تحتضنني. بادلتُها العناق، ثم طلبتُ منها الذهاب لمساعدة آمبر.
عندما أدركتُ أن حجر الجليد لا يزال واقفًا في مكانه، قررتُ أن أتحدث معه، لكن ليس أمامها.
مشيتُ مع آنا بضع خطوات، حتى وصلنا إلى حيث يقف. تركتُ يدها لتدخل المنزل، ثم سحبته من يده دون استئذان، وأجلسته على أحد المقاعد، وجلستُ قبالته.
— لماذا لم تُخبرني أنك ستوظّف خادمة؟
سألته دون مقدمات، لكن رده جاء باردًا ومستفزًا:
— هل هو ضروري؟
ضحكتُ ضحكة قصيرة، حادّة، أقرب إلى الاختناق.
— هل تريد إصابتي بجلطة؟
أم أنك تتعمّد أن تختبر حدود صبري؟
إخباري بجلبك خادمة ليس مجاملة، بل حقّ. وإشراكي في اختيار من ستعيش معنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل ضرورة.
هذه امرأة ستتنفّس هواء بيتنا، ستقترب من ابنتي، سنأكل مما تطهو، وستعرف من حياتنا أكثر مما ينبغي…
وكل هذا القرب، وكل هذه السلطة، وتجرؤ على سؤالي إن كان الأمر ضروريًا؟
— هي عاملة وليست طباخة. الطباخة ستصل ظهر اليوم.
هل هذا رد بعد كل ما قلته؟
هل يمزح معي؟ هل يريد قتلي؟ أم ماذا؟
ممَّ صُنع هذا الرجل ليكون بهذه الدرجة من البرود والاستفزاز؟
من شدة غضبي منه ومن بروده، لم أستطع تمالك نفسي، ووجدتُ نفسي آخذت المزهرية من الطاولة وأقذفها نحوه.
لم يتحرّك.
لم يرمش حتى.
ارتطمت المزهرية بجبينه وتكسّرت، وانغرست إحدى شظاياها في جلده.
سال الدم ببطء، خطًّا داكنًا يشقّ وجهه، يمرّ بجانب عينه، ثم ينساب حتى أسفل فكه.
ومع ذلك… لم يتغيّر شيء. لا في جلسته، ولا في ملامحه، ولا في تلك البرودة القاسية التي كانت تستفزني أكثر من الألم نفسه.
غضبي تصاعد، لا لأنني آذيته، بل لأنه سمح لي بذلك دون أن يمنحني المتعة الوحيدة التي كنت أطلبها:
ردّة فعل.
بحثت بعيني عن شيء آخر. أي شيء. لكن الطاولة كانت عارية الآن، كأنها تشاركه تحدّيه الصامت.
فانحنيتُ، والتقطتُ من الأرض شظيّة زجاج؛ حادّة، لامعة، ما تزال دافئة بأثر دمه.
اقتربتُ منه خطوةً خطوة.
كنتُ أريد غرسها في كتفه… لا بدافع الأذى وحده، بل لأراه يتألّم.
لأكسر هذا الجمود الذي يحيط به كدرع.
لأنتزع منه اعترافًا واحدًا:
أنني قادرة على زعزعته، على هزيمته، ولو للحظة.
رفعتُ يدي.
في اللحظة نفسها، أمسك معصمي بقوّة، سحبني نحوه فجأة، حتى فقدت توازني وجلست في حضنه. التصق جسدي بجسده، وشعرت بحرارة لم تكن متوقّعة من رجل يبدو مصنوعًا من الجليد.
رفعتُ عينيّ إليه، متفاجئة، لاهثة، بينما كان الدم ما يزال يسيل على وجهه، وكأن شيئًا لم يحدث.
انتزع شظيّة الزجاج من يدي بهدوء قاتل، كمن ينزع سلاح طفل، وقال بصوت منخفض، قريب من أذني:
— عقوبة القتل المتعمّد السجن المؤبّد… وقد تصل إلى الإعدام.
توقّف لحظة، كأنه يمنح كلماته وقتها لتستقر، ثم أضاف دون أن يرفع صوته:
— وأنا لا أريد لزوجتي أن تقضي بقية حياتها خلف القضبان… بسبب نوبة غضب.
لم تكن نبرته تهديدًا.
ولا تحذيرًا.
كانت عناية مريضة… مخيفة.
ازداد غضبي، لكن شيئًا آخر تسلّل إليّ في الوقت نفسه؛ ارتباكٌ ثقيل، وتوتّر خانق، وإدراكٌ مؤلم بأن كل محاولاتي انتزاع ردّة فعل منه ارتدّت إليّ فارغة.
ظللتُ جالسةً في حضنه، لا لأنني أردتُ ذلك، بل لأن قبضته على معصمي كانت تذكيرًا صامتًا بأن الحركة قرارٌ مشترك الآن… أو هكذا يراه هو.
حاولتُ سحب يدي، لا بعنف هذه المرة، بل بعناد، لكنه لم يتركها.
بل خفّف قبضته قليلًا، كأنّه يمنحني وهم الاختيار.
رفعتُ رأسي، واجهته أخيرًا. كان الدم قد جفّ جزئيًا على جبينه، تاركًا أثرًا داكنًا يزيد ملامحه قسوة. ومع ذلك، عيناه… ثابتتان. لا غضب. لا لوم. لا حتى دهشة.
— اتركني.
قلتُها بحدّة حاولت أن تبدو أقوى مما أشعر به.
انحنى قليلًا، حتى صار صوته أقرب، أخفضه، كأنه سرّ لا يُقال إلا لي:
— لو أردتُ أن أترككِ، لفعلتُ منذ اللحظة الأولى.
كانت جملة بسيطة، لكنها سقطت عليّ كصفعة. ليس تهديدًا، بل حقيقة يقدّمها ببرود. شعرتُ بالاختناق؛ ليس من قربه، بل من إدراكي أنني كنت أصرخ في فراغ، أبحث عن ردّة فعل من رجل لا يمنحها إلا حين يختار.
— أنتَ تستفزّني عمدًا.
قلتُها أخيرًا، بصوت أقل صلابة مما أردت.
ابتسم.
لا ابتسامة حقيقية، بل انحناءة خفيفة في زاوية فمه، كأن الفكرة راقته.
— لا. أنتِ من تستفزين نفسكِ… وأنا أراقب.
حرّرتُ يدي فجأة، وهذه المرة سمح بذلك. نهضتُ بسرعة، وابتعدتُ خطوة، كأن المسافة وحدها ستعيد لي توازني. مرّرتُ يدي في شعري، أنفاسي غير منتظمة، بينما هو بقي جالسًا، كما لو أن شيئًا لم يتغيّر.
— هذا منزلي أيضًا.
قلتُ وأنا أواجهه.
— وآنا ابنتي. وأي قرار يخصّها، أو يخصّ من يدخل هذا المكان، يجب أن أعرفه.
نهض أخيرًا. بدا أطول مما كان عليه وهو واقف أمامي، حضوره يملأ الفراغ بيننا دون أن يلمسني.
— أنتِ لستِ بخير.
الحمل يؤثّر عليكِ.
— ماذا تقصد؟
اقترب خطوة. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأن تجعلني أتراجع دون أن أشعر.
— منذ استيقظتِ وأنتِ في حالة دفاع. غضبكِ سابق لأسئلتكِ. ردودكِ أقسى من المواقف.
توقّف، ثم أضاف بنبرة أخفض:
— استريحي اليوم. سنتحدث لاحقًا… عندما تهدئين.
تركني واقفةً في الحديقة، وظهره لي، والدم ما يزال أثره على جبينه، وكلماته تنزف داخلي أكثر مما نزفت شظايا الزجاج في جلده.
أدركتُ أنني فعلًا أتصرف على غير عادتي. هذه ليست شخصيتي. أنا لستُ شخصًا يسهل استفزازه، وبالتأكيد لستُ شخصًا يمتلك ردود أفعال عنيفة.
لكن عندما أتذكّر بروده… أتمنى لو جعلته ينزف أكثر.
رأيكم يهمني 🤍
🇵🇸
🇸🇩