قلوب لا تجد مأوى | الفصل الاول
الفصل الاول
نهضت من فراشها الصغير في الغرفة التي تشارك معها ذكريات الطفولة جدران مشققة صور قديمة لأفض ايام مرت بحياتها نافذة تطل على حارة ضيقة لكنها تحمل رائحة البحر من بعيد غسلت وجهها ووقفت أمام المرآة تعدل شعرها بعفوية فتاة تحمل ملامح مصرية واضحة وعينين واسعتين فيهما حياة رغم التعب
الفصل الأول قبل أن يعرف أحدهما الآخر استيقظ قبل أن يرن المنبه بدقائق قليلة كما اعتاد منذ سنوات لم يعد يعرف متى بدأ هذا الأمر تحديدًا لكنه صار جزءًا من يومه كأن جسده اعتاد أن يسبقه بخطوة دائمًا فتح عينيه ببطء شديد وحدق في السقف الذي لم يعد أبيض كما كان تشققات دقيقة تمتد فيه بلا انتظام تشبه خطوطًا عشوائية رسمها الزمن على مهل ظل ساكنًا لا يتحرك لا يفكر في شيء واضح لكنه يشعر بثقل خفي كأن النوم مر عليه دون أن يلمسه حقًا نهض من فراشه بهدوء وتحرك داخل الغرفة بخطوات محسوبة لا تصدر صوتًا رغم أنه يعيش بمفرده منذ أعوام طويلة كأن الوحدة لم تمنحه بعد حق التحرر من الحذر اخذ حماما دافئا ثم قام بالوضوء وادي فرضه ثم ارتدى بدلته الرسمية بعناية شديدة لم تكن نابعة من حب خاص للأناقة بقدر ما كانت انعكاسًا مباشرًا لشخصيته التي لا تشعر بالأمان إلا حين تكون الأشياء منظمة كما يجب وقف أمام المرآة وعدل ياقة القميص ثم ثبت شارة الرتبة في مكانها الصحيح ونظر إلى انعكاسه طويلًا بحث في ملامحه عن شيء مختلف عن الأمس فلم يجد الوجه ذاته الصامت العينان الهادئتان أكثر مما ينبغي كأنهما تعلّمتا منذ زمن بعيد أن إخفاء الأسئلة أسهل من طرحها تنفس بعمق وأمسك مفاتيحه وغادر الشقة أغلق الباب خلفه واستند عليه لثوانٍ قليلة فقط كأنه يمنح نفسه فرصة قصيرة للتراجع عن يوم يعرف مسبقًا أنه سيمر ثقيلًا عليه كما تمر أغلب أيامه في الشارع كانت الإسكندرية تبدأ في الاستيقاظ ببطء شديد الهواء القادم من جهة البحر يحمل برودة خفيفة تلامس الوجه دون أن تمنحه انتعاشًا حقيقيًا استقل سيارته وأدار المحرك دون أن يشغل الراديو حتي لا يصدر صوتا يزعجه فالضجيج لم يعد يريحه كما كان في سنوات سابقة قاد في شوارع يعرفها عن ظهر قلب إشارات المرور الوجوه المتعبة عمال الصباح الباعة الجائلين الذين يحجزون أماكنهم مبكرًا كل شيء يبدو مألوفًا إلى حد يجعله يشعر أن الأيام تعيد نفسها بلا أي اختلاف توقف عند إشارة حمراء ونظر عبر زجاج السيارة فرأى رجلًا مسنًا يحاول عبور الطريق متكئًا على عصاه السيارات تمر بجواره بلا اكتراث له ولا لسنه كرجل كبير السن تأخر الضوء الأخضر أكثر من المعتاد ففتح باب السيارة ونزل مسرعًا أمسك بذراع الرجل وساعده على العبور حتى الرصيف الآخر قال الرجل مبتسمًا : ربنا يجازيك خير يا ابني ويديك علي ادي نيتك ويخفف عنك يارب ابتسم ابتسامة خفيفة ورد بهدوء: يارب ربنا يديك الصحة عاد إلى سيارته وهو يشعر بوخزة خفيفة في صدره ذلك الإحساس العابر بالإنسانية الذي يظهر فجأة ثم يختفي سريعًا كأنه شعور غير مرحب به في حياته اليومية واصل طريقه حتى وصل إلى القسم دخل مبكرًا كعادته الممرات شبه خالية أصوات الاحذية والخطوات تتردد على الأرضيات الباردة تبادل التحية مع بعض الزملاء ثم دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه جلس على كرسيه وفتح الملفات أمامه وبدأ يومه الرسمي تقارير توقيعات تعليمات أوامر لا مكان فيها للتردد ولا مجال للمشاعر كل ورقة تحمل حكاية كاملة لكنها بالنسبة له لم تعد أكثر من إجراء قانوني واجب التنفيذ توقف عند ملف معين حي قديم صدر له قرار إزالة عاجل بسبب خطورة المباني قلب الصفحات ببطء قرأ العناوين وشاهد الصور بيوت متلاصقة شرفات متهالكة شبابيك خشبية قديمة تشبه بيوتًا رآها في طفولته شعر بانقباض خفيف في صدره لم يستطع تفسيره أغلق الملف ووضعه جانبًا وقال لنفسه بصوت خافت: ده شغل مفيهوش مشاعر الي عليك تنفذ وبس مرت ساعات العمل ببطء شديد استنع لصوت طرقات علي باب مكتبه اذن للطارق بالدخول دلف زميلة محمود :مساء الخير يا ياسين اجابه بهدوء كعادته :مساء النور في حاجه ولا اي اجابه محمود :كنت جاي ققولك ان المفروض نروح الموقع الي جايليه قرار ازالة نعمل معاينه للمكان اجابه ياسين :تمام يلا علشان منتاخرش خرج مع زميله محمود لتفقد موقع آخر وخلال الطريق قال محمود وهو يضحك : الحي ده شكله وجع دماغ رد بهدوء القانون واضح واحنا بننفذ وبس ي محمود ده اي حاجه غير كد متخصناش ضحك محمود وقال : بس الناس هناك غلابة اوووي ي ياسين سكت لحظة ثم قال :الغلابة أكتر ناس محتاجة قانون في البلد دي أنهى يومه متأخرًا عاد إلى شقته مع غروب الشمس ترك المفاتيح على الطاولة وجلس في الظلام دون أن يشعل الضوء ظل ينظر إلى الفراغ طويلًا يتساءل متى تحولت حياته إلى سلسلة أوامر لا يملك تجاهها سوى التنفيذ ومتى فقد القدرة على الشعور بأي شيء خارج إطار الواجب ذهب باتجاه الحمام لينعم بالقليل من الراحه بعد يوم عمل متعب اعتاد عليه وفي الطرف الآخر من المدينة كانت هي تستيقظ على صوت أمها القادم من المطبخ : فيروز اصحي يا بنتي الدنيا بقت حر فتحت عينيها وابتسمت ابتسامة ناعسه وردت : حاضر صحيت اهو نهضت من فراشها الصغير في الغرفة التي تشارك معها ذكريات الطفولة جدران مشققة صور قديمة لأفض ايام مرت بحياتها نافذة تطل على حارة ضيقة لكنها تحمل رائحة البحر من بعيد غسلت وجهها ووقفت أمام المرآة تعدل شعرها بعفوية فتاة تحمل ملامح مصرية واضحة وعينين واسعتين فيهما حياة رغم التعب خرجت إلى المطبخ فوجدت أمها تعد الإفطار البسيط قالت وهي تصب الشاي :نمتي كويس ردت وهي تجلس: زي كل يوم قالت الأم بنبرة قلقة البيت مش مطمن يا بنتي ابتسمت محاولة طمأنتها : متقلقيش ربنا موجود جلسوا يتناولون الإفطار في صمت تقطعه أصوات الجيران والحركة في الحي القديم البيت الذي ولدت فيه وترعرعت بين جدرانه لم يكن مجرد مكان للسكن بل ذاكرة كاملة تعرف كل حجر فيه وكل صوت وكل ظل خرجت إلى الشارع متجهة إلى عملها في محل صغير قريب من الحي المكان يعج بالحركة أصوات الباعة الجائلين الأطفال الجالسين على الأرصفة نساء يتبادلن الأحاديث من الشرفات شعرت بانتماء غريب رغم التعب كأن هذا الحي بكل ما فيه جزء لا يتجزأ منها في طريقها سمعت رجلين يتحدثان بصوت منخفض : بيقولوا في قرار إزالة جاي رد الآخر : ربنا يستر لو ده حصل هنروح فين بس توقفت لثوانٍ شعرت بشيء بارد يمر داخلها لكنها واصلت السير محاولة تجاهل القلق وصلت إلى المحل وبدأت يومها تبتسم للزبائن تضحك أحيانًا لكنها بين لحظة وأخرى تنظر من النافذة إلى البيوت القديمة وكأنها تودعها دون أن تعرف السبب مع غروب الشمس عادت إلى البيت جلست على السطح تنظر إلى السماء لونها البرتقالي انعكس على البيوت المتهالكة فبدت جميلة رغم تعبها همست لنفسها هو ينفع المكان يبقى متكسر كده ولسه بنحبه ازاي ورغم كل السنين الي مرت متعلقين بالمكان ده رغم ان ده مينفعش لان ف اي لحظه هيمشونا من هنا ويهدوه لم تكن تعرف أن القرار قد اتخذ بالفعل لم تكن تعلم ماذا ينوي لها ولوالدتها القدر ولم تكن تعلم أن حياتين تسيران في خطين متوازيين يقتربان ببطء شديد من بعضهما دون علمها وأن اللقاء القادم لن يكون عاديًا بل بداية لحكاية لم تكن في الحسبان نهائيا