الفصل التاسع : ذات الشيخ | الليلة الاربعون
الفصل التاسع : ذات الشيخ
كان الصياح يتراكم ، والاجساد تتلاصق ، وفى غرار الضحك نزلت كليله عن المنصة تتحسس طريقها نحو شئ ما، هناك غريب فى المكان ، ازاحت جسدا تلو الاخر عن طريقها حتى وجدتها ، هناك تنظر لها وجه لوجه ، فتاة العهد يارا ، همت كليله حتى تمسكها ولكن بأخر لحظة تبخرت يارا من أمامها ،فأشتاطت غضباً ،كان ليث يطالع من بعيد ذلك المشهد ولكن على عكس كليله كان صوت الهدوء والحكمة ، يعرف أن لكل شئ اوان .
هم يودعون من خانو اليوم ، واقفين على منصة عتيقة ، كانت ستحمل بهجة لايضاهيا شئ، بطريقة ما غيروا قدرها لتحمل فقط الرثاء على قبور حفروها لاحبائهم بأبتسامة ، تقف كليلة وبجوارها ليث مكتسين بالعيون من كل جهه، عيون تراقب واخرى تتخدث دون كلمات اما عيونهما فكانت تطبق على صدور من حولهم الرهبة ، والتساؤولات . طَقْطَقَ ليثُ أصابعَهُ داخل قبضتِه، وتقدَّمَ إلى الأمام، وكلُّ لوحٍ خشبيٍّ تحتَ قدمِه يكادُ يهوي، يئنُّ كعجوزٍ أُرهقَ بالحمل، عيناه كانتا ثابتتان لا ترمشان كأن السقوط أحتمال لايعنية ،فمن اعتادَ السيرَ فوق حوافِّ الهاوية، لا تُرعبهُ شقوقُ الطريق. رفع يده اليسرى ضاما ابهامه إلى راحه يده ثم قال ببرود: _ اليوم فقدنا من كان يخاف علينا ، من كان يهمه أمر الغجر ، اليوم أنطفأت نيران الاشهب غدرا من من كان يظنه صديقا له ، ولكن نار الاولين لاتنطفئ . سار لغط فى المكان ، الكل لايصدق موت الاشهب والتساؤولات تحوم فى جميع الاركان، ولكن صوته قطع عليهم تلك الطريق. _لقد خطط صقر لكل شئ هو وابنته زمردة ، كانت مكيدتهم محكمة فلم ندركها إلى وخناجرهم تقتحم ظهورنا . نظر إليهم بعمق كأنما يأسر أنتباهمم ويستخوذ على أذهانهم . _ولكن كيد الخائنين لم يفلح وكتب الاولين ذلك منذ القدم ، اما ابى فكان يعرف ثمن مايحمله وقبله وتقبل مصيرة حتى حين أدركته النهاية لم يكن خائفا . تحرك برأسه فقط ينظر إلى الاطفال والنساء والشيوخ كأنما يخصهم بكلامه : _وكيف يخاف وقد أدى رسالته وسلم الراية لوريثه ليحمل احلامكم من بعده ، وانا اعدكم أن نار ليث بن الاشهب لن تنطفئ حتى تحرق كل اعدائنا و تجعلنا نملك زمام أمرنا من جديد . صفق الاعمى وسط الحضور بأبتسامة خافتة علاها تصفيقات حارة ورأة ، اما كليله فكانت فى أوج نشوتها تراقب خطبة ليث من خلف حجابها الأسود منتظرة لحظتها . سأل من يعتلى الطاولة حاملاً كأس الخمر فى يدية : _وما الذى حدث للخائن وابنته . أجاب ليث، رافعًا كلتا يديه نحو القمر: — أتاهم ما يستحقّون من حاكمِ البحر، ذاك الذي يحمينا ويترقّب هبوطَنا إلى كنفة من جديد. قُطِعَت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتُرِكَ إرثُ النار يلتهمُ حقدَهم، يقتاتُ على أنفاسهم واحدةً تلو الأخرى، حتى تساوَوا مع العدم… لا اسم، ولا أثر، ولا حتى صرخةٌ تصلُ إلى السماء. زادت حرارة الاصوات كأنما كانوا يتشوقون للموت أكثر من الحياة وللحن الجنائز أكثر من اهازيج الزفاف ، ولكن ابتلعت كل تلك الاصداء كأنما كبلت بأساور من حديد ، فباتت مأسورة فى صدورهم، عندما رأوها تكشف عن وجهها ، اقبل كل منهم يتحسس وجود الاخر بعينة ليستشعروا الحقيقة من الحلم ، ومع كل نظرة لها كان السؤال يطرق وبقوة ، هل هى حية حقا ؟ . تقدمت بينما تكشف ردأها القرمزى تحت عبائتها السوداء قائلة: _لقد أعادنى الاولين مرة أخرى بعد أن طهرونى من شهوات هذه الحياة ، أنا الأن ملك للسيد الجديد يحركنى كما يشاء وقد أرتضى بى خادمة وزوجة له ، فأريقوا الدماء وكلوا حتى الشبع وهللوا أيها الغجر. اقترب منها ليث وقبلها أمام الجمع الغفير ممسكاً بخصرها بين زراعية كأنما ملك الازل بأسره ثم قال: _قريبا سوف تظهر العلامة الاولى ياشعب الغجر ، وعندما تظهر تلك العلامة ، سوف نهبط سويا ونعبر الوادى السحيق ، ونقتص من ساكنى القرية ، لن نترك شيوخهم . صاح الحاضرون بصرخة تحرك الجبل بذاتة . _لن نترك نسائهم كرروا الصياح كأنهم وحوش يسيل لعابها . _لن نترك أطفالهم . في تلك اللحظةِ، ارتعدَ الصمتُ عينَه، وتشقَّقتْ أواصرُ القمر، كأنها إرهاصاتُ نهايةٍ لم تُكتَب بعد. ذالَ كلُّ سلام، وانقرضتِ الراياتُ البيضاء، كحفريةٍ قديمةٍ مُحرَّمٍ نبشُها، طُمرت تحت طبقاتِ الدم والذاكرة، فلم يبقَ في الأفق سوى ظلٍّ يتمدّد، ووعدٍ أسودَ يتكوَّن على مهل… كشيطان أخرس قرر أخيراً أن يتكلم. تسللت الكلمات ، وتردتت ، تتساءل عن الوقت ، متى تتحقق النبوءة متى يهبطون من سفوح الجبال, فأجابت باسمة: _عندما تهبط الغربان على سفوح جبال القمر ، دون أن تموت . كان الصياح يتراكم ، والاجساد تتلاصق ، وفى غرار الضحك نزلت كليله عن المنصة تتحسس طريقها نحو شئ ما، هناك غريب فى المكان ، ازاحت جسدا تلو الاخر عن طريقها حتى وجدتها ، هناك تنظر لها وجه لوجه ، فتاة العهد يارا ، همت كليله حتى تمسكها ولكن بأخر لحظة تبخرت يارا من أمامها ،فأشتاطت غضباً ،كان ليث يطالع من بعيد ذلك المشهد ولكن على عكس كليله كان صوت الهدوء والحكمة ، يعرف أن لكل شئ اوان . ***** بين اطلال لاتنسى وبحر يناحر اليابسة بكل قوتة استيقظت يارا من نومها ، كان قلبها متسارع الدقات ، معتصرا كأنما انتزعة شخص ما وابى أن يعيده بين ضلوعها مرة أخرى ، لم يكن شئ يفهم كل ما تتذكرة من رؤياها تلك المرآة التى حاولت أن تمسك بها ، كانت عيونها زرقاء وحمراء وكانت تعتلى منصة عالية ، تتحدث عن نبوءة وعن جبال بعيدة ، كأنما تروى اساطير منسية ، ومن حولها لايملكون إلا أن يعيرها ارادتهم قبل اذانهم الصاغية . قالت يارا بصوتٍ خافتٍ، كأن الكلمات تخرج من بين شقوق الحلم: — كنتُ أظنُّ أنك ستمنعُ الكوابيسَ عنّي إلى الأبد، لكن يبدو أن هناك كوابيسَ لا تكتفي بمطاردة النوم… بل تهدمُ الواقعَ نفسه. فجأة تفرق الخوف والكلام ، وعلى فقط صوت سعال عادل ، نهضت يارا بسرعة ، حتى وصلت جاره ، كان يسعل بقوة كأن جسده يأبى ان يرتاح وضعت يدها على جلده فلم يعد الابتعاد خيارا بينما تراه فى تلك الحاله ، فتح عينيه بعد سبات طال لليالى واعتصر معصمها بينما تتهادى الكلمات من طرف لسانه هابطة فى اذنها . _ذات الشيخ ، ذات الشيخ .. ذات الشيخ .. كانت يارا تصرخ بقوة طالبه النجدة ، لم يسمعها احد فى ذاك الوقت المتأخر من الليل ، الناس جميعهم كانوا نياما ، ولكنها وجدت نفسها ترتدى نقابها وخفها وتركض نحو بيت الشيخ ، تتعثر وتركض من جديد ، تسقط منها قطرات العرق وتختلط بالدموع ولكنها لاتتوقف ، طرقت باب الشيخ بقوة . _ايها الشيخ ، ايها الشيخ . كان فى غرفة داخليه فى المنزل ولكنه سمعها من ثالث نداء ، اغلق الكتاب فى يده و خرج من الغرفة مغلقا الباب خلفة ثم سار لباب الدار فاتحاً اياه حتى قابل يارا فى وجهه تلهث كأن قلبها سيخرج من مكانة ، قال لها : _هل حدث شئ لوالدكى يا يارا ، تكلمى. قالت بينما الانفاس تقاطع الحروف: _حرارته مرتفعة للغاية ويرجف بشدة ، ويبدوا أنه أصيب بحاله من الهذيان الشديد ، لا أدرى لماذا قادتنى قدمى إلى هنا ولكنه كان يقول شئ واحد فقط ... كأن ياقوت كان يعرف ماسيقال ولكن لم يرد أن يسمعها من يارا . _كان يقول ذات الشيخ ، لهذا أتيت إليك أيها الشيخ الكبير لاغاثتى ، اخشى أن والدى لايعانى من مرض . ردد ياقوت داخل عقله : _"بل يعانى من سحر اسود". _انتظرينى هنا . قالها بكل جدية بدت بارزة كرتوش على وجهه. دخل واحضر الكتاب الذى كان يطالعة من الداخل ، ثم خرج لها وهما نحو البيت ، وعندما وصلا لم يجدا عادل فى سريره، جن جنون يارا وراحت تبحث فى كل مكان عنده ، وتصيح بأسمه يميناً ويساراً بينما أدرك ياقوت أن الوقت قد حان ، ويجب أن يحضرها لما هو الاسوء ، عادت مرة أخرى لمدخل البيت ووجدته ينتظرها بينما يقول: _لاتخافى ، والدكى بخير أنا أعرف ذلك ولكن يجب علينا قبل أن نذهب لأحضاره أن نقرأ هذه الصفحات سويا يا يارا . نظرت إلى الكتاب وببطأ شديد حركت عينها على غلافة تتحس غلافة الجلدى السميك وعنوانه المرسوم بالحبر الاسود بخط قديم ، لم تكن الكلمات عليه عربية ولكنها كانت لغة الانسان الاول قبل أن تولد اللغة و تتبلبل الالسنة ، عندما كان البشر يجمعهم لسان واحد ويعيشون فى برج يصل إلى عنان السماء يسمى برج بابل . اقتربت من الكتاب وحملته فى يدها بينما قال ياقوت : هذا أرث بابل القديم ، مكتوب بلغة الاجداد ، وبه سر الانسان الأول ، اخبرينى هل رأيتى امرأة لون عينها اليسار يختلف عن اليمين ام لم يحدث بعد ؟. رجفت يدها بتوتر ، ثم نظرت له مجيبة: _نعم رأيتها من هى . قال ياقوت: _انها ذات العينين ، كليله ، كنت أظنها قد ماتت منذ زمن بعيد ولكن يبدو أن الموت ليس نهاية لكل حكاية بل احيانا تأتى البدايات من بين القبور . طلب الشيخ منها أن تجلس ليحكى لها كل شئ عن الكتاب ، كانت صفحات الكتاب امامها والكتاب مفتوح على مصرعية على المنضده كأنه بوابه لجحيم من نوع مختلف ، وعالم لم يجرأ انسى على اقتحامه بعد ، طلب منها ياقوت أن تردد بعض الكلمات. _الله ، الحق، الواحد ، الأحد ، الصمد ، مالك الملك ، الله ، البر ، التواب ، الوهاب ،..ثم نطق أسم الله الأعظم بلغة بابل . اشعلت المصابيح فى جميع الارجاء وترتبت الكلمات على صفحات الكتاب من البداية كأنما تكتب للتو ، الحبر القديم بات رطباً من جديد ، وكأنما يحدثها بأن تنظر عن كثب. _انتى وريثة أمك ، وأمك وريثة أمها ، وكلكن ذات ، ذات لشيخ برج بابل القديم . ابتلع ريقة ثم اكمل وصوته يهبط كأنما يفتح باب محرماً : _ولكن هذا السلسال لم يكن دوماً مقدر له أن يكون حاملاً للذات ، فكان ذلك التكليف بعد خيانة الذات الاولى ، ذات العينين ، التى ترى الواقع بواحدة من عيونها و ماتحته بالعين الأخرى ، لم ينتهى الأمر عند صاحبة العينين الاولى بل راح ينتقل من انثى إلى أخرى ومن سلالة إلى اخرى وصولاً إلى عصر محى من التاريخ ، العصر الذى سكن فيه المهرطقون الغجر هذه الأرض وكانوا يعبدون البحر ، وذاك الشئ الذى يسكنه . قاطعت يارا كلماته: _ما الذى حدث لبرج بابل ؟. _ لأن خطايا البشر كانت اقوى من أن تحمل داخله ، تشقق البرج كوعاء هش ، وكل المعرفة التى سكنته تفرقت فى بقاع الأرض كلها . قالها بينما ينظر ليارا ، ويقول : _ووالده كليله كانت عجوز عقيم ، من بنى الغجر ، فنقمت على ارادة الله ، واستعملت سحر من علم البرج ، لاستحضار حاكم البحر ، حتى بات لديها كليله دون زواج من انسى . اتبع الشيخ : _وكليله ولدت بلامقل فى محاجر عينيها ، لقد كانت عمياء،ولكنه زارها فى الليلة الاربعون ومنحها عين النار والجليد، وعاشت مع امها التى كانت تعلم من حولها من الكتاب المحرم ، كتاب هاروت وماروت . إلى أن جذبت العديد حولها وزاد عدد الغجر والملحدين شئ فشئ، إلى أن امتلكو الجبال والبحر والوديان ، ولكن تغير كل شئ عندما اتى اجدادنا إلى هنا . راح الشيخ يحكى لها حتى الفجر عن صراعات اجداده مع الغجر واستحواذهم على الارض وطردهم لهم منها ، إلى أن وصل إلى ذلك الجزء . _كان السحر قد تملك هذه الأرض وفرض سطوة لا تنقشع ، ولذلك كان لابد من وسيلة ، تضحية من اجل الخلاص ، قامت بها جدتك الكبيرة ، وكانت مثلك، شجاعة ، فى عيونها إخلاص لربها وللبشرية. بينما يقرأ ياقوت و يارا اخر صفحة سويا اتى نسيم خافت تناغم مع الكلمات، كأنما ينسخ كل ما يردد فى تلك اللحظة . _ختمت السحر المحرم فى جسدها ، والقت بنفسها فى البحر لتدحض قوة ساكن البحر. بعد ذلك توالت السنين واتت ذات بعد الأخرى و اشتركوا جميعاً فى نفس الواجبات ، كلهن كانوا درعا من ساكن البحر ومن الغجر ساكنى جبال القمر ، ورغم أن البشر العاديين ينسون إلا أن الحارس و ذات الشيخ لاينسون أبدا، أنا وأنتى لدينا واجب يا يارا ، هو حماية كل نفس على هذه الأرض ، فكل روح مقدسة ومن احياها كأنما أحيا الناس جميعاً. كادت يارا أن تغرق مع كل جملة ، ولكنها حافظت على رباط جأشها ، واغمضت عيونها كأنها تحفظ كل مارأت فى الكتاب وتمنعة من أن يغادر مقلتيها . نهض ياقوت متكأ على عصاه يقول لها بأبتسامة : _انظرى من بالباب . كان عادل واقفاً امام الباب ، فركضت نحوه تحتضنة بقوة قائلة: _اين كنت يا ابى ، ما الذى حدث لك . ربت عادل على رأسها بحنان: _لقد كنت اصلى فى المسجد مافاتنى طيلة الايام الماضية . لم يكن يدرك عادل أى شئ من ما مضى لا مرضة ولا الايام التى كان فيها شبه ميت ولا الكلمات التى نطقها هذه الليلة، كل ما يتذكرة فقط هو طوقة للصلاة . اقترب منه الشيخ بثبات ناظرا لوجهه يطمئن على صحته , ثم قال: _انتبه يا عادل اليها، ولاتدعها تغيب عن عينيك طيلة الايام القادمة . بطرقة خفيفة اعلن الشيخ رحيلة بينما يتأبط كتابه تاركاً منزل ال ريان ومتجها إلى شرق القرية حتى يرى أخته كوثر . اما بعيداً فى الحدود بين الوادى والقرية ، كان العاشق يقترب وبشدة من مكان اللقاء ، لم ينم منذ ايام ، كل ليلة يردد اسمها واليوم قمر مكتمل يا سليمان ، و يوم أخر حتى تلقى روحك ، كان حصانة يعدوا مخترقا الريح بسرعته ، وعند وصوله إلى بقعة اللقاء لم يجدها ، ظل يطوف كثيراً وعلى حين غرة ، سمع صوتاً يحاوطة كالكماشة من كل مكان . _من تنتظره لن يأتى هذه الليلة يا ابو العشاق . قالها صاحب الصوت ساخراً بينما يحاصر سليمان من كل حدب وصوب بجنوده ، فرد سليمان: _من أنت ؟ ، واين ورد الزمان. ضحك قصير القامة : _أنا مرزداخ اما أنت ،، فقد أنتهى أمرك.