معاد التشفير - الفصل الأول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

معاد التشفير - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

ماذا لو استطعت بيع أحزانك مقابل المال؟ هل سبق وتمنيت محو شعور ما من داخلك؟..... ماذا حدث معك ليجعلك تتمنى ذلك ؟ هل هو أمرٌ حزين لدرجة أنك شعرتَ أن العالم يُغلق أنفاسه عليك؟ ماذا لو استطعتَ بيع ألمك كسلعةٍ مقابل المال ؟ جميعنا مررنا بلحظاتٍ كسرتنا... بعضها ترك جروحًا لا تلتئم، وبعضها سرق منا براءة الأحلام. ماذا لو أصبح "انتزاع الحزن" من روحك أسهل من حذف رسالة من هاتفك؟ ما المشاعر التي ستتخلى عنها؟... الحزن أم الحب؟ الخوف أم الشغف؟ وهل ستكون سعيدًا حقًّا حينها؟ هل يستحق السلام الداخلي أن نفقد إنسانيتنا؟ في عالمٍ تُعاد فيه برمجة العواطف كما يُعاد ضبط الأجهزة .... اصبحت المشاعر امر ثانوي لا اهمية له ..... انها رحلة مبرمج بدأت بصدفة كانت المفتاح لكثير من المفاجأت التي غيرت حياته .... رواية خيال علمي نفسية عن الألم، الثورة، وما يعنيه أن تكون "إنسانًا" في زمن الآلات.....

تحميل الفصول...
المؤلف

في عالمٍ متطور أصبحت فيه التكنولوجيا جوهر الحياة، واختفى فيه الكفاح من أجل المال، لم يعد الناس يقيسون قيمة الإنسان بثروته، بل بما يقدمه للعالم من إنجازات. 


في هذا العالم، تُباع المشاعر كسلعة، وكلما ضحيت بمزيد منها، زادت فرصك للارتقاء.


وفي صباحٍ مشمس من أيام الصيف، استيقظ مصطفى في الساعة السابعة كالعادة.


ارتفع ضوء الصباح عبر النافذة، فلوّن جدران غرفته بلهيبٍ ذهبي خفيف، وكأن الشمس ترحب بيومٍ جديد. نَهض بهدوء، تناول فطوره المعتاد، ارتدى ملابسه، وملامحه جامدة لا حياة فيها ، كان صدى خطواته على الأرض الرخامية الوحيد الذي يقطّع سكون الصباح. 


عيناه خاليتان من أي شعور، كأن المشاعر هجَرَته منذ زمن بعيد.


وصل إلى عمله، حيث قابل زميله أحمد في الممر، الذي خاطبه بنبرة باردة خالية من التعابير، وكأنه آلة تتحدث:


"كيف حال أعظم مبرمج شاهدته في حياتي؟"


رد مصطفى دون أي ردة فعل تُذكر: 


"لا تبالغ يا رجل... أنا لا أختلف عن أي مبرمج آخر."


ابتسم أحمد بجمود وقال:


"يا صديقي، لقد عملت لدى الحكومة، وهذا وحده ليس شيئاً عادياً. 
والبارحة، تم ترشيحك للانتقال إلى مركز الأبحاث والتطوير..."


قال مصطفى بنبرة حيادية:


"لم يتم اختياري بعد... لا تستبق الأمور."


رد أحمد، وعيناه تحملان لمعة طموح ميت: 


"إن تم قبولك، فستُفتح لك كل الأبواب... 
ستحصل على مميزات يحلم بها الكثيرون، ناهيك عن السلطة والقوة التي ستكون بين يديك."


قال مصطفى: 


"أعلم ذلك، يا صديقي... وأنا أيضًا أتمنى أن يتم اختياري لتلك الوظيفة."


ثم نظر إلى ساعته وقال:


"أعتذر، بقي سبع دقائق لبدء العمل، إلى اللقاء يا أحمد."


قال أحمد: 


"إلى اللقاء... لكن لا تنسَ زملاءك القدماء عندما تستلم المنصب الجديد."


ابتسم مصطفى ابتسامة باهتة بالكاد تُرى:


"لا تقلق، لن أنسى شيئًا مما عشته وتعلمته هنا."


ومع ذلك، تملّكه شعور غامض بأن شيئاً في داخله يتلاشى ببطء، كمرآة تصقلها يده إلى أن تختفي انعكاساته.






                       بعد عدة أسابيع...






استيقظ مصطفى كما اعتاد أن يفعل منذ عشر سنوات، بنفس الترتيب والروتين، دون أن يشعر بأي ملل ،لكن في هذه الأيام، كانت الأصوات الآلية التي تناغمت في رأسه أشدّ وضوحاً، تذكّره بأن كل خطوة منه محسوبة. 


هذا اليوم كان مختلفاً... 
إنه اليوم الأول له في مركز الأبحاث والتطوير التابع لقسم الأمن الفيدرالي القومي، الجهة التي تتلقى أوامرها مباشرة من مجلس العلماء، الجهة العليا التي تحكم هذا العالم.


وقف أمام المبنى الضخم الذي تحيط به حراسة أمنية مشددة: 


"حراس آليين، وقبة من أشعة الليزر تغلف المكان، وأجهزة مراقبة متصلة بجهاز التحكم المركزي، بدا وكأنّ هذا المبنى لا يحمي مؤسسةً فقط، بل سراً شديدالأهمية. "


ارتعشت يده وهو يربّت على ذراع نظارته، متفحصاً شبكة الليزر التي ترسم خطوطاً عملاقة في الهواء.


دخل المبنى بخطى مترددة، وعيناه تتفحصان التفاصيل.


صُدم مصطفى بمدى التقدم والتقنية التي يحويها المكان: 


هولوغرامات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تملأ الأرجاء، أنظمة مراقبة تتعرف على الوجوه في كل لحظة، ترتبط مباشرة بالحراس الآليين.


من بعيد سمع همسات مشفرة لأصوات بعض الآليين ، كأنّ كل كلمة يلفها قناعٌ آلي لا يُسمع إلا لمن يحمل ترخيصاً خاصاً.


كأنّ المبنى نفسه واعٍ... كائن ذكي، يراقبك من كل زاوية.


قطع تأمله صوت رجل وقور، متزن، جاد في نبرته:
"كيف حالك يا مصطفى؟ 
أنا مدير هذا المركز والمسؤول عنك."


رد مصطفى بصوت حاول فيه إخفاء توتره:


"أنا بخير... تشرفت بمعرفتك يا سيدي."


قال المدير بنبرة لا تحتمل المجاملة:


"اتبعني... لأعرفك على نظام العمل هنا."


دخلا معاً إلى مكتب كبير، بسيط في مظهره، متخمٌ
بالتكنولوجيا في تفاصيله:


حاسب مركزي هولوغرامي يعمل بالأوامر الصوتية، رجل آلي مختص بالخدمات المكتبية، وأحدث أنواع المقاعد الذكية التي تتكيف آليًا مع وضعية الجلوس، وتسجل بدقة المدة التي تقضيها في كل وضعية، مع تحليل الأضرار الصحية المحتملة بمرور الوقت. 


أسفل المكتب، كانت أضواءٌ خفيفة تنبض بعرضٍ لدورة عمل الجهاز المركزي، كأنها قلبٌ صناعي ينبض بلا توقف.


جلس المدير خلف مكتبه وقال: 


"أنا أدعى رواد ، لنبدأ بسؤال بسيط... ما هو شعار دولتنا؟"


أجاب مصطفى دون تردد، فقد تكرر هذا الشعار في مدرسته منذ الطفولة:
"تضحية، نظام، قيمة... والقيمة تعني الاحترام."


أومأ رواد برأسه: 


"هنا، في هذا المركز، نعمل على صناعة مستقبل أفضل، حيث لا يعاني فيه أحد. 
وأنت الآن جزء من هذا العمل العظيم... 
فلتكن فخوراً بذلك."


رد مصطفى بثقة:


"بالطبع... العمل هنا حلم يتمناه أي مبرمج شاب."


قال رواد: 


"ستعمل في قسم حماية وتشفير المعلومات، حيث نحتفظ بكل ما يخص مشاريع الدولة والمواطنين."


ابتسم مصطفى بخفة وقال:


"شكراً على ثقتكم بي، ووضعي في مكان مهم كهذا."


رد رواد بنبرة هادئة لكنها صارمة: 


"لا علاقة للثقة بالأمر، أنت أكثر شخص مؤهل لهذا المنصب، اعتماداً على تقييم نظام القيم العشرة، بحسب تحليلات النظام المركزي."


قال مصطفى باقتضاب: 


"فهمت... شكرًا لك على الشرح."


سأله رواد: 
"هل لديك أي أسئلة؟"


قال مصطفى: 
"لا."


قال رواد وهو ينهض من مكانه: 


"إذن، تعال لأطلعك على مكان عملك، لتبدأ يومك الأول."


دخل مصطفى إلى غرفة مليئة بالشاشات والحواسيب، يجلس أمامها أشخاص يرتدون نظارات غريبة الشكل.


لم يُظهر أحدهم أي اهتمام عند دخولهم، وكأنهم لا يشعرون بوجوده أصلاً. 


تخيل مصطفى للحظة وجوههم وراء تلك الشاشات الآلية ...وجوهٌ ميّتة لا تحمل إلا برودَ الذاكرة الرقمية.


تحدث رواد بنبرة واضحة مخاطباً الموجودين: 


"هذا زميلكم مصطفى، سيعمل معكم من اليوم، أرجو أن تطلعوه على كل شيء."


ثم التفت إلى مصطفى وأعطاه نظارة مشابهة لما يرتديه الآخرون: 


"عليك ارتداء هذه النظارة داخل هذه الغرفة بشكل دائم إنها متصلة بالجهاز المركزي الفيدرالي، والذي يتصل بدوره بجهاز التحكم المركزي مباشرة."


شعر مصطفى بقشعريرة داخله... فهم فوراً أن
هذه النظارة ليست مجرد أداة عمل، بل أداة مراقبة دائمة، ترى وتسمع وتسجل كل ما يفعله.


انتهى اليوم الأول، لكنه لم يكن كما توقع مصطفى، لم يتعرف على أحد، فقد كان الجميع منغمسين في شاشاتهم، لا يكترثون بأي شيء خارجها ، حتى في أوقات الاستراحة، كان كل شخص يعيش في عالمه الخاص مع صمت ثقيل، تقطعه أصوات ضجيج الشاشات والعصافير الرقمية التي تبرق عشوائياً فوق منصات الهولوغرام.


لم يكن يتوقع ذلك الجمود، لكنه قرر ألا يتوقف عنده.
فالعمل في هذا المكان هو بداية النعيم... 
حيث السلطة، والمال، والاحترام.




رغم ذلك، تحت سطح هذا الهدوء الصناعي، بدأ قلبه ينبض من جديد بسؤالٌ عن الثمن الحقيقي لكل هذا.




بعد مرور عدة أشهر من عمل مصطفى في مركز الأبحاث والتطوير، انطفأ انبهاره وبدا يعتاد العمل الجديد والراتب الممتاز مقارنة بعمله السابق، وأصبحت كل المميزات التي حصل عليها أمراً اعتيادياً بالنسبة له.


الضوء الأزرق الصادر عن شاشته صار مرآته الدائمة، يعكس وجهاً يكاد ينسى ملامحه الحقيقية.


عاد مصطفى من عمله في الثالثة كالعادة، حضر طعامه وتناوله، ثم مارس هوايته المفضلة... البرمجة لعدة ساعات. 


بعد ذلك، ذهب إلى المتجر وأحضر طعام اليوم التالي، ثم تمرن لساعة وأخذ حمامه الساخن. 


كانت رائحة الصابون تلاحقه حتى في الأحلام، كأن كل لحظة صفاء جسدي تُسجّل أيضاً في خريطة حياته الرقمية.


مارس كل الأشياء التي كان يمارسها يومياً منذ سنوات....


ثم ذهب حتى يخلد إلى النوم في الساعة الحادية عشرة، لكي يستيقظ في الساعة السابعة صباحاً... لكن اليوم كان مختلفاً.... 


لم يستطع النوم؛ كان هناك أفكار يحاول الهرب منها طوال اليوم، وحان وقت مواجهتها.


تذكر مصطفى سيارة مديره رواد الجديدة GR7 من شركة فيوتشر لاكشوري الفارهة، والتي يحتاج مصطفى لشرائها أن يدفع أكثر من نصف الأموال التي باع مقابلها مشاعره جميعها تقريباً ليجمعها. 


في ذهنه، دوّى صوت محركٍ كهربائي هادئ لكنه قوي، كنبض قلبٍ لا يرحم.


شعر بالنقص، شعر أنه يريد المزيد من المال.
و هو يعلم الطريقة لفعل ذلك....


                            يتبع .....




شكرا لقراءتكم ....
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"