نوفلو | Novloo: روايات خيال علمى
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

الفصل الرابع عشر: هالات متشابكة (سراب II)

جاري التحميل...

الفصل الرابع عشر: هالات متشابكة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

سرتُ مبتعدًا عن حدود الغابة، خطواتي هذه المرة أخفّ، كأن الهواء نفسه لم يعد يقاومني. لم أستخدم هالتي فورًا، أردت أن أخرج كما دخلت: على مهل، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأنني لم أترك خلفي مملكة كاملة تنظر إلى ظهري دون أن تراه.
قال عاصف داخليًا، بنبرة لا تخلو من الشماتة:
- أعترف، هذا الشيخ العجوز سرق الأضواء منك.
ضحكتُ بخفة:
- لا، هو فقط لم يحاول إبهاري.
"أسوأ نوع من الناس." ردّ عاصف. "يجعلونك تشعر أنك أنت من يحاول إثبات شيء."
تنفست بعمق، وشعرت لأول مرة منذ أيام أن صدري يتسع دون مقاومة. قلت:
- المكان غريب.. لكنه صادق. لا يطلب منك أن تكون أقوى، فقط أن تكون حاضرًا.
"وهذه مشكلتك." قالها عاصف سريعًا. "أنت بارع في القوة، فاشل في الحضور."
هززت رأسي مبتسمًا:
- أتعلم؟ لو كنت أستمع لنصائحك منذ البداية لكنت الآن راهبًا يزرع الخضروات.
"أو ملكًا أقل حماقة." أجاب بضحكة خافتة.
تقدمت أكثر، والفراغ بيني وبين مملكة القمر يتلاشى. في تلك اللحظة، ضربني الإدراك فجأة، لا كفكرة بل كثقلٍ هبط على صدري. توقفت.
- عاصف..
- نعم؟
- كم من الوقت مر هناك؟
ساد صمت قصير، ثم قال بجدية نادرة:
- بحسب ما قاله ليهار ثلاثة أيام تقريبًا.
- ثلاثة أيام!
لم يكن هناك دليل، لا أثر، لا اضطراب في المملكة، لا صرخات إنذار. لكنني لم أحتج دليلاً
جاءني الشعور فجأة، حادًا، موجعًا، كأن أحدهم شد خيطًا داخليًا كنت أنساه عمدًا. إيميليا!
حزنها لم يكن صاخبًا، كان ثقيلًا، مكتومًا، من ذلك النوع الذي لا ينهار بل ينهك. شعرت به يتسلل عبر رابطة الهالات، ارتجافًا خفيفًا يخفي خوفًا عميقًا. قلت دون تردد:
- كفانا مشيًا!
وانبعثت هالتي، لا كاملة، لا صاخبة، فقط كافية. انطوى المكان من حولي، وانفتحت المسافة، وخطوتُ خطوة واحدة لأجد نفسي تحت شجرة الزيتون الوحيدة في حديقة القصر. كانت هناك..
تقف أمام الجذع، يدها على اللحاء الخشن، رأسها منحنٍ قليلًا. لم تلتفت فورًا، لكنها شعرت بي، أعرف ذلك. شدّة الرابط تغيّرت، توترت، ثم انفجرت. استدارت نحوي، وعيناها تلمعان بغضب لم يكن كله غضبًا:
- أين كنت؟!
لم أجب فورًا. اكتفيت بالنظر إليها، إلى التعب الذي حاولت إخفاءه، إلى التوتر المشدود في كتفيها، إلى عينيها اللتين لم تناما جيدًا. 
خطت خطوة للأمام، قالت بانفعال:
- ثلاثة أيام يا سراب! ثلاثة أيام بلا أثر، بلا هالة، بلا أي شيء! هل تدرك ماذا يعني هذا؟!
قلت بهدوء، لم أرفعه ولم أخفضه:
- أعلم.
- لا، أنت لا تعلم! صاحت. أنت تختفي وكأن العالم سيتوقف عن القلق لأنك قررت ذلك!
اقتربت أكثر، قبضتاها مشدودتان:
- أنا لم أشعر بك.. لم أشعر بك إطلاقًا!
مددت يدي ببطء، لا لألمسها، بل لأُظهر أنني هنا، كامل، حاضر:
- لم يكن اختفاءً عنك، كان ضياعًا عن نفسي.
توقفت. الكلمات وصلت حيث لم تصل الصرخة. عيناها ارتجفتا، والغضب الذي كان يقف كجدار تصدّع فجأة. قالت بصوت أخفض:
- لا تفعل هذا بي مرة أخرى.
ابتسمت بحزن خفيف:
- لم أنوِ الرحيل.. لكنني عدت لأنني شعرت بك.
لم تقل شيئًا. للحظة ظننت أنها ستدير ظهرها، أو تضربني كما تفعل أحيانًا حين تعجز الكلمات. لكنها فجأة تقدمت خطوة أخيرة، ثم سقطت بين ذراعي. لا بعنف، لا باندفاع، بل كمن تخلّى عن مقاومة طويلة.
لففت ذراعيّ حولها دون تردد. شعرت بأنفاسها تتباطأ تدريجيًا، بأن جسدها يستسلم أخيرًا للثبات. وضعت ذقني فوق رأسها، وأغمضت عينيّ. قال عاصف داخليًا، بصوت خافت:
- أيها الرومانسي الطائر.
أجبته بصمتٍ داخلي:
- اصمت أيها الوغد المراقب!
ثم أغلقت منافذ الرؤية والشعور كي يرى أو يسمع شيئًا. 
ظلّت بين ذراعيّ، والشجرة فوقنا ساكنة، أوراقها لا تتحرك. وفي تلك اللحظة، لم أكن ملكًا، ولا حارسًا، ولا ضائعًا.. كنت فقط عائدًا.
***

لم يغادرها بقية ذلك اليوم. بقيا معًا في الحديقة، تحت شجرة الزيتون، لا يتحدثان كثيرًا. لم يكن الصمت بينهما فراغًا، بل امتلاءً هادئًا، من النوع الذي لا يحتاج تفسيرًا. جلست إيميليا قُربه، رأسها مسنود إلى كتفه، ويده ما زالت تحتضنها كأنها قد تختفي إن أفلتها.
قالت بعد وقتٍ طويل، بصوتٍ منخفض:
- كنت أشعر أنك قريب.. لكن بعيد في الوقت نفسه.
أجاب بهدوء:
- كنت كذلك فعلًا.
لم تسأله أين كان، ولم يشرح. أدركا معًا أن بعض الأسئلة تحتاج أن تنتظر حتى تستقر الأرواح قبل العقول. مع حلول المساء، عاد معها إلى القلعة. تناول الطعام بصمت، رافقها إلى غرفتها، وبقي حتى غلبها النوم. لم يستخدم هالته، لم يُفكّر، فقط جلس هناك، يراقب تنفّسها المنتظم، كأنه يستعيد إيقاع العالم من جديد.
وحين أشرقت الشمس في اليوم التالي، كان كل شيء قد عاد إلى شكله.. ظاهريًا.
***

دخل قاعة الاجتماع بخطوات ثابتة. كان هاشم واقفًا عند النافذة، آدم يجلس إلى الطاولة الحجرية، وتولين تقف في المنتصف، ذراعاها معقودتان، نظرتها ثابتة لا تحمل ترحيبًا. قال سراب ببساطة:
- صباح الخير.
لم يأت الرد. وفي اللحظة التالية، تحركت تولين. لم تُطلق هالتها أولًا، بل خطت خطوة واحدة فقط، ثم اندفعت القيود من تحت الأرض كأنها كانت تنتظر الإشارة. سلاسل ضوئية شاحبة التفّت حول ذراعيه وصدره وقدميه، ثبتته في مكانه دون أن تجرحه.
لم يقاوم. لم تُظهر ملامحه دهشة ولا غضبًا، فقط تنفّس بهدوء وقال:
- توقعت هذا.
قال آدم بحدة:
- اختفيت ثلاثة أيام، دون أثر، دون هالة، دون أي تفسير.
قال هاشم بصوتٍ منخفض لكنه ثقيل:
- وتولين كادت تفقد السيطرة حين لم تشعر بك.
نظرت تولين إليه أخيرًا، عيناها حادتان:
- لو كنت شخصًا آخر، لما اكتفيت بالتقييد.
أجابها بهدوء كامل:
- أعرف هذا ولهذا لم أقاوم.
ساد صمت قصير. ثم، دون أن يطلب، ألغت تولين القيود. سقط الضوء وتلاشى، واستعاد سراب حركته كأن شيئًا لم يكن. عدّل معطفه الأسود بهدوء، ثم قال:
- إن أردتم الغضب، افعلوا. لكن دعوني أبدأ بالشرح.
جلس الثلاثة. أما تولين بقيت واقفة. قال سراب:
- لم أختفِ عبثًا. لم أكن هاربًا، ولم أكن أسيرًا. دخلت مملكة أخرى، مملكة محجوبة.
رفع آدم حاجبيه:
- مملكة؟ أي مملكة؟
أجاب:
- في المملكة التي نعرفها والتي لم نكن نعرفها حقًا.
ابتسم هاشم:
- تقصد التي بوابة دخولها تلك الشجرة؟
أجاب:
- نعم تحديدًا هي، كنت في حالة أشبه بالضياع وفجأة وجدت نفسي داخلها.
سادت لحظة صمت قصيرة، ثم قال هاشم:
- الشجرة لم تستجب لي. لم أشعر بأي عبور، بأي أثر.
أومأت:
- وهذا أمر غريب. من الممكن أنها منعتك لأن قوتك كانت أقل من قوتي.
أطرق هاشم قليلًا:
- أو ربما من داخلها منع عبور شخص بعدك.
رفع حاجبًا:
- هل من الممكن؟
أومأ هاشم:
- ولم لا.
قال سراب:
- لم أدرك أنني وصلت إلى المملكة إلا حين ناداني عاصف. وقتها فقط نظرت حولي بوعي حقيقي، ولم يكن المكان خطأ، بل كان كاملًا أكثر مما ينبغي.
رفع رأسه قليلًا، وكأنه يصف لهم ما رأى:
- سماء فضية بلا مصدر ضوء. أبنية من حجر أملس، تتوهج من داخلها، لا تفرض حضورها، ولا تخفيه. كل شيء هناك يعرف مكانه. لا فوضى، ولا استعراض.
قال آدم:
- وماذا عن الناس؟
- هادئون. ليسوا ضعفاء، ولا خائفين. يرتدون الجلد لا للزينة، بل كجزء من هويتهم، يمشون وكأنهم يعرفون أن لا شيء سيباغتهم.
سكتُّ قليلًا، ثم أضفت:
- أول من واجهني كان حارسًا منهم. لم يهاجمني، لم يستجوبني، فقط سار، وكأنه يعلم أنني سأتبع.
قالت تولين:
- وهذا ما فعلته؟
- نعم.
ابتسمت بخفه:
- لأن المكان نفسه كان يقول لي إن المقاومة هنا سابقة لأوانها. 
تابع:
- الحارس لم يكن كحراس القمر. لا هالة صاخبة، ولا ضغط، وجوده كان ثابتًا، كالجذور.
تنهد هاشم:
- ثم وقع الاشتباك.
أومأ:
- نعم. حين فقدتُ صبري من ألغازه التي لا تحمل معنى.
رفع كتفه قليلًا ثم اضاف:
- ضرباته لم تكن موجهة للجسد بل للإدراك. 
نظروا إليه بتركيز، فتابع:
- تقنيات بصرية، تجعلك تنجذب للجمال، فتنسى أن تتفادى. لو لم يُنبّهني عاصف لكنتُ تلقيت ضربة كانت لتسبب ضررًا بليغًا.
ثم قال بنبرة أخفض:
- حين تفادت الضربة الأرض، تشققت.. تشققت بعد اصطدام تقنيته بها. وهنا فقط ظهر الباقون.
قال آدم:
- الحراس الآخرون؟
- رجالًا ونساءً.
أضاف:
- أحاطوا بي، كلٌ بهالته وتقنيته، دون فوضى. عندها أطلقت هالتي البيضاء. لكنني لم أضرب ولم تصل ضرباتهم إليّ لأن أحدًا آخر قرر أن يتدخل.
رفع عينه لهم:
- ليهار.
قال هاشم بهدوء:
- العجوز؟
- أحسنت بقراءة أفكاري.
أكمل:
- ظهر كأنه شبح، مرّ بكل واحد منهم، لمس أكتافهم فهدأت قواهم تمامًا.
ابتسم بلا وعي:
- وبّخ الحارس أمامي.
سألت تولين بفضول:
- وماذا قال لك؟
- الكثير..
ثم رفع رأسه:
- عن المملكة، عن الحراس، عن الزمن، اليوم هناك يساوي ثلاثة هنا ولهذا.. حين عدت، كنتم قد انتظرتم ثلاثة أيام. نفس فكرة قاعة التدريب. أيضًا، ليهار هو من دلّني على طريق العودة وقال إن المملكة لا تغلق أبوابها.
               

سراب II الفصل الثامن: ظلال الألم

جاري التحميل...

الفصل الثامن: ظلال الألم

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

مساء ذلك اليوم كانت هناك نسمة هواء لطيفة في الأرجاء، العشب الأخضر اللامع كان يتراقص ونيران المشاعل المعلقة بدون لوح الزجاج الذي وضع أمامها لكانت أطفأت.
ولكن وبرغم تلك الأجواء الخلابة قرر سراب الجلوس مع هلال في كوخه الخشبي العتيق رغم حداثة بنائه منذ أشهر كأنه لم يتحمل كم المعلومات الهائل في ذلك المكان.
 جلس سراب أمام مكتب هلال الخشبي0 كانت يدا هلال ترتعشان وجفونه مثقلة ساقطة فوق عينين امتلأ السواد أسفلهما.
رفع سراب كوب الشاي المقدم له وكان البخار لازال يتصاعد منه، ارتشف منه بينما يراقب هلال الذي يحاول جاهدًا ألا يسقط برأسه على مكتبه من شدة الإرهاق. وضع الكوب على المكتب مرة أخرى ثم وضع اصبعه على هلال ليعود نشاطه وتركيزه مرة أخرى.
ابتسم هلال بارتياح لكنه قال بامتعاض:
- برغم الطاقة التي أشعر بانبعاثها إلا أنني أريد أن أجرب شعور النوم كما كنت أفعل!
ابتسم سراب بخفة وقال:
- الوقت مازال باكرًا.
ثم أضاف بنبرة لعوب:
- ولا تنسَ أنك من تريد الاستيقاظ طويلًا.
تنهد هلال فأكمل سراب:
- لكنني لن أساعدك بهذا الصدد مرة أخرى، جسمك وإن بدا نشيطًا فهو يحتاج للنوم لا لمجرد طاقة تُبعث داخلك.
أومأ هلال:
- أوافقك.
- إذً لم تصر على إنهاك جسدك باستمرار؟
أجاب مشيرًا للكتب والأوراق المتناثرة:
- ومن غيري يستطيع جمع هذه اللفائف سويًا.
صمت سراب قليلًا ثم أسند ظهره لمسند الكرسي، قال بهدوء:
- هناك من يستطيع المساعدة حسبما أرى.
رفع هلال حاجبًا وأومأ بعدم فهم، فأكمل:
- إيلان، المتدرب الجديد.
قال هلال مبتسمًا:
- تقصد الفتى الذي يزورني باستمرار؟ نعم إنه بالفعل يمتلك شغفًا وحبًا كبيرًا للتاريخ.
قاطعه سراب:
- أو كُرهًا خالصًا لعشيرة الظلال.
صمت هلال مفكرًا لثوانٍ أمال فيها سراب جسده للأمام وأسند يديه على المكتب.
- إيلان يمتلك ماضٍ مع الأميرين، هذا الماضي يمكن لثامر أن يستغله.
قال بدهشة وعينين متسعتين:
- أن يستغل ثامر خطة الحراس قبل ظهورك؟
أومأ سراب مؤيدًا فأكمل هلال:
- ولكن ما الذي سيدفع بإيلان للقاء ثامر؟ نحن لا نعلم مكانه حتى اللحظة.
قال موضحًا:
- ومن قال أن إيلان وحده من يتوق للقاء ثامر؟ لم لا نقول أن ثامر سيظهر نفسه ليستغل إيلان؟
اتسعت عينا هلال:
- وما الذي تقترحه؟!
- لا أريد لإيلان أن يعلم التفاصيل الخاصة بخطط الحراس، أعلمه ما يريد وأخفي عنه أي شيء يتعلق بتلك الخطط القديمة أما أنا وهاشم سنهدئ العاصفة بداخله.
أومأ هلال قائلًا:
- حسنًا حسنًا.
فأكمل سراب:
- متى آخر مرة زارك فيها؟
أجاب:
- البارحة ليلًا. يزورني كل يومين أو ثلاث.
أومأ سراب ثم قال:
- جيد.. 
ثم قام من مكانه واتجه ناحية الباب العتيق بخفة وأخرج جسده من الكوخ. فعل القليل من هالته وكان على وشك الانتقال للقلعة لكنه سمع أحد الأطفال يركض نحوه:
- انتظر أيها الملك!
توقف سراب عن إتمام هالته، واستدار ببطء نحو الصوت، كان الطفل يقف على بعد خطوات، أنفاسه متلاحقة، وعيناه الواسعتان لا تحملان دهشة الأطفال بقدر ما تحملان خوفًا غير مفهوم. 
انحنى سراب قليلًا ليصبح في مستواه وقال بصوت هادئ:
- ما بك؟ ولماذا تناديني؟
تردد الطفل لحظة، ثم قال بصوت منخفض كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
- رأيتُ شيئًا أخافني كثيرًا.
تقلصت ابتسامة سراب الخفيفة، لا اختفاءً بل تحوّلًا:
- أين رأيته؟
أشار الطفل بيده الصغيرة نحو أطراف القرية، ناحية المسار المؤدي إلى الغابة:
- هناك عند الحجارة القديمة.
ثم أضاف بسرعة:
- لقد كان فتى يردد اسمًا بصوت غاضب وينبعث منه ضوء! 
ساد صمت قصير. لم يحتج سراب إلى قراءة عقل الطفل؛ فهالته الرقيقة كانت كافية. اضطراب خفيف، ممزوج بخوف صادق لا وهم فيه. 
سأله سراب برفق دون أن يرفع صوته:
- ماذا قال؟
بلع الطفل ريقه:
- قال اسمًا لم أفهمه.
ثم همس:
- قال ثامر.
تصلبت هالة سراب للحظة واحدة، لحظة قصيرة لم يلاحظها الطفل، لكنها كانت كافية لأن تنطفئ نسمة الهواء من حولهما. وضع سراب يده على رأس الطفل برفق:
- أحسنت لأنك جئت إليّ.
ثم قال بنبرة قاطعة دافئة:
- لا تذهب إلى هناك مرة أخرى، ولا تخبر أحدًا بما رأيت. مفهوم؟
أومأ الطفل سريعًا، وكأن الحمل الذي فوق صدره خفّ قليلًا. ابتعد الصغير راكضًا، بينما بقي سراب واقفًا في مكانه، نظره معلق في الجهة التي أشار إليها. تمتم بصوت خافت لا يسمعه سواه:
- إذًا.. تركت الغضب داخلك يأخذ السيطرة.
وانبعثت هالته، لا للانتقال هذه المرة، بل للاستشعار. بالرغم من أنه كان متأكدًا بنسبة كبيرة أن من قصده الطفل هو إيلان إلا أنه لم يكن ليجازف بكل شيء ويذهب بلا احتياط.
اقترب بخطوات حذرة للمكان الذي أشار له الطفل، كلما اقترب كان يشعر بقوة تزداد شيئًا فشيئًا. وصل أخيرًا للمسار المؤدي للغابة، خطوات قليلة كانت تفصله بين الضوء المنبعث من الغابة. سار بخطواتٍ بطيئة على الأحجار القديمة بتصدعاتها وشقوقها وهو يشعر باضطراب الهالة المنبعثة أكثر كأن إيلان قد بدأ يفقد طاقته وتوازنه.
تسارعت نبضات قلبه لأول مرة منذ زمن، لم يعلم كيف تسارعت ولم تسارعت بالرغم من بساطة القوة التي أمامه. ربما لم تكن القوة هي ما سببت ذلك التسارع، بل نفس الشعور الذي مرا به، ربما بدأ يُعاد داخل ذاكرته مرة أخرى.
نظم أنفاسه واستعد لمواجهته، سحب نفسًا عميقًا كتمه بداخله قبل أن يتقدم أكثر ويرى إيلان وهو في حالة من الاضطراب. كان العرق يتصبب من جبينه والعشب على الأرض من حوله عليه من آثار الاحتراق. ارتسمت الدهشة على وجهه، من كان يتوقع أن إيلان البارد يدفع بنفسه لأقصى حد ممكن. من كان يتوقع أن خلف بروده تلك الدموع المنكسرة.
الصورة التي رسمها سراب في ذهنه عن إيلان لم تكن نفس الصورة أمامه، بدا إيلان مهزومًا منكسرًا وقد ضاقت به السبل ليأتي للغابة ليلًا ويستخدم قوته للتنفيس عن حزنه. تأمل سراب ملامحه لأول مرة بدلًا من هالته أو قوته، شعره الرمادي الذي تساقطت من أطرافه قطرات العرق، كان جسده مشدودًا أكثر من اللازم، كوترٍ مشدود لا يرتاح إلا حين ينقطع. لم يكن مرهقًا بقدر ما كان فارغًا، وكأن كل ما بداخله استُهلك دون أن يُستعاد. 
كل ذلك أوضح له أمرًا واحدًا، إيلان ليس مجرد متدرب في مملكة يحكمها، بل انعكاسًا لذاته القديمة. تلك الذات التي لم تستطع التنفيس عن تلك المشاعر التي أصابت إيلان ولازالت آثارها عابقة داخله.
فجأة وبدون مقدمات مسح إيلان دموعه من عينيه وقال ببرود ناظرًا للأرض دون أن يرفع عينيه:
- ما الذي تريده؟
وقف ثابتًا، إلا أن هالته لم تعد بنفس صفائها المعتاد، وكأنها تحمل أثر مقاومة طويلة لا تُرى. ها هو إيلان يجلس أمامه منهزمًا يسأله "ما الذي يريده؟" ولسانه يعجز عن الجواب. 
حين طال الصمت ولم يجب أكمل إيلان ببرود في نفس وضعه:
- إن لم يكن لديك ما تخبرني امض في طريقك.
برغم العجز الذي شعر به حاول استجماع الكلمات بداخله لتخرج من فمه متلعثمة:
- لا أريد منك شيئًا.
- إذًا، ما الذي أتى بك ها هنا؟ لا تكمل، كانت إشارة من طفل خائف.. 
ثم أضاف بنفس البرود:
- نفس الطفل الذي كنته يومًا.
قال سراب:
- كلنا كنا كذلك.
انفجر إيلان صارخًا:
- أنت لا تفهم شيئًا! أنا لا أهتم إن كنت ملكًا، أنا لا أهتم إن واجهت الموت مراتٍ لم أوجهه فيها لكنك لن تفهم ما عانيته يومًا!
صرخ، لا لأنه غاضب، بل لأن التعب حين يُكبت طويلًا لا يخرج إلا صراخًا. نهض على قدميه وقد سرت في أطرافه رعشة طفيفة. ثم أكمل:
- كل يوم أواجه الأمر ذاته، كل يوم أدعس على قلبي أكثر من سابقه حتى لم أعد أشعر بالألم.
أشار إلى قلبه:
- لم يعد هناك شيء في قلبي، لم أعد أشعر بالألم بعد الآن. لا ليس عليك الشعور بالأسى، فأنت المختار ليس أنا.
ساد صمتٌ ثقيل بينهما، لم يكن صمتَ تردّدٍ ولا صمتَ عجز، بل صمتًا متعمّدًا، كأن سراب يزن الكلمات لا ليختارها، بل ليقرر إن كان يستحق أن يقول شيئًا. 
انتظر إيلان الرد.
لحظة ثم أخرى.
وعندما طال الصمت أكثر مما يحتمل، رفع بصره أخيرًا نحوه، فالتقت عيناهما. لم يكن في نظرة سراب شفقة، ولا عتاب، ولا حتى غضب. كانت نظرة رجلٍ رأى هذه الانكسارات من قبل في مرآته.
قال إيلان بمرارة خافتة:
- صمتك لا يغير شيئًا.
- إن كنتَ تظن أن الاختيار نجاة فأنت لا تعرف معنى أن تُختار.
رد إيلان:
- بل أعرف معنى أن تُترك.
لم يجبه سراب فورًا.
تقدم خطوة واحدة فقط، لا تهديد فيها ولا اقتراب حميم، خطوة أقرب للفهم منها للسيطرة. قال أخيرًا بصوتٍ منخفض، ثابت، كأن الكلمات خرجت بعد قرار طويل:
- حين يتوقف الألم عن إيلامك لا يعني أنك شُفيت.
رفع إيلان رأسه ببطء، واتسعت حدقتاه دون وعي. 
أكمل سراب دون أن يرفع صوته:
- أحيانًا يعني فقط أنك بدأتَ تموت من الداخل بهدوء.
تراجع خطوة إلى الخلف، وأدار ظهره دون أن ينتظر ردًا، ودون أن يمنحه فرصة للهروب بالكلمات. ومع ابتعاده، خفتت هالته تدريجيًا، تاركًا خلفه إيلان واقفًا في المكان ذاته.
               

رواية حديقة النجوم (الفصل الأول)

جاري التحميل...

رواية حديقة النجوم

كانت الأرض قد تحولت إلى كرة زجاجية عملاقة محاطة بطبقة من الغلاف الاصطناعي الشفاف

تحميل الفصول...
المؤلف

آخر وردة في حديقة النجوم
في عصرٍ نسي فيه البشر معنى الكلمات "غروب" و"شروق"
كانت الأرض قد تحولت إلى كرة زجاجية عملاقة محاطة بطبقة من الغلاف الاصطناعي الشفاف.
لم يعد هناك هواء خارجي يُتنفس ولا تربة تنبت فيها شيئاً.
كل شيء يعيش داخل "القبة الأبدية"
 مدينة واحدة ضخمة تمتد على كامل سطح الكوكب مغذاة بمفاعلات اندماج وحدائق هيدروبونيك وأشجار صناعية تُضيء بلون أزرق بارد.كان اسمه "نيّر".
آخر بستاني بشري حقيقي.
لم يكن اسمه الحقيقي، لكنه اختاره لنفسه لأنه يعني "المضيء" بلغة انقرضت منذ قرون.
مهمته الوحيدة الحفاظ على حديقة النجوم آخر مكان في القبة يحتوي على نباتات حقيقية غير معدلة جينياً.
وردة واحدة فقط بقيت حية من بين ملايين الشتلات التي زُرعت قبل مئات السنين.
الوردة كانت حمراء داكنة، لون الدم الذي لم يعد أحد يراه خارج الشاشات .
نيّر كان يتحدث إليها كل يوم.
يروي لها قصصاً عن أسلافه الذين رأوا محيطات وغابات وسماءً مفتوحة بدون سقف معدني.
كانت تستمع أو هكذا يتخيل لأن أوراقها كانت تتمايل قليلاً كلما همس باسم "الأرض القديمة".
في المدينةالناس لا يحتاجون إلى الزهور.
يأكلون معجون بروتين يشربون ماء معاد تدويره ألف مرةيعيشون في غرف بيضاء متطابقة ويتواصلون عبر شبكة عصبية تجعل الكلام المنطوق بدائياً وغير ضروري.
لكن نيّر كان مختلفاً.
كان عيباً في النظام.
قلبه ينبض بسرعة غير طبيعية عندما يشم رائحة التربة الرطبة وعيناه تدمعان عندما يرى قطرة ندى.
ذات يوم أعلنت الشبكة المركزية "الصوت" – قراراً
حديقة النجوم تستهلك موارد زائدة.
سيتم إغلاقها نهائياً بعد 72 ساعة لتحسين كفاءة الطاقة.
نيّر لم يصرخ.
لم يحتج.
فقط ذهب إلى الوردةوقطف ورقة واحدة صغيرة وضعها تحت لسانه كأنها سر.
في الليلة الأولى حاول أن ينقل الوردة إلى غرفته الخاصة.
لكن الجذور كانت متشابكة بعمق في التربة الاصطناعيةوكأنها تعرف أن الرحيل يعني الموت.
تركها وعاد ليجلس بجانبها طوال الليل يغني أغنية قديمة لم يسمعها أحد منذ زمن بعيد يا وردة في الصحراء
حمراء كالجرح القديم
انتظري
 ربما يأتي مطر
في اليوم الثاني جاءت الصيانة.
روبوتات بلا وجوه تحمل مقصات ليزر وأنابيب شفط.
زين وقف أمامهم جسده النحيل يرتجف.
هذه آخر واحدة.
آخر ما تبقى منا .
الروبوت الرئيسي أجاب بصوت مسطح
الذكريات لا تُؤكل ولا تُشرب.
الكفاءة أولوية.
لم يقاتل نيّر.
كان يعرف أن القتال سيؤدي إلى إغلاق أسرع.
بدلاً من ذلك فعل شيئاً لم يتوقعه أحد حتى هو نفسه.
أخرج إبرة صغيرة من جيبه سرقها من مختبر الوراثة قبل أشهر وحقن في ساق الوردة خليطاً من دمه وهرمونات نمو محظورة.
كان يعرف أن التجربة محكوم عليها بالفشل.
لكنه أراد أن يرى
 مرة واحدة وردة تكبر كما كانت تكبر في زمن الأرض الحقيقية.
في الساعات الأخيرةحدث شيء غريب.
البتلات بدأت تتفتح بسرعة غير طبيعية.
اللون الأحمر تحول إلى قرمزي متوهج، كأن ناراً صغيرة تشتعل داخلها.
الساق طولت الأوراق انتشرت ورائحة قوية ملأت الحديقة رائحة لم يشمها أحد من قبل
 مزيج من العسل والتراب والحياة.
نيّر جلس تحتها يبكي بهدوء.
شكراً شكراً إنك سمعتيني.
"لكن "الصوت" لاحظ التغيير.
الطاقة الزائدةالإشعاع غير المتوقع النمو الجامح.
أصدر أمراً فورياً
تدمير فوري. 
خطر بيولوجي الليزر انطلق.
قطع الجذور أحرق الأوراق ذوّب البتلات.
نيّر حاول أن يحميها بجسده.
النار أكلت يديه، ثم ذراعيه ثم صدره.
عندما انطفأ اللهب لم يبقَ من الحديقة سوى رماد أسود وبقايا جذع محترق.
ونيّر كان لا يزال حياً بالكاد.
استلقى على الأرض المحروقة ينظر إلى السقف الزجاجي الذي يفصله عن الفراغ الأسود.
في اللحظة الأخيرة قبل
 أن يتوقف قلبهرأى شيئاً.
في الرماد برعم صغير جداً.
أصغر من حبة عدس.
 بدأ يخضر بخفة لم يكن قادراً على الابتسام لكن عينيه لمعتا لثانية.
"يبقى... شيء."
ثم أغلق عينيه.
الصوت أعلن
حديقة النجوم أُغلقت بنجاح.
الكفاءة استعادت 0.004%.
في الغرف البيضاء
استمر الناس في العيش.
لا أحد سأل عن البستاني.
لا أحد تذكر الرائحة.
وبعد أيام جاءت آلة تنظيف صغيرة لتمسح الرماد.
البرعم الصغيراختفى تحت فرشاة التنظيف.
لم ينبت.
لم يره أحد.
وظلت القبة صامتة كما كانت دائماً.
بلا ورود.
بلا أسماء قديمة.
بلا ذكرى حتى للألم.
               

رواية حديقة النجوم

رواية حديقة النجوم
1.9

رواية حديقة النجوم

مشاهدة

قصة الرواية

كانت الأرض قد تحولت إلى كرة زجاجية عملاقة محاطة بطبقة من الغلاف الاصطناعي الشفاف

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - خيال علمي - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية حارسة الضوء الازرق (الفصل الأول)

جاري التحميل...

رواية حارسة الضوء الازرق

خرج منها ضوء رفيع كخيط حرير ثم اتسع فاتسع حتى صار عمودًا من النور يخترق الضباب

تحميل الفصول...
المؤلف

القرية التي لم يعد لها اسم
 كان السماء رمادية منذ ثلاثة أجيال. 
لا نجوم لا قمر فقط طبقة سميكة من الضباب المتوهج بلون الرماد المحترق.
كانت تسكن هناك فتاة اسمها ايما آخر من كان يؤمن أن السماء كانت يومًا مختلفة. 
كل ليلة كانت تتسلق تلّ الرماد المهجور تحمل معها فانوسًا صغيرًا لا يحترق فيه زيت
 بل شيء أثقل 
ذكريات يقولون إن جدّتها الكبيرة كانت حارسة الضوء الأخير. 
قبل أن تموت وضعت في يد الطفلة ايما حبة زجاجية صغيرة داخلها نقطة من نور أزرق يتحرك كأنه حي.
لا تفتحيها إلا حين تكونين متأكدة أنكِ آخر من يتذكر
قالت وهي تُسلم الروح.
مرت السنين والناس نسوا حتى كيف يرفعون رؤوسهم. 
صار الحديث عن "النجوم" 
كلام المجانين. 
لكن ايما لم تتوقف عن الصعود.
في ليلةٍ كانت الريح تحمل رائحة معدن محترق جلست على حافة التلّ ونظرت إلى الفانوس الذي لم يعد يضيء منذ زمن.
 الزجاجة الصغيرة بداخله كانت لا تزال نابضة لكن خافتة جدًا.
همست لنفسها
أنا آخر واحدة... أليس كذلك؟
لم يجبها أحد.
 حتى الريح سكتت.
رفعت الزجاجة كسرت ختمها بأظافر متشققة. 
خرج منها ضوء رفيع كخيط حرير ثم اتسع فاتسع حتى صار عمودًا من النور يخترق الضباب.لم يكن مجرد ضوء.
كان صوتًا.
صوت ألف الاصوت تُغني بلغة لم تسمعها من قبل لكنها فهمَتها فجأة. "نحن هنا... ما زلنا هنا..."
رفعت عينيها.
الضباب بدأ يتمزق كقماشة قديمة.
نقطة نقطتان ثم مئات ثم آلاف النجوم لم تكن عائدة فقط. 
كانت تنتظر 
تنتظر شخصًا يتذكرها بما يكفي ليجرؤ على فتح الباب.
ايما لم تبكِ.
ابتسمت ابتسامة متعبة وجميلة
 ثم استلقت على ظهرها فوق الرماد الدافئ الآن 
وتركت الضوء يغمرها.
في الصباح التالي لم يجدوا في التل سوى فانوس مكسور وزجاجة فارغة وبقعة عشب أخضر صغيرة جدًا بدأت تنمو في قلب الرماد.
ومنذ ذلك اليوم صار بعض الأطفال في القرية 
 التي بدأ الناس يسمونها من جديد "نور ايما" – يرفعون رؤوسهم أحيانًا ليلاً...
ويجدون نقطة ضوء زرقاء صغيرة تتحرك ببطء بين النجوم، كأنها لا تزال تبحث عن أحد يتذكرها.
               

رواية حارسة الضوء الازرق

رواية حارسة الضوء الازرق
1.7

رواية حارسة الضوء الازرق

مشاهدة

قصة الرواية

خرج منها ضوء رفيع كخيط حرير ثم اتسع فاتسع حتى صار عمودًا من النور يخترق الضباب

تفاصيل العمل

التصنيف: رومانسية - فانتازيا - خيال علمي - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
ايما
.........

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

ما وراء الظل (صفحة ٣١٣) كاملة | للكاتب أحمد فتحي جاد

جاري التحميل...

ما وراء الظل (صفحة ٣١٣)

بين ممرات الأزهر العتيقة وشوارع الإسكندرية الغارقة في الضباب، تطارد "الصفحة 313" ضحاياها. هي ليست مجرد ورقة في كتاب ممنوع، بل كيان حيّ يتغذى على العقول، ومن يسمع صوت تقليبها.. ليس أمامه سوى تسع ليالٍ من الجحيم.

تحميل الفصول...
المؤلف

برنامج «ما وراء الظل»
الحلقة الخاصة – ضيف الليلة: الشيخ صفوان بن عيسى
الاستوديو مُضاء بنور دافئ خافت، وموسيقى هادئة منخفضة، والجمهور يُصفّق بحرارة، لكن باحترام.
المذيع:
مساء الخير على حضراتكم… حلقة الليلة مختلفة… معنا الرجل الذي تتحدث عنه مصر كلها منذ شهور… الذي حرّر قرية النور من لعنةٍ استمرت مائةً وثمانيةً وأربعين عامًا… والذي كرّمه فخامة الرئيس بنفسه… فضيلة الشيخ صفوان بن عيسى… أهلًا بك يا شيخ.
الشيخ صفوان (بابتسامة هادئة):
بارك الله فيكم… وحفظ الله مصر وأهلها.
المذيع:
قبل أن نبدأ… نود أن تعرّفنا بنفسك أكثر… من هو الشيخ صفوان؟
الشيخ صفوان:
أنا رجل بسيط من محافظة المنوفية… بدأت أرى ما لا يراه الناس منذ صغري… تعلّمت القرآن والرقية الشرعية على يد جدّي رحمه الله… ومنذ ذلك اليوم وأنا أسير في طريق محاربة ما يؤذي الناس مما لا يرونه.
المذيع (بهدوء):
حلقة الليلة طويلة… لأن الحكاية طويلة…
معنا الشيخ صفوان بن عيسى… رجل عادي جدًا من المنوفية… لديه علم بالقرآن والرقية الشرعية… فقط…
من دون قوة خارقة، سوى العلم والإيمان واليقين بأن الله سينصر الحق ولو بعد حين.
ما هو شعورك بعد هذا التكريم الكبير؟
الشيخ صفوان:
أنا سعيد بالطبع… لكن أكثر ما أسعدني هو عودة الأطفال إلى أهلهم… وهذا الوسام أمانة في عنقي… كلما ارتديته تذكّرت أن هناك حكاية جديدة تنتظرني.
المذيع:
حسنًا… ما أغرب حكاية مررت بها في مشوارك كله؟ حكاية لم تحكها لأحد من قبل؟
الشيخ صفوان (يتنهّد، يشرب رشفة ماء، ثم يبدأ بهدوء):
بدأت الحكاية عام 2021…
كنت في المنوفية، واتصل بي شيخٌ من الجامع الأزهر بنفسه… قال لي:
«يا صفوان… هناك ثمانية وثلاثون طالبًا من قسم المخطوطات اختفوا… طالب واحد كل يوم…
وكانوا جميعًا يقرؤون كتابًا ممنوعًا… لأننا وجدنا في غرفهم ورقةً مكتوبًا عليها:
من يقرأ الصفحة 313 سيأتي ليقرأها مرةً أخرى في الأسفل».
ذهبت إلى القاهرة في اليوم التالي… ودخلت الجامع بعد صلاة العشاء…
أخذني شيخ الجامع إلى ممرٍّ سري خلف المحراب…
سُلّمٌ قديم، ثلاثمائة وثلاث عشرة درجة بالضبط… نزلنا ببطء…
كان الجو رطبًا وباردًا… ورائحة ترابٍ قديم تملأ المكان…
وصلنا إلى قاعة صغيرة تحت الأرض… جدرانها من حجرٍ أسود…
وفي وسطها منصّة خشبية… وعليها كتاب كبير مفتوح…
الصفحة 313 مفتوحة… والحبر ما يزال لامعًا… رغم أن الكتاب كُتب منذ ثمانمائة عام.
اقتربت لأقرأ…
فجأة سمعت صوت خطوات كثيرة خلفي…
التفتُّ… فوجدت الثمانية والثلاثين طالبًا واقفين في صفوف… أعينهم مفتوحة لكنها فارغة…
بدأوا يردّدون كلامًا غريبًا… يشبه الآيات لكنه معكوس…
ومع كل ترديد… كانت الأرض تهتز اهتزازًا خفيفًا…
وشعرت أن شيئًا يحاول اقتحام عقلي…
حاولت أن أقرأ الآيات التي كانوا يقرؤونها لكن بصيغة صحيحة…
إلا أنني كنت أرى خيالاتٍ سوداء تخترق ذهني…
بدأت أقرأ آية الكرسي بصوتٍ عالٍ…
فازداد صوتهم…
قرأت سورتي الفلق والناس ثلاث مرات…
اقترب مني أحدهم وقال بصوتٍ هادئ:
«اقرأ معنا… سترتاح».
شعرت أن صوته يجذبني…
فقرأت سورة البقرة من أولها… ورفعت صوتي…
واستمررت ساعةً كاملة…
حتى وصلت إلى آخر آيتين…
بدأ الطلاب يرتجفون… وسقطوا واحدًا تلو الآخر على الأرض…
وأُغلق الكتاب من تلقاء نفسه…
فتح أحدهم عينيه وقال لي:
«الكتاب أُغلق… لكن الصفحة هربت…
ستبحث عن قارئٍ جديد… في مكانٍ جديد».
ثم نام… وناموا جميعًا…
أخرجناهم… واستعادوا وعيهم في اليوم التالي… لكن لم يتذكر أيٌّ منهم شيئًا.
يشرب الشيخ صفوان الماء مرة أخرى… ويسكت لثوانٍ طويلة…
المذيع (بهمس):
والصفحة… إلى أين ذهبت؟
الشيخ صفوان (ينظر إلى الأرض، وصوته أخف):
بعد عامٍ كامل بالضبط…
اتصلت بي طبيبة نفسية من الإسكندرية… اسمها ليلى مراد…
قالت لي:
«لدي ثمانية مرضى انتحروا في أقل من شهر…
وكان كل واحد منهم قبل موته يردد الجملة نفسها:
أنا أسمع صفحةً تُقلّب… الصوت كأنه يكهرب دماغي».
وأضافت:
«آخر مريض كتب على الحائط بدمه:
الصفحة وجدت قارئًا جديدًا… وأنا التاسع».
ذهبت إلى الإسكندرية…
كانت العيادة في بيتٍ قديم بشارع فؤاد…
دخلت… فوجدت ثمانية كراسٍ في دائرة… على كل كرسي اسم مريض…
والكرسي التاسع فارغ…
كانت الدكتورة ليلى جالسة… وجهها شاحب… وعيناها محمرّتين…
قالت لي:
«منذ أن سمعت حلقتك العام الماضي… بدأت أسمع صوت صفحة تُقلّب في العيادة…
كل ليلة… الساعة الثانية…
وكل مريض يسمعها يموت بعد تسع ليالٍ».
جلست معها…
الساعة الواحدة وثمانٍ وخمسون دقيقة…
سمعت صوت ورقة تُقلّب… صوت خفيف… لكنه واضح…
بدأت الدكتورة تتكلم بصوتٍ ليس صوتها… صوت ثمانية أشخاص معًا…
وقالت:
«الصفحة 313 وجدت طريقها…
والآن تريد أن تُكمل في عقلٍ جديد… عقلك».
في تلك اللحظة فهمت…
الصفحة التي هربت من تحت الأزهر دخلت جسد الدكتورة ليلى…
وبدأت تكتب نفسها في عقل كل مريض…
كل من يسمع صوت الصفحة تُقلّب… ينتحر بعد تسع ليالٍ…
وأصبحت الدكتورة مجرد وعاءٍ للصفحة.
شعرت أن الكلام يتسلل إلى رأسي…
فبدأت أقرأ آية الكرسي…
فازداد الصوت…
قرأت الفلق والناس سبع مرات…
فسقطت الدكتورة على الأرض… وبدأت تتقيأ مادة سوداء…
لكن أصوات الذين كانوا يرددون الآيات المعكوسة ظلت في أذني…
واصلت القراءة… سورة الجن… سورة الصافات…
حتى وصلت إلى آخر آيةٍ في سورة البقرة…
فتوقف الصوت…
فتحت الدكتورة عينيها وقالت بصوتها الطبيعي:
«كنت أشعر أن شيئًا ما يقرأني… لم أكن أنا من يقرأ».
وعادت إلى طبيعتها… بفضل الله.
يسكت الشيخ صفوان طويلًا…
المذيع (بهمس):
إذًا… هل انتهى الأمر؟
الشيخ صفوان (يبتسم بتعب):
الصفحة احترقت…
لكن الحبر… ما يزال يبحث…
كلما حكى أحد هذه القصة… يشعر الحبر…
ويبدأ في البحث عن عقلٍ جديد…
فإذا سمعتم صوت صفحة تُقلّب في أي مكان…
أو حتى داخل عقولكم…
فلا تنصتوا…
اقرؤوا آخر آيتين من سورة البقرة…
وادعوا الله أن يحميكم.
المذيع (مخاطبًا الكاميرا):
انتهت حلقتنا الخاصة…
نشكر فضيلة الشيخ صفوان بن عيسى…
ونذكّركم بنصيحته الأخيرة…
إذا سمعتم صوت صفحة تُقلّب… اقرأوا… وادعوا…
ولا تحكوا القصة لأحدٍ آخر.
انتظروني الأسبوع القادم… في حلقة جديدة… وضيف جديد…
و«ما وراء الظل»… ما زال يحمل الكثير.
               

ما وراء الظل (صفحة ٣١٣)

ما وراء الظل (صفحة ٣١٣)
2.9

ما وراء الظل (صفحة ٣١٣)

مشاهدة

قصة الرواية

بين ممرات الأزهر العتيقة وشوارع الإسكندرية الغارقة في الضباب، تطارد "الصفحة 313" ضحاياها. هي ليست مجرد ورقة في كتاب ممنوع، بل كيان حيّ يتغذى على العقول، ومن يسمع صوت تقليبها.. ليس أمامه سوى تسع ليالٍ من الجحيم.

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - خيال علمي - رعب - غموض وتشويق - جريمة وتحقيق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
الشيخ صفوان بن عيسى
رجل من قرية بالمنوفية زاهد عابد يحارب قوى الشر بما أوتي من العلم

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

دهاليز عزازيل (الفصل الأول)

جاري التحميل...

دهاليز عزازيل

في ليلةٍ غامضة، يقود الفضول شابًا إلى اكتشافٍ لم يكن ينبغي لأحدٍ أن يراه. بوابة خفية تفتح الطريق إلى عوالم لا تنتمي إلى الواقع، عوالم تسكنها أسرار مظلمة ومخلوقات لا يعرفها البشر. كل خطوةٍ إلى الأمام تقرّبه من الحقيقة… لكنها قد تبعده أكثر عن طريق العودة. فهل يستطيع الهروب من دهاليز ذلك العالم، أم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا مرة واحدة؟

تحميل الفصول...
المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم.


عزيزي القارئ، بين يديك عالمٌ من وحي الخيال الخالص، لا يمتّ للواقع بصلة. قد تُصدمك بعض أحداثه، لكنها تبقى مجرد كلماتٍ مُرتبة لخدمة القصة. وبينما نغوص في أعماق المجهول، تتناول الرواية قضايا حقيقية تواجه الشباب، مع التزامها التام بتجنب أي موضوع يتعارض مع عاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا العربية والإسلامية الراسخة.


تدور أحداث القصة حول حليم، شابٌ مفتونٌ بعوالم الرعب والغموض، أسيرٌ لأساطير العالم السفلي، والشياطين، والجن، والظواهر الغامضة، وحتى الكائنات الفضائية. لكن شغفه ينقلب رأسًا على عقب حين يُجرّ بطريقةٍ غامضة إلى ذلك العالم الموازي الذي تحكمه الشياطين، ليبدأ صراعه المرير للعودة إلى دياره.


⚠️ تنبيه هام جدًا قبل البدء:


استعد جيدًا... هذه الرحلة ليست للجميع.




 إذا كنت تعاني من ضعف في القلب، أو لديك ميل للنرجسية، أو تاريخ من الاضطرابات النفسية، أنصحك بشدة بعدم إكمال القراءة. قد تكون هذه الرواية مرآة قاسية أو عبئًا ثقيلًا على النفس.




**من يقرر إكمال القراءة، فليعلم أنه يفعل ذلك على مسؤوليته الشخصية الكاملة.**


حفظكم الله ووفقكم.




**بقلم: عثمان شاعر**
               

رواية دهاليز عزازيل

دهاليز عزازيل
3.2

دهاليز عزازيل

مشاهدة

قصة الرواية

في ليلةٍ غامضة، يقود الفضول شابًا إلى اكتشافٍ لم يكن ينبغي لأحدٍ أن يراه. بوابة خفية تفتح الطريق إلى عوالم لا تنتمي إلى الواقع، عوالم تسكنها أسرار مظلمة ومخلوقات لا يعرفها البشر. كل خطوةٍ إلى الأمام تقرّبه من الحقيقة… لكنها قد تبعده أكثر عن طريق العودة. فهل يستطيع الهروب من دهاليز ذلك العالم، أم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا مرة واحدة؟

تفاصيل العمل

التصنيف: رومانسية - فانتازيا - اجتماعية - خيال علمي - للبالغين - كوميدية - عائلية - رعب - غموض وتشويق - جريمة وتحقيق - أكشن
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
حليم
شابٌ فضولي بطبيعته، ينجذب إلى كل ما هو غامض ومجهول. يقضي معظم وقته بين الكتب والقصص التي تتحدث عن العوالم الخفية والأسرار المنسية. يمتلك عقلًا باحثًا لا يهدأ، وشجاعة تدفعه دائمًا للاقتراب من الأشياء التي يخشاها الآخرون. لكن فضوله هذا سيقوده يومًا إلى بابٍ لم يكن ينبغي فتحه… بابٍ قد يغيّر مصيره إلى الأبد.
اسم الشخصية
عدنان
رجل مسنّ حكيم، يعرف أسرار الكتب القديمة والعوالم الخفية التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. كان مرشدًا لحليم في عالم الغموض، لكن موته المفاجئ لم يكن مجرد نهاية، بل بداية لغموض أعمق وأسرار أكثر قتامة، حيث ترك وراءه آثارًا غامضة تدفع كل من يجرؤ على الاقتراب إلى مواجهة المجهول.
اسم الشخصية
رضا الحبيب
رجل صارم وعملي، قليل الكلام وعالي المتطلبات، يقضي معظم وقته في العمل بعيدًا عن منزله. طويل القامة وذو شخصية حازمة، يراقب تفاصيل حياة عائلته بدقة، وكأن لكل تصرف حدود يجب ألا تُتخطى. خلف هدوئه وانضباطه، يخفي عالمه الخاص من التفكير العميق والسيطرة على ما يراه صحيحًا، مما يجعل وجوده دائمًا شعورًا بالضغط والخوف الطفيف لمن حوله.
اسم الشخصية
عدنان
رجل مسنّ حكيم، يعرف أسرار الكتب القديمة والعوالم الخفية التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. كان مرشدًا لحليم في عالم الغموض، لكن موته المفاجئ لم يكن مجرد نهاية، بل بداية لغموض أعمق وأسرار أكثر قتامة، حيث ترك وراءه آثارًا غامضة تدفع كل من يجرؤ على الاقتراب إلى مواجهة المجهول.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية أستراڤيل _ Astraveil (اقتباس)

جاري التحميل...

اقتباس

سقطت من سماءٍ لا يعرفها، فأسقطت عرش قلبه الذي لم يهزمه بشر. هو مَلِكُ الأرض، وهي ابنةُ بـُعدٍ آخر.. حبهما معجزة، وبقاؤها مستحيل. بين تيجانِ المُلكِ وغربةِ الأبعاد، وجدَ ضالته في فتاةٍ لا تنتمي لعالمه. اقباس: بينما تلك الأضواء الغريبة و المتوهجة تداعب عينيها و تلك الأصوات الغريبة تترد في أذنها ظنت انها أتحلم أو تهلوس لكن شدة الألم التي شعرت به في رأسها دفعها لفتح عينها ببطء و هي تحاول جمع شتات انفسها أو تذكر ما يحدث أو أين هي و لكن بمجرد أن اتضحت الرؤية حتى رأت ذلك الجسد أمامها كان رجلاً غريب عنها يتحدث بلغة غير مفهومة لها و يرتدي ملابس غريبة لا تناسب عصرهم نظرت للمكان حولها بهلع فلقد كان اشبه بالكهف و هناك بقع مياه صغيرة بكل مكان، و لكن ما لفت نظرها أكثر هي تلك الاضواء المتوهجة بعضها زرقاء متوهجة و بعضها ذات اللون الأرجواني، كانت تلك الاضواء تملأ المكان و حين نظرت إلى مصدرها كانت فتحة كبيرة في نهاية الكهف أو بدايته، لربما يكون مخرجه لاسيما و لا يوجد غيره عادت بتركيزيها لذلك الرجل الذي ينظر لها بتركيز شديد "من أنتَ، و أين أنا؟" سألت بخوف من هيئة هذا الرجل و شكله الغريب ليجيبها و لكنها لم تفهم لغته و لم تحدد من اي بلد هذه نظر لها مطولا ثم امسك برأسها حتى شعرت بقوة غريبة تداهمها و بأن رأسها سينفجر حتى ترك رأسها ثم نظر لها متحدثاً بلغته "مرحبا ايتها الغريبة" نظرت بدهشة كيف فهمت ما قاله و كيف فهمت تلك اللغة الغريبة و ما الذي فعله برأسهاا، إنه أشبه بالمستحيل "أين أنا؟" "انتِ في مكان مختلف عن العالم الذي تعرفينه، انتِ الآن في المكان الذي لا يستطيع أحد العودة منه" . أسترافيل - Astraveil

تحميل الفصول...
المؤلف

أحيانًا، حين نفقد من نحب، لا نهتم إلا بما سيحدث بعد رحيلهم، وكيف سنتعايش. لكن أحيانًا تسير الأمور عكس ما نريد.


وهذا تحديدًا ما حدث معها حين غادر جدها منزلها مستاءً، بعد محاولته إقناعها بالانتقال للعيش معه بدلًا من العيش بمفردها. لكنها رفضت بسبب تعلّقها الشديد بمنزل والديها، إذ إنه آخر ما يربطها باللذين رحلا عنها؛ والدتها قبل ثلاث سنوات، ووالدها قبل شهر إثر حادث سيارة.


كانت تجلس في غرفة والديها، تعانق إحدى الوسائد بينما تتأمل الصورة المعلّقة لها برفقتهما، كعادتها منذ وفاة والدها. لم تغادر هذه الغرفة أبدًا، وكانت تلك اللحظات الوحيدة التي تمنّت فيها لو كان لها شقيق أو شقيقة يؤنس وحدتها.


استقامت متجهة نحو الصورة، تتأملها عن قرب، حتى قررت انتزاعها لتعليقها في غرفتها. لكنها كانت عالقة، إذ عُلّقت منذ زمن طويل. واجهت صعوبة في نزعها من الحائط، لكنها نجحت أخيرًا، لتنظر بدهشة إلى الأثر الذي تركته خلفها: صندوق صغير مخفي داخل الجدار.


تعجّبت من وجوده، وكيف عاشت في هذا المنزل اثنين وعشرين عامًا دون أن تعلم بوجوده، ولماذا وُضع في هذا المكان تحديدًا.


أخرجته من موضعه بصعوبة، ثم نفخت الغبار المتراكم عليه، لتلاحظ عدم وجود أي قفل أو وسيلة واضحة لفتحه.


هزّت الصندوق بيدها لتتأكد إن كان فارغًا، لكنه أصدر صوت ارتطام شيء بداخله، كأنه عملة معدنية.


خرجت من الغرفة وهي تحمل الصندوق، تبحث عن أي شيء لكسره. وحين وجدت مطرقة، لم تتردد لحظة في تحطيمه، لتسقط منه قلادة غريبة الشكل، منقوشة برمز مميّز وغير مألوف.


التقطتها بين يديها، تحاول فهم سبب إخفاء هذه القلادة داخل صندوق مدفون في الجدار.


تأملت القلادة بتمعّن، لتتذكر فجأة أنها رأت والدها يرتديها في صوره القديمة. وضعتها على الطاولة، ثم التقطت لها صورة، وقررت إرسالها إلى جدها، والد والدتها، كونه يعرف أباها منذ زمن طويل.


وقعت عيناها على محتوى آخر رسالة أرسلها لها قبل ساعات، بعد مغادرته:


_«عزيزتي أماليا، لا تنسي الذهاب غدًا إلى جامعتكِ».


أرسلت له الصورة، ثم أتبعَتها برسالة صوتية:


«وجدت هذه القلادة داخل صندوق غريب في الجدار، هل تعرف عنها شيئًا؟»


وضعت الهاتف بجانبها، ثم أمسكت بالقلادة مجددًا، تحاول فهم الرمز الغريب. مدت يدها تلمسه بهدوء، لكنها سحبتها بسرعة حين شعرت بوخز حاد في إصبعها. ألقت القلادة بعيدًا عندما بدأ الرمز يختفي تدريجيًا، متزامنًا مع ألم شديد في معصمها. نظرت إليه لتجد الرمز ذاته بدأ ينقش على يدها.


نظرت برعب إلى يدها، ثم إلى القلادة التي اختفى الرمز عنها كليًا لينتقل إلى جلدها. لم تكد تمسك هاتفها لتتصل بجدها، حتى اسودّت الرؤية أمام عينيها، وشعرت بألم حاد في رأسها، وفجأة فقدت وعيها.


. 
. 
. 
. 
. 


بينما كانت أضواء غريبة ومتوهّجة تداعب عينيها، وأصوات غير مألوفة تتردّد في أذنيها.


ظنّت أنها تحلم أو تهلوس، لكن شدة الألم في رأسها دفعتها لفتح عينيها ببطء، تحاول جمع شتات نفسها أو تذكّر ما حدث وأين هي. وما إن اتضحت الرؤية حتى رأت جسدًا يقف أمامها.


كان رجلًا غريبًا عنها، يتحدث بلغة غير مفهومة، ويرتدي ملابس لا تنتمي لعصرها. نظرت حولها بهلع؛ المكان أشبه بكهف، تنتشر فيه بقع مياه صغيرة في كل زاوية.


لكن أكثر ما لفت انتباهها تلك الأضواء المتوهجة؛ بعضها أزرق، وبعضها أرجواني، تملأ المكان بالكامل. وحين بحثت عن مصدرها، رأت فتحة كبيرة في نهاية الكهف، أو ربما بدايته، لعلها المخرج الوحيد.


عادت بنظرها إلى الرجل الذي كان يحدّق فيها بتركيز شديد.


«من أنت؟ وأين أنا؟»


سألته بخوف، فأجابها، لكنها لم تفهم لغته ولم تستطع تحديد أصلها. ظل ينظر إليها طويلًا، ثم أمسك برأسها فجأة، لتشعر بقوة غريبة تجتاحها، وكأن رأسها سينفجر. تركها أخيرًا، ثم تحدث بلغته مجددًا:


«مرحبًا أيتها الغريبة».


نظرت إليه بدهشة؛ كيف فهمت ما قاله؟ وكيف أصبحت تلك اللغة مفهومة لها؟ وما الذي فعله برأسها؟ بدا الأمر مستحيلًا.


«أين أنا؟»


«أنتِ في مكان مختلف عن العالم الذي تعرفينه. أنتِ الآن في المكان الذي لا يستطيع أحد العودة منه».


أغمضت عينيها حين تذكرت ما حدث، ثم نظرت سريعًا إلى يدها، لتجد الرمز ذاته منقوشًا عليها.


«ماذا تقصد بمكان لا يمكن العودة منه؟ وما هذا المكان؟»


جلس الرجل أمامها، مربّعًا قدميه.


«أنتِ في أستراڤيل».


عقدت حاجبيها لغرابة الاسم والمكان والرجل، ولغرابة كونها تفهم لغته.


«هل تقصد أستراليا؟»


«لا، بل أستراڤيل... أسيرة البحر المفقود».


زاد ألم رأسها من حديثه. ظنت أنها تحلم، لكنها لم تكن مجنونة إلى هذا الحد. حاولت التنفس بعمق، ثم وقفت سريعًا، فوقف هو الآخر.


«من أنت؟ وما هذا المكان؟»


ابتسم وتنهد بهدوء:


«إيزارك، وهذا المكان مدينة أستراڤيل، عالم مختلف عن عالمكم البشري».


تجمّد الدم في عروقها.


«عالمنا البشري؟ ألستَ بشريًا؟»


«ليس تمامًا، لكن بدماء أستراڤيلية».


«حسنًا! ربما يكون هذا مقلبًا سخيفًا، وإن كان كذلك، صدقني لن ترى النور مجددًا!»


تنهد إيزارك بجدية:


«اسمعيني، كل ما حولك يؤكد أن هذا ليس مقلبًا. التزمي الصمت حتى ينفك الحاجز، وسأصطحبكِ إلى الملك».


«أي حاجز؟ وأي ملك؟»


«أنا إيزارك، يد الملك اليمنى. يجب أن يعلم الحاكم بوجودكِ. أما الحاجز، فهو حاجز أشجار أستراڤيل، ولا يمكننا مغادرة الكهف قبل انفتاحه».


أشار إلى المدخل:


«تبقّى نحو نصف ساعة».


بأمل الخروج من هذا المكان.


«ماذا سيفعل بي الملك؟»


«ليس لديَّ فكرة، فلم نشهد زيارة خارجية من قبل، حتى خروج أرياكسيل لم يشهده أحد.»


لم تكن قادرة حقًا على التغاضي عن غرابة أسمائهم.


«ما هذه الأسماء بحق؟ ومن هذا الرجل؟»


«أرياكسيل هو أحد شباب أسترافيل، الذي استطاع الخروج منها قبل سنوات طويلة. لا نعرف كيف خرج، وتعدّدت الأقاويل حول خروجه، وما زال لم يعد حتى الآن.»


أنهى حديثه بينما يستقيم واقفًا، وهو ينظر إلى مدخل الكهف.


«انفكّ الحاجز، لنذهب.»


استقامت لتسير خلفه بخوف، وهي تدرك مجددًا أن كل هذا ليس مجرد خيال أو وهم.


خرجا سويًا من الكهف، لتفتح عينيها بصدمة من هذا المكان، لكن الصدمة الأكبر كانت أنه لا يوجد سماء... بل ماء.


لا سماء زرقاء كما اعتادت، ولا شمس، بل سقف المدينة من الماء. كيف لا تسقط هذه المياه؟


هذا فضلًا عن دهشتها من تلك البحيرات التي تشع نورًا. كل شيء من حولها كان مرعبًا؛ بدأت الناس تخرج من تلك المنازل التي ترتص بجانب بعضها بانتظام. الجميع يرتدي ملابس غريبة الشكل، وكأن المشهد بأكمله أشبه بحلم.


لم تستطع التفوّه بحرف واحد، أثر صدمتها واندهاشها وتعجبها، لذا تولّى إيزراك شرح ما تراه.


«يبدو الأمر غريبًا، لكن هذه هي أسترافيل، أسيرة البحر. أسترافيل مدينة لا تعرف السماء بالمعنى المعتاد؛ فسقفها محيطٌ معلّق.


البحيرات في أسترافيل لا تعكس الضوء... بل تصنعه. مياهها تشع نورًا ناعمًا، وكلما اقترب منها أحد، ازدادت إشراقًا، وكأنها تتعرّف على الزائر.


الرياح تحمل همسات قديمة، يُقال إنها أصوات من عاشوا في أسترافيل ثم اختفوا، لذلك لا أحد يصرخ هناك... فالمدينة تسمع كل شيء.»


كان يتحدث وهو يسير بجانبها، بينما كانت هي تتأمل كل ما حولها. غير أن نظرات الجميع إليها جعلتها تتوقف عن التأمل، وتبادلهم النظرات.


ملابسها بدت غريبة مقارنةً بهم، وكذلك شعرها الأسود؛ فنساء أسترافيل جميعهن ذوات شعرٍ فضيّ اللون، مما زاد من دهشتها بالمكان، لا سيما مع وجود تلك المخلوقات الغريبة.


«لو بقيت هنا دقيقة واحدة، سينفجر رأسي.»


وصلوا إلى ساحة كبيرة يتوسطها قصر عظيم. كان القصر شامخًا على ربوة واسعة، جدرانه مبنية من حجرٍ فاتح يلمع مع ضوء المدينة، كأنه مصقول بعناية عبر مئات السنين.


أبراجه ترتفع في هدوء، لا تتباهى بعلوّها، لكنها تفرض هيبتها بصمت. النوافذ الطويلة مصطفّة بانتظام.


أما البوابة الرئيسية فكانت ضخمة، من خشب داكن محفور بنقوش دقيقة تحكي تاريخًا لا يُقال بالكلمات.


عبرا معًا الجسر الصغير أمام القصر، ولا يزال الرعب يتملكها، لكنها تقدّمت معه إلى الداخل.


دخلت القصر وهي ما زالت تشعر ببرودة الكهف عالقة في أطرافها، كأنها لم تغادره بالكامل بعد. خطواتها كانت مترددة؛ لا تعرف هل ما تراه حقيقة أم امتدادًا لدهشة لم تهدأ بعد.


أما إيزراك، فكان يسير أمامها بثبات، بينما اكتفت هي بتتبّع ظله الطويل على الأرض المصقولة.


من الداخل، بدا القصر أوسع مما تخيّلت. سقوفه مرتفعة بلا تكلّف، وأعمدته مصطفّة في نظام صارم يبعث على الرهبة أكثر من الإعجاب. الجدران تحمل آثار زمنٍ طويل؛ لا فخامة صارخة، بل هيبة صامتة، كأن المكان اعتاد استقبال الأسرار أكثر من الزوّار.


كانت تشعر بالأنظار قبل أن تراها.


اصطفّ سكان القصر على الجانبين؛ خدم، حراس، ووجوه أخرى لم تستطع تمييز ملامحها سريعًا. نظراتهم لم تكن عدائية، لكنها مشحونة بالفضول والاستغراب. بعضهم حدّق فيها دون خجل، وكأن وجودها سؤال بلا إجابة، وآخرون خفّضوا أبصارهم سريعًا عندما ناظرهم إيزراك، ثم عادوا ينظرون من طرفٍ خفي.


سمعت همسات خافتة تتبع مرورها، كلمات غير مكتملة، وتوقفات قصيرة توحي بأن اسمها أو قصتها لم تكن معروفة لهم بعد. شعرت للحظة أنها دخيلة على عالم مغلق، وأن كل خطوة تخطوها تُسجَّل في ذاكرة المكان.


شدّت على يديها دون وعي، محاولة أن تثبت نفسها وسط هذا الصمت المراقِب. لم تكن تعرف لماذا هي هنا، ولا ماذا ينتظرها خلف هذه الممرات الطويلة، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: منذ اللحظة التي خرجت فيها من الكهف، لم يعد شيء كما كان.


توقّف إيزراك أمام بابٍ واسع، ودفعه ببطء. انفتح الباب على قاعة أقل اتساعًا مما توقّعت، لكنها كانت أكثر حضورًا.


في عمق القاعة وقف شخصٌ مستقيم الظهر، ملامحه هادئة على نحو يصعب تفسيره. إلى جانبه وقف رجل آخر يشبهه في بعض التفاصيل، لكن نظرته كانت أكثر حدّة وشرًّا، كأنها تفحص كل شيء قبل أن تثق به.


«أنتِ التي خرجتِ من الكهف.»


لم يكن سؤالًا، بل تقريرًا بسيطًا خرج من الرجل ذي الملامح الحادّة. شعرت بنظراته تخترقها؛ نظرة فاحصة لا تخلو من الشك. لذا هزّت رأسها، وقد تقنّعت بالشجاعة في موقف لا يبثّ لما بداخلها بذرة طمأنينة.


ساد صمت قصير. تبادل الرجلان نظرة سريعة لم تفهم معناها، لكنها أحسّت أن خلفها حديثًا طويلًا لم يُقال بعد.


عاد الرجل ذو الملامح الهادئة يثبت نظره عليها، وكأنه يحاول قراءة ما لا تقوله، ثم تحدث بهدوء:


«عليها العودة إلى عالمها. وجودها خطر على المدينة.»


ابتسمت، وكأنها وجدت مفتاح النجاة، لكن فرحتها لم تدم حين تحدث الآخر:


«وخروجها سيكون الأخطر. أسترافيل لن تقبل هذا. وجودها ليس صدفة.»


«أسترافيل... المدينة؟»


تعجبت من حديثه، فسألته بدهشة كيف لمدينة أن ترفض خروجها. وحين قابلها الصمت التام، عادت تتحدث وكأن الخوف الذي تملكها قد تلاشى:


«جئتُ إلى هنا دون اختيار، ولن أبقى فيه دون إرادتي. إن كان وجودي في هذه المدينة ليس صدفة كما تقولون، فهذا لا يجعلني أسيرة لها.»


تقدّم خطوة، وأشار بيده إشارة خفيفة، كمن يشرح حقيقة لا تقبل الجدل:


«المدينة لا تُبقي أحدًا بإرادته... ولا تترك أحدًا بإرادته أيضًا. وجود أحدٍ من عالمكم لم تشهده أسترافيل إطلاقًا، وخروجك من هنا يعني العبث بقوانينها وتعريض شعبها للخطر، ولن نعرضهم للخطر لأجلك.»


نظرت إليهم جميعًا، وتمَعّنت ملامحهم الجادّة التي لا تقبل المساومة أو الجدل. في تلك اللحظة، أدركت أن هذا اللقاء ليس نهاية حيرتها... بل بدايتها الحقيقية.


- يُتبع -


. 
. 
. 
. 
. 


أستراڤيل - Astraveil


•الأحداث لم تبدأ بعد




أستراڤيل _ Astraveil

أستراڤيل _ Astraveil
6.0

أستراڤيل _ Astraveil

مشاهدة

قصة الرواية

سقطت من سماءٍ لا يعرفها، فأسقطت عرش قلبه الذي لم يهزمه بشر. هو مَلِكُ الأرض، وهي ابنةُ بـُعدٍ آخر.. حبهما معجزة، وبقاؤها مستحيل. بين تيجانِ المُلكِ وغربةِ الأبعاد، وجدَ ضالته في فتاةٍ لا تنتمي لعالمه. اقباس: بينما تلك الأضواء الغريبة و المتوهجة تداعب عينيها و تلك الأصوات الغريبة تترد في أذنها ظنت انها أتحلم أو تهلوس لكن شدة الألم التي شعرت به في رأسها دفعها لفتح عينها ببطء و هي تحاول جمع شتات انفسها أو تذكر ما يحدث أو أين هي و لكن بمجرد أن اتضحت الرؤية حتى رأت ذلك الجسد أمامها كان رجلاً غريب عنها يتحدث بلغة غير مفهومة لها و يرتدي ملابس غريبة لا تناسب عصرهم نظرت للمكان حولها بهلع فلقد كان اشبه بالكهف و هناك بقع مياه صغيرة بكل مكان، و لكن ما لفت نظرها أكثر هي تلك الاضواء المتوهجة بعضها زرقاء متوهجة و بعضها ذات اللون الأرجواني، كانت تلك الاضواء تملأ المكان و حين نظرت إلى مصدرها كانت فتحة كبيرة في نهاية الكهف أو بدايته، لربما يكون مخرجه لاسيما و لا يوجد غيره عادت بتركيزيها لذلك الرجل الذي ينظر لها بتركيز شديد "من أنتَ، و أين أنا؟" سألت بخوف من هيئة هذا الرجل و شكله الغريب ليجيبها و لكنها لم تفهم لغته و لم تحدد من اي بلد هذه نظر لها مطولا ثم امسك برأسها حتى شعرت بقوة غريبة تداهمها و بأن رأسها سينفجر حتى ترك رأسها ثم نظر لها متحدثاً بلغته "مرحبا ايتها الغريبة" نظرت بدهشة كيف فهمت ما قاله و كيف فهمت تلك اللغة الغريبة و ما الذي فعله برأسهاا، إنه أشبه بالمستحيل "أين أنا؟" "انتِ في مكان مختلف عن العالم الذي تعرفينه، انتِ الآن في المكان الذي لا يستطيع أحد العودة منه" . أسترافيل - Astraveil

تفاصيل العمل

التصنيف: رومانسية - فانتازيا - خيال علمي - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
أماليا
فتاة عادية وجدت نفسها في مدينة خفية لا يمكن العودة منها.
اسم الشخصية
زاركيث
مَلك المدينة و مِلك لتلك التي سيطرت على عقله و قلبه.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية أثيرالس ( عهد الكريستال المفقود) - أصداء منسية

جاري التحميل...

أصداء منسية

في عالم "آراليس"، حيث السماء مرايا كريستالية تعكس ضوء شمسين، لا تُقاس القوة بحد السيوف.. بل بنقاء الحناجر. كل كائن في "آراليس" يولد وله "نغمة" فريدة؛ تردد كوني يمنحه الحياة والقدرة. ولكن، خلف الغيوم المتلألئة، استيقظ كابوس قديم يُدعى "مورغوث"، طاغية الصمت الذي لا يكتفي بقتل الأجساد، بل يمتص "الأصداء" من الأرواح، ليترك العالم غارقاً في رماد السكون والنسيان.

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت الشمس "إيلورا" تميل نحو الغروب، تاركةً خلفها خيوطاً من الذهب المذاب تتسلل عبر شقوق كهف "الأصداء العميقة". في الداخل، لم تكن تولين تبحث عن ذهب أو مجوهرات، بل كانت تطارد صوتاً.
"هيا أيها الصدى الصغير، لا تختبئ خلف الصخور كالفأر المذعور!" قالتها تولين وهي تقفز بخفة فوق نتوء صخري، وضحكة رنانة تخرج من صدرها. كانت ترتدي سترة من جلد "التنين المجنح" وسراويل ضيقة تسمح لها بحرية الحركة، وعلى ظهرها علبة خشبية منقوشة بآيات الثناء، مخصصة لحفظ الترددات.
فجأة، اهتز الهواء. لم يكن اهتزازاً عادياً، بل كان "نشازاً". شيء ما في نظام الكون كان يصرخ. اختفت ابتسامة تولين تدريجياً، وحلت مكانها نظرة من الجدية الصارمة التي لا تظهر إلا في الشدائد.
بينما كانت تولين تضع يدها على الأرض  لتشعر بالإهتزاز همست لنفسها قائله: "سبحان من خلق النغم وجعل في كل همسة حياة، هذا الصوت ليس طبيعياً، إنه كسر في نسيج الوجود."


وفجأة، انبثق من الأرض كائن من الظلام المحض، بلا ملامح، سوى فجوة سوداء في مكان الفم تمتص كل الضوء من حولها. لم تتردد تولين، استلت رمحها القصير المصنوع من "خشب السدر المقدس" وقالت بصوت قوي:
"يا هذا، إن كنت تظن أن الصمت سيغلب النور في حضوري، فأنت لا تعرف مع من تعبث! أنا تولين، ابنة التناغم، ولن أسمح لك بتشويه سمفونية هذا العالم."
انطلقت نحو الكائن بسرعة البرق، وحركاتها كانت تشبه الرقص أكثر من القتال. كان حوارها مع العدو ليس بالكلمات فقط، بل بضربات رمحها التي كانت تصدر رنيناً يمزق الظلام. كانت تضحك وهي تتفادى ضرباته، ليس استهزاءً، بل لأنها تؤمن أن البهجة هي السلاح الأول ضد اليأس.
"أووه، فاتك القليل من التدريب على الرشاقة!" صرخت وهي تقلب نفسها في الهواء، لتغرس رمحها في قلب الظلام، لينفجر الكائن إلى آلاف الشظايا الضوئية التي عادت لتغذي الأرض.
جلست تولين على الأرض، تمسح العرق عن جبينها، وقالت بنبرة حانية وهي تنظر للسماء: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. اليوم أنقذنا نغمة، وغداً سننقذ عالماً."
لكنها لم تكن تعلم أن ما واجهته لم يكن إلا ظلاً بسيطاً لما هو آتٍ.. وأن الكريستال المفقود بدأ يئن في مخبئه السري.


لم تكن شظايا الظلام التي تناثرت مجرد بقايا كائن مهزوم، بل كانت كالحبر الأسود الذي يلوث ثوباً أبيض ناصعاً. وقفت آريا تراقب تلاشي تلك الشظايا، وقد عقدت حاجبيها في حيرة لم تعهدها. "يا لطيف.. هذا الكيان لم يكن من وحوش البرية، بل كان عدماً يمشي على قدمين،" همست وهي تعيد رمحها "رنين الصدق" إلى مكانه خلف ظهرها.
كان الكهف يضيق من حولها، وصمت غريب بدأ يطبق على المكان، صمتٌ ليس بالسكون المريح، بل هو صمت "الخنق" الذي يسبق العواصف. نفضت تولين غبار المعركة عن ثيابها بحركة مرحة، محاولةً طرد القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبها. "هيا يا تولين، لا وقت للعبوس، الجمال لا يليق به إلا الابتسام، أليس كذلك؟" قالتها وهي تخاطب طائرها الصغير "زجل"، الذي هبط على كتفها فجأة، وهو طائر أثيري ريشه يشبه ألوان قوس قزح السائلة.
 "زجل، أخبرني.. هل شعرت بتلك الهزة في مقام (البيات) الكوني؟ الأرض تئن، والسماء لا ترد الصدى كما كانت."


زقزق الطائر بنغمة حزينة، فمسحت تولين على رأسه بلطف. توجهت نحو عمق الكهف حيث يوجد "منبع الأثير"، وهو بئر قديمة يقال إن أول نغمة في الوجود خرجت منها. كانت الصخور هناك تتلألأ بنور ذاتي، وكأنها مرصعة بآلاف النجوم الصغيرة. وبينما هي تقترب، رأت شيئاً لم يره بشر منذ قرون.


في وسط البئر، لم يكن الماء يتدفق، بل كان هناك "صدع" في الهواء، يخرج منه ضباب رمادي باهت. كان الضباب يلتف حول بلورة مكسورة، معلقة في الفضاء، تنبض بنبضات ضعيفة تكاد تتوقف.
ظهرت ملامح الذعر على تولين وصرخت قائله :"يا إلهي.. إنه كسر في التوازن!" ثم اندفعت نحو البئر دون تفكير. كانت شجاعتها تسبق حذرها دوماً، ليس تهوراً، بل إيماناً بأن من يحمل الحق لا يخشى الباطل. وضعت يدها الرقيقة فوق الضباب الرمادي، فشعرت ببرودة قارسة كأنها جليد الموت.
"لا مكان لك هنا أيها النسيان، فالله خلق الكون في أحسن تقويم، وما أنت إلا عارض زائل."
بدأت تولين تنشد. لم يكن غناءً عادياً، بل كانت تخرج "نغمة الروح". صوتها الرخيم ملأ جنبات الكهف، لغة قديمة لا يفهمها العقل بل يدركها القلب. ومع كل طبقة صوتية ترفعها، كان الضباب الرمادي يتقلص، والبلورة المكسورة تبدأ بالالتئام أمام عينيها. كانت قوتها تنبع من يقينها الصادق، ومن تلك الطاقة التي وهبها الخالق لكل كائن يسعى للإصلاح.


بينما كانت تولين غارقة في إنشادها، ظهر خيال رجل عجوز خلف الضباب، ملامحه غير واضحة لكن صوته كان كهدير البحر البعيد.
"توقفي يا ابنة النور.. لا ترهقي روحك في رتق ثوب قد تمزق فعلياً."
توقفت تولين عن الإنشاد، لكنها لم تتراجع. "من أنت؟ وكيف تجرؤ على قول ذلك؟ التمزق يُصلح، والكسر يُجبر، ما دام في الصدور نفس يسبح بحمد خالقه."
ضحك الخيال ضحكة جافة: "أنا مجرد ذكرى لزمن كان فيه الأثير نقياً. يا تولين، الظلام الذي واجهته في الخارج ليس إلا قطرة من بحر الصمت القادم. 'مورغوث' قد استيقظ، وهو لا يريد قتل البشر، بل يريد سلبهم 'النغمة'، يريد عالماً بلا صوت، بلا صلاة، بلا أمل."
شحب وجه تولين قليلاً، لكن عينيها ظلتا تلمعان بتلك القوة التي تميزها. "مورغوث؟ الأسطورة التي تحكي عن طاغية العدم؟ إن كان قد استيقظ، فقد وجدني في انتظاره. لن أصمت، ولن أسمح للعالم أن يخرس."
"الشجاعة وحدها لا تكفي يا صغيرة،" قال العجوز وهو يتلاشى. "ابحثي عن 'الكريستالات السبعة'، فهي الأوتار التي تربط الأرض بالسماء. الفصل الأول من رحلتك يبدأ من 'برج الصمت'، هناك حيث تحبس الأصوات."


اختفى العجوز، وعاد الكهف لهدوئه النسبي، لكن البلورة في البئر لم تعد كما كانت؛ لقد أصبحت الآن تشير بوهجها نحو الشمال الغربي. أدركت تولين أن حياتها الهادئة كجامعة أصداء قد انتهت، وأن ملحمة كبرى قد بدأت للتو.
خرجت تولين من الكهف، والليل قد أرخى سدوله، لكن النجوم كانت تبدو أكثر وضوحاً من ذي قبل. نظرت إلى "زجل" الجاثم على كتفها وقالت بمرحها المعتاد رغم جسامة الموقف:
"حسناً يا صديقي، يبدو أن رحلتنا القادمة لن تكون للبحث عن أصداء العصافير، بل لإسكات عمالقة الظلام. هل أنت مستعد لبعض المتاعب؟"
نقرت "زجل" على كتفها بحماس، فضحكت تولين وربتت على حقيبتها. "إلى برج الصمت إذاً! لنرَ إن كان هذا 'المورغوث' يستطيع الصمود أمام نغمة واحدة من نغمات الحق."
انطلقت تولين بخطوات واثقة، تسبقها شجاعتها ويحرسها إيمانها، تاركة وراءها واديها الصغير نحو قدر سيكتب بماء الذهب في سجلات الخلود.
               

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.