الفصل الرابع عشر: هالات متشابكة (سراب II)
الفصل الرابع عشر: هالات متشابكة
.........
سرتُ مبتعدًا عن حدود الغابة، خطواتي هذه المرة أخفّ، كأن الهواء نفسه لم يعد يقاومني. لم أستخدم هالتي فورًا، أردت أن أخرج كما دخلت: على مهل، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأنني لم أترك خلفي مملكة كاملة تنظر إلى ظهري دون أن تراه.
قال عاصف داخليًا، بنبرة لا تخلو من الشماتة:
- أعترف، هذا الشيخ العجوز سرق الأضواء منك.
ضحكتُ بخفة:
- لا، هو فقط لم يحاول إبهاري.
"أسوأ نوع من الناس." ردّ عاصف. "يجعلونك تشعر أنك أنت من يحاول إثبات شيء."
تنفست بعمق، وشعرت لأول مرة منذ أيام أن صدري يتسع دون مقاومة. قلت:
- المكان غريب.. لكنه صادق. لا يطلب منك أن تكون أقوى، فقط أن تكون حاضرًا.
"وهذه مشكلتك." قالها عاصف سريعًا. "أنت بارع في القوة، فاشل في الحضور."
هززت رأسي مبتسمًا:
- أتعلم؟ لو كنت أستمع لنصائحك منذ البداية لكنت الآن راهبًا يزرع الخضروات.
"أو ملكًا أقل حماقة." أجاب بضحكة خافتة.
تقدمت أكثر، والفراغ بيني وبين مملكة القمر يتلاشى. في تلك اللحظة، ضربني الإدراك فجأة، لا كفكرة بل كثقلٍ هبط على صدري. توقفت.
- عاصف..
- نعم؟
- كم من الوقت مر هناك؟
ساد صمت قصير، ثم قال بجدية نادرة:
- بحسب ما قاله ليهار ثلاثة أيام تقريبًا.
- ثلاثة أيام!
لم يكن هناك دليل، لا أثر، لا اضطراب في المملكة، لا صرخات إنذار. لكنني لم أحتج دليلاً
جاءني الشعور فجأة، حادًا، موجعًا، كأن أحدهم شد خيطًا داخليًا كنت أنساه عمدًا. إيميليا!
حزنها لم يكن صاخبًا، كان ثقيلًا، مكتومًا، من ذلك النوع الذي لا ينهار بل ينهك. شعرت به يتسلل عبر رابطة الهالات، ارتجافًا خفيفًا يخفي خوفًا عميقًا. قلت دون تردد:
- كفانا مشيًا!
وانبعثت هالتي، لا كاملة، لا صاخبة، فقط كافية. انطوى المكان من حولي، وانفتحت المسافة، وخطوتُ خطوة واحدة لأجد نفسي تحت شجرة الزيتون الوحيدة في حديقة القصر. كانت هناك..
تقف أمام الجذع، يدها على اللحاء الخشن، رأسها منحنٍ قليلًا. لم تلتفت فورًا، لكنها شعرت بي، أعرف ذلك. شدّة الرابط تغيّرت، توترت، ثم انفجرت. استدارت نحوي، وعيناها تلمعان بغضب لم يكن كله غضبًا:
- أين كنت؟!
لم أجب فورًا. اكتفيت بالنظر إليها، إلى التعب الذي حاولت إخفاءه، إلى التوتر المشدود في كتفيها، إلى عينيها اللتين لم تناما جيدًا.
خطت خطوة للأمام، قالت بانفعال:
- ثلاثة أيام يا سراب! ثلاثة أيام بلا أثر، بلا هالة، بلا أي شيء! هل تدرك ماذا يعني هذا؟!
قلت بهدوء، لم أرفعه ولم أخفضه:
- أعلم.
- لا، أنت لا تعلم! صاحت. أنت تختفي وكأن العالم سيتوقف عن القلق لأنك قررت ذلك!
اقتربت أكثر، قبضتاها مشدودتان:
- أنا لم أشعر بك.. لم أشعر بك إطلاقًا!
مددت يدي ببطء، لا لألمسها، بل لأُظهر أنني هنا، كامل، حاضر:
- لم يكن اختفاءً عنك، كان ضياعًا عن نفسي.
توقفت. الكلمات وصلت حيث لم تصل الصرخة. عيناها ارتجفتا، والغضب الذي كان يقف كجدار تصدّع فجأة. قالت بصوت أخفض:
- لا تفعل هذا بي مرة أخرى.
ابتسمت بحزن خفيف:
- لم أنوِ الرحيل.. لكنني عدت لأنني شعرت بك.
لم تقل شيئًا. للحظة ظننت أنها ستدير ظهرها، أو تضربني كما تفعل أحيانًا حين تعجز الكلمات. لكنها فجأة تقدمت خطوة أخيرة، ثم سقطت بين ذراعي. لا بعنف، لا باندفاع، بل كمن تخلّى عن مقاومة طويلة.
لففت ذراعيّ حولها دون تردد. شعرت بأنفاسها تتباطأ تدريجيًا، بأن جسدها يستسلم أخيرًا للثبات. وضعت ذقني فوق رأسها، وأغمضت عينيّ. قال عاصف داخليًا، بصوت خافت:
- أيها الرومانسي الطائر.
أجبته بصمتٍ داخلي:
- اصمت أيها الوغد المراقب!
ثم أغلقت منافذ الرؤية والشعور كي يرى أو يسمع شيئًا.
ظلّت بين ذراعيّ، والشجرة فوقنا ساكنة، أوراقها لا تتحرك. وفي تلك اللحظة، لم أكن ملكًا، ولا حارسًا، ولا ضائعًا.. كنت فقط عائدًا.
***
لم يغادرها بقية ذلك اليوم. بقيا معًا في الحديقة، تحت شجرة الزيتون، لا يتحدثان كثيرًا. لم يكن الصمت بينهما فراغًا، بل امتلاءً هادئًا، من النوع الذي لا يحتاج تفسيرًا. جلست إيميليا قُربه، رأسها مسنود إلى كتفه، ويده ما زالت تحتضنها كأنها قد تختفي إن أفلتها.
قالت بعد وقتٍ طويل، بصوتٍ منخفض:
- كنت أشعر أنك قريب.. لكن بعيد في الوقت نفسه.
أجاب بهدوء:
- كنت كذلك فعلًا.
لم تسأله أين كان، ولم يشرح. أدركا معًا أن بعض الأسئلة تحتاج أن تنتظر حتى تستقر الأرواح قبل العقول. مع حلول المساء، عاد معها إلى القلعة. تناول الطعام بصمت، رافقها إلى غرفتها، وبقي حتى غلبها النوم. لم يستخدم هالته، لم يُفكّر، فقط جلس هناك، يراقب تنفّسها المنتظم، كأنه يستعيد إيقاع العالم من جديد.
وحين أشرقت الشمس في اليوم التالي، كان كل شيء قد عاد إلى شكله.. ظاهريًا.
***
دخل قاعة الاجتماع بخطوات ثابتة. كان هاشم واقفًا عند النافذة، آدم يجلس إلى الطاولة الحجرية، وتولين تقف في المنتصف، ذراعاها معقودتان، نظرتها ثابتة لا تحمل ترحيبًا. قال سراب ببساطة:
- صباح الخير.
لم يأت الرد. وفي اللحظة التالية، تحركت تولين. لم تُطلق هالتها أولًا، بل خطت خطوة واحدة فقط، ثم اندفعت القيود من تحت الأرض كأنها كانت تنتظر الإشارة. سلاسل ضوئية شاحبة التفّت حول ذراعيه وصدره وقدميه، ثبتته في مكانه دون أن تجرحه.
لم يقاوم. لم تُظهر ملامحه دهشة ولا غضبًا، فقط تنفّس بهدوء وقال:
- توقعت هذا.
قال آدم بحدة:
- اختفيت ثلاثة أيام، دون أثر، دون هالة، دون أي تفسير.
قال هاشم بصوتٍ منخفض لكنه ثقيل:
- وتولين كادت تفقد السيطرة حين لم تشعر بك.
نظرت تولين إليه أخيرًا، عيناها حادتان:
- لو كنت شخصًا آخر، لما اكتفيت بالتقييد.
أجابها بهدوء كامل:
- أعرف هذا ولهذا لم أقاوم.
ساد صمت قصير. ثم، دون أن يطلب، ألغت تولين القيود. سقط الضوء وتلاشى، واستعاد سراب حركته كأن شيئًا لم يكن. عدّل معطفه الأسود بهدوء، ثم قال:
- إن أردتم الغضب، افعلوا. لكن دعوني أبدأ بالشرح.
جلس الثلاثة. أما تولين بقيت واقفة. قال سراب:
- لم أختفِ عبثًا. لم أكن هاربًا، ولم أكن أسيرًا. دخلت مملكة أخرى، مملكة محجوبة.
رفع آدم حاجبيه:
- مملكة؟ أي مملكة؟
أجاب:
- في المملكة التي نعرفها والتي لم نكن نعرفها حقًا.
ابتسم هاشم:
- تقصد التي بوابة دخولها تلك الشجرة؟
أجاب:
- نعم تحديدًا هي، كنت في حالة أشبه بالضياع وفجأة وجدت نفسي داخلها.
سادت لحظة صمت قصيرة، ثم قال هاشم:
- الشجرة لم تستجب لي. لم أشعر بأي عبور، بأي أثر.
أومأت:
- وهذا أمر غريب. من الممكن أنها منعتك لأن قوتك كانت أقل من قوتي.
أطرق هاشم قليلًا:
- أو ربما من داخلها منع عبور شخص بعدك.
رفع حاجبًا:
- هل من الممكن؟
أومأ هاشم:
- ولم لا.
قال سراب:
- لم أدرك أنني وصلت إلى المملكة إلا حين ناداني عاصف. وقتها فقط نظرت حولي بوعي حقيقي، ولم يكن المكان خطأ، بل كان كاملًا أكثر مما ينبغي.
رفع رأسه قليلًا، وكأنه يصف لهم ما رأى:
- سماء فضية بلا مصدر ضوء. أبنية من حجر أملس، تتوهج من داخلها، لا تفرض حضورها، ولا تخفيه. كل شيء هناك يعرف مكانه. لا فوضى، ولا استعراض.
قال آدم:
- وماذا عن الناس؟
- هادئون. ليسوا ضعفاء، ولا خائفين. يرتدون الجلد لا للزينة، بل كجزء من هويتهم، يمشون وكأنهم يعرفون أن لا شيء سيباغتهم.
سكتُّ قليلًا، ثم أضفت:
- أول من واجهني كان حارسًا منهم. لم يهاجمني، لم يستجوبني، فقط سار، وكأنه يعلم أنني سأتبع.
قالت تولين:
- وهذا ما فعلته؟
- نعم.
ابتسمت بخفه:
- لأن المكان نفسه كان يقول لي إن المقاومة هنا سابقة لأوانها.
تابع:
- الحارس لم يكن كحراس القمر. لا هالة صاخبة، ولا ضغط، وجوده كان ثابتًا، كالجذور.
تنهد هاشم:
- ثم وقع الاشتباك.
أومأ:
- نعم. حين فقدتُ صبري من ألغازه التي لا تحمل معنى.
رفع كتفه قليلًا ثم اضاف:
- ضرباته لم تكن موجهة للجسد بل للإدراك.
نظروا إليه بتركيز، فتابع:
- تقنيات بصرية، تجعلك تنجذب للجمال، فتنسى أن تتفادى. لو لم يُنبّهني عاصف لكنتُ تلقيت ضربة كانت لتسبب ضررًا بليغًا.
ثم قال بنبرة أخفض:
- حين تفادت الضربة الأرض، تشققت.. تشققت بعد اصطدام تقنيته بها. وهنا فقط ظهر الباقون.
قال آدم:
- الحراس الآخرون؟
- رجالًا ونساءً.
أضاف:
- أحاطوا بي، كلٌ بهالته وتقنيته، دون فوضى. عندها أطلقت هالتي البيضاء. لكنني لم أضرب ولم تصل ضرباتهم إليّ لأن أحدًا آخر قرر أن يتدخل.
رفع عينه لهم:
- ليهار.
قال هاشم بهدوء:
- العجوز؟
- أحسنت بقراءة أفكاري.
أكمل:
- ظهر كأنه شبح، مرّ بكل واحد منهم، لمس أكتافهم فهدأت قواهم تمامًا.
ابتسم بلا وعي:
- وبّخ الحارس أمامي.
سألت تولين بفضول:
- وماذا قال لك؟
- الكثير..
ثم رفع رأسه:
- عن المملكة، عن الحراس، عن الزمن، اليوم هناك يساوي ثلاثة هنا ولهذا.. حين عدت، كنتم قد انتظرتم ثلاثة أيام. نفس فكرة قاعة التدريب. أيضًا، ليهار هو من دلّني على طريق العودة وقال إن المملكة لا تغلق أبوابها.
