خوفاً من نبضة - الفصل الاول
جاري التحميل...
الفصل الاول
عادت غيم في المساء، جسدها متصلب من الجلوس منحنية لساعات، لكن روحها كانت تحلق فوق السحاب. ركنت "زيتونة" ودخلت إلى الصالون الصغير ببيتها. المكان كان دافئاً برائحة الشاي المرمي فيه غصن نعناع.
كان الفجر يزحف ببطء فوق أسطح البيوت المتلاصقة في ذلك الحي الشعبي، حين بدأ منزل "غيم" يستيقظ على إيقاعاته الخاصة. لم يكن بيتاً كبيراً، بل هو بناء قديم مؤلف من غرفتين وصالة صغيرة تتوسطها طاولة خشبية متهالكة، لكنه كان يضج بروح ثلاثة أجيال.
استيقظت غيم على صوت سعلة جدها "أبو غانم" الرتيبة وهو يجلس في زاويته المعتادة على "الدوشك" الأرضي، وصوت حفيف ورق الجريدة التي يصر على قراءتها كل صباح. قفزت غيم من سريرها المعدني، لتتعثر فوراً بزوج من الأحذية القديمة، وتطلق ضحكة خافتة وهي تدمدم: "أهلاً بالمعركة الصباحية، يبدو أن الأرض قررت مغازلتي باكراً!"
خرجت غيم إلى الصالة، كان والدها "أبو أحمد" يحضر إبريق الشاي على طباخ غاز صغير أصدر صفيراً حاداً. البيت كان يفوح برائحة الزعتر والورق القديم.
"صباح الخير يا قبطان!" صاحت غيم وهي تقبل يد والدها، ثم توجهت نحو جدها لتمسح على كتفه بهبلها المعتاد: "يا جدي، هل ما زلت تقرأ أخبار القرن الماضي؟ العالم أصبح في الفضاء وأنت ما زلت تبحث عن سعر صرف الليرة عام ١٩٧٠!"
ضحك الجد بهدوء وهو يعدل نظاراته السميكة: "يا ابنتي، من لا يقرأ الماضي لا يفهم الحاضر.. وأنتِ يا مرممة الخردة، أليس هذا ما تفعلهين طوال اليوم؟"
انفجرت غيم بالضحك وهي تتوجه نحو زاوية غرفتها التي حولتها إلى "مشفى للآثار". كانت الغرفة تعج بقوارير المحاليل، والمشارط، وقطع الفخار المكسورة التي جمعتها بصبر من أسواق الأنتيكا. البيت بسيط، والطلاء يتقشر عن الجدران، لكن فوق طاولة غيم كانت هناك كنوز تُرمم بأصابع من ذهب.
أمام مرآة الصالة المشروخة، بدأت غيم طقسها المقدس. ارتدت قميصاً واسعاً جداً بلون الكاكي، وفوقه سترة بجيوب لا تنتهي، تمشي بها وكأنها تحمل حقيبة سفر. ثم أمسكت بوشاحها البنفسجي الطويل، وبدأت تلفه حول عنقها بعناية فائقة، لفة تلو الأخرى، حتى تأكدت أنه يغطي كل إنش من رقبتها.
وضعت نظاراتها الكبيرة ذات الإطار الدائري التي كانت تنزلق باستمرار، لتبدو كبومة صغيرة ومرحة. غيم لا تحب أن يرى أحد ملامحها بوضوح، لذا كانت الملابس الواسعة والوشاح والنظارات هي "حصنها" الذي تخفي خلفه كل شيء، وتظهر منه فقط ضحكتها العالية وحركاتها الهبلة.
"غيم، انتبهي لسيارتكِ اليوم، سمعتُ محركها بالأمس يصدر أصواتاً كأنه يحتضر،" قال والدها بقلق وهو يصب الشاي.
ردت غيم وهي تضع مفكاً صغيراً في جيبها: "لا تقلق يا بابا، (زيتونة) قوية مثل جدي، هي فقط تحب لفت الانتباه وتدعي المرض لتسمع كلام الغزل!"
خرجت غيم من المنزل، مودعة والدها وجدها بضحكة رنانة هزت أرجاء الزقاق الضيق. تعثرت بطرف عتبة الباب كعادتها، لتجد جارتها "أم سعيد" تنشر الغسيل. "صباح النشاط يا خالة!" صاحت غيم وهي تلوح بيدها بجنون.
وفي نهاية الزقاق، كانت تقبع "زيتونة". سيارتها الـ "فولكس فاجن" الأرجوانية المطفأة. كانت السيارة تبدو وسط الحي الشعبي كأنها جوهرة غريبة الأطوار. صعدت غيم، وضعت حقيبة أدواتها في المقعد المجاور، وطبطبت على التابلو الخشبي: "هيا يا زيتونة، جدي ووالدي يراهنان على سقوطكِ اليوم، أرجوكِ لا تجعليني أخسر الرهان!"
دار المحرك بصوت "قرقرة" مضحك، وانطلقت غيم وسط زحام الحي. كانت تقود بزاجل عفوية؛ تتوقف لتشتري كعكة من بائع جوال، وتطلق زامورها المضحك لتحيي أطفال الحي الذين يركضون خلف سيارتها الأرجوانية.
وصلت غيم لورشتها الصغيرة المستأجرة في قبو قريب. هناك، تلاشت "غيم الهبلة" للحظات. أمسكت بقطعة برونزية قديمة مغطاة بطبقات من الصدأ، وبدأت تعمل بمشرطها بتركيز يفوق الوصف. كانت تعيد ملامح التاريخ بقطرة محلول وفرشاة ناعمة، تدندن أغاني قديمة حفظتها من جدها، وتضحك مع نفسها كلما تذكرت نكتة سمعتها في الراديو.
كانت غيم في هذا المكان هي "الملكة"؛ لا يهم فقر حالها، ولا ضيق بيتها، ولا نظرات الناس لملابسها الغريبة. هي هنا، تعيد الحياة لما انكسر، وترمم الزمن بابتسامة لا تغيب.
ومع اقتراب المساء، جمعت أدواتها، لفت وشاحها البنفسجي جيداً، وصعدت إلى "زيتونة" لتعود إلى حضن والدها وجدها،
كانت الشمس قد بسطت خيوطها الذهبية فوق "ساحة المرجة"، حين أطلّت "زيتونة" بلونها الأرجواني المطفأ، وهي تتمايل يميناً ويساراً وكأنها ترقص على أنغام محركها الذي يصدر أصواتاً تشبه غناءً قديماً مكسوراً. كانت غيم تقود بتركيزٍ عالٍ، تضع يداً على المقود والأخرى تحاول بها تثبيت نظاراتها الدائرية التي كانت تتراقص مع كل حفرة في الطريق.
في الجهة المقابلة، وأمام واجهة محل فخم للساعات، كانت "زينة" تقف كأنها عارضة أزياء خرجت للتو من مجلة (Vogue). كانت زينة ترتدي قميصاً من الحرير الأبيض بياقة عالية، وتنورة ضيقة (Pencil Skirt) بلون "النيود" تبرز رشاقتها، وتضع فوق كتفيها سترة بليزر كلاسيكية. كانت تحمل حقيبة يد صغيرة من الجلد الفاخر، وتنتعل حذاءً بكعبٍ عالٍ يصدر صوتاً رزيناً فوق الرصيف.
بمجرد أن رأت غيم صديقتها، أطلقت زامور "زيتونة" المضحك ثلاث مرات متتالية. ركنت السيارة بطريقة جعلت العجلة الأمامية تلامس الرصيف تماماً، ثم قفزت من الباب وهي تتعثر بطرف سترة ملابسها الواسعة جداً.
"زينة! يا ويلي على هذه الأناقة! هل نحن ذاهبون لحفل زفاف ملكي أم لسوق النحاس؟" صاحت غيم وهي تركض نحو صديقتها، بينما كان وشاحها البنفسجي الطويل يطير خلفها كأنه ذيل طاووس متمرد.
زينة، التي كانت تحاول الحفاظ على وقارها، انفجرت بالضحك وهي تحتضن غيم: "يا مجنونة، الناس يتفرجون علينا! ثم انظري إليكِ، هل أنتِ ذاهبة لترميم آثار أم ذاهبة للتخييم في الغابة؟ هذا المعطف يتسع لثلاث فتيات مثلكِ!"
عدلت غيم نظاراتها وضحكت بهبلها المعتاد: "يا زينة، الموضة هي ما تشعرين به، وأنا اليوم أشعر بأنني 'غيمة' كبيرة وناعمة. ثم إن هذا الوشاح البنفسجي هو الذي يعطي إطاراً لوجهي الجميل، أليس كذلك؟"
سحبت غيم زينة من يدها نحو "التكية السليمانية"، حيث القباب الرصاصية والمحلات الصغيرة التي تبيع التحف. كانت زينة تمشي بحذر لئلا يفسد الكعب العالي أناقتها وسط الأحجار القديمة، بينما كانت غيم تقفز فوق المربعات الرخامية كالأطفال.
"غيم، على مهلكِ! ستقعين وتكسرين نظاراتكِ للمرة العاشرة هذا الشهر!" صرخت زينة وهي تحاول ملاحقتها.
توقفت غيم فجأة أمام محل صغير يبيع السيوف والخناجر القديمة. "انظري يا زينة!" قالت غيم وهي تخرج عدسة مكبرة صغيرة من جيب سترة ملابسها الواسعة وتحدق في مقبض سيفٍ قديم. "هذا المقبض مصنوع من عظم الجمل، والزخرفة التي عليه هي شغل دمشقي أصيل من القرن الثامن عشر. يا إلهي، إنه يحتاج لبعض الزيت والتدليل ليعود كما كان!"
زينة، التي كانت مشغولة بتعديل شعرها أمام مرآة المحل، قالت بذهول: "كيف تعرفين كل هذه التفاصيل؟ أنا لا أرى سوى سيف صدئ!"
ردت غيم بضحكة رنانة: "لأنكِ تنظرين بعين الموضة، وأنا أنظر بعين 'التاريخ'! الموضة تتبدل يا عزيزتي، لكن هذا السيف سيبقى جميلاً للأبد."
بعد جولة طويلة، انتهى بهما المطاف في مطعم شعبي صغير يطل على النهر. جلست زينة بحرص شديد لئلا تتسخ تنورتها، بينما جلست غيم بعفوية وطلبت "سندويشتين شاورما مع الكثير من الثوم".
"غيم! نحن في وسط المدينة، والثوم سيفسد برستيجنا!" قالت زينة وهي تضحك بيأس.
غيم وهي تأخذ قضمة كبيرة وتمسح طرف صلصة الثوم عن وشاحها البنفسجي بضحكة هبولة: "البرستيج لا يُشبع يا زينة! ثم إن رائحة الثوم هي جزء من تاريخنا العريق، هل نسيتِ؟"
قضت الصديقتان الوقت في الضحك والنقاش؛ زينة تحاول إقناع غيم بتجربة "ماسك" جديد للوجه أو شراء حذاء جديد، وغيم تحاول إقناع زينة بأن الجمال الحقيقي يكمن في الأشياء المكسورة التي يعاد ترميمها.
كانت غيم تملأ المكان حيوية، تحرك يديها بحماس، تروي لزينة نكاتاً عن والدها وجدها، وتتحدث عن أحلامها في العثور على قطعة أثرية نادرة تغير مجرى حياتها. لم يكن هناك مكان للملل أو الحزن، فقط ضحكات غيم التي كانت تجعل كل من في المطعم يلتفت ويبتسم لعفويتها.
انتهى اليوم، وأوصلت غيم زينة إلى منزلها الراقي، وانطلقت بـ "زيتونة" نحو حيها الشعبي وهي تدندن بسعادة، فخورة بوشاحها البنفسجي، وبصديقتها الأنيقة، وبسيارتها التي لم تخذلها اليوم.
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً حين أدارت غيم مفتاح التشغيل في "زيتونة". رغم أن القبو الذي تتخذه ورشةً لا يبعد سوى شارعين، إلا أن غيم كانت تعتبر المسافة القصيرة "مراسم انتقال" من عالم الواقع إلى عالمها الخاص. انطلقت السيارة الأرجوانية، تهتز وتصدر أصواتاً كأنها تستعد لغزوة، بينما كانت غيم تشد وشاحها البنفسجي حول رقبتها بقوة، ونظراتها تلمع خلف زجاج نظاراتها الكبيرة بتركيز غريب.
نزلت غيم الدرجات الإسمنتية للقبو. المكان ضيق، جدرانه صخرية باردة، وتنتشر فيه رائحة "البارافين" الممزوجة برائحة "التنر" القوية. بمجرد أن أضاءت المصابيح المسلطة (LED) فوق طاولة العمل، ظهرت "الضحية" التي تنتظرها اليوم: خوذة حربية برونزية من العصر المملوكي.
الخوذة لم تكن قطعة واحدة، بل كانت أشبه بـ "أحجية" (Puzzle) محطمة لثلاثين قطعة صغيرة، يتآكلها الصدأ الذي حول لونها لمسحوق أخضر باهت، وبدت وكأنها على وشك التفتت لو لمستها يدٌ غشيمة.
"حسناً يا بطلة.. اليوم سنعيد لكِ هيبتكِ،" همست غيم وهي ترتدي مريولها الجلدي الواسع. رفعت نظاراتها الطبية، ووضعت فوقها "منظار الترميم" المزدوج، لتبدو وكأنها جراح أعصاب في غرفة عمليات معقدة.
أمسكت غيم بمشرطٍ دقيق جداً ذي رأسٍ ماسي، وبدأت بأصعب مرحلة: "التنظيف الميكانيكي تحت المجهر". كانت تزيح طبقات التكلس الكلسي شعرة بشعرة. صوت احتكاك المشرط بالمعدن كان الإيقاع الوحيد في القبو الصامت.
(تششش.. تششش..) فجأة، انزلق المشرط ميليمتراً واحداً، فحبست غيم أنفاسها وتوقفت تماماً. تجمدت في مكانها، عيناها متسعتان خلف العدسات، وقلبها يخفق بعنف. لو اخترق المشرط طبقة "الزنجار" الأصلية، لضاع النقش الذهبي المخفي تحتها للأبد.
أخذت نفساً عميقاً من خلف وشاحها البنفسجي، ومسحت عرقاً بارداً ظهر على جبينها. عادت للعمل بصبرٍ أيوبي. بعد ساعات من الكشط الدقيق، بدأت تظهر "آية الكرسي" منقوشة بخط الثلث ومطليّة بالذهب تحت طبقات الصدأ الأخضر. كانت لحظة ساحرة؛ رؤية الذهب يلمع مجدداً بعد مئات السنين من الظلام.
استخدمت غيم "جهاز الموجات فوق الصوتية" لتفتيت الأملاح العالقة في الثنايا، ثم بدأت مرحلة "الربط" باستخدام مادة "الأرالدیت" الشفافة المخلوطة ببودرة البرونز الأصلية. كانت تضع كل قطعة بمكانه بملاقط دقيقة، وتثبتها بـ "مشابك جراحية" حتى تجف. كان القبو يغلي بالتركيز؛ غيم تتنفس ببطء، يداها ثابتتان كالصخر، وعقلها يجمع شتات الخوذة قطعةً قطعة.
عادت غيم في المساء، جسدها متصلب من الجلوس منحنية لساعات، لكن روحها كانت تحلق فوق السحاب. ركنت "زيتونة" ودخلت إلى الصالون الصغير ببيتها. المكان كان دافئاً برائحة الشاي المرمي فيه غصن نعناع.
"أهلاً بمرممة العصور.. هل انتصرتِ في معركتكِ اليوم؟" سأل الجد "أبو غانم" وهو يراقبها من فوق نظارته، بينما كان والدها "أبو أحمد" يقلب صفحات كتاب قديم بجانبه.
ارتمت غيم على السجادة تحت أقدام جدها، وأخرجت هاتفها لتريه صور الخوذة: "انظر يا جدي.. لقد خرج الذهب من تحت التراب! كانت الخوذة تصرخ طلباً للنجاة، وأنا فقط سمعتُ صوتها."
ضحك الأب بفخر: "يا ابنتي، أنتِ تملكين أصابع سحرية، لكن انتبهي لعينيكِ، هذه العدسات المكبرة ستجعل نظركِ أضعف من نظر جدكِ!"
ضحكوا جميعاً، وبدأت غيم تحكي لهما بهبلها المعتاد كيف كادت تسقط في القبو عندما رأت لمعة الذهب لأول مرة، وكيف أنها خاطبت الخوذة كأنها جندي حي. في هذا الصالون الضيق، بكنبته القماشية القديمة، شعرت غيم أنها تملك العالم بأسره.
قبل أن تنام، خرجت غيم لتغطية "زيتونة" بغطاء قماشي لحمايتها من غبار الشارع. التف حولها شباب الحارة المعتادون.
"يا غيم، هل صحيح أنكِ تجدين كنوزاً ذهبية في قبوكِ؟" سألها أحدهم بمزاح.
ردت غيم وهي تغمزهم وترفع وشاحها البنفسجي بفخر: "الذهب الحقيقي في يدي يا شباب، وليس في الأرض! أما زيتونة، فهي أغلى من كل ذهبكم، انظروا كيف تلمع تحت ضوء القمر!"
دخلت غيم غرفتها، والابتسامة لا تفارق وجهها. وضعت وشاحها ونظاراتها جانباً، ونظرت إلى يديها المصبوغتين بسواد الكربون والبرونز. شعرت برضا غريب؛ فهي قد أصلحت شيئاً محطماً اليوم، وهذا كان يكفيها لتنام بعمق.